|
صرخة الحياة
الناسك البري أرخى شاله
واستقبل الطلَّ البَرودَ بأذرعٍ حمر الإهابْ
مرت عليه أصابع الفجر النحيل ،
وباركت فيه النضارة والشبابْ
فاخضلَّ طرفُه من أسى
واهتز يرفع للضياء البكر أدعية الهضابْ
شكوى الزهورِ وخضرة الأعشاب والطلل الخرابْ
شكوى الأجنَّة في حشا الأرحام ، في رحم التراب .
قالت حروف نحيبه :
" يا ذا الجلال تباركت كفّاك أوعية النهارْ
جلاَّبة الدفْء المشع براءةً
سلاّبة الليل البهيم لهاثَ أنفاس الضبابْ
يا ذا الجلال تباركت كفّاك كاشفة العذابْ
فزِعت إليك براءة الأشياء - يا ذا الجاه - من صَلَفِ الظلام ،
قاسي المحاجر - يا إله النور - كفاه اكتئابْ
زحفت قواه ..
تصكّ سمع الكون صَلْصَلَةُ العناصر في إطارْ
قانونه التدمير ،
سحْبُ الموت في رئة انتظارْ
إن مسها المجنون ، طفل الليل ، ذابْ
متنا وماتت خضرة الأشياء ، واندلق الضبابْ
ليلاً ، يغشي بردُه كومَ الرماد ،
صرنا وصارت خضرة الأشياء كوماً من رماد .
ربي لقد ذاب الإهاب وراح يهجرني الخضاب ،
جاري الذي كانت له عين ترى حسني ، وما خلفَ السحابْ ،
جاري الذي كانت له أذن تحسّ أناقة الألحان ، إن سمر الغِِوى وحكى عتابْ
جاري الذي كانت له أوتار قلب مرهف الإيقاع ، يحيا الحبَّ ، غابْ ..
أغوته أثداء تدرُّ الصابَ في حلل قشابْ ،
أغوته أظفار الحديد اللاَّمعاتْ .
بالأمس ، عند تفتح الأرحامِ ،
عند ولادة العطر المضيء ، سمعتهُ ،
يشكو إلى رب العذاب من العذابْ ؛
قالت بقايا روحه المسجون في شرك الحديدْ :
" بئس الثواني بت أقضيها على مضض هنا
أزني بكل دقيقة تمضي ، وأرفض ما أريدْ
عمري ابتسامات الرياء تجمعتْ ،
وغثاءُ بحر من فقاقيع الحضارة والصديدْ ،
أبقى ، ولا أرضى البقاء بأرضهمْ ،
وأريد ... لكن يا استحالة ما أريد !؟
من قال أن نَمْضي ، على مضض ، نجرُّ وراءنا قلباً تغضّنه الجراحْ !!؟
خبز الحياة ، عجينة زرقاء نهوى جمعها
ونروح نبذل عند خازنها النواحْ
لكنه إن قدم الخبز الذي نبغي فقد سلب الصداحْ .
يا صاحب الجاه العزيز وخالق الأرض البراحْ
أعطيتني خبز الحضارة والجحيمْ ،
وسلبتني جذل الطفولة والنعيمْ .
أمضيت عمري عاملاً في منجم الفولاذ ، فأراً في الظلامْ،
أحبو على بطني وأمضغ من تراب الأرض كي ألد السلامْ،
حتى تصير الأرض مهد براءةٍ ،
أبني بها عشاً لأطفالي وأفراخ الحمامْ ؛
ليصير روح الريح سيل ندوةٍ ،
من نغمة الشادي وأنفاس الخُزَامْ .
لكنني أصبحت ، يا ذا الجاه ، كماً مهملاً في عالمي ،
أحيا بليل الرعب ، من كفي أخاف ، ولا أنامْ ؛
عمري غدا عبثاً .. حطامْ ،
ورأيت طفلي صامتاً في مهدهِ
شيخاً له ثلج الشتاء ببَرْدِهِ
يرنو إليَّ ، بعينه دمعٌ ، ويخشى قبضتي
و يقول لي :
" لم أجن ذنباً مطلقاً
لم أصنع الفولاذَ
لم أفتح فمي ؛
أنا لا أريد كما تريدْ
أن يرهب الطيرُ الصغيرُ مودَّتي ،
دعني أعش صنو الحمامة في وئامْ
دعني ودع أفراخها الزغبَ النيامْ
دعني ، أنا أبغي السلامة والسلامْ .. " !!! .
ربي متى ينزاح هذا الليل عن صدري وأفعل ما أريدْ ،
ربي متى أرتاح من صلف الحديدْ ،
ربي متى أنشقّ عن صدأ الحضارة والصديدْ !؟
أحيا مع الطفل الذي أهواه في كوخ بعيدْ ،
زوارنا الموجُ الحنون ، وزهرةُ الوادي ، وعصفورٌ شريدْ؛
نحيا مع الأشياء في فوضى الهيولى من جديدْ .
نبني ، وتذروا الريحُ كل بنائنا ،
ونعود نجمعه على نسق جديدْ ؛
خاماتنا : رملٌ وعشبٌ يابسٌ
قشٌ نحيل الجسم من ثغر الغديرْ
نبني كما يبني الحَلُومُ قصورَهُ ،
ونفيق ، نلمحُ عرينا ،
ندري بأنه قد مضى حلُم سعيد .
ماذا ؟! تقول كأنها الفوضى ؟! وما جدوى النظامْ ؟!
دعني مع الفوضى .. أعيش .. مع السلام
دعني أحس طفولةَ الأشياء ، دفء الضوء ، همهمة الظلامْ
دعني أحسّ ولادة الكون الوليدْ ؛
كل العناصر تعرف الميلاد ، تحيا عمرهُ ،
تفنى .. تعود إلى الولادة من جديدْ ،
إلاَّيَ ، شيخ الكونِ ،
تقذف شرها الأشياء في جلدي ،
وأجمع شرها ، أحياهُ ،
أنبغ في الشرور ولا أزيدْ .
مازالت أشعر أن في قلبي صديدْ
طعم المناجم ، والحضارة ، والحديدْ ...
ما زلت أشعر أن في قلبي صديد ." .
لم تثمر الشكوى التي باحت بها روح الشهيدْ ،
مازال ، ذاك الجار ، عبد مبارد الفولاذ ، سيده العنيدْ ،
يمشي ويسحب خلفه ثلج الظلام ،
برودة العدَمِ المخيفْ ،
ريحاً تدمر جوهر الإخصاب في رحم الفصولْ .
لكنني أخشى نذوب ،
تحيلنا كفّاه كوماً بارداً ، رمزاً من العدم السخيفْ ،
أخشى تمرّ على الهضاب نسائم خرقاء لا تدري أغاريد الحفيفْ ،
تمتص نبض الكون ، إشعاع الدُّنا ،
ونصير إعصاراً من الزّبَدِ الرهيفْ !!؟.
أنقذ شذى الأزهار ، يا ذا الجاه ، والكونَ اللطيفْ
أنقذ بذور الخصب ، والأرحامَ ، من جاري العنيدْ .
* * * *
|