شـاطئ الغربة/د.علي عقلة عرسان/شعر/الطبعة الثانية

صرخة الحياة

الناسك البري أرخى شاله‏

واستقبل الطلَّ البَرودَ بأذرعٍ حمر الإهابْ‏

مرت عليه أصابع الفجر النحيل ،‏

وباركت فيه النضارة والشبابْ‏

فاخضلَّ طرفُه من أسى‏

واهتز يرفع للضياء البكر أدعية الهضابْ‏

شكوى الزهورِ وخضرة الأعشاب والطلل الخرابْ‏

شكوى الأجنَّة في حشا الأرحام ، في رحم التراب .‏

قالت حروف نحيبه :‏

" يا ذا الجلال تباركت كفّاك أوعية النهارْ‏

جلاَّبة الدفْء المشع براءةً‏

سلاّبة الليل البهيم لهاثَ أنفاس الضبابْ‏

يا ذا الجلال تباركت كفّاك كاشفة العذابْ‏

فزِعت إليك براءة الأشياء - يا ذا الجاه - من صَلَفِ الظلام ،‏

قاسي المحاجر - يا إله النور - كفاه اكتئابْ‏

زحفت قواه ..‏

تصكّ سمع الكون صَلْصَلَةُ العناصر في إطارْ‏

قانونه التدمير ،‏

سحْبُ الموت في رئة انتظارْ‏

إن مسها المجنون ، طفل الليل ، ذابْ‏

متنا وماتت خضرة الأشياء ، واندلق الضبابْ‏

ليلاً ، يغشي بردُه كومَ الرماد ،‏

صرنا وصارت خضرة الأشياء كوماً من رماد .‏

ربي لقد ذاب الإهاب وراح يهجرني الخضاب ،‏

جاري الذي كانت له عين ترى حسني ، وما خلفَ السحابْ ،‏

جاري الذي كانت له أذن تحسّ أناقة الألحان ، إن سمر الغِِوى وحكى عتابْ‏

جاري الذي كانت له أوتار قلب مرهف الإيقاع ، يحيا الحبَّ ، غابْ ..‏

أغوته أثداء تدرُّ الصابَ في حلل قشابْ ،‏

أغوته أظفار الحديد اللاَّمعاتْ .‏

بالأمس ، عند تفتح الأرحامِ ،‏

عند ولادة العطر المضيء ، سمعتهُ ،‏

يشكو إلى رب العذاب من العذابْ ؛‏

قالت بقايا روحه المسجون في شرك الحديدْ :‏

" بئس الثواني بت أقضيها على مضض هنا‏

أزني بكل دقيقة تمضي ، وأرفض ما أريدْ‏

عمري ابتسامات الرياء تجمعتْ ،‏

وغثاءُ بحر من فقاقيع الحضارة والصديدْ ،‏

أبقى ، ولا أرضى البقاء بأرضهمْ ،‏

وأريد ... لكن يا استحالة ما أريد !؟‏

من قال أن نَمْضي ، على مضض ، نجرُّ وراءنا قلباً تغضّنه الجراحْ !!؟‏

خبز الحياة ، عجينة زرقاء نهوى جمعها‏

ونروح نبذل عند خازنها النواحْ‏

لكنه إن قدم الخبز الذي نبغي فقد سلب الصداحْ .‏

يا صاحب الجاه العزيز وخالق الأرض البراحْ‏

أعطيتني خبز الحضارة والجحيمْ ،‏

وسلبتني جذل الطفولة والنعيمْ .‏

أمضيت عمري عاملاً في منجم الفولاذ ، فأراً في الظلامْ،‏

أحبو على بطني وأمضغ من تراب الأرض كي ألد السلامْ،‏

حتى تصير الأرض مهد براءةٍ ،‏

أبني بها عشاً لأطفالي وأفراخ الحمامْ ؛‏

ليصير روح الريح سيل ندوةٍ ،‏

من نغمة الشادي وأنفاس الخُزَامْ .‏

لكنني أصبحت ، يا ذا الجاه ، كماً مهملاً في عالمي ،‏

أحيا بليل الرعب ، من كفي أخاف ، ولا أنامْ ؛‏

عمري غدا عبثاً .. حطامْ ،‏

ورأيت طفلي صامتاً في مهدهِ‏

شيخاً له ثلج الشتاء ببَرْدِهِ‏

يرنو إليَّ ، بعينه دمعٌ ، ويخشى قبضتي‏

و يقول لي :‏

" لم أجن ذنباً مطلقاً‏

لم أصنع الفولاذَ‏

لم أفتح فمي ؛‏

أنا لا أريد كما تريدْ‏

أن يرهب الطيرُ الصغيرُ مودَّتي ،‏

دعني أعش صنو الحمامة في وئامْ‏

دعني ودع أفراخها الزغبَ النيامْ‏

دعني ، أنا أبغي السلامة والسلامْ .. " !!! .‏

ربي متى ينزاح هذا الليل عن صدري وأفعل ما أريدْ ،‏

ربي متى أرتاح من صلف الحديدْ ،‏

ربي متى أنشقّ عن صدأ الحضارة والصديدْ !؟‏

أحيا مع الطفل الذي أهواه في كوخ بعيدْ ،‏

زوارنا الموجُ الحنون ، وزهرةُ الوادي ، وعصفورٌ شريدْ؛‏

نحيا مع الأشياء في فوضى الهيولى من جديدْ .‏

نبني ، وتذروا الريحُ كل بنائنا ،‏

ونعود نجمعه على نسق جديدْ ؛‏

خاماتنا : رملٌ وعشبٌ يابسٌ‏

قشٌ نحيل الجسم من ثغر الغديرْ‏

نبني كما يبني الحَلُومُ قصورَهُ ،‏

ونفيق ، نلمحُ عرينا ،‏

ندري بأنه قد مضى حلُم سعيد .‏

ماذا ؟! تقول كأنها الفوضى ؟! وما جدوى النظامْ ؟!‏

دعني مع الفوضى .. أعيش .. مع السلام‏

دعني أحس طفولةَ الأشياء ، دفء الضوء ، همهمة الظلامْ‏

دعني أحسّ ولادة الكون الوليدْ ؛‏

كل العناصر تعرف الميلاد ، تحيا عمرهُ ،‏

تفنى .. تعود إلى الولادة من جديدْ ،‏

إلاَّيَ ، شيخ الكونِ ،‏

تقذف شرها الأشياء في جلدي ،‏

وأجمع شرها ، أحياهُ ،‏

أنبغ في الشرور ولا أزيدْ .‏

مازالت أشعر أن في قلبي صديدْ‏

طعم المناجم ، والحضارة ، والحديدْ ...‏

ما زلت أشعر أن في قلبي صديد ." .‏

لم تثمر الشكوى التي باحت بها روح الشهيدْ ،‏

مازال ، ذاك الجار ، عبد مبارد الفولاذ ، سيده العنيدْ ،‏

يمشي ويسحب خلفه ثلج الظلام ،‏

برودة العدَمِ المخيفْ ،‏

ريحاً تدمر جوهر الإخصاب في رحم الفصولْ .‏

لكنني أخشى نذوب ،‏

تحيلنا كفّاه كوماً بارداً ، رمزاً من العدم السخيفْ ،‏

أخشى تمرّ على الهضاب نسائم خرقاء لا تدري أغاريد الحفيفْ ،‏

تمتص نبض الكون ، إشعاع الدُّنا ،‏

ونصير إعصاراً من الزّبَدِ الرهيفْ !!؟.‏

أنقذ شذى الأزهار ، يا ذا الجاه ، والكونَ اللطيفْ‏

أنقذ بذور الخصب ، والأرحامَ ، من جاري العنيدْ .‏

* * * *‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244