شـاطئ الغربة/د.علي عقلة عرسان/شعر/الطبعة الثانية

والحرّية غاية

في تشرين الأول نزفاً كنت وحزنا ،‏

يصهل مني القلب وينزف ، يصهل ينزف ،‏

ثلج " الشيخ " مطّية قلبي ، حزناً كنت ..‏

وقالت سوداء القلب " عجوز القلب " :‏

" تمهَّل ..‏

لا تنفَق حزناً يا ولدي ..‏

لا يوصلك الثلجُ إلى أقطاب الرغبةْ ،‏

يوصلك الثلجُ لصمت القبر وبرد الموت سريعاً ،‏

لكن ليس لقطب الرغبةْ .." ؟!‏

صمتاً صرت ، وفكراً .. جُلْت على أيام العمر ، وذكرى ..‏

أبحرْتُ على متن التاريخ ،‏

وأعلم أني نزفاً كنت بسفح الجبل " الشيخِ " ..‏

وخيطاً خيطاً نسج الدّم شراعي ،‏

راية ثأري صارت غايةْ .‏

أبحرت شعاعاً من جبل الشيخ إلى سيناء ،‏

بساط الريح حصاني ،‏

بعد الطور رماني ،‏

ألقاني في عمق الرمل ، متاعاً صرتُ ،‏

وألقتني سَفْياتُ الرمل إلى سفح من أحزان الأمس الطفلِ ،‏

غدوت شراعاً يبحر فيه الهم وراء سراب الحلم ، وذكرى..‏

أبصر في آفاق الذكرى :‏

"من صنين إلى جالوت حبالاً تربط بعض الناس ببعض الناس،‏

يئن الحبل ، وجسر التاريخ الخشبي يئن .."‏

وقوفاً يا قلم التسجيل وقوفاً :‏

إن الشعب يباع ، وإن الحق قناع ،‏

خيل الغزو الأسود فوق الأرض الأقدس ،‏

فوق القدس ومعنى القدس ،‏

وقوفاً يا قلم التسجيل وقوفاً .‏

كفُّ الأول تمسك كفَّ الآخر ،‏

وجه الغزو قناع يُصْبَغُ بالألوان ، وقوفاً ؛‏

جسر التاريخ الخشبي عتيقاً صار .. قتيلاً صارْ ؛‏

وإني أكتب نفسي سطراً يهمله التاريخ تباعاً .‏

****‏

تمطَّت أفعى في جنبيَّ ،‏

إليّ .. إليَّ.. مددت ذراعي ..‏

لكن .. ما عادت في الجسم ذراع ..‏

رحت ذَهولاً أبحث عن آمال ،‏

عن شيء يسند ظهر الأمل الأحدب ، غبت ...‏

وفي سيناء نفاني الرملُ عن الأنظار ،‏

وصرت أنيناً في الأجواء .. وغبت ،‏

في أعماق الصَمت غرقتُ ،‏

تطاول عبر الصمت كلامٌ ، يقرع بابَ القلب ،‏

ولكن صمتاً كنت .‏

وقال القائل :‏

" لا تعجَلْ ..‏

فاليوم الأول حزنٌ ، والثاني حزنٌ ، والثالث ..‏

لكن في الرابع ، يا محروق القلب ، ستفرح ،‏

إن لاحت في الأفق علامة .. " !!‏

جاء اليوم الرابع و أنا ملقى فوق الرملِ ،‏

وقلبي يصحر في الرمضاء ،‏

وغابت شمس اليوم الرابع دون علامةْ .‏

مسَّاً صرت ، وطرتُ .. صرختُ :‏

" يا سيناء .. الرمل ... علامة ؟!‏

إن شعاع الأمل الرحب يضيق .. يضيع ..‏

أعيدي دفقَ الأملِ العذبِ .. أعيدي ... "‏

قال القائل :‏

" لا تعجَلْ ..‏

فالشهر الأول حزنٌ ، والثاني حزن ، والثالث ..‏

لكن في الرابع يورق وعد الرملِ .. تمهَّل .."‏

مرّ الشهر ُ .. العام الأول مرَّ … العام الثاني ... الثالث..‏

مرّ العاشر ،‏

وأنا في الرمل أنين ،‏

صرت وصار الرمل ، وعيد الرمل ، وعهد الرمل ، أنين البيد ..‏

أعيدي الأهل .. الأصل .. أعيدي ..‏

يا سيناء ، أعيدي .‏

***‏

خيطاً خيطاً نسج الدَّم شراعي ،‏

أبحرت شعاعاً من سيناء لسفح " الشيخ " ،‏

غرست هناك يراعي ،‏

قلت :‏

"هنا ألقى أعدائي ،‏

هذا اليوم الأول ،‏

بعد السبت الأوحل ،‏

هذا يوم الغرس الأدوم ،‏

غرس القلب بعمق الأرض ،‏

وغرس الأرض بعمق القلب ،‏

وغرس الثأر .‏

تعالي نسمر حول الثلج تعالي يا أرواح الاخوة ،‏

إن الليل طويل ،‏

إن البرد شديد ،‏

قلب الأهل قديد .‏

هيا نسمر حول الثلج الأرحم من أفئدة الأهل .‏

هبي ريحا ًتسرج فرس الثأر ،‏

شهاباً يشرح قلب الدرب ، ويسطع صبحاً فوق القدس ؛‏

هبي ننقع في الهامات عتيق الثأر ، ونهتف ثأراً ،‏

نصنع من غيمات الهم بساط الريح ونركب ،‏

نركب مثل الريح ،‏

نشيداً ندخل بيتاً بيتاً .. قلباً قلباً ،‏

من تطوان إلى طوروس وراء الجبل الأقرع ،‏

ندخل بيتاً بيتاً ، قلباً قلباً ،‏

نهتف... نُسمِعُ من لا يسمَع ..‏

هيا نعبر غمَّ الأمس ، وبؤسَ اليوم ،‏

نفجِّر سرَّ الهمس ،‏

ونحرق تاريخ الأوهام ، نقطِّع أمشاج الأورام ،‏

ونعبر حقل اليأس ..‏

نصيد الأمل الرحبَ ،‏

ونملأ منه القلبَ ،‏

ونرفع فوق " الشيخ " علامة :‏

"شفقَ الجرح وهامةْ "‏

هذي يا أبناء الشعب الرايةْ ،‏

الشهداء بدايةْ ….‏

والشهداء نهايةْ …‏

أرض القدس الغايةْ‏

والحرية غايةْ .‏

يا أرواح الأخوة صيحي عبر الليل الأطول :‏

"هيا يا أبناء الشعب الأوفى ،‏

يا أصحاب الإرث الأسمى ،‏

هيا نجمع حول " الشيخِ " قلوباً ،‏

إن القدس الغايةْ ،‏

والحرية غايةْ .‏

* * * *‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244