شـاطئ الغربة/د.علي عقلة عرسان/شعر/الطبعة الثانية

قنديل القلب

قنديل القلب حرونْ ،‏

يشحب حين تعوز الروحَ الرؤية ،‏

تنضب فيه الشمس ويمرضْ ،‏

يبحر في ظُلُمات النفس .. مثل اليأسِ ،‏

ينثر حبراً فوق الطِّرسِ ،‏

يخفي ذاته ، شأن الحبَّار البحريّ .. ويهربْ ،‏

يحفر في أحشاء الذكرى ،‏

نفقاً في أنفاقٍ أخرى ؛‏

يقبع في دهليز الماضي ،‏

حيث تسجَّى الليلُ بثوب الرعب ، الرعبُ بثوب الليل ،‏

أسيراً يغدو .. شيئاً من أشباح الخوف الأول ،‏

في أجيال الخلق الأولى .‏

****‏

في غَبَش الرؤيةِ أستسقي منه الضوء فيهربْ ،‏

يستر ذاته في الأشباح ،‏

أغوص وراءه في الأعماق ،‏

أقدم وعداً أخضرَ ،‏

أمهرُ وعدي بالأختامِ ..‏

ولكن .. ذاك الأخبر مني ،‏

يهرب أكثر مني ؛‏

يبقيني صمتاً مشنوقاً في الآفاق ويُبقي مني :‏

ظلاً حياً في العينين ،‏

ينهل ليلاً ، من ليلين :‏

ليل القلب ،‏

وليل آخر ، نبعُه قبرُ الشمس ورملُ الوعد الأصفرْ .‏

أركض خلف ضياء القلبِ .. بياض القلبِ ،‏

وأعطي قنديل القلب الزيتَ .. يقول :‏

" قديماً كان الزيتُ يضيء ،‏

ويبعث نوراً في الأحداق ،‏

قديماً كان نعيماً .‏

صار الزيت اليوم لهيباً ،‏

يحرق حتى القلب الأخضر ..‏

حتى الأمل الأخضر . " .‏

أضرع .. أعطي قنديل القلب النور الآتي‏

من علم الأكبر " أديسون " ..‏

لكن : ينزف رعباً أكثرْ ،‏

يوغل في أعماقٍ أكبرْ ،‏

يحكي صوتُه صوت المحتضر يقول :‏

"عذاباً صار التيار الأمثل ،‏

في أوكار القمع الأمثل ،‏

حيث الناس وقود ..‏

والأحياء شهود ،‏

والإنصاف وعودْ .‏

يذبل .. يمضي في دهليزٍ أعمى ،‏

أركض خلْفه ... أعمى ...‏

أبحث عن قنديل القلب ، وأَفنى ذعراً ،‏

حيث الريح عَصُوفٌ تزبد كالجلاد الأرعنْ ،‏

حيث الرعب قطوفٌ تدنو عبر ثمار الوعدِ ،‏

حيث الليل غدير ،‏

حيث البرق نذير ،‏

حيث الغيث أسيرْ .‏

أبحث عن قنديل القلب وأَفنى ذعراً .‏

***‏

أعطي القنديلَ النبضَ من حرف بكرٍ مخضوبٍ بالحرية والحناءِ ،‏

فيرفض ،‏

يصرخ : " فخُّ الحرف يميت الحُرَّ ،‏

ويعشي عين القلب ، وعين المبصر منَّا ،‏

في زمن صار فراشاً للحرْف الفخِّ ،‏

وفخاً للحرف الحرِّ ..‏

فدعني .‏

يمرق مني قنديلُ القلب بعيداً ،‏

يمضي صاروخاً عربيداً ،‏

في فلك الليل الأعمى ؛‏

وأنا أستسقي منه الضوءَ لأبصرَ في ليل الأحياء طريقي .‏

إني أبصر خطوَ رفيقي ،‏

ورفيقي ما عاد رفيقي ؛‏

والأشياء تغازل عيني .. تغزوها ..‏

لكن : حقاً يعشى القلبُ وقد لا تعشى الأبصارُ تماماً !!.‏

هل تعطيني يا ربان الشمس المبحر في أحشاء الليلْ ،‏

هل تعطيني قنديلاً يبصرُ فيه القلبُ طريقاً ،‏

في ليل القول ..‏

ليل وجوهٍ ..‏

ليل عيونٍ أسود ؟!‏

هل تعطيني قنديلاً يكشف وجهَ القولِ الحقِّ ووجه الحقّ؟!‏

فإن الليل كثيف ،‏

والرعب ، خليلُ الليل ، يحوم ..‏

وإني ضيعِّت القنديلَ ... القلب ،‏

والمرء بلا قلبٍ ... لحم مسمومْ .‏

***‏

يا ذا النُّونْ ..‏

يونس يغرق ،‏

يونس عاد لقلب " النّونْ " ،‏

في زمن الظلم المفتونْ ،‏

يونس يغرق ،‏

أخرج يونس من مثواه خديجاً كالبيض المكنون ،‏

أخرج يونس يا ذا النون .‏

هل تعطينا حرفاً مبنياً جسداً حياً ،‏

نلمس فيه الدمعَ، القلبَ، الكفَّ، الفأسَ ، الخبزَ.. ويضحك؟!‏

هيَّا.. هيَّا… إما نضحك أو نتقيَّأ …‏

يا ذا النونْ ..‏

هيَّا .. هيَّا .‏

مالك تسعى كالمجنونْ ،‏

في هذا العصر الملعونْ ،‏

والأغلال على زنديك ،‏

مثل القيد على رجليك.. ثقالٌ كالحزن المدفونْ ؟!‏

قد ضيَّعت طريقَ الدنيا ..‏

إنَّا نطلب منك الدنيا ،‏

ماذا تطلب يا ذا النون ،‏

في عصر الظلم المفتونْ ،‏

ماذا تطلبُ يا ذا النُّونْ ؟!‏

****‏

يا " ثَوْبَان " : الوجه الأسود أبيض ،‏

والقلب الأسمر أبيض ،‏

والدمّ الأحمر أبيض ،‏

نعرف .. نعرف أنك طيرُ الجَنَّة ..‏

مالك تحني الرأس محبة ؟!‏

هذا زمن فيه الحب رغيفٌ ،‏

أو فولاذ في الأحداقِ ،‏

أوسكِّين في الأعماقِ ..‏

ليست أرض الناس الجَنَّة ،‏

تهذي يا " ثَوْبَانُ " تماماً ، حين تظنّ الأرض الجّنَّة ،‏

"بعض الناس أفاعٍ ، بعض الناس محبة ..‏

بعض النَّاس عدوٌ ، بعض الناس أحبَّةْ . "‏

هذا يا " ثوبان " قديماً كان .. قديماً صار ،‏

لكن قانون الأحياء النابع من أعماق الثلجِ ،‏

ومن ظُلُمات الغزو اليومَ ، يقول :‏

"الناس سفاتج " .‏

يا " ثَوْبَان " : العارف ، في هذي الأيام ، هجين العلمِ ،‏

ولا يعطيه " القربُ " تواضع أهل العلم ،‏

وذاك الأقرب من مولاه يصير " إلهاً " يا " ثَوْبَانُ " ..‏

فكيف يكون المولى ؟!!‏

والثعبان يدس السم بعمق الرأس ، فيصبح علم الناس نفاقاً‏

ضاع القلبُ ، وحبُّ الحبِّ ، وصار العلم كما قد قلت قديماً:‏

"فخاً منصوباً للدنيا.. "‏

يخضع كلٌ منَّا ، يوماً .. يوماً ، أكثر .. أكثر ،‏

حتى يصبح خِرْقَةْ ..‏

تمسح " كعب " حصان الفارس .‏

يركض خلف رغيف الدنيا ؟!‏

ماذا نعمل يا " ثَوْبَان "‏

والإنسان هو الإنسان ؟!‏

نعصي الخالق ، لكن : نخضع أكثر للمخلوق ، نعوّض ..‏

هذا لون العصر " الأمثل " ،‏

لون رماد المِنْقَلْ .‏

ضيعَّنا مفتاح الحب ،‏

أغلقنا أبواب القلب ،‏

صنَّعنا معيار القيمة ،‏

صرنا نفهم قولاً .. قولاً ،‏

لكن لا نفهم إجمالاً .‏

هذا لونٌ من عالمنا ، يجعل قلب القلب فراغاً ؛‏

صرنا أقسى .. يا " ثَوْبَان " ،‏

نغرس كل الأرض سيوفاً ،‏

لكن : " كلُّ الأرض " نراها حيث الزند يمسُّ الأرضَ !؟‏

نحن الآن الأكثر زهداً يا " ثَوْبَان "‏

نحن الآن الأكثر زهداً .. فلتتعلَّم .‏

"حسبي قد تبت ، لَزِمْتُ البابَ " تقول ؟!‏

لكن : هل نقبل " زنديقاً " يكفر بالمخلوق الخالقِ ،‏

يؤمن أكثر بالخلاَّق الأول ؟!‏

هل نقبل ثوبان العبد إماماً في جمهور السادة ؟!‏

تهذي " يا ثَوْبَان " تماماً .. تهذي ،‏

إنسان مسكونٌ أنت.. وحقِّ الشمس لأنت الإنسان المسكون !!؟‏

يا ذا النُّونْ ،‏

قنديلُ القلب حرون ،‏

يشحُب حين تعوز الروحَ الرؤيةْ ،‏

في غَبَشِ الرؤية نهربُ .. لكن :‏

نبحث عن نور مكنون يبصر فيه القلب طريقاً‏

يورق فيه الليل بريقاً ،‏

يشرق فيه حرف بيان .. يوقد مشكاةَ الإنسان،‏

نبحث .. لكن : طال البحث ،‏

وطال المُكْثُ بسجن الدنيا يا ذا النُّونْ ،‏

إذ قنديل القلب حرون ،‏

يشحب حين تعوز الروح الرؤيةْ .!!‏

* * * *‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244