|
يا رفيقي وصَديقي
يا رفيقي وصديقي ،
يا انتعاشاً للنوى ملء طريقي ،
أكتب اليوم إليكْ ،
وأنا أسحب قيدي ، في ربوع الأرض ، ما بين يديكْ .
كل شبر من تراب الأرض ، عمر الأرض ، منسوب إليكْ ،
وأنا مؤتزر بالأرض آتٍ ..
كفناً إن شئتها : كوني تكنْ ،
أوهي ، ما شئت .. فالأمر إليكْ !؟.
غامرٌ ظلُّك ، عمّ الكون قالوا ..
وأرى الناس ركوعاً في طريقهمُ إليك
وأنا مؤتزرٌ بالرعبِ آتٍ ..
لم أصل حصنَكَ ، يا ضوء الطريقْ ،
معبر الدرب عيون ،
وتخطّي العين قد يغري المنون .
وأنا مؤتزر بالعرب أرنوكَ على هدي الظنون ،
قلبي الــ " يختزن " البوحَ رغوب ،
إنما الرغبة جسر المهلكاتْ ،
وأنا آتٍ ، ورغم الرعب آتْ .
***
ألف عذر يا رفيقي ..
لم أصل حصنك يا ضوء طريقي ،
تكثر الأوتادُ في قيدي ،
ورغم القيد أشتد إليك ؛
ويراني مَهْمَهُ الدرب لَقَى آناً وآنا ..
أرفع الرأس فيهوي ، ثم يهوي ،
وأرى في الدرب ظلاً من منارات الحقيقةْ :
الغِفَاريُّ تراءى ..
و أبو بكرة في جلدٍ سليخْ ،
وبلالٌ يعتلي شفرة سيفهْ ،
ومئات تعبر الدرب الحزينْ ،
قبل سقراط ومن بعد الحسينْ .
وأنا في الدرب أهوي ،
أرفع الرأس وأمشي ، ثم أهوي .
ألف عذر يا رفيقي …
إنها الأوتادُ ، ثقلُ القيد ، عبءُ الحب ، والشوقُ إليكْ ،
جعلتني زاحفاً أدنو وأنفي في التراب ؛
إنما في القلب حصن العز ، وثَّابٌ به قلب مُذابْ ؛
يومان عيش المرء : يوم لك أو يوم عليك .
إنها الصحوة يا ضوء الطريقْ ،
صحوة الإنسان ، والإنسان عصفورٌ لديك ،
جملة مختصَرَةْ ،
قفص ، سكينة ، أغرودة ، أو مقصلَة ،
هكذا قالوا .. ويُروى ..
وأنا آتٍ لأروي ..
دربي اللاحب قد يفضي إليك .
***
عيناي يا صديق تشخصانْ ،
من عجبٍ ، من رهبٍ عيناي تشخصانْ ،
" فمتعتي " بحقي المشروع لا حدَّ لها !؟!
وحقي المشروع يا رفيق يا صديقْ ،
يطال : " أن أعبّ من بحار الحبر ملء أضلعي ،
وأنتقي ألوانَه ، وشكلَ حاوياتهِ "
وحقي المشروع :
" أن أَشِمَ الأوراق بالكلامْ ،
بما أشاء من صدى الكلامْ ،
مما له حرية انتماء خيط العنكبوتْ ،
لهذه الأرض التي فيها الأنامْ ؛
وأن أقارف الآلام والأحلام حيث شئت ،
كيف شئت ..... في الظلامْ ؛
لأنني مواطن في الزمن العصيب
من موقعي ، مواطناً ، في الزمن الرديء والعصيبْ ،
أردت أن يشَّاخَصَ الكلامُ في سماكَ ،
أن يراكَ في عُلاكَ ،
أن يسَّاقط النُّثَارُ في مدارِ مسمعيك
وأنت في بريجك المضمخِ الأركان بالحناءِ والبخورْ ؛
تحوطك المعاجم " الأحياء " ،
والأعاجم الأحياءُ ،
والأحياء أحجياتٌ معجمياتٌ لديك ؟!!
تعاقر البدائع الكبارْ ،
تنظمُها في عقدها البديعْ ،
تصيرُ يا رفيقي المخلوق خالقاً …
يزهو بما خلقْ ،
على بديعِ خلقِ من خَلَقْ !!.
ها رحلتي إليك يا صديقْ ،
جناحها التألقُ الرقيقْ ،
وفي مداها رغبةٌ شَموسْ ،
لأَغبرٍ موّثَّبٍ تسجنه الضلوعْ ،
يهفو إلى أن تورقَ الأشجارُ لا حجارةُ الصَّوانْ .
ورحلتي إليك مطمحٌ كبيرْ ،
تطلَّعُ " الصغارِ " ، " للكبارْ "
تطلّعٌ لكل من رأيت ، ما رأيت ،ما أرى ، ومن أرى ..
وكل ما قد تثقبُ الأحداثُ في الأعصاب من ثقوبْ ،
في طيِّها احتمالُ ما يُرى .!!
***
أردت ، حين اجتاحني .. استباحني .. السؤالْ ،
أن أرمي السؤالَ فوقَ كاهلينْ ،
لنغزوَ الجوابَ ... نعرفَ الجوابْ .
نجوب في قلب الأحاجي الراكضات في الدروبْ ،
لنكشف الحجابْ ،
عن ألف لغزٍ يسكن العقولَ والقلوبْ .
***
إذ رأيت بشراً تساقطت دموعُهُ ،
وتَشْرَنَتْ فروعُهُ ،
وأوغلت جراحُهُ في القلبِ ، في الأعصابِ ، في الأملْ ؛
شكواه أن الفقرَ قد أباحَهُ ،
وضاعفت أحلامُهُ جراحَهُ ،
في أَبْهَرَيهِ عَرَّشَ الألمْ ،
ويطلب الحياة والأمانْ من جوعٍ وخوف.
يهفو إلى أن يصبح الإنسانُ فيه .. مثلما الإنسانْ ،
وأيقنت مداركُ الإنسانِ فيكَ أنه بَشَرْ ،
ويطلب المعقول مما يطلبُ البَشَرْ ،
وقيل لكْ :
" لا تحسبنْ دموعَ تمساحٍ كهذا من ألمْ ،
فإنما يبكي من الفرح ؟! "
إذا رأيت غابةً تمشي : هي المدينةْ ..
والنار في أحشائها دفينةْ ..
و أجفل الإنسان فيك ، راعَه مستقبلُ الحياةِ والأحياءِ ...
صاح : " النار يا بشر ،
تعسُّ في أحشاء ما أنتم بِهِ ،
في غابة تمشي هي المدينةْ ؛
النار أنتم موقدوها ،أنتم الوقود فيها يا بَشَرْ " ،
وأيقنت مداركُ الإنسان فيك أن ما تفعلهُ ،
لابد أن يفعلَه الإنسانُ ، أن يفهمه الإنسانْ ؛
وقيل لك : لا .. ، فهذه مشاعلُ الصباحْ ،
وهذه بشائرُ الصباحْ ،
وهذه بشائرُ الفلاحْ ،
منائرُ الشطآنِ للسفنْ ،
وإن ما تفعله مَسٌ من الشيطانْ !؟
إذا رأيت كلَّ هذا ..
غير هذا ..
غير ما يجوز أن يُذاعَ أو يقالَ أو يجوسَ في النفوسْ ،
وأصبحت كفّاك أو عيناكَ مجمرةْ ،
ومن مجامع الضلوع صار ينزف العويلُ والأملْ ،
غدوتَ صوتاً ،
صحوةً في مقبرَةْ ؛
وقيل عنكَ ، قيل لكْ ،
لا فرق فيما قيلَ أو يقالُ ، عنكَ لكْ ؟!
فهل يجوز بعدها :
أن ينبت الصّبار في الحلوق والشّفاه ؟!
أن تُدْفَنَ الرؤوسُ والأفكارُ في الرؤوسْ ،
والأجسامُ في الرمالِ والمياهْ ؟!؟
أن تذوي القلوبُ والنفوسْ ،
وينموَ الغموضُ ، والضبابُ ، في العيونِ والدروبِ والرؤى ؟!
وعند ذاك ، عند ذا :
ما لون ما طعم الحياةْ ؟!
وكيف تغرق الرؤى ،
ويغرق التاريخُ والإنسانْ ،
في هوة سحيقة تباعدت في جوفها الأفكارُ والممارسة ؟!
وهل يجوز، يا رفيق .. يا صديق ، عند ذاك .. عند ذا ..
أن ينسج الإنسانُ مما حولهُ، مِن حولهِ،
شرنقةً من الكلامِ والخيالِ والأملْ ،
ويرتمي على مفارق الطرُقْ ،
يلقِّط الأفكارَ والأخبارْ ،
يلفِّق الأفكارَ والأخبارْ ،
ويرتخي منتظراً مستقبل الذبابْ ..
تدوسه الأقدامُ في الذهابِ والإيابْ ؟!؟.
****
أدقُّ بابَ برجك المصفَّحِ الكتيم يا رفيقَ ، بالسؤال ..
كي تورقَ الأشجارُ ، لا حجارةُ الصَوَّانْ ،
كي يأخذ الكلامُ معنى ، ينتمي للأرضِ .. للإنسانْ ،
كي نرفع القناعَ والقناعَ عن وجوهنا ،
ويشرق الوضوحُ في العقولِ والوجوه ، والقلوبِ والدروبْ.
وعند ذاك .. عند ذا ..
نشيدُ صرحاً من حقائقِ العملْ ،
يسكنُه في عصرنا : " المشرَّدُ الإنسانْ " ،
وقيمةٌ ، في ظلِّها الأمانُ والإيمانْ " .
فهل إلى بريجك الجميلِ من سبيلْ ؟!
أتعبني السكوتُ والكلامْ ،
أتعبني البريقُ والظلامْ ،
أتعبني ما تحملُ الأيام ،
يا صديق .. يا رفيق …
فهل هناك من سبيل للأمان والسلام ؟!
أدق باب برجك الكتيم يا رفيقْ ،
كي تورق الأشجارُ لا حجارةُ الصوانْ .!؟!
* * * *
|