|
فارغاً أصبحت
فارغاً أصبحت ، كالعُودةْ
أذوي كجذع في الصحارى ، في البوادي السودْ ؛
أنا في انبثاق الفجر أصحو ، أنتشي ،
أعطي يدي للريح للنسماتْ ،
لكنها تَدْمَى ، فلا ريحٌ ولا النسمات من حولي ؛
ولا شيء يسرُّ العينَ والخاطر ،
هنا لا شيء إلا مدية الجزَّار تدمي الروحْ ،
نار القيظ حول القلب لا ترحمْ .
أعناق شوك البَرِّ مرفوعةْ ،
جُرْدٌ بلا أوراقْ ،
عُمْيٌّ بلا أحداقْ ،
مثلي أنا أعناق شوك البَرّ.!!
****
وتطلُّ روحي من مدى الأعماق ، من أسفلْ
من جوف ليل أحرقوا في أنفه " الحَرْمَلْ " (1)
وتقول لي :
" يا حضرة الصامت
ما ضرَّ لو تحكي
ما ضرَّ لو تنداح من فيك الصموت
عبر المدى كلمة ؟!
أتخافُ .. تجبُنُ حضرة الصامت ؟!
لن تحمل الأنسامُ من فيك الحروف
لم يبق في الأصقاع أنسامٌ ، ولا ريحٌ ، ولا آذان ..
جدران هذي بعدها جدران ..
جدران حتى آخر الأزمان ،
جدران هذي من ورا جدران … " !!؟.
وأظلّ صمتاً لا حباً
وأذوب ، أذوي ، أنحني تحت المدى الأصفر ..
عوداً بلا أبعاد ،
بيتاً بلا أوتادْ ،
شوكاً بلا منظرْ ،
في مهمة الصحراء منبوذاً بلا معنى .
اثنان : وجهٌ في الرصيف ، وآخر في العالم الأخضرْ !؟!
وأظل أبحث في المدى عن أحرف تشفي الغليلْ
وأعود من قطب الجنوب ،
من رحلة ضاعت بها كل الأماني والحروف البيض ،
وَيتِخُّ حبلُ القلب من طول السفر ،
في عالم اللا شيء
فأقولها : " يا أنت يا دودة ..
تحيا كما تحيا السوائم في الحُفَرْ .."
أحيا كما تحيا السوائم في الحُفَرْ !؟!
أَكْلٌ وشربٌ وانتظارٌ للسَّفَرْ ،
على جناحي شفرة السكينِ ،
أو سيف التعب ،
أثوى .. أنام كميِّت مرّت عليه قرون صمتْ ،
وأقوم أسعى في الصباح إلى مقاعد أو أماكن ، كلها عندي سواء ،
لا ضوء فيها ، لا انتشاءْ ،
ويجيء يوم .. ينقضي أيضاً ، وآخر ينقضي ..
وأعيد تلك النغمة الكسلى :
" أكلٌ وشربٌ وانتظارْ "
وأظل أنفث في المدى وهم الدخان بلا دخان ؛
كل الأماكن لا ضياء يرودُها ؟!
وحدي أرى الظلماء ؟!
وحدي كعود فارغ في رغوة الإعصار ، محمول بلا غايةْ؟!
وأظل لا أدري !!
كل العيون بها بريقْ !!
هذي العيون بها بريقْ !!
لكنَّها غرقى …
تحيا تُرى .. ؟!
تحب اليوم والأمس البعيد وترتجي ؟!
هل يا ترى الضحكات .. ضحكاتٌ أصيلاتٌ تريح القلب..
أم ..؟
من يا ترى يدري ؟!
هذي العيون مقابرٌ ،
بحر العيون مقابر الأسرار ، يا شُطَّارْ
هاتوا لنا سراً لنعرف ما يكون .. ومن نكونْ !!.
***
الشوق مات على الشفاه ،
وجنبه مات السؤال إلى مداه .
مرّت ذبابات كبارْ،
مرّت وذاقت طعم شوق ميّت في ثغري الملويّ كالشوكةْ؛
طارت .. ومات البعض .. ماتْ .
سماً غدوتَ ، أَميِّت الأشواقْ ؟!!
سماً غدوتَ تسم حتى السم ؟!!
وتراقَصَت مني الجوارح لحظةً ،
ثم انطفأتُ كشمعة في الريحْ .
يا صمت ، يا وحدةْ ،
يا رغوة الإعصار ، يا شلاَّلْ ،
يا نكهة الأخضرْ ،
أطفو ، بقايا رغوة الأيام في ذكرى تَلُوبُ على تخوم العمر ، لكن ..
رغم كل الداءْ ،
أبقى سؤالاً في مدى دوامة الإعياء :
من يمنح الجسم الحياة للحظةٍ ؟!
من يملأ العود الخفيفْ ؟!
من يشعل الشمعةْ ؟!!!
* * * *
(1) ـ الحرمل نبات لا يؤكل ، له حبوب ، ويُدخَّن به لإخراج الأفاعي من جحورها .
|