شـاطئ الغربة/د.علي عقلة عرسان/شعر/الطبعة الثانية

من ليالي الرصيف

- 1 -‏

النار تلهث في شفاه الموقِدِ‏

غذي أوارَ النار ، أعطيها يدي‏

أنا إن حييت اليوم مكلوم الهوى‏

أحيا بذكرى الأمس خوفاً من غدي‏

السحبُ تهرب يا رفيقي من غدٍ‏

هيهات ، أين الأمن من صبح الغدِ ؟!‏

- 2 -‏

ذابت ضلوع الفجر خوفاً من حراب المئذنة‏

وانساب من جرح الشروق أسى فحوَّم حولنا‏

وتطايرت أشلاءُ حبَّات الندى من فوقنا‏

وأنا يُذوِّبني الحنينُ إلى شفاهكَ يا هنا .‏

-3-‏

وتقول لي : " غِرٌ صغيرْ " ؟!‏

أتهينني يا قلب ؟!‏

يا قبر المنى، وقذى الغديرْ ؟!‏

أنا لا أحنُّ إلى الرفاء ، وجَرِّ أثواب الحريرْ‏

شوقي إلى كوخ صغير من قصبْ‏

ليلُمَّ أضلاعي الشريدة في الطريقْ‏

ليصون من وحل الأزقة جبهتي‏

ليقي العيون الناعسات ، من العثور بجثتي ،‏

أنا لا أتوقُ إلى الرَّفاء ، وجَرِّ أثواب الحرير .‏

-4-‏

يا اخوتي ..‏

يا نائمين على الرصيف‏

يا باحثين عن الرغيف‏

الصبح أسفر ، والورود توشّحت بالنُّورِ ..‏

والعطر ارتمى ،عبر الدُّنا ، مزمارَ راعٍ هائم أو " مَيْجَنَا"،‏

دقَّ البيوتَ فأسفرت عن أهلها ؛‏

هيا نواري عارنا‏

هيا إلى كوم يضمُّ رفاتنا‏

كي لا نسئ إلى الصباح بلوننا‏

كي لا نعكِّر صفو إنسانٍ يمرُّ بقربنا !!.‏

***‏

-5-‏

قم يا حسنَ‏

قم يا قتيل بلا كفنْ‏

هذا الرصيف لغيرنا‏

لحذاء " باشا " سوف يمضي من هنا ..‏

من فوقنا ،‏

قم يا رفيق لِجُحْرِنا‏

لمغارة وسط الظلام تضمُّنا‏

نحن الذين نفِرُّ من وهج الشموسِ، وقلبنا يهوى الشموسْ،‏

نحيا بأحياء المجوسْ .‏

" داوِ جراحك يا جريح فلن يفيدك قول : آهْ ..‏

لملم ضلوعك يا طعين الصدر واستجمع قواهْ‏

وارفع جبينك كي ترى وهج الأشعة في الجباهْ‏

لا يظلم النفس الكريمة كالتذلل للحياةْ .."‏

-6-‏

قم يا رفيق فركبنا ، ركب الجياع التائهين على الدروبْ‏

ركب الكآبة والشحوبْ‏

يحبو من الليل البهيم إلى الصباح صدى خطاهْ‏

قم كي نردّ على نداهْ‏

-7-‏

مَرَّت هنيهاتٌ قصيرة،‏

بالكاد تمضي أو تسيرْ ،‏

في ظلها كان الغريرُ يكفكف الدمع المريرْ .‏

هاج الأثيرْ …‏

هامت على جنح النسيم خطا الأميرْ‏

مّرَّ الأميرْ‏

قال الأميرْ :‏

" يا للجياع وركبهم ْ ،‏

تباً لهمْ ،‏

مروا بشارعنا النضيرِ ، ولوَّثوا عطر الأثير بريحهمْ‏

ويحاً لهم .. !!‏

باتوا بجانب بيتنا ..‏

فوق الرخام الأبيض الزاهي ، وشمُّوا زهرنا‏

من قال هذا ؟!‏

من أباح لنارهم أن نستبيحَ رصيفنا‏

أجسادهم ، تلك العجافُ البالياتُ ، تدب بين جموعنا ؟!‏

يا ذلّنا ..‏

هذا زمانٌ ليس ينبئ بالدوام لعزِّنا‏

يأوي المشرَّدُ والكسيحُ بقربنا ؟!‏

إن لم نذبَّ عن الحمى بسيوفنا‏

ساد الجياعُ التائهون على الدروب ، بحيّنا‏

أين الكرامة يا غطاريف البلاد ، بأرضنا ؟! "‏

-8-‏

اسمع أخي ،‏

ثار الشريف لذلةٍ لحقت بأهداب الرصيفْ‏

وأنا تمرّغ جبهتي الأوحال‏

يضنيني المسير بلا رغيفْ‏

من ذا يثور لعزتي وأنا الشقي ؟!‏

يا خالقي ..‏

قلبي الذي صوَّرتهُ‏

كانت له أحلامُهُ‏

ضاعت وما صارت له‏

يتَّمْته ، وحرمتهُ‏

ماذا جنى فلعنتهُ ؟!‏

أنا وابن ذاك القصر جئناها عرايا‏

فاغتنى وأنا الشقي ؟!‏

يا خالقي .. يا خالقي .. يا خالقي !!؟.‏

-9-‏

يا ساكني جحر الظلام مع الهوام ْ‏

يا مبعَدين عن الأنام بلا خيامْ‏

يا مهطعين بلا كلامْ‏

جرح الكرامة لا ينامْ ،‏

والقول لا يشفي النزيفَ ،‏

ولا يحلَّق بالكلام .‏

* * * *‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244