|
أغنية العيد
الحرف الأخضرُ غادرني في صبح العيد ، كليلَ الطرْف،
وراح يهيم بعيداً عن دنيا الأحياءْ .
ووجدت أمامي عنقوداً من حَشَفِ القولْ
وأنا في العيد شديد الحاجة للأقوالْ
فالكلمة في العيد بشارةْ
والكلمة في العيد ستارةْ
والحرف الأخضر ثوب العيد ، ونور العيدْ
يزف البسمة للظلماتْ ،
ويشرع باباً نحو الآت
لكني يا أصحاب القول ، وجدت الكلمة تهجرني ،
ولمست بقلبي عقم الحرف ، يباس الموت .
أحسست الزحف على عمري يجتاز الباب
أخشاباً صارت أحشائي ، وأنا أخشاب ،
تُردم من فوقي الأخشاب .
صرّخت وأنشبت الأظفار بظل حياة ، غيض حياةْ
ومددت بساط العمرِ ، طويت بساط العمر ،
أفتش عن أقوال فيها خضرة عمر القول.. مُناهْ ،
والقول غذاءٌ للأطفال بليْل العيدْ .
تغلي في الحلق ، وفوق الكبد ، شريحة قول أو أكثر ،
أحياناً ننْقَعُ في الأفواه قديدَ القولْ .
وينام الطفل على الأحلام قرير العينْ ،
والأمل الساطع يغذو النارَ
وتغلي في الحلق الأقوالْ .
لكن الحسْرة تنمو ملء القلبِ ،
فيا أحبابْ ...
هذي القدرة لن ينظرها ابن الخطَّابْ ..
هذي القدرة في صحراء العمر دخانْ
وهذي القدرة ...
أعفوني من قول فيها يا أصحابْ
فعجوز القلب تحدثني ،
وتقول :
"يباباً يا مسكين ، غدوت بباب العصر يبابْ
ما يغني عنك القول .. تقولُ ؟!
كسيراً عدت بلا أترابٍ ،
في الدنيا أنت البوابْ ،
يا مسكين الشرق اللاهي ، في الدنيا أنت البوابْ .."
****
لملمت حصيري من فوقي
أخفيت يباسي تحت يباسْ
وهدأت - وفي جوفي ليلٌ - في قلب الليلْ
من فوقي نجماتٌ ترعى بستان سحابْ ...
أضْمُرُ ....
أشعر أني أضْمُرُ عبر الكونْ ..
ويزيد ضموراً في قلبي قدْرُ الإنسانْ ..
حين أحس فيافي العجز تزيد ذراعاً بعد ذراعْ
وتروح تزاحم عزم القدرةِ .. شبراً .... شبرا ،
تغزو حتى الحرف الأخضر في الأعماقِ ،
وتغزو حتى اللون الــ " يغزل " في الأحداقْ
***
يا هذا الليل
أبلا آفاق أنت اليوم .. بلا آفاق ؟!
أنظِرْني يوماً يا ليلي .. هو يوم العيدْ ؟َ!
وامنحني خضرةَ حرفٍ جفَّ ، لأغذو بالحرف الأطفالْ
لا تسرقْ مني حتى فسحةَ أمل كاذبْ ،
فأنا أعرف معنى الصبح ومعنى الليلْ
***
كانت أحلاماَ مرّت بي مثلَ السكِّينْ
ومددت ذراعي نحو الله أقول .. أقولُ :
"طعينَ القلب غدوتُ
أجرُّ صليبي عبر الليلْ
أعني يا رب الأربابْ . "
مرّت لحظاتٌ ..لا أدري .. هل تحسب لي ؟!
أم تحسب يوم الوعد عليّ ؟!
ووجدت بكفي بذر أنينْ .
لملمت حصيري من فوقيْ
أخفيت يباسي تحت يباسْ ..
وهدأت قليلاً ، في جوفي ليل كالليلْ ..
ناديت : " الغوث .. أغيثوني يا أهل الدارْ
صب التجَّار على قلبي سيلاً من نارْ ،
صبَّ الفجَّار مع التجَّار على قلبي سيلاً من نارْ !!
قالوا : فليحرق ، فليمحق هذا الثرثارْ
غذّيت النار ، إلى أن صارت تلك النار ،
بباب الكهف الفاغر فاه بوجه النار ، كحُقِّ أنينْ ؛
أحسست دبيباً عبر الليل الساهر ذاك
أحسست صراخاً .. شيئاً ينمو ..
يكبر .. يسمق عبر الكونْ
كأن البذر الراقد ينمو في الأعماق ..
يكبر ..يصرخ .. عبر الليلْ …
النار تلاحق كفي " الفاغرَ فاه " بوجه النارْ ،
والليل يقاوم ضوءاً شعَّ من البذرات بحُقِّ أنينْ .
لا تنكر جرحك ، لا تنسهْ ، وابذره حقولاً …
كي يخضر الكون ، يشيع النور ؟!
***
قد كان صراخاً يا صحبي في ليل الناسْ ،
قد كان صراخاً يا صحبي ، تلقيه تخوم نحو تخومْ ،
ويلامس بؤس الناسِ ، يعودُ لهاثاً ، ضعفاً ، يأساً ..
لكن لا يفنى يا صحبي .. بل كان يعود ،
ويشد حصيري من فوقي ،
فيشد يباساً فوق يباسْ ،
ويظل بليل العيد رسولاً يغدو مني نحو الفقرِ ،
ونحو الأفقر من كنّاس أو مأمور أو سَوَّاسْ ،
ويعود يحدِّث قلبي ليلاً …
عن بؤسي ، عن بؤس الناسْ ،
ويشد حصيري من فوقي ، ليغيب يباسٌ تحت يباسْ
***
الحرف الأخضر غادرني في صبح العيدْ
حرَّكت لساني كي يعطي منقوعَ القول إلى الأطفالِ ...
فلم أعثر في جوف الحلق على كلمةْ .
حرَّكت القِدْرَةَ كي أغرف من بطن القدرة أقوالاً ،
لكن .. يا صحبي غاض القولْ ،
ناست شمعة أمل الكلمةْ ،
طار الحرف الأخضر ،
غادر قفص القلب وراح يهيم بعيداً عن دنيا الأحياء ..
ووجدت أمامي عنقوداً من حشف حيْ ،
أطفالاً ناموا ليل العيد على الأحلام ،
وأفاقت ، فجراً ، في الأحداق ، ظلالُ العيد !.
لكن يا صحبي .. ظلَّ القلبُ مقابر سود للضحكاتْ ،
وهن نُعوشٌ فوق شفاه تحلم .. تحلُم بالكلمات..
وكنت غريباً ..
صدقاً يا صحبي ما أقسى ،
أن نبدو أغراباً في العيد
أغراباً في مقلِ الأطفالْ .
***
هذا الأب الواجم ..ما هو ؟!
صخرٌ .. أم شيء من صخر ؟!
لم لا ينطق ، يطلق سيل الضحك الواقف عند الفجر ، بباب العيد ؟!
لم لا يطلق شمساً تهصر برد العالم .. وجع العالمْ ؟!
لم لا يفرح ، يضحك ، يفتح باب القلب وباب العيد ؟!
*****
كان الطفل الواجم جنبي مثل شهادةْ
ينطق صمتُه ألف خريدةْ ،
يعلن باسمي صِغَرَ العالمْ ،
يقتل باسمي كلَّ نشيدهْ :
"هذا العصر الأسود سُبَّةْ ،
هذا الصمت الرادع يقهر قلب الفرحةْ ،
يصدر أمر إبادةْ .
هذا الأب الصامت : صخراً صار بهذا العصرِ ،
تُراه يصير أباً من لحم ، من أحلام ،
من ألعابٍ ، من ضحكاتٍ ؟!
هذا الأب الجامد …." سد الفُرْجَة "ِ،
رمز العصر الأبله هذا ..
من جمَّدَه ؟ من أحرقهُ ؟! من صيَّرهُ ،
سداً يمنع نهر الفرجة أن يتدفق صبحَ العيد !؟
هذا الأب الجامد أضحى .. رمز إدانة ،
في هذا العصر الملعون ،
في هذا العصر المجنون . " .
* * * *
|