شـاطئ الغربة/د.علي عقلة عرسان/شعر/الطبعة الثانية

يا صديقي

يا صديقي ..‏

عرفُ عودٍ أخضرٍ مدَّته كفّاكَ إليّ الأمسَ ،‏

مازال يغذي ساحة الروح ، ويعطيها كلاما ،‏

يبعث الكون سلاما ،‏

ينثر الواحات في صحرائي الــ " عافها " الشِّبْرِقُ والمرَّارُ والعيرُ ،‏

وماتت في فيافيها الظنونْ .‏

صامتاً كنت ، وشلال الحكايا رَنَّخَ الأضلاعَ ،‏

أهدى للمطايا سلسبيلا …‏

غاض شوك اليأس في النور الذي ،‏

أغرقتني فيه رشقاتُ العيونْ ،‏

صرت شيئاً من ضياء هارب من زحف ليل ،‏

صرتُ كوناً من فتون ،‏

صرت مخلوقاً يشق الكهف ، أو يهفو إلى ردم الكهوف..!؟‏

خارجاً من كهف نفسي ،‏

أشرع الحرف المدمّى :‏

راية .. سيفاً .. وَقِلْعَا ،‏

وأشدُّ العمرَ دِرْعَا ،‏

وأمُوثُ الآه سُمّا ،‏

وأجوسُ الصمت إمَّا :‏

يصبح الصمتُ حراسَةْ ،‏

يبلعُ الزَّوْلُ مداسهْ ..‏

مبحراً آتيك في الآهاتِ ، في الخبزِ ، وفي الضحك المريضِ ،‏

مبحراً آتيك في الأنفاس ، أجلو غَبَشَ الرؤيةِ ، في بعضِ القريضِ ،‏

مبحراً في الشوق آتيكَ ، وأمحو …‏

رهبةَ الكابوس بالآمالِ ، آت بالملايين الصموتةْ .‏

علّها تبعث بعث الصدق عزماً في يديكْ ،‏

فيصير الليلُ شمساً ،‏

ويصير الخوفُ أمناً ،‏

والثغاء المرّ في الأفواه تسبيحاً وجرساً ،‏

علّها تفصح فُصْحَانا ، ويغدو الهمسُ عرسا !؟!‏

****‏

يا صديقي …‏

غاب من شارعنا طيرٌ ، محلّى ، قال : كلاّ‏

خَلَّف الأمواه في الأفواه ، والأصواتِ أصداءً ، وصار العزم .. فَلاَّ !!‏

غاب من شارعنا الحَوْرُ وزهرُ الياسمينْ ،‏

ورقُ الريحان ، والفلُّ ، ووردُ الشام غابْ ،‏

صار فَوْقُ الزهر تنغيصاً .. حصيرةْ ،‏

صار وجه الشام اسمنتاً وطينا ، صار أسراب ذبابْ !!؟‏

غاب نهرٌ من عطاء ، سِرّه فيه دفينٌ ، فيه أرواحٌ دفينةْ ؛‏

غاص فيه الشارع الساعي على قدم عجينْ ،‏

صار سجَّاناً وسجناً وسجينا ،‏

صار تمثالاً بلا قلب وروح ،‏

دُكَّهُ إن شئتَ ،‏

خذه .. سوِّهِ بالأرضِ ،‏

شكِّلْه " زوابع " ، أو تكايا أو مراتعْ ،‏

تلقه طوعاً لأمركْ ،‏

إنه شيء كما تهوى يكون !!‏

صار تهويماً وأوهاماً وهمّاً ، أو بقايا من ظنون .!!!‏

أين نحن يا صديقي .. من نكون ؟!‏

ما ترى نغدو ، وما كنا ؟!‏

ظنون في ظنون ..‏

يلهث المسكينُ منّا في الشوارعْ ،‏

راكضاً خلف رغيف الخبز ، نعلاه : الكرامةْ‏

واقفاً في الصف تلقاه لأسبوعٍ .. وأسبوعٍ ، ويغدو:‏

مُثلةً للعالمينْ‏

كي تقول .. كي يقول .. كي يقال : اليوم صرنا ..؟!‏

ما لذي صرنا .. برب العالمينْ ؟!‏

صارت الأرض أنوفاً ،‏

والرغام الفج أنفاً في الوجوه ،‏

قبحُ وجه الزيف صار اليوم شيئاً من وسامةْ ،‏

آه من قَنْفَذَةِ الخيل ، وتخييل القنافذْ ؟!‏

أغلقوا يا أهلنا كلَّ المنافذ ،‏

حول ميدان السباقْ ،‏

أفسحوا في القلب ميدانا لشفرات المدى ، للقادمينْ ،‏

إنه العصر الذي أَسْمَوه ... ماذا ؟!‏

لعنةَ الدهرِ ، أم العصر اللعين ؟!‏

غاب من شارعنا سربُ السنونو ،‏

غابت الشمس ، وما عادت ، وصرنا كاليتامى ،‏

في حقول من خزامى الوعد .... يا ذكرى الخزامى !!؟‏

***‏

يا صديقي‏

عَرْفُ عودٍ أخضر مدّته كفّاك إليَّ الأمسَ عطراً ... مَرْحبا‏

أشعل الروح ومازالت " حرائق" .‏

خارجاً من كهف نفسي جئت أسعى ،‏

مبحراً في الهمِّ ، رمشُ العين مجذافي ،‏

وكفي تجذب الشمس من الأفقِ ،‏

ورجلي في القيود ..‏

خارجاً من كهف نفسي ،‏

أشرع الحرف المدمَّى ،‏

وتشق الريشةُ الخرقاءُ بطن السّرِ ، تمتص المرارةْ ...‏

تقذف السر حروفاً ،‏

وأنا أخشى ألاعيب الحروفْ .‏

جئت ...خلفي ألفُ جيل ،‏

كلهم توقٌ إلى الإبحارِ صوب الشمسِ ،‏

صوب الغد ، صوب الكل ، عبر الصمتِ ،‏

عبر المستحيل .‏

كلهم توقٌ إلى فيضٍ ... سيول من عطاءْ ،‏

تبعث البعث ، وعشتارَ ، وأحلامَ السيوفْ ؛‏

جئت كفّاراً بحدٍّ ، أو بسدٍّ ، أو بسيّدْ .‏

جئت من حضن الطبيعةْ ،‏

شاهراً حرفيَ رايةْ ؛‏

هل ترى تغدو رفيقي في طريقي يا صديقي .. أم ترى تلك النهايةْ ؟!‏

عَرْفُ عودٍ أخضر مدّته كفّاك إليَّ ،‏

ربما يغدو البدايةْ .‏

* * * *‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244