|
قنديل القلب
قنديل القلب حرونْ ،
يشحب حين تعوز الروحَ الرؤية ،
تنضب فيه الشمس ويمرضْ ،
يبحر في ظُلُمات النفس .. مثل اليأسِ ،
ينثر حبراً فوق الطِّرسِ ،
يخفي ذاته ، شأن الحبَّار البحريّ .. ويهربْ ،
يحفر في أحشاء الذكرى ،
نفقاً في أنفاقٍ أخرى ؛
يقبع في دهليز الماضي ،
حيث تسجَّى الليلُ بثوب الرعب ، الرعبُ بثوب الليل ،
أسيراً يغدو .. شيئاً من أشباح الخوف الأول ،
في أجيال الخلق الأولى .
****
في غَبَش الرؤيةِ أستسقي منه الضوء فيهربْ ،
يستر ذاته في الأشباح ،
أغوص وراءه في الأعماق ،
أقدم وعداً أخضرَ ،
أمهرُ وعدي بالأختامِ ..
ولكن .. ذاك الأخبر مني ،
يهرب أكثر مني ؛
يبقيني صمتاً مشنوقاً في الآفاق ويُبقي مني :
ظلاً حياً في العينين ،
ينهل ليلاً ، من ليلين :
ليل القلب ،
وليل آخر ، نبعُه قبرُ الشمس ورملُ الوعد الأصفرْ .
أركض خلف ضياء القلبِ .. بياض القلبِ ،
وأعطي قنديل القلب الزيتَ .. يقول :
" قديماً كان الزيتُ يضيء ،
ويبعث نوراً في الأحداق ،
قديماً كان نعيماً .
صار الزيت اليوم لهيباً ،
يحرق حتى القلب الأخضر ..
حتى الأمل الأخضر . " .
أضرع .. أعطي قنديل القلب النور الآتي
من علم الأكبر " أديسون " ..
لكن : ينزف رعباً أكثرْ ،
يوغل في أعماقٍ أكبرْ ،
يحكي صوتُه صوت المحتضر يقول :
"عذاباً صار التيار الأمثل ،
في أوكار القمع الأمثل ،
حيث الناس وقود ..
والأحياء شهود ،
والإنصاف وعودْ .
يذبل .. يمضي في دهليزٍ أعمى ،
أركض خلْفه ... أعمى ...
أبحث عن قنديل القلب ، وأَفنى ذعراً ،
حيث الريح عَصُوفٌ تزبد كالجلاد الأرعنْ ،
حيث الرعب قطوفٌ تدنو عبر ثمار الوعدِ ،
حيث الليل غدير ،
حيث البرق نذير ،
حيث الغيث أسيرْ .
أبحث عن قنديل القلب وأَفنى ذعراً .
***
أعطي القنديلَ النبضَ من حرف بكرٍ مخضوبٍ بالحرية والحناءِ ،
فيرفض ،
يصرخ : " فخُّ الحرف يميت الحُرَّ ،
ويعشي عين القلب ، وعين المبصر منَّا ،
في زمن صار فراشاً للحرْف الفخِّ ،
وفخاً للحرف الحرِّ ..
فدعني .
يمرق مني قنديلُ القلب بعيداً ،
يمضي صاروخاً عربيداً ،
في فلك الليل الأعمى ؛
وأنا أستسقي منه الضوءَ لأبصرَ في ليل الأحياء طريقي .
إني أبصر خطوَ رفيقي ،
ورفيقي ما عاد رفيقي ؛
والأشياء تغازل عيني .. تغزوها ..
لكن : حقاً يعشى القلبُ وقد لا تعشى الأبصارُ تماماً !!.
هل تعطيني يا ربان الشمس المبحر في أحشاء الليلْ ،
هل تعطيني قنديلاً يبصرُ فيه القلبُ طريقاً ،
في ليل القول ..
ليل وجوهٍ ..
ليل عيونٍ أسود ؟!
هل تعطيني قنديلاً يكشف وجهَ القولِ الحقِّ ووجه الحقّ؟!
فإن الليل كثيف ،
والرعب ، خليلُ الليل ، يحوم ..
وإني ضيعِّت القنديلَ ... القلب ،
والمرء بلا قلبٍ ... لحم مسمومْ .
***
يا ذا النُّونْ ..
يونس يغرق ،
يونس عاد لقلب " النّونْ " ،
في زمن الظلم المفتونْ ،
يونس يغرق ،
أخرج يونس من مثواه خديجاً كالبيض المكنون ،
أخرج يونس يا ذا النون .
هل تعطينا حرفاً مبنياً جسداً حياً ،
نلمس فيه الدمعَ، القلبَ، الكفَّ، الفأسَ ، الخبزَ.. ويضحك؟!
هيَّا.. هيَّا… إما نضحك أو نتقيَّأ …
يا ذا النونْ ..
هيَّا .. هيَّا .
مالك تسعى كالمجنونْ ،
في هذا العصر الملعونْ ،
والأغلال على زنديك ،
مثل القيد على رجليك.. ثقالٌ كالحزن المدفونْ ؟!
قد ضيَّعت طريقَ الدنيا ..
إنَّا نطلب منك الدنيا ،
ماذا تطلب يا ذا النون ،
في عصر الظلم المفتونْ ،
ماذا تطلبُ يا ذا النُّونْ ؟!
****
يا " ثَوْبَان " : الوجه الأسود أبيض ،
والقلب الأسمر أبيض ،
والدمّ الأحمر أبيض ،
نعرف .. نعرف أنك طيرُ الجَنَّة ..
مالك تحني الرأس محبة ؟!
هذا زمن فيه الحب رغيفٌ ،
أو فولاذ في الأحداقِ ،
أوسكِّين في الأعماقِ ..
ليست أرض الناس الجَنَّة ،
تهذي يا " ثَوْبَانُ " تماماً ، حين تظنّ الأرض الجّنَّة ،
"بعض الناس أفاعٍ ، بعض الناس محبة ..
بعض النَّاس عدوٌ ، بعض الناس أحبَّةْ . "
هذا يا " ثوبان " قديماً كان .. قديماً صار ،
لكن قانون الأحياء النابع من أعماق الثلجِ ،
ومن ظُلُمات الغزو اليومَ ، يقول :
"الناس سفاتج " .
يا " ثَوْبَان " : العارف ، في هذي الأيام ، هجين العلمِ ،
ولا يعطيه " القربُ " تواضع أهل العلم ،
وذاك الأقرب من مولاه يصير " إلهاً " يا " ثَوْبَانُ " ..
فكيف يكون المولى ؟!!
والثعبان يدس السم بعمق الرأس ، فيصبح علم الناس نفاقاً
ضاع القلبُ ، وحبُّ الحبِّ ، وصار العلم كما قد قلت قديماً:
"فخاً منصوباً للدنيا.. "
يخضع كلٌ منَّا ، يوماً .. يوماً ، أكثر .. أكثر ،
حتى يصبح خِرْقَةْ ..
تمسح " كعب " حصان الفارس .
يركض خلف رغيف الدنيا ؟!
ماذا نعمل يا " ثَوْبَان "
والإنسان هو الإنسان ؟!
نعصي الخالق ، لكن : نخضع أكثر للمخلوق ، نعوّض ..
هذا لون العصر " الأمثل " ،
لون رماد المِنْقَلْ .
ضيعَّنا مفتاح الحب ،
أغلقنا أبواب القلب ،
صنَّعنا معيار القيمة ،
صرنا نفهم قولاً .. قولاً ،
لكن لا نفهم إجمالاً .
هذا لونٌ من عالمنا ، يجعل قلب القلب فراغاً ؛
صرنا أقسى .. يا " ثَوْبَان " ،
نغرس كل الأرض سيوفاً ،
لكن : " كلُّ الأرض " نراها حيث الزند يمسُّ الأرضَ !؟
نحن الآن الأكثر زهداً يا " ثَوْبَان "
نحن الآن الأكثر زهداً .. فلتتعلَّم .
"حسبي قد تبت ، لَزِمْتُ البابَ " تقول ؟!
لكن : هل نقبل " زنديقاً " يكفر بالمخلوق الخالقِ ،
يؤمن أكثر بالخلاَّق الأول ؟!
هل نقبل ثوبان العبد إماماً في جمهور السادة ؟!
تهذي " يا ثَوْبَان " تماماً .. تهذي ،
إنسان مسكونٌ أنت.. وحقِّ الشمس لأنت الإنسان المسكون !!؟
يا ذا النُّونْ ،
قنديلُ القلب حرون ،
يشحُب حين تعوز الروحَ الرؤيةْ ،
في غَبَشِ الرؤية نهربُ .. لكن :
نبحث عن نور مكنون يبصر فيه القلب طريقاً
يورق فيه الليل بريقاً ،
يشرق فيه حرف بيان .. يوقد مشكاةَ الإنسان،
نبحث .. لكن : طال البحث ،
وطال المُكْثُ بسجن الدنيا يا ذا النُّونْ ،
إذ قنديل القلب حرون ،
يشحب حين تعوز الروح الرؤيةْ .!!
* * * *
|