|
يا صديقي
يا صديقي ..
عرفُ عودٍ أخضرٍ مدَّته كفّاكَ إليّ الأمسَ ،
مازال يغذي ساحة الروح ، ويعطيها كلاما ،
يبعث الكون سلاما ،
ينثر الواحات في صحرائي الــ " عافها " الشِّبْرِقُ والمرَّارُ والعيرُ ،
وماتت في فيافيها الظنونْ .
صامتاً كنت ، وشلال الحكايا رَنَّخَ الأضلاعَ ،
أهدى للمطايا سلسبيلا …
غاض شوك اليأس في النور الذي ،
أغرقتني فيه رشقاتُ العيونْ ،
صرت شيئاً من ضياء هارب من زحف ليل ،
صرتُ كوناً من فتون ،
صرت مخلوقاً يشق الكهف ، أو يهفو إلى ردم الكهوف..!؟
خارجاً من كهف نفسي ،
أشرع الحرف المدمّى :
راية .. سيفاً .. وَقِلْعَا ،
وأشدُّ العمرَ دِرْعَا ،
وأمُوثُ الآه سُمّا ،
وأجوسُ الصمت إمَّا :
يصبح الصمتُ حراسَةْ ،
يبلعُ الزَّوْلُ مداسهْ ..
مبحراً آتيك في الآهاتِ ، في الخبزِ ، وفي الضحك المريضِ ،
مبحراً آتيك في الأنفاس ، أجلو غَبَشَ الرؤيةِ ، في بعضِ القريضِ ،
مبحراً في الشوق آتيكَ ، وأمحو …
رهبةَ الكابوس بالآمالِ ، آت بالملايين الصموتةْ .
علّها تبعث بعث الصدق عزماً في يديكْ ،
فيصير الليلُ شمساً ،
ويصير الخوفُ أمناً ،
والثغاء المرّ في الأفواه تسبيحاً وجرساً ،
علّها تفصح فُصْحَانا ، ويغدو الهمسُ عرسا !؟!
****
يا صديقي …
غاب من شارعنا طيرٌ ، محلّى ، قال : كلاّ
خَلَّف الأمواه في الأفواه ، والأصواتِ أصداءً ، وصار العزم .. فَلاَّ !!
غاب من شارعنا الحَوْرُ وزهرُ الياسمينْ ،
ورقُ الريحان ، والفلُّ ، ووردُ الشام غابْ ،
صار فَوْقُ الزهر تنغيصاً .. حصيرةْ ،
صار وجه الشام اسمنتاً وطينا ، صار أسراب ذبابْ !!؟
غاب نهرٌ من عطاء ، سِرّه فيه دفينٌ ، فيه أرواحٌ دفينةْ ؛
غاص فيه الشارع الساعي على قدم عجينْ ،
صار سجَّاناً وسجناً وسجينا ،
صار تمثالاً بلا قلب وروح ،
دُكَّهُ إن شئتَ ،
خذه .. سوِّهِ بالأرضِ ،
شكِّلْه " زوابع " ، أو تكايا أو مراتعْ ،
تلقه طوعاً لأمركْ ،
إنه شيء كما تهوى يكون !!
صار تهويماً وأوهاماً وهمّاً ، أو بقايا من ظنون .!!!
أين نحن يا صديقي .. من نكون ؟!
ما ترى نغدو ، وما كنا ؟!
ظنون في ظنون ..
يلهث المسكينُ منّا في الشوارعْ ،
راكضاً خلف رغيف الخبز ، نعلاه : الكرامةْ
واقفاً في الصف تلقاه لأسبوعٍ .. وأسبوعٍ ، ويغدو:
مُثلةً للعالمينْ
كي تقول .. كي يقول .. كي يقال : اليوم صرنا ..؟!
ما لذي صرنا .. برب العالمينْ ؟!
صارت الأرض أنوفاً ،
والرغام الفج أنفاً في الوجوه ،
قبحُ وجه الزيف صار اليوم شيئاً من وسامةْ ،
آه من قَنْفَذَةِ الخيل ، وتخييل القنافذْ ؟!
أغلقوا يا أهلنا كلَّ المنافذ ،
حول ميدان السباقْ ،
أفسحوا في القلب ميدانا لشفرات المدى ، للقادمينْ ،
إنه العصر الذي أَسْمَوه ... ماذا ؟!
لعنةَ الدهرِ ، أم العصر اللعين ؟!
غاب من شارعنا سربُ السنونو ،
غابت الشمس ، وما عادت ، وصرنا كاليتامى ،
في حقول من خزامى الوعد .... يا ذكرى الخزامى !!؟
***
يا صديقي
عَرْفُ عودٍ أخضر مدّته كفّاك إليَّ الأمسَ عطراً ... مَرْحبا
أشعل الروح ومازالت " حرائق" .
خارجاً من كهف نفسي جئت أسعى ،
مبحراً في الهمِّ ، رمشُ العين مجذافي ،
وكفي تجذب الشمس من الأفقِ ،
ورجلي في القيود ..
خارجاً من كهف نفسي ،
أشرع الحرف المدمَّى ،
وتشق الريشةُ الخرقاءُ بطن السّرِ ، تمتص المرارةْ ...
تقذف السر حروفاً ،
وأنا أخشى ألاعيب الحروفْ .
جئت ...خلفي ألفُ جيل ،
كلهم توقٌ إلى الإبحارِ صوب الشمسِ ،
صوب الغد ، صوب الكل ، عبر الصمتِ ،
عبر المستحيل .
كلهم توقٌ إلى فيضٍ ... سيول من عطاءْ ،
تبعث البعث ، وعشتارَ ، وأحلامَ السيوفْ ؛
جئت كفّاراً بحدٍّ ، أو بسدٍّ ، أو بسيّدْ .
جئت من حضن الطبيعةْ ،
شاهراً حرفيَ رايةْ ؛
هل ترى تغدو رفيقي في طريقي يا صديقي .. أم ترى تلك النهايةْ ؟!
عَرْفُ عودٍ أخضر مدّته كفّاك إليَّ ،
ربما يغدو البدايةْ .
* * * *
|