شـاطئ الغربة/د.علي عقلة عرسان/شعر/الطبعة الثانية

زاد الحبّ

في ساحة ضوء منّ غابة …‏

في فسحة أرض تطرب إذ تضربها الشمس ،‏

في حضن أخضر محروس بالحب ، موشَّى بالأزهار وبالأسرارْ ،‏

هناك على ثدي من أرض ،‏

شجرٌ يصطفَ على نَسَقين وقورا ؛‏

يشمخ تيهاً ، يشمخ نورا ،‏

يبدو فيه الحزن عبادةْ‏

شجرٌ لا تعرف أبعادهْ‏

يقفز فيه الأخضر عبر الأصفر ، يصبح للألوان خلاصةْ،‏

يرمي في أعماق الصمت نعاسَهْ ؛‏

وسكونٌ ما يبرح أن يحكيْ ،‏

حين تكسِّر أضلاعَ الأوراق نعالُ الناسْ ،‏

يبكي .. يتضوَّر من إحساسْ ،‏

وهواتن من دمع الأشجار ،‏

تغسّل ثدي الأم الأرض ،‏

تعطر أنفاسَ الأنفاسْ .‏

في حضن الصمت هناك كتابٌ حي لا يُنسى ،‏

وحروف يدفُق منها الحبُّ ،‏

وقلبٌ مفتوحٌ للناسْ .‏

بيتٌ يأوي فيه السلم بجنب الحرب ،‏

وفيه .. تذكارٌ للحبِّ ،‏

يشد الناس لحُبِّ الناسِ ،‏

يقول :‏

" أفيقوا ..‏

إن الله محبةْ‏

وإن الحق بهذي الأرض لكل الخلق ،‏

وكل الخلق بعرف الله أحبةْ .‏

وإن العدل أساس الحكم ، أساس الملك ،‏

وبيت العدل يدومْ .‏

والحرية عمرٌ حيّ ،‏

أوقاتٌ تنبض بالدفءِ ..‏

عملٌ يبعث أملاً ؛‏

الحرية في عالمنا ، أسمى من قدس الأقداسِ ،‏

أفيقوا .. " .‏

في حضن الصمت هناك ،‏

نعيش صراعاً ، جدلاً حياً ،‏

عنفاً ، حباً ، كرهاً ، حرباً ، سلماً .. قصةَ دنيا ..‏

وهناك … نشيدُ الروح محَبَّةْ ،‏

فرحٌ ينسج أبدع قبةْ ،‏

سعيٌ للذوبان المطلقِ ، عبر المطلقْ ،‏

بحثٌ عن سر الأسرارِ ،‏

وراء الخلقِ ، وراء الصمتِ ،‏

وخلفَ الكون المغلق ..‏

هناك .. يصيرُ القلب نشيداً ،‏

والأعيادُ تكثِّف عيداً …‏

شيء أكبر من أن يُنسى ،‏

صمتٌ مسكون حيويةْ ،‏

مثل جبال تبدو راسية للناظر ، وهي تمُرُّ سراعاً .‏

صمتٌ يسحبنا في درب محروس بالأشجارِ .. طويل ،‏

تترامى فيه جثث الأوراق تباعاً ،‏

يصبح نعشاً ، عِبَراً ، تكثر ، تكبرُ …‏

تسحقها الأقدام ، تئن وتشهق ،‏

تلفظ درساً حياً ، يُنسى أو قد يُنسى .‏

حصن الصمت هناك طبيعةْ ،‏

كونٌ محكومٌ بالسر ، مختوم بالسر الأكبر ،‏

يشمخ كبراً .. تيهاً ..‏

يسخر من كل الأحياء ،‏

من نزوات الأحياء ،‏

يقول :‏

" الحب .. الحرب ... السلم .... الكره ..‏

القتل .. الملك .. النهب .. الجاه.. المال..‏

السلب .."‏

كلُّ الأوراق ستسقط يوماً ..‏

كلُّ الأوراق ستسقط .. تذوي .. تذبلُ‏

تغدو عفناً .. ترباً ،‏

كلُّ الأحكام ستسقط يوماً‏

يصبح جوفُ الأرض نهايةْ ،‏

يغدو الحاكم كالمحكوم .. نفاية ،‏

تلك حقيقةْ ..‏

تلك .. نهاية .‏

لكنْ .. درس الأوراق يصب بأعماق الأحداق نشيداً ..‏

رؤيةْ ..‏

زهواً مُغْبَراً عربيداً ،‏

يُنسى الكون وقد لا يُنسى ؛‏

زهو الورق الأول ،‏

ستر الإثم الأول ،‏

ورق التين على حواء .‏

***‏

لكنَّ الشمس تعرّي الأرض ،‏

تدس الخصب بعمق الأرض ،‏

فيغدو الكون ولادةْ ،‏

يغدو العيش عبادةْ ،‏

تشرق شمس سعادةْ ،‏

لكن.. لكن .. لكن ..؟!‏

يشمخ صمتٌ يأسر صوت الأفق ، وجنح الأفقِ ؛‏

ويبلع حوتٌ شمس الشرق ،‏

يدور الزمن .. نصير نهايةْ ،‏

نصير بدايةْ ،‏

نمشي ... لكن ...؟!‏

نمشي عبر الدرب الــ " يشرق " آيةْ ..‏

الدرب المسبوك حكايا ،‏

ننثر كلمات كالوردِ ،‏

يبسم منا القلب لماما ،‏

تضحك في أعيينا الخضرة ،‏

نغدو فجراً يشرق ..‏

نمشي عبر الدرب الناطقِ ،‏

إثر بقايا من خطوات ، إثر حَكَايا ..‏

قال الدرب :‏

" كانت للأطفال قضايا‏

طفل منهم كان حَلُوماً‏

يبحث عن سر الأسرار‏

يبحث عن عجب ، عن آيةْ‏

عصا خضراء ، تزيل الفقر ، تزيل الظلم ،‏

تجبُّ الإثم ، تعيد الخلق براءةْ .. " !!؟‏

قال الدربُ … وقال الدرب .. وفاض القلب ،‏

يقول الدرب كثيراً ،‏

نمشي في الدرب طويلاً ؛‏

وعلى كتف الدرب الأيمن تشرق آيةْ :‏

زهر فوق تراب أسودْ ،‏

قبرٌ ،‏

أشجارٌ مثل الأسرةْ ،‏

تفتح حضناً رحباً ،‏

تصمت صمتاً رحباً ،‏

تسكب دمعاً سكباً ،‏

تنثر ورقاً رطباً ،‏

تَمْثُلُ غايةْ .‏

قُفِلَ الدربُ ... هناك نهايةْ .‏

***‏

الهوة خلف القبر ، وخلف الدرب ، وخلف المشي .. هناك عميقةْ ؛‏

يُنْسى فيها الصدقُ صديقهْ ،‏

يبحر فيها الظلُّ ، ويغدو كهفاً ، ليلاً ،‏

عمقاً للأعماق مديداً ..‏

لكن .. في الأعماق بعيداً ،‏

سرٌ لا يفصح عن غايةْ ،‏

شبحٌ شيخٌ …‏

آدم من أطفال حفيدهْ ،‏

والصمتُ الصمتُ مديدٌ جداً ،‏

أكبر من كلمات يرسمن طريقاً ،‏

أو ينثرن رموزاً ،‏

أكبر من عمر الأحياء وعمر الأرض الصمتُ ؛‏

صمت يحكي كل حكايةْ .‏

نمشي في أمداء الصمتِ ،‏

نغرس عبر الترب رموشاً ، قلباً ، عقلاً ،‏

نقرأ .. نقرأ .. نقرأ … لكن ؟!‏

نعود ويبقى القبرُ ، ويبقى الزهرُ ، ويبقى السرُّ بعيداً ..‏

يبقى الدرب ، السّدّ ، الأوراقُ... الهوةُ تبقى ،‏

تضحك ، يشرق في ضحكتها سرٌ لا نفهمهُ ،‏

يشرق شيءٌ منَّا .. أكبر منَّا ..‏

نمشي ، نعرف أنَّا نمشي …‏

لكن .. أين .. لماذا ؟!‏

أين ؟! لماذا ؟!!‏

نمشي .. لكن .. لكن .. ؟!‏

أين ..؟ لماذا ..؟‏

* * * *‏

لابد نعود ..‏

لا بدَّ تسد الدرب سدود ..‏

لابد يُسدّ الدرب ، وتضحك في أقصاه الهوة يوماً ،‏

تضحك أشداق الأقدار .‏

الموت حقيقةْ ...‏

الموت حقيقةْ ...‏

تلك نهاية كلِّ حكايةْ .‏

الحب الزاد الأمثل يا كلّ الأحياءْ ،‏

الحب الزاد الأمثلْ .‏

قبر الــ " أبدع " حرباً ، سلماً ، تولستوي‏

يحكي قصة زاد أمثل ..‏

زاد الحب .‏

يا كلّ الأحياء أحبوا .. قبل الصمت الأكبر ..‏

يا كلّ الأحياء .. الصمتُ الأكبر آتٍ ...‏

يا كلّ الأحياء أحبوا ...‏

يا كلّ الأحياءْ .‏

* * * *‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244