|
عَودة
أنا عودةْ
فتى من هذه الأرياف أفني العمر في التعبِ
كما أفناه من قبلي بها الفتيان من حقبِ
ترابُ الأرض يطويني كما تطوي ذراع الأم أطفالاً بحنيِّةْ،
وقلبُ الأرض يعطيني ،
وأشعر أن حب الأرض في كبدي
ويدفعني لأحيا العمر أغنيةْ
برغم النار في كبدي ؛
فحُبُّ الأرض موروثٌ ، وينبع من عطاء الأرض للجسدِ؛
وأعطتنا شعاب الأرض أن نحيا ،
وأعطتنا بلا حصر ولا عددِ .
وأشعر أنني لمَّا .. أقدِّم للترابِ دمي ،
أعيد لأرضنا المعطاء بعض الحق والعشمِ .
أنا فلاح يا سادة
أقدِّم للتراب دمي بلا مِنَّةْ
ومن تعبي يصير العشب أحمالا من التبرِ
ويخضرُّ المدى الأصفر ،
ومن تعبي يشيد الناس في بلديْ
قصورَ العزِّ بالمرمرْ
ومن تعبي تغذّي الغيدُ في وطني
لهاثَ الريح بالعنبرْ
ومن تعبي يقام السد في الطبقةْ
ومن تعبي ..
ومن تعبي …
أبي غذَّى بني عثمان بالأموال والأثمار والسكَّرْ
وجر النير والمحراث ، واستاف التراب مدى ،
وضحى ... عمرَه ضحَّى ..
وكان كبعض من ضحَّى
ومات أبوه مذبوحاً ، دفاعا عن " جَنَقْ قَلْعةْ " ،
ولا تعنيه في شيء ولم يُسألْ .
ومن تعبي تغذى الأشقر الغربي في وطني ،
وأعلى للظلام يداً ،
ودق السيف في جسدي ،
وألبسني ثياب الذل أعواماً ، وأعواما ..
وكان القصد أن أركعْ .
ومر العام بعد العام لم أركعْ ،
وقدمت الحقول الخضر والأبناء والمهجةْ
لأدفع طَمْعَه تُدفعْ ،
ولم أركعْ .
وزال الأشقرُ الغربي عن بلدي
فصحت : الشمس في كبدي
وفجَّرت البحار ندى
وقلب الصخر زخّات من البردِ
وأنتجت الحقولَ الخضرَ ألواناً من الرَغَدِ .
بنيت الدار للحكام والتجار والسَّاسةْ
فصار الكل تجاراً ونخَّاسة
ومن تعبي بنوا بيتا .. بأحلى الأرض .. من تعبي
وصار الكل تجاري ،
من التجار للحكام للحارس .
أنا وحدي هنا السلعة
أنا المستهلك المسكين والسلعةْ
وكل الناس تجاري !؟!
وحارت كل أفكاري
أفي داري ، أذوق الغربة النكراء .. في داري ؟!
وأحيا سلعة تُشْرى بأموالي ، ولا أشبع !!
عجيب شرع من يقضي ومن يشرع ،
عجيب كل ما يجري وما يُسْمَع !!
أفي داري ، ومن تعبي ، وصنع يدي ،
أحرِّك هذه الأصنام .. أنفخُها
وأدفعها لأن تحيا .. ومن تعبي ،
فتحكمني ..وتقتلني .. ولا أشبع ؟!
عجيب شرع من يقضي ومن يشرع ،
عجيب كل ما يجري وما يُسْمَع ؟!
بظل عجائب الأيام يا سادةْ
بنيت الدر للحكام والتجار والسَّاسةْ
غرست الجذر في أرضي ،
وعشت كبعض من عاشوا ،
برغم الجوع والقهر .
بقينا في حوارينا
نلطِّخ جبهة الأيام والحكام بالشكوى ،
ونزرع جرحَنا المفتوح في الذِّكرى ،
ونذوي ... مثلما تذوي ،
زهور البر في الشمسِ ،
من اليأسِ ،
ولكن ..
دون أن نركعْ .
بقينا في حوارينا
كومض النور في الظلمةْ ،
نضحي .. نصنع الرحمةْ ،
نُمِدُّ الأرضَ بالتعبِ ،
بفيض العمر .. جهد العمر ... باللهبِ ،
ونغدو من حنايا الأرض ..، جزءاً في خلاياها
وننسج من عطاياها
ضحى بكراً .. رغيفاً .. بسمةَ العمرِ ،
ونصبر غابة الصبرِ ،
ولا نركع .
وجاءتنا سنونٌ أمْحَلَتْ فيها
شعابُ الأرض والقلبِ ،
وماتت خضرة الدنيا .. وما متنا
" قضاء الله في خلقه " !!
فعذراً .. غاية العذرِ ،
من الحكام والتجار والسَّاسةْ ،
فما متنا …
لنا كأس بهذا العالم الفاني سنشربها ،
ونمضي العمر في الأسرِ ،
على صبر كما الصبرِ ،
نرتق جرحنا المفتوح بالأشواك والصوان والإبرةْ ،
وننقش جبهة الذكرى ،
بوشم طيلة العمرِ ،
لتروي أننا عشنا ،
برغم الجوع والقهرِ ،
ولم نركع .
بقينا في حوارينا
كومض النور في الظلمةْ ،
نضحِّي .. نصنع الرحمةْ ..
نعم عشنا .. ولم نركع ..
أنا الفلاح لم أركع ،
أنا يا دارنا السوداء ..يا آكام .. يا محراث ..يا منجل ،
أنا يا ثورَنا المسكين ..يا حقلي .. ويا تعبي ..
ويا دوَّامة الذكرى ،
أنا الفلاح ، رغم إرادة الحكام والتجار والسَّاسة ،
أنا الفلاح لم أركع .
وضعت الملح في جرحي ..
وسرت الدرب من سفح إلى سفحِ ،
وعيني ترمق الآتي ..
كعين الصقر كانت ترقب الآتي ؛
وعلمت الصغير الحرفَ ، يا ما كلَّف الحرفُ ..
دفعت اللقمةَ .. اللقمةْ ..
وضوءَ العمر .. والبسمةْ ،
لكي يقرأ .
وفكَّ الحرفَ .. قال الشعر .. والخطبةْ ،
وغنى صوتُه الممراحُ ألحاناً كألحاني ،
وقال اسمي ،
وغنى اليوم بعد اليوم آلامي ،
وطالب باسم أتعابي وأحلامي ،
بأن تبنى اشتراكية ،
وناداني ، وقال : انهض
تعال ابني ..معاً نبني ،
صروح العدل والإنصاف .. نبني الاشتراكية .
تركت الأرض من قهري ..
وجئت مدينة العمرِ
ونصبت الفتى مروان مسؤولاً ،
ليصنع معجز الأمرِ ،
ليحفظ حرمة الإنسانِ .. يبني الاشتراكية ،
لينصفني ، ليُشْبِعَني .. ومن تعبي ؟!.
ومرَّ اليومُ بعد اليوم لم أشبعْ ،
وكانت زوجتي جنبي .. مدى الأيام تسألني :
" أيا عودة مضى عمري ولم نحصل على غرفة ،
متى نرتاح يا عودة ؟!
عملْنا أربعين سنةْ ،
بعز القيظ والبردِ ،
ألا يكفي ؟!
متى نرتاح يا عودة ؟!؟
وراحت دمعها في الحلق لا يشفى لها غُلَّةْ ،
تجرُّ عذابها، دهراً ، وتعمل دون أن تشبعْ ،
أجل تذوي ولا تشبعْ ؛
وكنا كلنا نذوي ولا نشبعْ .
وناشدَنا الفتى مروان أن نبني له سجنا ،
" فصرح العدل لا يبنى
إذا لم نفتتح سجناً " !؟!
بنينا سجننا العالي ...
وصار العاثرُ المظلوم سجَّاناً ..
وصدقا .. لا أراك الله مظلوماً
إذا ما أصبح المظلوم سجَّانا -
وضاق السجن بالشكوى ،
تصدع قلبه الحجرُ .
وضاقت زوجتي بالسجن قالت :
"إننا بشر
إذا بُنِيتْ سجون الحكم من حجرٍ ،
فهل تبني صروح العدل من بشر ؟!
أيا عودة ألا تفهم ؟
متى أصبحت سجَّاناً ؟!
وهل تبني بظل السجن حرية ؟ وعدلاً واشتراكيةْ!؟
أيا عودة .. أيّا عودةْ ؟!
تذكر أننا جئنا لنحمي حرمة الإنسان نبني الاشتراكية،
تذكر أننا كنا نجرَّعُ من كؤوس الظلم .. نحيا في العبوديةْ
ألا تذكر ؟؟!
وتعرف أننا اعتدنا على الشمسِ ،
ولم نعتد على أن نحمل الكرباج أو مفتاح زنزانةْ .
لأهون أن يكون المرء مظلوماً ،
وفي سجن كهذا السجن ، من أن يصبح الإنسان سجَّانا"!!.
وساءلت الفتى مروان :
يا مروان مالقصَّةْ ؟!
تكلم زينةُ الخُطَبَا
وسال بيانه نهراً
يغني حزني اللَّجبا
" أنا بالله يا إخوان ..
فتى لم أعرف الدنيا ،
أبي ضحَّى وعلَّمني ،
وكان يجوع كي أشبعْ ،
ولم أعمل بحرث الأرضِ ، لم أحصدْ ، ولم أزرعْ ؛
أبي المسكين أطعمني ، وعلَّمني .. وأشبعني ولم يشبعْ .
ولمَّا فتّحَتْ عيني ،
وجدت الظلم ينحرُنا بلا رحمة ،
فلاجت دمعتي في العين من قهري ،
لأن الناس من حولي ،
كأشجارٍ تشقُّ الأرض ، تعصرها ،
تحول خصبها ثمرا ،
تقدمه لمن يأخذْ ؛
وتبقى لاويات العود ، تعطي دون أن تأخذ .
فقد كنا نهاب القادر الغازي ،
وتدفع عمرنا المنكود عيديَّة ،
لبنت " البيك " و " الباشا " ،
ولا نشبعْ .
وضقنا كلُّنا بالأمر ... ضاقَ الصبر إذ نصبرْ !!.
تركت الأرض من قهري ، كمن تركوا .. وجئت مدينة العمرِ ،
لأصنع معجز الأمرِ ،
لأحفظ حرمة الإنسانِ ، أبني الاشتراكية .
ولكني مع الأيام يا إخوان ، " كلام لا أَزِالُّ به " ،
لمست الفروَ والمخملْ ،
وذقت الخمر والسيجار ، والعنبرْ ،
وصارت راحتي ملساء كالمرمرْ ،
وصار الأمر في عينيَّ ألهيَّةْ ،
نشوى ، كلها نشوى أقضّيها بحريةْ ؛
وطافت رغبتي في السوق : من نهدٍ ، إلى نهدٍ ، إلى ..
شفة ، إلى خمارة الحارةْ ،
إلى سيارة تطوي،
شراع الوجد والبعدِ ،
بلا جهدِ ،
إلى الدولار ، فالأعمار .. فالمجدِ ؛
وذابت شوكة الماضي ،
يذوب الشوق والرغبةْ ،
وغاب الحزن والرهبةْ ،
ودمع الطفلة الخرساء ، والعاجزْ ،
وأشجارٌ تمد القصر بالثمرِ ،
وأوحالُ الدروب السود ، والمسَّاسُ ، والغَّبَرَةْ ،
ليالي البؤس ، طعم الفقر والعلقمْ ؛
تواري كل ماضينا ،
بثغر الحلوة الشقراء والخمرةْ ،
بصوت ساحر يشدو توالي الليل في دُمَّرْ .
وعذري أنني بشر .. وأن الحب في قلبي ، وأنَّ وأنَّ ...
وأنَّ وأنَّ .. وأنَّ وأنَّ … " …
وحدَّثني الفتى مروان حدَّثني ،
وأرهقني ولم أفهمْ ..
وعذري أنني فلاح يا سادةْ ،
وعذري أنني فلاح .. لا أسطيع أن أفهم :
لماذا يصبح الإنسان ابن الأرض ، ابن الفقر والعلقم
لماذا يصبح الإنسان دجالاً ؟؟
ولا يخجلْ !!؟.
* * * *
|