شـاطئ الغربة/د.علي عقلة عرسان/شعر/الطبعة الثانية

أغنية العيد

الحرف الأخضرُ غادرني في صبح العيد ، كليلَ الطرْف،‏

وراح يهيم بعيداً عن دنيا الأحياءْ .‏

ووجدت أمامي عنقوداً من حَشَفِ القولْ‏

وأنا في العيد شديد الحاجة للأقوالْ‏

فالكلمة في العيد بشارةْ‏

والكلمة في العيد ستارةْ‏

والحرف الأخضر ثوب العيد ، ونور العيدْ‏

يزف البسمة للظلماتْ ،‏

ويشرع باباً نحو الآت‏

لكني يا أصحاب القول ، وجدت الكلمة تهجرني ،‏

ولمست بقلبي عقم الحرف ، يباس الموت .‏

أحسست الزحف على عمري يجتاز الباب‏

أخشاباً صارت أحشائي ، وأنا أخشاب ،‏

تُردم من فوقي الأخشاب .‏

صرّخت وأنشبت الأظفار بظل حياة ، غيض حياةْ‏

ومددت بساط العمرِ ، طويت بساط العمر ،‏

أفتش عن أقوال فيها خضرة عمر القول.. مُناهْ ،‏

والقول غذاءٌ للأطفال بليْل العيدْ .‏

تغلي في الحلق ، وفوق الكبد ، شريحة قول أو أكثر ،‏

أحياناً ننْقَعُ في الأفواه قديدَ القولْ .‏

وينام الطفل على الأحلام قرير العينْ ،‏

والأمل الساطع يغذو النارَ‏

وتغلي في الحلق الأقوالْ .‏

لكن الحسْرة تنمو ملء القلبِ ،‏

فيا أحبابْ ...‏

هذي القدرة لن ينظرها ابن الخطَّابْ ..‏

هذي القدرة في صحراء العمر دخانْ‏

وهذي القدرة ...‏

أعفوني من قول فيها يا أصحابْ‏

فعجوز القلب تحدثني ،‏

وتقول :‏

"يباباً يا مسكين ، غدوت بباب العصر يبابْ‏

ما يغني عنك القول .. تقولُ ؟!‏

كسيراً عدت بلا أترابٍ ،‏

في الدنيا أنت البوابْ ،‏

يا مسكين الشرق اللاهي ، في الدنيا أنت البوابْ .."‏

****‏

لملمت حصيري من فوقي‏

أخفيت يباسي تحت يباسْ‏

وهدأت - وفي جوفي ليلٌ - في قلب الليلْ‏

من فوقي نجماتٌ ترعى بستان سحابْ ...‏

أضْمُرُ ....‏

أشعر أني أضْمُرُ عبر الكونْ ..‏

ويزيد ضموراً في قلبي قدْرُ الإنسانْ ..‏

حين أحس فيافي العجز تزيد ذراعاً بعد ذراعْ‏

وتروح تزاحم عزم القدرةِ .. شبراً .... شبرا ،‏

تغزو حتى الحرف الأخضر في الأعماقِ ،‏

وتغزو حتى اللون الــ " يغزل " في الأحداقْ‏

***‏

يا هذا الليل‏

أبلا آفاق أنت اليوم .. بلا آفاق ؟!‏

أنظِرْني يوماً يا ليلي .. هو يوم العيدْ ؟َ‎!‏

وامنحني خضرةَ حرفٍ جفَّ ، لأغذو بالحرف الأطفالْ‏

لا تسرقْ مني حتى فسحةَ أمل كاذبْ ،‏

فأنا أعرف معنى الصبح ومعنى الليلْ‏

***‏

كانت أحلاماَ مرّت بي مثلَ السكِّينْ‏

ومددت ذراعي نحو الله أقول .. أقولُ :‏

"طعينَ القلب غدوتُ‏

أجرُّ صليبي عبر الليلْ‏

أعني يا رب الأربابْ . "‏

مرّت لحظاتٌ ..لا أدري .. هل تحسب لي ؟!‏

أم تحسب يوم الوعد عليّ ؟!‏

ووجدت بكفي بذر أنينْ .‏

لملمت حصيري من فوقيْ‏

أخفيت يباسي تحت يباسْ ..‏

وهدأت قليلاً ، في جوفي ليل كالليلْ ..‏

ناديت : " الغوث .. أغيثوني يا أهل الدارْ‏

صب التجَّار على قلبي سيلاً من نارْ ،‏

صبَّ الفجَّار مع التجَّار على قلبي سيلاً من نارْ !!‏

قالوا : فليحرق ، فليمحق هذا الثرثارْ‏

غذّيت النار ، إلى أن صارت تلك النار ،‏

بباب الكهف الفاغر فاه بوجه النار ، كحُقِّ أنينْ ؛‏

أحسست دبيباً عبر الليل الساهر ذاك‏

أحسست صراخاً .. شيئاً ينمو ..‏

يكبر .. يسمق عبر الكونْ‏

كأن البذر الراقد ينمو في الأعماق ..‏

يكبر ..يصرخ .. عبر الليلْ …‏

النار تلاحق كفي " الفاغرَ فاه " بوجه النارْ ،‏

والليل يقاوم ضوءاً شعَّ من البذرات بحُقِّ أنينْ .‏

لا تنكر جرحك ، لا تنسهْ ، وابذره حقولاً …‏

كي يخضر الكون ، يشيع النور ؟!‏

***‏

قد كان صراخاً يا صحبي في ليل الناسْ ،‏

قد كان صراخاً يا صحبي ، تلقيه تخوم نحو تخومْ ،‏

ويلامس بؤس الناسِ ، يعودُ لهاثاً ، ضعفاً ، يأساً ..‏

لكن لا يفنى يا صحبي .. بل كان يعود ،‏

ويشد حصيري من فوقي ،‏

فيشد يباساً فوق يباسْ ،‏

ويظل بليل العيد رسولاً يغدو مني نحو الفقرِ ،‏

ونحو الأفقر من كنّاس أو مأمور أو سَوَّاسْ ،‏

ويعود يحدِّث قلبي ليلاً …‏

عن بؤسي ، عن بؤس الناسْ ،‏

ويشد حصيري من فوقي ، ليغيب يباسٌ تحت يباسْ‏

***‏

الحرف الأخضر غادرني في صبح العيدْ‏

حرَّكت لساني كي يعطي منقوعَ القول إلى الأطفالِ ...‏

فلم أعثر في جوف الحلق على كلمةْ .‏

حرَّكت القِدْرَةَ كي أغرف من بطن القدرة أقوالاً ،‏

لكن .. يا صحبي غاض القولْ ،‏

ناست شمعة أمل الكلمةْ ،‏

طار الحرف الأخضر ،‏

غادر قفص القلب وراح يهيم بعيداً عن دنيا الأحياء ..‏

ووجدت أمامي عنقوداً من حشف حيْ ،‏

أطفالاً ناموا ليل العيد على الأحلام ،‏

وأفاقت ، فجراً ، في الأحداق ، ظلالُ العيد !.‏

لكن يا صحبي .. ظلَّ القلبُ مقابر سود للضحكاتْ ،‏

وهن نُعوشٌ فوق شفاه تحلم .. تحلُم بالكلمات..‏

وكنت غريباً ..‏

صدقاً يا صحبي ما أقسى ،‏

أن نبدو أغراباً في العيد‏

أغراباً في مقلِ الأطفالْ .‏

***‏

هذا الأب الواجم ..ما هو ؟!‏

صخرٌ .. أم شيء من صخر ؟!‏

لم لا ينطق ، يطلق سيل الضحك الواقف عند الفجر ، بباب العيد ؟!‏

لم لا يطلق شمساً تهصر برد العالم .. وجع العالمْ ؟!‏

لم لا يفرح ، يضحك ، يفتح باب القلب وباب العيد ؟!‏

*****‏

كان الطفل الواجم جنبي مثل شهادةْ‏

ينطق صمتُه ألف خريدةْ ،‏

يعلن باسمي صِغَرَ العالمْ ،‏

يقتل باسمي كلَّ نشيدهْ :‏

"هذا العصر الأسود سُبَّةْ ،‏

هذا الصمت الرادع يقهر قلب الفرحةْ ،‏

يصدر أمر إبادةْ .‏

هذا الأب الصامت : صخراً صار بهذا العصرِ ،‏

تُراه يصير أباً من لحم ، من أحلام ،‏

من ألعابٍ ، من ضحكاتٍ ؟!‏

هذا الأب الجامد …." سد الفُرْجَة "ِ،‏

رمز العصر الأبله هذا ..‏

من جمَّدَه ؟ من أحرقهُ ؟! من صيَّرهُ ،‏

سداً يمنع نهر الفرجة أن يتدفق صبحَ العيد !؟‏

هذا الأب الجامد أضحى .. رمز إدانة ،‏

في هذا العصر الملعون ،‏

في هذا العصر المجنون . " .‏

* * * *‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244