شـاطئ الغربة/د.علي عقلة عرسان/شعر/الطبعة الثانية

فارغاً أصبحت

فارغاً أصبحت ، كالعُودةْ‏

أذوي كجذع في الصحارى ، في البوادي السودْ ؛‏

أنا في انبثاق الفجر أصحو ، أنتشي ،‏

أعطي يدي للريح للنسماتْ ،‏

لكنها تَدْمَى ، فلا ريحٌ ولا النسمات من حولي ؛‏

ولا شيء يسرُّ العينَ والخاطر ،‏

هنا لا شيء إلا مدية الجزَّار تدمي الروحْ ،‏

نار القيظ حول القلب لا ترحمْ .‏

أعناق شوك البَرِّ مرفوعةْ ،‏

جُرْدٌ بلا أوراقْ ،‏

عُمْيٌّ بلا أحداقْ ،‏

مثلي أنا أعناق شوك البَرّ.!!‏

****‏

وتطلُّ روحي من مدى الأعماق ، من أسفلْ‏

من جوف ليل أحرقوا في أنفه " الحَرْمَلْ " (1)‏

وتقول لي :‏

" يا حضرة الصامت‏

ما ضرَّ لو تحكي‏

ما ضرَّ لو تنداح من فيك الصموت‏

عبر المدى كلمة ؟!‏

أتخافُ .. تجبُنُ حضرة الصامت ؟!‏

لن تحمل الأنسامُ من فيك الحروف‏

لم يبق في الأصقاع أنسامٌ ، ولا ريحٌ ، ولا آذان ..‏

جدران هذي بعدها جدران ..‏

جدران حتى آخر الأزمان ،‏

جدران هذي من ورا جدران … " !!؟.‏

وأظلّ صمتاً لا حباً‏

وأذوب ، أذوي ، أنحني تحت المدى الأصفر ..‏

عوداً بلا أبعاد ،‏

بيتاً بلا أوتادْ ،‏

شوكاً بلا منظرْ ،‏

في مهمة الصحراء منبوذاً بلا معنى .‏

اثنان : وجهٌ في الرصيف ، وآخر في العالم الأخضرْ !؟!‏

وأظل أبحث في المدى عن أحرف تشفي الغليلْ‏

وأعود من قطب الجنوب ،‏

من رحلة ضاعت بها كل الأماني والحروف البيض ،‏

وَيتِخُّ حبلُ القلب من طول السفر ،‏

في عالم اللا شيء‏

فأقولها : " يا أنت يا دودة ..‏

تحيا كما تحيا السوائم في الحُفَرْ .."‏

أحيا كما تحيا السوائم في الحُفَرْ !؟!‏

أَكْلٌ وشربٌ وانتظارٌ للسَّفَرْ ،‏

على جناحي شفرة السكينِ ،‏

أو سيف التعب ،‏

أثوى .. أنام كميِّت مرّت عليه قرون صمتْ ،‏

وأقوم أسعى في الصباح إلى مقاعد أو أماكن ، كلها عندي سواء ،‏

لا ضوء فيها ، لا انتشاءْ ،‏

ويجيء يوم .. ينقضي أيضاً ، وآخر ينقضي ..‏

وأعيد تلك النغمة الكسلى :‏

" أكلٌ وشربٌ وانتظارْ "‏

وأظل أنفث في المدى وهم الدخان بلا دخان ؛‏

كل الأماكن لا ضياء يرودُها ؟!‏

وحدي أرى الظلماء ؟!‏

وحدي كعود فارغ في رغوة الإعصار ، محمول بلا غايةْ؟!‏

وأظل لا أدري !!‏

كل العيون بها بريقْ !!‏

هذي العيون بها بريقْ !!‏

لكنَّها غرقى …‏

تحيا تُرى .. ؟!‏

تحب اليوم والأمس البعيد وترتجي ؟!‏

هل يا ترى الضحكات .. ضحكاتٌ أصيلاتٌ تريح القلب..‏

أم ..؟‏

من يا ترى يدري ؟!‏

هذي العيون مقابرٌ ،‏

بحر العيون مقابر الأسرار ، يا شُطَّارْ‏

هاتوا لنا سراً لنعرف ما يكون .. ومن نكونْ !!.‏

***‏

الشوق مات على الشفاه ،‏

وجنبه مات السؤال إلى مداه .‏

مرّت ذبابات كبارْ،‏

مرّت وذاقت طعم شوق ميّت في ثغري الملويّ كالشوكةْ؛‏

طارت .. ومات البعض .. ماتْ .‏

سماً غدوتَ ، أَميِّت الأشواقْ ؟!!‏

سماً غدوتَ تسم حتى السم ؟!!‏

وتراقَصَت مني الجوارح لحظةً ،‏

ثم انطفأتُ كشمعة في الريحْ .‏

يا صمت ، يا وحدةْ ،‏

يا رغوة الإعصار ، يا شلاَّلْ ،‏

يا نكهة الأخضرْ ،‏

أطفو ، بقايا رغوة الأيام في ذكرى تَلُوبُ على تخوم العمر ، لكن ..‏

رغم كل الداءْ ،‏

أبقى سؤالاً في مدى دوامة الإعياء :‏

من يمنح الجسم الحياة للحظةٍ ؟!‏

من يملأ العود الخفيفْ ؟!‏

من يشعل الشمعةْ ؟!!!‏

* * * *‏

(1) ـ الحرمل نبات لا يؤكل ، له حبوب ، ويُدخَّن به لإخراج الأفاعي من جحورها .‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244