شـاطئ الغربة/د.علي عقلة عرسان/شعر/الطبعة الثانية

عَودة

أنا عودةْ‏

فتى من هذه الأرياف أفني العمر في التعبِ‏

كما أفناه من قبلي بها الفتيان من حقبِ‏

ترابُ الأرض يطويني كما تطوي ذراع الأم أطفالاً بحنيِّةْ،‏

وقلبُ الأرض يعطيني ،‏

وأشعر أن حب الأرض في كبدي‏

ويدفعني لأحيا العمر أغنيةْ‏

برغم النار في كبدي ؛‏

فحُبُّ الأرض موروثٌ ، وينبع من عطاء الأرض للجسدِ؛‏

وأعطتنا شعاب الأرض أن نحيا ،‏

وأعطتنا بلا حصر ولا عددِ .‏

وأشعر أنني لمَّا .. أقدِّم للترابِ دمي ،‏

أعيد لأرضنا المعطاء بعض الحق والعشمِ .‏

أنا فلاح يا سادة‏

أقدِّم للتراب دمي بلا مِنَّةْ‏

ومن تعبي يصير العشب أحمالا من التبرِ‏

ويخضرُّ المدى الأصفر ،‏

ومن تعبي يشيد الناس في بلديْ‏

قصورَ العزِّ بالمرمرْ‏

ومن تعبي تغذّي الغيدُ في وطني‏

لهاثَ الريح بالعنبرْ‏

ومن تعبي يقام السد في الطبقةْ‏

ومن تعبي ..‏

ومن تعبي …‏

أبي غذَّى بني عثمان بالأموال والأثمار والسكَّرْ‏

وجر النير والمحراث ، واستاف التراب مدى ،‏

وضحى ... عمرَه ضحَّى ..‏

وكان كبعض من ضحَّى‏

ومات أبوه مذبوحاً ، دفاعا عن " جَنَقْ قَلْعةْ " ،‏

ولا تعنيه في شيء ولم يُسألْ .‏

ومن تعبي تغذى الأشقر الغربي في وطني ،‏

وأعلى للظلام يداً ،‏

ودق السيف في جسدي ،‏

وألبسني ثياب الذل أعواماً ، وأعواما ..‏

وكان القصد أن أركعْ .‏

ومر العام بعد العام لم أركعْ ،‏

وقدمت الحقول الخضر والأبناء والمهجةْ‏

لأدفع طَمْعَه تُدفعْ ،‏

ولم أركعْ .‏

وزال الأشقرُ الغربي عن بلدي‏

فصحت : الشمس في كبدي‏

وفجَّرت البحار ندى‏

وقلب الصخر زخّات من البردِ‏

وأنتجت الحقولَ الخضرَ ألواناً من الرَغَدِ .‏

بنيت الدار للحكام والتجار والسَّاسةْ‏

فصار الكل تجاراً ونخَّاسة‏

ومن تعبي بنوا بيتا .. بأحلى الأرض .. من تعبي‏

وصار الكل تجاري ،‏

من التجار للحكام للحارس .‏

أنا وحدي هنا السلعة‏

أنا المستهلك المسكين والسلعةْ‏

وكل الناس تجاري !؟!‏

وحارت كل أفكاري‏

أفي داري ، أذوق الغربة النكراء .. في داري ؟!‏

وأحيا سلعة تُشْرى بأموالي ، ولا أشبع !!‏

عجيب شرع من يقضي ومن يشرع ،‏

عجيب كل ما يجري وما يُسْمَع !!‏

أفي داري ، ومن تعبي ، وصنع يدي ،‏

أحرِّك هذه الأصنام .. أنفخُها‏

وأدفعها لأن تحيا .. ومن تعبي ،‏

فتحكمني ..وتقتلني .. ولا أشبع ؟!‏

عجيب شرع من يقضي ومن يشرع ،‏

عجيب كل ما يجري وما يُسْمَع ؟!‏

بظل عجائب الأيام يا سادةْ‏

بنيت الدر للحكام والتجار والسَّاسةْ‏

غرست الجذر في أرضي ،‏

وعشت كبعض من عاشوا ،‏

برغم الجوع والقهر .‏

بقينا في حوارينا‏

نلطِّخ جبهة الأيام والحكام بالشكوى ،‏

ونزرع جرحَنا المفتوح في الذِّكرى ،‏

ونذوي ... مثلما تذوي ،‏

زهور البر في الشمسِ ،‏

من اليأسِ ،‏

ولكن ..‏

دون أن نركعْ .‏

بقينا في حوارينا‏

كومض النور في الظلمةْ ،‏

نضحي .. نصنع الرحمةْ ،‏

نُمِدُّ الأرضَ بالتعبِ ،‏

بفيض العمر .. جهد العمر ... باللهبِ ،‏

ونغدو من حنايا الأرض ..، جزءاً في خلاياها‏

وننسج من عطاياها‏

ضحى بكراً .. رغيفاً .. بسمةَ العمرِ ،‏

ونصبر غابة الصبرِ ،‏

ولا نركع .‏

وجاءتنا سنونٌ أمْحَلَتْ فيها‏

شعابُ الأرض والقلبِ ،‏

وماتت خضرة الدنيا .. وما متنا‏

" قضاء الله في خلقه " !!‏

فعذراً .. غاية العذرِ ،‏

من الحكام والتجار والسَّاسةْ ،‏

فما متنا …‏

لنا كأس بهذا العالم الفاني سنشربها ،‏

ونمضي العمر في الأسرِ ،‏

على صبر كما الصبرِ ،‏

نرتق جرحنا المفتوح بالأشواك والصوان والإبرةْ ،‏

وننقش جبهة الذكرى ،‏

بوشم طيلة العمرِ ،‏

لتروي أننا عشنا ،‏

برغم الجوع والقهرِ ،‏

ولم نركع .‏

بقينا في حوارينا‏

كومض النور في الظلمةْ ،‏

نضحِّي .. نصنع الرحمةْ ..‏

نعم عشنا .. ولم نركع ..‏

أنا الفلاح لم أركع ،‏

أنا يا دارنا السوداء ..يا آكام .. يا محراث ..يا منجل ،‏

أنا يا ثورَنا المسكين ..يا حقلي .. ويا تعبي ..‏

ويا دوَّامة الذكرى ،‏

أنا الفلاح ، رغم إرادة الحكام والتجار والسَّاسة ،‏

أنا الفلاح لم أركع .‏

وضعت الملح في جرحي ..‏

وسرت الدرب من سفح إلى سفحِ ،‏

وعيني ترمق الآتي ..‏

كعين الصقر كانت ترقب الآتي ؛‏

وعلمت الصغير الحرفَ ، يا ما كلَّف الحرفُ ..‏

دفعت اللقمةَ .. اللقمةْ ..‏

وضوءَ العمر .. والبسمةْ ،‏

لكي يقرأ .‏

وفكَّ الحرفَ .. قال الشعر .. والخطبةْ ،‏

وغنى صوتُه الممراحُ ألحاناً كألحاني ،‏

وقال اسمي ،‏

وغنى اليوم بعد اليوم آلامي ،‏

وطالب باسم أتعابي وأحلامي ،‏

بأن تبنى اشتراكية ،‏

وناداني ، وقال : انهض‏

تعال ابني ..معاً نبني ،‏

صروح العدل والإنصاف .. نبني الاشتراكية .‏

تركت الأرض من قهري ..‏

وجئت مدينة العمرِ‏

ونصبت الفتى مروان مسؤولاً ،‏

ليصنع معجز الأمرِ ،‏

ليحفظ حرمة الإنسانِ .. يبني الاشتراكية ،‏

لينصفني ، ليُشْبِعَني .. ومن تعبي ؟!.‏

ومرَّ اليومُ بعد اليوم لم أشبعْ ،‏

وكانت زوجتي جنبي .. مدى الأيام تسألني :‏

" أيا عودة مضى عمري ولم نحصل على غرفة ،‏

متى نرتاح يا عودة ؟!‏

عملْنا أربعين سنةْ ،‏

بعز القيظ والبردِ ،‏

ألا يكفي ؟!‏

متى نرتاح يا عودة ؟!؟‏

وراحت دمعها في الحلق لا يشفى لها غُلَّةْ ،‏

تجرُّ عذابها، دهراً ، وتعمل دون أن تشبعْ ،‏

أجل تذوي ولا تشبعْ ؛‏

وكنا كلنا نذوي ولا نشبعْ .‏

وناشدَنا الفتى مروان أن نبني له سجنا ،‏

" فصرح العدل لا يبنى‏

إذا لم نفتتح سجناً " !؟!‏

بنينا سجننا العالي ...‏

وصار العاثرُ المظلوم سجَّاناً ..‏

وصدقا .. لا أراك الله مظلوماً‏

إذا ما أصبح المظلوم سجَّانا -‏

وضاق السجن بالشكوى ،‏

تصدع قلبه الحجرُ .‏

وضاقت زوجتي بالسجن قالت :‏

"إننا بشر‏

إذا بُنِيتْ سجون الحكم من حجرٍ ،‏

فهل تبني صروح العدل من بشر ؟!‏

أيا عودة ألا تفهم ؟‏

متى أصبحت سجَّاناً ؟‍‍!‏

وهل تبني بظل السجن حرية ؟ وعدلاً واشتراكيةْ!؟‏

أيا عودة .. أيّا عودةْ ؟!‏

تذكر أننا جئنا لنحمي حرمة الإنسان نبني الاشتراكية،‏

تذكر أننا كنا نجرَّعُ من كؤوس الظلم .. نحيا في العبوديةْ‏

ألا تذكر ؟؟!‏

وتعرف أننا اعتدنا على الشمسِ ،‏

ولم نعتد على أن نحمل الكرباج أو مفتاح زنزانةْ .‏

لأهون أن يكون المرء مظلوماً ،‏

وفي سجن كهذا السجن ، من أن يصبح الإنسان سجَّانا"!!.‏

وساءلت الفتى مروان :‏

يا مروان مالقصَّةْ ؟!‏

تكلم زينةُ الخُطَبَا‏

وسال بيانه نهراً‏

يغني حزني اللَّجبا‏

" أنا بالله يا إخوان ..‏

فتى لم أعرف الدنيا ،‏

أبي ضحَّى وعلَّمني ،‏

وكان يجوع كي أشبعْ ،‏

ولم أعمل بحرث الأرضِ ، لم أحصدْ ، ولم أزرعْ ؛‏

أبي المسكين أطعمني ، وعلَّمني .. وأشبعني ولم يشبعْ .‏

ولمَّا فتّحَتْ عيني ،‏

وجدت الظلم ينحرُنا بلا رحمة ،‏

فلاجت دمعتي في العين من قهري ،‏

لأن الناس من حولي ،‏

كأشجارٍ تشقُّ الأرض ، تعصرها ،‏

تحول خصبها ثمرا ،‏

تقدمه لمن يأخذْ ؛‏

وتبقى لاويات العود ، تعطي دون أن تأخذ .‏

فقد كنا نهاب القادر الغازي ،‏

وتدفع عمرنا المنكود عيديَّة ،‏

لبنت " البيك " و " الباشا " ،‏

ولا نشبعْ .‏

وضقنا كلُّنا بالأمر ... ضاقَ الصبر إذ نصبرْ !!.‏

تركت الأرض من قهري ، كمن تركوا .. وجئت مدينة العمرِ ،‏

لأصنع معجز الأمرِ ،‏

لأحفظ حرمة الإنسانِ ، أبني الاشتراكية .‏

ولكني مع الأيام يا إخوان ، " كلام لا أَزِالُّ به " ،‏

لمست الفروَ والمخملْ ،‏

وذقت الخمر والسيجار ، والعنبرْ ،‏

وصارت راحتي ملساء كالمرمرْ ،‏

وصار الأمر في عينيَّ ألهيَّةْ ،‏

نشوى ، كلها نشوى أقضّيها بحريةْ ؛‏

وطافت رغبتي في السوق : من نهدٍ ، إلى نهدٍ ، إلى ..‏

شفة ، إلى خمارة الحارةْ ،‏

إلى سيارة تطوي،‏

شراع الوجد والبعدِ ،‏

بلا جهدِ ،‏

إلى الدولار ، فالأعمار .. فالمجدِ ؛‏

وذابت شوكة الماضي ،‏

يذوب الشوق والرغبةْ ،‏

وغاب الحزن والرهبةْ ،‏

ودمع الطفلة الخرساء ، والعاجزْ ،‏

وأشجارٌ تمد القصر بالثمرِ ،‏

وأوحالُ الدروب السود ، والمسَّاسُ ، والغَّبَرَةْ ،‏

ليالي البؤس ، طعم الفقر والعلقمْ ؛‏

تواري كل ماضينا ،‏

بثغر الحلوة الشقراء والخمرةْ ،‏

بصوت ساحر يشدو توالي الليل في دُمَّرْ .‏

وعذري أنني بشر .. وأن الحب في قلبي ، وأنَّ وأنَّ ...‏

وأنَّ وأنَّ .. وأنَّ وأنَّ … " …‏

وحدَّثني الفتى مروان حدَّثني ،‏

وأرهقني ولم أفهمْ ..‏

وعذري أنني فلاح يا سادةْ ،‏

وعذري أنني فلاح .. لا أسطيع أن أفهم :‏

لماذا يصبح الإنسان ابن الأرض ، ابن الفقر والعلقم‏

لماذا يصبح الإنسان دجالاً ؟؟‏

ولا يخجلْ !!؟.‏

* * * *‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244