|
والحرّية غاية
في تشرين الأول نزفاً كنت وحزنا ،
يصهل مني القلب وينزف ، يصهل ينزف ،
ثلج " الشيخ " مطّية قلبي ، حزناً كنت ..
وقالت سوداء القلب " عجوز القلب " :
" تمهَّل ..
لا تنفَق حزناً يا ولدي ..
لا يوصلك الثلجُ إلى أقطاب الرغبةْ ،
يوصلك الثلجُ لصمت القبر وبرد الموت سريعاً ،
لكن ليس لقطب الرغبةْ .." ؟!
صمتاً صرت ، وفكراً .. جُلْت على أيام العمر ، وذكرى ..
أبحرْتُ على متن التاريخ ،
وأعلم أني نزفاً كنت بسفح الجبل " الشيخِ " ..
وخيطاً خيطاً نسج الدّم شراعي ،
راية ثأري صارت غايةْ .
أبحرت شعاعاً من جبل الشيخ إلى سيناء ،
بساط الريح حصاني ،
بعد الطور رماني ،
ألقاني في عمق الرمل ، متاعاً صرتُ ،
وألقتني سَفْياتُ الرمل إلى سفح من أحزان الأمس الطفلِ ،
غدوت شراعاً يبحر فيه الهم وراء سراب الحلم ، وذكرى..
أبصر في آفاق الذكرى :
"من صنين إلى جالوت حبالاً تربط بعض الناس ببعض الناس،
يئن الحبل ، وجسر التاريخ الخشبي يئن .."
وقوفاً يا قلم التسجيل وقوفاً :
إن الشعب يباع ، وإن الحق قناع ،
خيل الغزو الأسود فوق الأرض الأقدس ،
فوق القدس ومعنى القدس ،
وقوفاً يا قلم التسجيل وقوفاً .
كفُّ الأول تمسك كفَّ الآخر ،
وجه الغزو قناع يُصْبَغُ بالألوان ، وقوفاً ؛
جسر التاريخ الخشبي عتيقاً صار .. قتيلاً صارْ ؛
وإني أكتب نفسي سطراً يهمله التاريخ تباعاً .
****
تمطَّت أفعى في جنبيَّ ،
إليّ .. إليَّ.. مددت ذراعي ..
لكن .. ما عادت في الجسم ذراع ..
رحت ذَهولاً أبحث عن آمال ،
عن شيء يسند ظهر الأمل الأحدب ، غبت ...
وفي سيناء نفاني الرملُ عن الأنظار ،
وصرت أنيناً في الأجواء .. وغبت ،
في أعماق الصَمت غرقتُ ،
تطاول عبر الصمت كلامٌ ، يقرع بابَ القلب ،
ولكن صمتاً كنت .
وقال القائل :
" لا تعجَلْ ..
فاليوم الأول حزنٌ ، والثاني حزنٌ ، والثالث ..
لكن في الرابع ، يا محروق القلب ، ستفرح ،
إن لاحت في الأفق علامة .. " !!
جاء اليوم الرابع و أنا ملقى فوق الرملِ ،
وقلبي يصحر في الرمضاء ،
وغابت شمس اليوم الرابع دون علامةْ .
مسَّاً صرت ، وطرتُ .. صرختُ :
" يا سيناء .. الرمل ... علامة ؟!
إن شعاع الأمل الرحب يضيق .. يضيع ..
أعيدي دفقَ الأملِ العذبِ .. أعيدي ... "
قال القائل :
" لا تعجَلْ ..
فالشهر الأول حزنٌ ، والثاني حزن ، والثالث ..
لكن في الرابع يورق وعد الرملِ .. تمهَّل .."
مرّ الشهر ُ .. العام الأول مرَّ … العام الثاني ... الثالث..
مرّ العاشر ،
وأنا في الرمل أنين ،
صرت وصار الرمل ، وعيد الرمل ، وعهد الرمل ، أنين البيد ..
أعيدي الأهل .. الأصل .. أعيدي ..
يا سيناء ، أعيدي .
***
خيطاً خيطاً نسج الدَّم شراعي ،
أبحرت شعاعاً من سيناء لسفح " الشيخ " ،
غرست هناك يراعي ،
قلت :
"هنا ألقى أعدائي ،
هذا اليوم الأول ،
بعد السبت الأوحل ،
هذا يوم الغرس الأدوم ،
غرس القلب بعمق الأرض ،
وغرس الأرض بعمق القلب ،
وغرس الثأر .
تعالي نسمر حول الثلج تعالي يا أرواح الاخوة ،
إن الليل طويل ،
إن البرد شديد ،
قلب الأهل قديد .
هيا نسمر حول الثلج الأرحم من أفئدة الأهل .
هبي ريحا ًتسرج فرس الثأر ،
شهاباً يشرح قلب الدرب ، ويسطع صبحاً فوق القدس ؛
هبي ننقع في الهامات عتيق الثأر ، ونهتف ثأراً ،
نصنع من غيمات الهم بساط الريح ونركب ،
نركب مثل الريح ،
نشيداً ندخل بيتاً بيتاً .. قلباً قلباً ،
من تطوان إلى طوروس وراء الجبل الأقرع ،
ندخل بيتاً بيتاً ، قلباً قلباً ،
نهتف... نُسمِعُ من لا يسمَع ..
هيا نعبر غمَّ الأمس ، وبؤسَ اليوم ،
نفجِّر سرَّ الهمس ،
ونحرق تاريخ الأوهام ، نقطِّع أمشاج الأورام ،
ونعبر حقل اليأس ..
نصيد الأمل الرحبَ ،
ونملأ منه القلبَ ،
ونرفع فوق " الشيخ " علامة :
"شفقَ الجرح وهامةْ "
هذي يا أبناء الشعب الرايةْ ،
الشهداء بدايةْ ….
والشهداء نهايةْ …
أرض القدس الغايةْ
والحرية غايةْ .
يا أرواح الأخوة صيحي عبر الليل الأطول :
"هيا يا أبناء الشعب الأوفى ،
يا أصحاب الإرث الأسمى ،
هيا نجمع حول " الشيخِ " قلوباً ،
إن القدس الغايةْ ،
والحرية غايةْ .
* * * *
|