|
من ليالي الرصيف
- 1 -
النار تلهث في شفاه الموقِدِ
غذي أوارَ النار ، أعطيها يدي
أنا إن حييت اليوم مكلوم الهوى
أحيا بذكرى الأمس خوفاً من غدي
السحبُ تهرب يا رفيقي من غدٍ
هيهات ، أين الأمن من صبح الغدِ ؟!
- 2 -
ذابت ضلوع الفجر خوفاً من حراب المئذنة
وانساب من جرح الشروق أسى فحوَّم حولنا
وتطايرت أشلاءُ حبَّات الندى من فوقنا
وأنا يُذوِّبني الحنينُ إلى شفاهكَ يا هنا .
-3-
وتقول لي : " غِرٌ صغيرْ " ؟!
أتهينني يا قلب ؟!
يا قبر المنى، وقذى الغديرْ ؟!
أنا لا أحنُّ إلى الرفاء ، وجَرِّ أثواب الحريرْ
شوقي إلى كوخ صغير من قصبْ
ليلُمَّ أضلاعي الشريدة في الطريقْ
ليصون من وحل الأزقة جبهتي
ليقي العيون الناعسات ، من العثور بجثتي ،
أنا لا أتوقُ إلى الرَّفاء ، وجَرِّ أثواب الحرير .
-4-
يا اخوتي ..
يا نائمين على الرصيف
يا باحثين عن الرغيف
الصبح أسفر ، والورود توشّحت بالنُّورِ ..
والعطر ارتمى ،عبر الدُّنا ، مزمارَ راعٍ هائم أو " مَيْجَنَا"،
دقَّ البيوتَ فأسفرت عن أهلها ؛
هيا نواري عارنا
هيا إلى كوم يضمُّ رفاتنا
كي لا نسئ إلى الصباح بلوننا
كي لا نعكِّر صفو إنسانٍ يمرُّ بقربنا !!.
***
-5-
قم يا حسنَ
قم يا قتيل بلا كفنْ
هذا الرصيف لغيرنا
لحذاء " باشا " سوف يمضي من هنا ..
من فوقنا ،
قم يا رفيق لِجُحْرِنا
لمغارة وسط الظلام تضمُّنا
نحن الذين نفِرُّ من وهج الشموسِ، وقلبنا يهوى الشموسْ،
نحيا بأحياء المجوسْ .
" داوِ جراحك يا جريح فلن يفيدك قول : آهْ ..
لملم ضلوعك يا طعين الصدر واستجمع قواهْ
وارفع جبينك كي ترى وهج الأشعة في الجباهْ
لا يظلم النفس الكريمة كالتذلل للحياةْ .."
-6-
قم يا رفيق فركبنا ، ركب الجياع التائهين على الدروبْ
ركب الكآبة والشحوبْ
يحبو من الليل البهيم إلى الصباح صدى خطاهْ
قم كي نردّ على نداهْ
-7-
مَرَّت هنيهاتٌ قصيرة،
بالكاد تمضي أو تسيرْ ،
في ظلها كان الغريرُ يكفكف الدمع المريرْ .
هاج الأثيرْ …
هامت على جنح النسيم خطا الأميرْ
مّرَّ الأميرْ
قال الأميرْ :
" يا للجياع وركبهم ْ ،
تباً لهمْ ،
مروا بشارعنا النضيرِ ، ولوَّثوا عطر الأثير بريحهمْ
ويحاً لهم .. !!
باتوا بجانب بيتنا ..
فوق الرخام الأبيض الزاهي ، وشمُّوا زهرنا
من قال هذا ؟!
من أباح لنارهم أن نستبيحَ رصيفنا
أجسادهم ، تلك العجافُ البالياتُ ، تدب بين جموعنا ؟!
يا ذلّنا ..
هذا زمانٌ ليس ينبئ بالدوام لعزِّنا
يأوي المشرَّدُ والكسيحُ بقربنا ؟!
إن لم نذبَّ عن الحمى بسيوفنا
ساد الجياعُ التائهون على الدروب ، بحيّنا
أين الكرامة يا غطاريف البلاد ، بأرضنا ؟! "
-8-
اسمع أخي ،
ثار الشريف لذلةٍ لحقت بأهداب الرصيفْ
وأنا تمرّغ جبهتي الأوحال
يضنيني المسير بلا رغيفْ
من ذا يثور لعزتي وأنا الشقي ؟!
يا خالقي ..
قلبي الذي صوَّرتهُ
كانت له أحلامُهُ
ضاعت وما صارت له
يتَّمْته ، وحرمتهُ
ماذا جنى فلعنتهُ ؟!
أنا وابن ذاك القصر جئناها عرايا
فاغتنى وأنا الشقي ؟!
يا خالقي .. يا خالقي .. يا خالقي !!؟.
-9-
يا ساكني جحر الظلام مع الهوام ْ
يا مبعَدين عن الأنام بلا خيامْ
يا مهطعين بلا كلامْ
جرح الكرامة لا ينامْ ،
والقول لا يشفي النزيفَ ،
ولا يحلَّق بالكلام .
* * * *
|