شـاطئ الغربة/د.علي عقلة عرسان/شعر/الطبعة الثانية

بيروت يا مقاتلة

بيروت يا بيروت‏

يا ثغرَنا المسلولَ سيفاً يرشح الدماءْ‏

يا جرحنا المفتوح ، يا بوابةَ الشفاءْ‏

يا نبضة راعفةً في أمة ما ظلَّ في أحيائها أحياءْ‏

يا شهقة تقاوم الجلاد ، يا أنموذج الفداءْ‏

عاصمة العواصمِ ، وكعبة المقاتلةْ‏

وساحةَ الرباط والمُصَاوَلَةْ .‏

يا أنت يا بيروت .. صرت العمر والتابوتْ‏

وجسرَنا الحزين …‏

جسر الزمن الحديث نحو الزمن القديمْ ،‏

ودربنا إلى صلاح الدين ،‏

معبرنا إلى حلبْ ،‏

وسيف دولة العربْ ؛‏

وخطوة عملاقة على طريق نصرنا المكينْ .‏

وصار ليلُك الضياء في ظلامنا ، وصوتُك الكلام في شفاهنا ،‏

وصرت عنوان الوطنْ ،‏

وجذوة الصمود والإباءْ .‏

***‏

أسعى إلى مقامك الطَّهورِ يا بيروت‏

لأصنع البقاء في الفناءْ ،‏

لأنزف الدماء ..‏

عبر الجذور والتراب والحجرْ ،‏

عبر وريد فاغر الأشداق في جرح البشرْ ،‏

وعبر قلب طفلة تهيم في الدروب والحفرْ ؛‏

لأبعث الحياة ، أصنع البقاء ، في الفناءْ !!.‏

أسعى إلى بقية الأحياءْ والبنادق المقاتِلَةْ ،‏

لنلتقي في قافلةْ ،‏

تشد أزر ثورة التحرير والبناءْ ،‏

وتفتح الطريق من " أرنون " حتى " الناصرةْ " ،‏

إلى ديار الأهل والآباءْ ..‏

إلى الوطنْ .‏

أسعى إلى مقامك النبيل ،‏

أصارع السدود والقيود والركود والمُدى‏

ومخفراً لمخفرٍ لمخفرٍ صدى ،‏

أسعى ودون فائدةْ ؛‏

فشعبي العظيم في القيودْ ،‏

من شفرة الحدود للحدودْ ،‏

وكل " راعٍ " عندنا هو قمة في الظلم والدهاءْ ،‏

لكن : على مَنْ في الوطنْ ،‏

والقوة العمياء للأعداء يا بيروت صارت سائدةْ ؛‏

فها هنا ، في أرضنا ، تُنشا لنا معسكرات الاعتقالْ ،‏

يقيمها مَن يدّعي الفرار من " أوشفيتز " !؟‏

ومَن يبارك باعثي " أوشفيتز " !؟‏

وهاهنا، في أرضنا ، يحرقُنا بترولنا ، وننتشي بثنية العِقَالْ ؟!‏

ماتت ظلال الحرف يا بيروت ، صدقُ الحرف ، مصداقيةُ الأقوال ؛‏

ماتت سجايانا ، ومات الغوث ، " وامعتصماه " مات ،‏

متنا ركوعاً ها هنا في أرضنا !!. الموت في ضوء التهاب النار فيك شهادة ، موتٌ له معنى ،‏

لكننا نموت يا بيروت جبناً ، ذلَّة ، صمتاً ، ويأكلُنا الكلامْ؛‏

ونموت أخرى بعد مرُ الموت ، يا إشراقة الحياة في أوطاننا ،‏

لأن في إمكاننا أن نصنع الحياةْ …‏

لكننا إرادة معطلّةْ ،‏

يلجم فيها الوثبةَ الحُكَّامْ .‏

بيروت يا كِسَفَاً من النيران ، يا ردماً على لحم بريء ،‏

يا شاهد الدنيا على هذا الزمان الساقط الرديء ،‏

أسعى إلى مقامك الطَّهور ،‏

والسدُّ خلف السدِّ في هذا المدى ،‏

ونحن يا بيروت ، ليلٌ دامسٌ ، وحربةٌ مخاتِلَةْ ،‏

وكلمةٌ مسكونةٌ بالغدر أو بالقهر يا بيروت ،‏

وأمتي ، يا أمتي : مهازلٌ ..‏

وأنت في الأكبادِ ، والأكبادُ ذابلةْ .‏

***‏

عاصمتي في محنة البيانْ …‏

عاصمة الزمانْ ،‏

حاصَرْتِنا مذ حاصر النازيُّ موج الثورة المنداح من أبراجك المقاتلةْ ،‏

وحاصرَ البنادقَ المزدانةَ والأفواه بالبيانْ ،‏

وحاصرَ الأشجارَ والأفواه ، و الأنفاس عبر السابِلَةْ ،‏

وضحكةَ الأطفال والنساءْ ،‏

وشعلةَ النقاءِ في الأوطانْ .‏

عرّيتنا بيروت ..‏

كشفت كل عورةٍ ،‏

فضحْتِنا :‏

شعباً وحكاماً وتاريخاً حديثاً وادعاءْ ،‏

ألقيتنا على سفوح الذل والإهمال أشلاء على أشلاءْ ،‏

وقلت للزمان :‏

خذ جوقة الخصيانْ ،‏

وافلح بساتين الرمال البيض بالخذلانْ ،‏

وابذر وعوداً وادعاءات عريضات وأبواقاً ، و " كان "‏

واحصد بذار " عودة " و " عزة " و " نهضة " …‏

احصد كما تشاء من "وَقْوَقَةِ " الإعلامْ ،‏

خذ صمت أمة العربْ ،‏

واصمتْ …‏

اصمت على الجبانْ ،‏

فخير فضل الزمن : النسيانْ ... "‏

***‏

ألقيتنا على سفوح الذل يا بيروت‏

يسْخَر منَّا أرزُنا ،‏

يَزْوَرُّ عنَّا عزّنا ،‏

ونرتمي في هوة الأيامْ ..‏

جعجعة فارغة ، جوفاءْ‏

ونغمة ادعاءْ ..‏

عجفاءْ .‏

عرّيتنا بيروت‏

صرنا على كل الدروب جثةً ، أو هيكلاً مشوهاً ، أو داءْ‏

وأنت فينا الطعنة النجلاءْ ؟!‏

***‏

بيروت يا بيروت‏

يا جسداً ألقت عليه النارُ ما لم تشهد الأبصارْ ،‏

سبعين يوماً من قتال في لظى الحصارْ .‏

بيروت يا معاقل الثوار ، يا محاصَرةْ ..‏

ما كنت أول الطريق ، لا ولن تكوني أنت آخرهْ ؛‏

القدس قبلك اسألي ،‏

ولتسألي القنيطرةْ ،‏

وبور سعيد في الحريقْ ،‏

ومجدها العريقْ ،‏

ما كنت أول الطريق ، لا ولن تكوني أنت آخرهْ .‏

فدربنا يمتدُ في التاريخ من " ذي قار " حتى " الليْلكي "‏

إلى مدافن الرفاق في الجبلْ ،‏

في قلعة " الشّقيف " في " خَلْدة " في " بئر حسنْ " ،‏

يمتد قصراً أو كفنْ ،‏

يمتد نصراً أو صموداً في المحنْ ؛‏

لكنه يا غرَّة الصمود يا بيروت ، يبقى دربنا ،‏

نحن بهاءُ القصر أو ترب الكفنْ ،‏

وخط سيرنا يعود ، يا مدينة الوفاء ، قد يعود ، بل يعود ، بل‏

يعودْ ،‏

لنبدأ الطريق من بيروت حتى " الناصرة " ؛‏

لنكسر القيود ، نمسح الحدود والركودْ ،‏

وتمسك الجموعُ أمر الحرب والسلامْ ،‏

حرية اللسان والكلامْ ،‏

فتصنع الإرادةُ المقاتِلَةْ ،‏

حطّين أخرى قابِلَةْ .‏

****‏

مدينةَ الثوار ، خط سيرنا يعودْ ،‏

وفي رُباك سوف تخفق البنودْ ،‏

ويلتقي الأنصار والمهاجرةْ ،‏

في رحبة " الملعب " و " المتحف " و " الأبراجْ " ،‏

وينشد الجميع ..‏

"بيروت يا مقاتلةْ‏

لك الحياة و الخلود والبقاءْ‏

لك الوفاءْ ،‏

وللعدوِّ لعار والفناءْ .‏

بيروت يا مقاتِلَةْ ،‏

لك الأملْ . " .‏

* * * *‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244