|
شكوى الهمّ
في ليل أحلك من قلب الثكلى ،
نَصَبَ الهمُّ شراعاً في عينيَّ ،
ودقَّ الشوكَ بمهد الجفنِ ،
وأوقد ناراً في الأضلاعِ ،
وراح يجوب العمر وينبش بيت الذكرى ظفراَ ظفراً ..
قال :
"طريداً عشت .. وحيداً ،
بيتي القفرُ ،
فقيراً ما أشبعني الزادُ ولا زارت صرحَ القلب سعادةْ .."
وشكا الهم طويلاً ،
أعرَس في جنبيّ يثقب حيطان القلب لينْضَحَ ماء الحناءِ البكرِ ،
وصار لهيباً يسعى .
وتأملت .. ذاك الحيَّ الباحثَ عن أحياء يعيش عليها ،
قدمت فضاءَ الروح فضاقَ وصارَ نشيجاً مراً .. نزْفَاً .. رعباً ..
مزَّق وجه الليل فأوغل أكثر عبر الظُّلْمةْ ،
ضاع الأمل الأكبر منه ، وضاع النورُ ،
وعاد وحيداً يبكي عبر الليل الـ " يَقْطُرُ " عتمةْ
***
مسكينٌ همي
صار على طُرُقات الهمِّ غريباً يشكو جدب البيئةْ ،
قحط العمر الأغبر ،
قفراً ينذرُه بالغربةْ ،
ما عاد يلاقي في أعماق النفس ملاذاً ؛
صحراء صارت كلُّ شعاب النفس ،
وصار الصبر وباء يحصد شمس الهم .
ما خلَّف هذا الوضع ضياءً ملء القلبِ ،
ولا أزهاراً عبر الدربِ ،
ولا دمعة ضوءٍ ، أو شمعةَ راحةْ .
إذ .. ما ضعُف الهم لأن القلب يعيش ،
ما ضعُف لأن القلب قويٌ ، والأمل كبيرٌ، والصبح على الأبوابْ ؛
بل صار ضعيفاً .. حيث القلب تلاشى ،
صار الملحُ جدارَ العين الأول ،
حصنَ العين الأول ،
صار الجرح خلاصة عمر المرءِ ،
وصار الكون نحيباً مراً في الأعماق وفي الآفاق .
***
قال الناس كآبة ،
وقال الناس لماذا يطفح هذا الألم البكرُ ،
وهذا اليأس الـ " يُغرِقُ "حتى الكأس .. لماذا ؟!
نحن عذابات منفوشة ،
شأن العهن يُجَزُّ ويُطْرَحُ فوق الشوكِ ،
يُكوَّرُ مثل قنافذ غرثى ..
لكن نبقى نفتح عيناً نحو الشمس .
لماذا يسري العلقم عبر الحبر المرِّ ،
لماذا يشحب وجهُ الأمل الأكبرِ .. عبر الكون الأكبر ؟!
ماذا يجدينا أن نرمي منديلاً نحجب فيه الشمس ؟!
إن العمر فريضةْ ،
وإن الشمس وجودٌ حي في الأعماق وفي الآفاق ؛
نريد ضياء يسعى عبر القول ، وملء الدربِ ،
وملء القلب .. لنحيا !!
قال القلب :
"حديث الناس حديثي .. لكن ،
حتى الهم يريد طعاماً .. قلباً ،
عمرَ الحرف ... مديدَ الأمل الكامن فيهِ ،
ما يعطيه ، من دفقٍ حي للناس . " .
قول الناس حقيقة ،
قول القلب حقيقة ،
لكن .. بيت الذكرى يطفح فيه السيل المرُّ ،
ويمتدُّ نزيفُ العلقم مثل الموج الفحلِ ،
من الشريان لرأس الريشةْ .
هذا العمر دقائق تقطر لا تتوقف لحظةْ ،
عبر الأرض شعاب العمر تسيل … تضيعُ ،
وفيه :
القديس كما الإبليس يعيش دقائق معدودات !!
والإنسان وجود حي في الحريةْ ،
والإنسان لقاءٌ حي عبر القيمة .. عبر الكونِ مع الحريةْ ،
والإنسان حوارٌ يورق في الأحياء على تأسيس من حريةْ،
والإنسان الحر الحي = الآخر حرٌ حي ؛
هذا شرط العيش جماعةْ ،
هذا شرط الأمل الفحل الـ " يضرب " أرضَ الناسِ ،
فتلقح عيشاَ رحباً ..
يعطي العمر مداه ويعطي الناس سعادةْ ؛
هذا شرط الحرف الـ " يرفع " أملاً.. يصنع عمراً حياً!!.
إن الخيل تعيش ، تقطِّع عمراً .. يوماً .. يوماً ..
لكنَّ الإنسان القيمة .. شيءٌ آخر ..
شيءٌ حي في الحريةْ .
قال القلب وقال .. كثيراً ، قال .. ولكن ،
بيت الذكرى ينزف عبر الجسم حقائقْ ،
يشعل حتى الأرض حرائقْ ،
بيت الذكرى يحكي قصةَ جيلٍ عاش غريباً ،
عاش فقيراً .. عاش أجيراً .. عاش أسيرا..
حين رآه النورُ ، وأدرك معنى النورِ ، أتاه الهمجُ، الغزو،
وصار الوطن الحر سليباً ...
ضاعت آفاق الحريةْ ،
حين الأرض غدت مسبيّةْ .
سقط الطائر ينزف ،
ركض الجيل وضحى ..
مات وكبَّر .. لكن : صار الكف أسيرا
مر العمر وضاعت أرض أخرى ..
صاح الجيلُ وكبَّر .. لكن: صار الكفُّ.. النطقُ ، أسيرا!!
زاد الهمُّ وذاب القلب أسى ،
وازدادت فُرَصُ الهمسِ .. ولكن ، صار الهمسُ أسيراً .
جفَّ القلبُ .. تلاشى ،
ضمر الهمُّ .. تلاشى ، حيث القلب تلاشى .. لكن :
شرط الحرف الـ " يوقد " نار الساري ،
أن يحمل دفق الأمل البكر وشيئاً من حريةْ ،
فالحرية قيمةْ ..
والحرية شرطُ العمر الحيِّ ، وشرطُ القول الحيِّ ،
وشرطُ العيش جماعة .
* * * *
|