|
مواسم الرّعب
للرعب مواسم يا " صبرا "
للرعب مواسمه الكبرى ..
في يوم الرعب الأول كان الكون نشيجاً ،
شفقاً ينزف ، يُرضع ثغر الأم .. الأرض ، وريداً ،
يسقيها ناراً .. يفنيها .. يعبث فيها .. ثم يفتتها تنهيداً ،
والأمُّ .. الأرض الثكلى ، تصبح حبلى ..
تبلع لحم بنيها ،
ترقص هلعا ، ترقص تيهاً ..
منها الرعب ، إليها الرعب ، وفيها !!
والرعب اله مخمورٌ ،
يذرو عملقةَ الأشياءِ ، الأحياءِ ،الخُضْرَةِ ،
يسخر منها ،
يطويها في الرحم الكبرى ، تصبح ذكرى ؛
يُبقى منها في عمق الأرجاءِ صراخاً ،
ترجيعاً للرعب رتيباً ،
ينمو في أنسجة العالم ،
يصنع تيها ؛
يبرد آناً .. يبردُ .. يبردُ .. يصبح فيه الأبْهَرُ ثلجاً ،
لكن ينمو ،
يوقد أحياء كي ينمو ..
يغدو وجعاً يكبرْ .
هذا الرعب وليدٌ يكبرُ .. يصبح خِبرةْ !؟!
***
في كهف الإنسان الأول كان الرعب وليداً ،
جاء الأثمُ ، القتلُ ، الحقدُ ، الثأرُ ، البلوى ..
صار الرعب .. صبياً يحبو ... يركض ،
يركض في أطراف الدنيا يبصق نسلا ..
نسلُ الرعب ثمارٌ مرةْ :
"يأكل حقداً يكبر ، يحقد أكثر يكثر .. " !!
صار بليةْ .
جاءت تكبُرُ أكثر يوم الذكرى ..
في البيت الأول من " صبرا " !؟!.
****
للرعب مواسم يا " صبرا " ،
للرعب مواسمه الأخرى .
في الذكرى الأولى كان الصوت نحيباً
مدَّ الصوتُ جناحاً .. طار ، وكاد يصير نشيداً ،
صار الصوت صدى عربيداً ،
يبحر في أرجاء الدنيا ،
يقرع ناقوساً مفجوعاً ، يَدْمى ..
في إشراقة صبح الفصح يصيح :
"أفيقوا ..
الرعب يجيء صباحاً .. ظهراً ..
في كحل الليل يجيء الرعبُ ، أفيقوا ..
هذا يهوهْ سغبٌ ،
يبصق في الآفاق جنوداً ،
ينفث حقداً أسود ، دوداً ،
يحمل ساطوراً مشهوراً ،
يقطر إثماً ، يقطر جوراً ،
يأتي من أعماق الذكرى عبر " أريحا " ،
أفعى من " نيفادا " العصر تفحُّ فحيحاً
يا سكان الأرض أفيقوا .. جاء الرعبُ " زوابع " .
ويصب الرعب ظلاماً في الأحداقِ ،
يصير الكون .. الناس .. كآبةْ ،
يصيح الصوت :
"أفيقوا .. يا أحياء الكون أفيقوا
الرعب غدا غولاً يركض ،
يشعل في الأعماق حرائق ..
الرعب غدا نسرَ الآفاق ، أظلَّ الكون .. أفيقوا .. " !؟
صار الأفق سواداً ، تيهاً .. قعر جهنَّمْ ، ار قلب الخضرةِ
أفسد حتى رحم الزادْ
هذي الشمس كسوفٌ ..
هذي الأرض مدائن صالحْ
هذي عاد ،
هذا الوادي والأوتاد ..
هذي أشباح الأجسادْ ،
أعجاز النخل المنقعرِ،
والحوت يعود إلى يونس .
هيا يا سكان الأرض أفيقوا …
هذا الرعب يجيء " زوابع " !!
لكن الجبن .. النوم .. الخوف .. يشد الناس إليهِ ،
يشد القيد إلى الأوتاد ويُبقي الناس نحيباً .
ضمي يا " صبرا شاتيلا " ..
في ليل الناس الأطول هذا ،
شدَّيها من رمش العين وقولي :
" إن الجبن .. الخوف ..الذلَّ .. يشد الناس إليهِ ،
إن القيد حديد ،
إن القلب قديد ،
نامي يا أختي المسكينةْ ،
إن البرد شديدٌ ،
والأحياء جليدْ ..
نامي يا أختي المسكينةْ .
***
في الذكرى الأولى كان الكون نشيجاً
مرَّت أيام والذكرى تغمر ذكرى
حتى صار الناس جليداً ،
يطفو فوق محيط الرعب
نحيباً يرتجف الإنسان ، نحيباً صار
يخاف .. يذوب .. يصير روافد للأعماق
يظل .. يخاف .. يذوب ،
يذوب .. يخاف ،
إلى أن يصبح مصلوباً في الماء ... الرعب
يشد الشمس إليه .. يذوب
يرش الماء عليه .. يذوب
والذكرى توغل في النسيان تماماً .. توغل في النسيان .
**
في الذكرى الأولى كان الكون نشيجاً ،
نشيجاً مراً يا " صبرا "
مرّت أيام ، والذكرى عصفورٌ يبحر في الآفاق ،
تغيب .. تغيب .. وتصبح في الأعماق مذابحْ ،
تصبح لغماً موقوتاً ، كابوساً ، نهش جوارحْ .
أرقص رعباً يا شاتيلا .. أرقص رعباً ،
أعطوني عوداً .. مزماراً ..
شيئاً يُصدر صوتاً أسمى ، أحلى من صوت الممرور الخائف.
أعطوني حلماً .. عشباً ، خصلةَ شعرٍ أشقرَ .. نوراً ..
شيئاً من أحلام صبيَةْ ،
كي أغريَ عصفورَ الذكرى بالإبحار إليّ ،
كي يقصد صحرائي ، يبني عشاً فيها ،
يصرخ فيها .. يحييها ؛
كي ينقذني من رعبٍ ينمو في الأعماقْ ،
رعب النسيان المرِّ ، الموتِ ، القهرِ ، السلْبِ ، الغربةْ !!
أعطوني شيئاً أبني فيه الذكرى .. أملاً ،
أصبحُ شيئاً حياً ..
أعطوني حباً كي أطعمَ عصفور الذكرى
أعطوني شيئاً ، ضوءاً ..
فالشمس تغيبْ ،
والليل كئيبْ ،
وأنا يبصرني في الليل الغولُ وحرَّاسُ الأعماق .
أعطوني حبلاً أربط فيه الشمسَ ، فإن الشمس تغيبْ ،
وأنا أخشى الليلَ وحرَّاسَ الأعماق .
موج الطوفان يدب إليّ وفيّض الروح يضيق عليَّ ،
المركب يا نوح المركب ..
إني أغرقُ .. أغرقُ ..أغرقُ في الأعماقْ ؛
حيث محيط الرعب رهيب في الأعماقْ .
***
الكون نشيجٌ يا " صبرا "
في عيد الأعياد الكبرى
حيث الذكرى ..
تنبت دمعاً في الأحداقْ .
حيث الدَّم يصير سياجاً .. نعشاً ،
حيث سيوف الثأر بَوَادِحْ ،
حيث الضلع يخاف الأخَّ ،
وحيث العالم كالحْ .
***
ضمي يا " صبرا " شاتيلا
واروي للأطفال حكاية
تشرق أملاً ، تشرق آيةْ ،
قولي : ليل الرعب طويل
والآمال بهذا الجيل
ضمي يا " صبرا " شاتيلا
هذا يومٌ أقوَم قيلا ..
قولي :
"ليل العرب طويل
والآمال بهذا الجيل . " .
* * * *
|