شـاطئ الغربة/د.علي عقلة عرسان/شعر/الطبعة الثانية

يا رفيقي وصَديقي

يا رفيقي وصديقي ،‏

يا انتعاشاً للنوى ملء طريقي ،‏

أكتب اليوم إليكْ ،‏

وأنا أسحب قيدي ، في ربوع الأرض ، ما بين يديكْ .‏

كل شبر من تراب الأرض ، عمر الأرض ، منسوب إليكْ ،‏

وأنا مؤتزر بالأرض آتٍ ..‏

كفناً إن شئتها : كوني تكنْ ،‏

أوهي ، ما شئت .. فالأمر إليكْ !؟.‏

غامرٌ ظلُّك ، عمّ الكون قالوا ..‏

وأرى الناس ركوعاً في طريقهمُ إليك‏

وأنا مؤتزرٌ بالرعبِ آتٍ ..‏

لم أصل حصنَكَ ، يا ضوء الطريقْ ،‏

معبر الدرب عيون ،‏

وتخطّي العين قد يغري المنون .‏

وأنا مؤتزر بالعرب أرنوكَ على هدي الظنون ،‏

قلبي الــ " يختزن " البوحَ رغوب ،‏

إنما الرغبة جسر المهلكاتْ ،‏

وأنا آتٍ ، ورغم الرعب آتْ .‏

***‏

ألف عذر يا رفيقي ..‏

لم أصل حصنك يا ضوء طريقي ،‏

تكثر الأوتادُ في قيدي ،‏

ورغم القيد أشتد إليك ؛‏

ويراني مَهْمَهُ الدرب لَقَى آناً وآنا ..‏

أرفع الرأس فيهوي ، ثم يهوي ،‏

وأرى في الدرب ظلاً من منارات الحقيقةْ :‏

الغِفَاريُّ تراءى ..‏

و أبو بكرة في جلدٍ سليخْ ،‏

وبلالٌ يعتلي شفرة سيفهْ ،‏

ومئات تعبر الدرب الحزينْ ،‏

قبل سقراط ومن بعد الحسينْ .‏

وأنا في الدرب أهوي ،‏

أرفع الرأس وأمشي ، ثم أهوي .‏

ألف عذر يا رفيقي …‏

إنها الأوتادُ ، ثقلُ القيد ، عبءُ الحب ، والشوقُ إليكْ ،‏

جعلتني زاحفاً أدنو وأنفي في التراب ؛‏

إنما في القلب حصن العز ، وثَّابٌ به قلب مُذابْ ؛‏

يومان عيش المرء : يوم لك أو يوم عليك .‏

إنها الصحوة يا ضوء الطريقْ ،‏

صحوة الإنسان ، والإنسان عصفورٌ لديك ،‏

جملة مختصَرَةْ ،‏

قفص ، سكينة ، أغرودة ، أو مقصلَة ،‏

هكذا قالوا .. ويُروى ..‏

وأنا آتٍ لأروي ..‏

دربي اللاحب قد يفضي إليك .‏

***‏

عيناي يا صديق تشخصانْ ،‏

من عجبٍ ، من رهبٍ عيناي تشخصانْ ،‏

" فمتعتي " بحقي المشروع لا حدَّ لها !؟!‏

وحقي المشروع يا رفيق يا صديقْ ،‏

يطال : " أن أعبّ من بحار الحبر ملء أضلعي ،‏

وأنتقي ألوانَه ، وشكلَ حاوياتهِ "‏

وحقي المشروع :‏

" أن أَشِمَ الأوراق بالكلامْ ،‏

بما أشاء من صدى الكلامْ ،‏

مما له حرية انتماء خيط العنكبوتْ ،‏

لهذه الأرض التي فيها الأنامْ ؛‏

وأن أقارف الآلام والأحلام حيث شئت ،‏

كيف شئت ..... في الظلامْ ؛‏

لأنني مواطن في الزمن العصيب‏

من موقعي ، مواطناً ، في الزمن الرديء والعصيبْ ،‏

أردت أن يشَّاخَصَ الكلامُ في سماكَ ،‏

أن يراكَ في عُلاكَ ،‏

أن يسَّاقط النُّثَارُ في مدارِ مسمعيك‏

وأنت في بريجك المضمخِ الأركان بالحناءِ والبخورْ ؛‏

تحوطك المعاجم " الأحياء " ،‏

والأعاجم الأحياءُ ،‏

والأحياء أحجياتٌ معجمياتٌ لديك ؟!!‏

تعاقر البدائع الكبارْ ،‏

تنظمُها في عقدها البديعْ ،‏

تصيرُ يا رفيقي المخلوق خالقاً …‏

يزهو بما خلقْ ،‏

على بديعِ خلقِ من خَلَقْ !!.‏

ها رحلتي إليك يا صديقْ ،‏

جناحها التألقُ الرقيقْ ،‏

وفي مداها رغبةٌ شَموسْ ،‏

لأَغبرٍ موّثَّبٍ تسجنه الضلوعْ ،‏

يهفو إلى أن تورقَ الأشجارُ لا حجارةُ الصَّوانْ .‏

ورحلتي إليك مطمحٌ كبيرْ ،‏

تطلَّعُ " الصغارِ " ، " للكبارْ "‏

تطلّعٌ لكل من رأيت ، ما رأيت ،ما أرى ، ومن أرى ..‏

وكل ما قد تثقبُ الأحداثُ في الأعصاب من ثقوبْ ،‏

في طيِّها احتمالُ ما يُرى .!!‏

***‏

أردت ، حين اجتاحني .. استباحني .. السؤالْ ،‏

أن أرمي السؤالَ فوقَ كاهلينْ ،‏

لنغزوَ الجوابَ ... نعرفَ الجوابْ .‏

نجوب في قلب الأحاجي الراكضات في الدروبْ ،‏

لنكشف الحجابْ ،‏

عن ألف لغزٍ يسكن العقولَ والقلوبْ .‏

***‏

إذ رأيت بشراً تساقطت دموعُهُ ،‏

وتَشْرَنَتْ فروعُهُ ،‏

وأوغلت جراحُهُ في القلبِ ، في الأعصابِ ، في الأملْ ؛‏

شكواه أن الفقرَ قد أباحَهُ ،‏

وضاعفت أحلامُهُ جراحَهُ ،‏

في أَبْهَرَيهِ عَرَّشَ الألمْ ،‏

ويطلب الحياة والأمانْ من جوعٍ وخوف.‏

يهفو إلى أن يصبح الإنسانُ فيه .. مثلما الإنسانْ ،‏

وأيقنت مداركُ الإنسانِ فيكَ أنه بَشَرْ ،‏

ويطلب المعقول مما يطلبُ البَشَرْ ،‏

وقيل لكْ :‏

" لا تحسبنْ دموعَ تمساحٍ كهذا من ألمْ ،‏

فإنما يبكي من الفرح ؟! "‏

إذا رأيت غابةً تمشي : هي المدينةْ ..‏

والنار في أحشائها دفينةْ ..‏

و أجفل الإنسان فيك ، راعَه مستقبلُ الحياةِ والأحياءِ ...‏

صاح : " النار يا بشر ،‏

تعسُّ في أحشاء ما أنتم بِهِ ،‏

في غابة تمشي هي المدينةْ ؛‏

النار أنتم موقدوها ،أنتم الوقود فيها يا بَشَرْ " ،‏

وأيقنت مداركُ الإنسان فيك أن ما تفعلهُ ،‏

لابد أن يفعلَه الإنسانُ ، أن يفهمه الإنسانْ ؛‏

وقيل لك : لا .. ، فهذه مشاعلُ الصباحْ ،‏

وهذه بشائرُ الصباحْ ،‏

وهذه بشائرُ الفلاحْ ،‏

منائرُ الشطآنِ للسفنْ ،‏

وإن ما تفعله مَسٌ من الشيطانْ !؟‏

إذا رأيت كلَّ هذا ..‏

غير هذا ..‏

غير ما يجوز أن يُذاعَ أو يقالَ أو يجوسَ في النفوسْ ،‏

وأصبحت كفّاك أو عيناكَ مجمرةْ ،‏

ومن مجامع الضلوع صار ينزف العويلُ والأملْ ،‏

غدوتَ صوتاً ،‏

صحوةً في مقبرَةْ ؛‏

وقيل عنكَ ، قيل لكْ ،‏

لا فرق فيما قيلَ أو يقالُ ، عنكَ لكْ ؟!‏

فهل يجوز بعدها :‏

أن ينبت الصّبار في الحلوق والشّفاه ؟!‏

أن تُدْفَنَ الرؤوسُ والأفكارُ في الرؤوسْ ،‏

والأجسامُ في الرمالِ والمياهْ ؟!؟‏

أن تذوي القلوبُ والنفوسْ ،‏

وينموَ الغموضُ ، والضبابُ ، في العيونِ والدروبِ والرؤى ؟!‏

وعند ذاك ، عند ذا :‏

ما لون ما طعم الحياةْ ؟!‏

وكيف تغرق الرؤى ،‏

ويغرق التاريخُ والإنسانْ ،‏

في هوة سحيقة تباعدت في جوفها الأفكارُ والممارسة ؟!‏

وهل يجوز، يا رفيق .. يا صديق ، عند ذاك .. عند ذا ..‏

أن ينسج الإنسانُ مما حولهُ، مِن حولهِ،‏

شرنقةً من الكلامِ والخيالِ والأملْ ،‏

ويرتمي على مفارق الطرُقْ ،‏

يلقِّط الأفكارَ والأخبارْ ،‏

يلفِّق الأفكارَ والأخبارْ ،‏

ويرتخي منتظراً مستقبل الذبابْ ..‏

تدوسه الأقدامُ في الذهابِ والإيابْ ؟!؟.‏

****‏

أدقُّ بابَ برجك المصفَّحِ الكتيم يا رفيقَ ، بالسؤال ..‏

كي تورقَ الأشجارُ ، لا حجارةُ الصَوَّانْ ،‏

كي يأخذ الكلامُ معنى ، ينتمي للأرضِ .. للإنسانْ ،‏

كي نرفع القناعَ والقناعَ عن وجوهنا ،‏

ويشرق الوضوحُ في العقولِ والوجوه ، والقلوبِ والدروبْ.‏

وعند ذاك .. عند ذا ..‏

نشيدُ صرحاً من حقائقِ العملْ ،‏

يسكنُه في عصرنا : " المشرَّدُ الإنسانْ " ،‏

وقيمةٌ ، في ظلِّها الأمانُ والإيمانْ " .‏

فهل إلى بريجك الجميلِ من سبيلْ ؟!‏

أتعبني السكوتُ والكلامْ ،‏

أتعبني البريقُ والظلامْ ،‏

أتعبني ما تحملُ الأيام ،‏

يا صديق .. يا رفيق …‏

فهل هناك من سبيل للأمان والسلام ؟!‏

أدق باب برجك الكتيم يا رفيقْ ،‏

كي تورق الأشجارُ لا حجارةُ الصوانْ .!؟!‏

* * * *‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244