|
زاد الحبّ
في ساحة ضوء منّ غابة …
في فسحة أرض تطرب إذ تضربها الشمس ،
في حضن أخضر محروس بالحب ، موشَّى بالأزهار وبالأسرارْ ،
هناك على ثدي من أرض ،
شجرٌ يصطفَ على نَسَقين وقورا ؛
يشمخ تيهاً ، يشمخ نورا ،
يبدو فيه الحزن عبادةْ
شجرٌ لا تعرف أبعادهْ
يقفز فيه الأخضر عبر الأصفر ، يصبح للألوان خلاصةْ،
يرمي في أعماق الصمت نعاسَهْ ؛
وسكونٌ ما يبرح أن يحكيْ ،
حين تكسِّر أضلاعَ الأوراق نعالُ الناسْ ،
يبكي .. يتضوَّر من إحساسْ ،
وهواتن من دمع الأشجار ،
تغسّل ثدي الأم الأرض ،
تعطر أنفاسَ الأنفاسْ .
في حضن الصمت هناك كتابٌ حي لا يُنسى ،
وحروف يدفُق منها الحبُّ ،
وقلبٌ مفتوحٌ للناسْ .
بيتٌ يأوي فيه السلم بجنب الحرب ،
وفيه .. تذكارٌ للحبِّ ،
يشد الناس لحُبِّ الناسِ ،
يقول :
" أفيقوا ..
إن الله محبةْ
وإن الحق بهذي الأرض لكل الخلق ،
وكل الخلق بعرف الله أحبةْ .
وإن العدل أساس الحكم ، أساس الملك ،
وبيت العدل يدومْ .
والحرية عمرٌ حيّ ،
أوقاتٌ تنبض بالدفءِ ..
عملٌ يبعث أملاً ؛
الحرية في عالمنا ، أسمى من قدس الأقداسِ ،
أفيقوا .. " .
في حضن الصمت هناك ،
نعيش صراعاً ، جدلاً حياً ،
عنفاً ، حباً ، كرهاً ، حرباً ، سلماً .. قصةَ دنيا ..
وهناك … نشيدُ الروح محَبَّةْ ،
فرحٌ ينسج أبدع قبةْ ،
سعيٌ للذوبان المطلقِ ، عبر المطلقْ ،
بحثٌ عن سر الأسرارِ ،
وراء الخلقِ ، وراء الصمتِ ،
وخلفَ الكون المغلق ..
هناك .. يصيرُ القلب نشيداً ،
والأعيادُ تكثِّف عيداً …
شيء أكبر من أن يُنسى ،
صمتٌ مسكون حيويةْ ،
مثل جبال تبدو راسية للناظر ، وهي تمُرُّ سراعاً .
صمتٌ يسحبنا في درب محروس بالأشجارِ .. طويل ،
تترامى فيه جثث الأوراق تباعاً ،
يصبح نعشاً ، عِبَراً ، تكثر ، تكبرُ …
تسحقها الأقدام ، تئن وتشهق ،
تلفظ درساً حياً ، يُنسى أو قد يُنسى .
حصن الصمت هناك طبيعةْ ،
كونٌ محكومٌ بالسر ، مختوم بالسر الأكبر ،
يشمخ كبراً .. تيهاً ..
يسخر من كل الأحياء ،
من نزوات الأحياء ،
يقول :
" الحب .. الحرب ... السلم .... الكره ..
القتل .. الملك .. النهب .. الجاه.. المال..
السلب .."
كلُّ الأوراق ستسقط يوماً ..
كلُّ الأوراق ستسقط .. تذوي .. تذبلُ
تغدو عفناً .. ترباً ،
كلُّ الأحكام ستسقط يوماً
يصبح جوفُ الأرض نهايةْ ،
يغدو الحاكم كالمحكوم .. نفاية ،
تلك حقيقةْ ..
تلك .. نهاية .
لكنْ .. درس الأوراق يصب بأعماق الأحداق نشيداً ..
رؤيةْ ..
زهواً مُغْبَراً عربيداً ،
يُنسى الكون وقد لا يُنسى ؛
زهو الورق الأول ،
ستر الإثم الأول ،
ورق التين على حواء .
***
لكنَّ الشمس تعرّي الأرض ،
تدس الخصب بعمق الأرض ،
فيغدو الكون ولادةْ ،
يغدو العيش عبادةْ ،
تشرق شمس سعادةْ ،
لكن.. لكن .. لكن ..؟!
يشمخ صمتٌ يأسر صوت الأفق ، وجنح الأفقِ ؛
ويبلع حوتٌ شمس الشرق ،
يدور الزمن .. نصير نهايةْ ،
نصير بدايةْ ،
نمشي ... لكن ...؟!
نمشي عبر الدرب الــ " يشرق " آيةْ ..
الدرب المسبوك حكايا ،
ننثر كلمات كالوردِ ،
يبسم منا القلب لماما ،
تضحك في أعيينا الخضرة ،
نغدو فجراً يشرق ..
نمشي عبر الدرب الناطقِ ،
إثر بقايا من خطوات ، إثر حَكَايا ..
قال الدرب :
" كانت للأطفال قضايا
طفل منهم كان حَلُوماً
يبحث عن سر الأسرار
يبحث عن عجب ، عن آيةْ
عصا خضراء ، تزيل الفقر ، تزيل الظلم ،
تجبُّ الإثم ، تعيد الخلق براءةْ .. " !!؟
قال الدربُ … وقال الدرب .. وفاض القلب ،
يقول الدرب كثيراً ،
نمشي في الدرب طويلاً ؛
وعلى كتف الدرب الأيمن تشرق آيةْ :
زهر فوق تراب أسودْ ،
قبرٌ ،
أشجارٌ مثل الأسرةْ ،
تفتح حضناً رحباً ،
تصمت صمتاً رحباً ،
تسكب دمعاً سكباً ،
تنثر ورقاً رطباً ،
تَمْثُلُ غايةْ .
قُفِلَ الدربُ ... هناك نهايةْ .
***
الهوة خلف القبر ، وخلف الدرب ، وخلف المشي .. هناك عميقةْ ؛
يُنْسى فيها الصدقُ صديقهْ ،
يبحر فيها الظلُّ ، ويغدو كهفاً ، ليلاً ،
عمقاً للأعماق مديداً ..
لكن .. في الأعماق بعيداً ،
سرٌ لا يفصح عن غايةْ ،
شبحٌ شيخٌ …
آدم من أطفال حفيدهْ ،
والصمتُ الصمتُ مديدٌ جداً ،
أكبر من كلمات يرسمن طريقاً ،
أو ينثرن رموزاً ،
أكبر من عمر الأحياء وعمر الأرض الصمتُ ؛
صمت يحكي كل حكايةْ .
نمشي في أمداء الصمتِ ،
نغرس عبر الترب رموشاً ، قلباً ، عقلاً ،
نقرأ .. نقرأ .. نقرأ … لكن ؟!
نعود ويبقى القبرُ ، ويبقى الزهرُ ، ويبقى السرُّ بعيداً ..
يبقى الدرب ، السّدّ ، الأوراقُ... الهوةُ تبقى ،
تضحك ، يشرق في ضحكتها سرٌ لا نفهمهُ ،
يشرق شيءٌ منَّا .. أكبر منَّا ..
نمشي ، نعرف أنَّا نمشي …
لكن .. أين .. لماذا ؟!
أين ؟! لماذا ؟!!
نمشي .. لكن .. لكن .. ؟!
أين ..؟ لماذا ..؟
* * * *
لابد نعود ..
لا بدَّ تسد الدرب سدود ..
لابد يُسدّ الدرب ، وتضحك في أقصاه الهوة يوماً ،
تضحك أشداق الأقدار .
الموت حقيقةْ ...
الموت حقيقةْ ...
تلك نهاية كلِّ حكايةْ .
الحب الزاد الأمثل يا كلّ الأحياءْ ،
الحب الزاد الأمثلْ .
قبر الــ " أبدع " حرباً ، سلماً ، تولستوي
يحكي قصة زاد أمثل ..
زاد الحب .
يا كلّ الأحياء أحبوا .. قبل الصمت الأكبر ..
يا كلّ الأحياء .. الصمتُ الأكبر آتٍ ...
يا كلّ الأحياء أحبوا ...
يا كلّ الأحياءْ .
* * * *
|