شـاطئ الغربة/د.علي عقلة عرسان/شعر/الطبعة الثانية

مواسم الرّعب

للرعب مواسم يا " صبرا "‏

للرعب مواسمه الكبرى ..‏

في يوم الرعب الأول كان الكون نشيجاً ،‏

شفقاً ينزف ، يُرضع ثغر الأم .. الأرض ، وريداً ،‏

يسقيها ناراً .. يفنيها .. يعبث فيها .. ثم يفتتها تنهيداً ،‏

والأمُّ .. الأرض الثكلى ، تصبح حبلى ..‏

تبلع لحم بنيها ،‏

ترقص هلعا ، ترقص تيهاً ..‏

منها الرعب ، إليها الرعب ، وفيها !!‏

والرعب اله مخمورٌ ،‏

يذرو عملقةَ الأشياءِ ، الأحياءِ ،الخُضْرَةِ ،‏

يسخر منها ،‏

يطويها في الرحم الكبرى ، تصبح ذكرى ؛‏

يُبقى منها في عمق الأرجاءِ صراخاً ،‏

ترجيعاً للرعب رتيباً ،‏

ينمو في أنسجة العالم ،‏

يصنع تيها ؛‏

يبرد آناً .. يبردُ .. يبردُ .. يصبح فيه الأبْهَرُ ثلجاً ،‏

لكن ينمو ،‏

يوقد أحياء كي ينمو ..‏

يغدو وجعاً يكبرْ .‏

هذا الرعب وليدٌ يكبرُ .. يصبح خِبرةْ !؟!‏

***‏

في كهف الإنسان الأول كان الرعب وليداً ،‏

جاء الأثمُ ، القتلُ ، الحقدُ ، الثأرُ ، البلوى ..‏

صار الرعب .. صبياً يحبو ... يركض ،‏

يركض في أطراف الدنيا يبصق نسلا ..‏

نسلُ الرعب ثمارٌ مرةْ :‏

"يأكل حقداً يكبر ، يحقد أكثر يكثر .. " !!‏

صار بليةْ .‏

جاءت تكبُرُ أكثر يوم الذكرى ..‏

في البيت الأول من " صبرا " !؟!.‏

****‏

للرعب مواسم يا " صبرا " ،‏

للرعب مواسمه الأخرى .‏

في الذكرى الأولى كان الصوت نحيباً‏

مدَّ الصوتُ جناحاً .. طار ، وكاد يصير نشيداً ،‏

صار الصوت صدى عربيداً ،‏

يبحر في أرجاء الدنيا ،‏

يقرع ناقوساً مفجوعاً ، يَدْمى ..‏

في إشراقة صبح الفصح يصيح :‏

"أفيقوا ..‏

الرعب يجيء صباحاً .. ظهراً ..‏

في كحل الليل يجيء الرعبُ ، أفيقوا ..‏

هذا يهوهْ سغبٌ ،‏

يبصق في الآفاق جنوداً ،‏

ينفث حقداً أسود ، دوداً ،‏

يحمل ساطوراً مشهوراً ،‏

يقطر إثماً ، يقطر جوراً ،‏

يأتي من أعماق الذكرى عبر " أريحا " ،‏

أفعى من " نيفادا " العصر تفحُّ فحيحاً‏

يا سكان الأرض أفيقوا .. جاء الرعبُ " زوابع " .‏

ويصب الرعب ظلاماً في الأحداقِ ،‏

يصير الكون .. الناس .. كآبةْ ،‏

يصيح الصوت :‏

"أفيقوا .. يا أحياء الكون أفيقوا‏

الرعب غدا غولاً يركض ،‏

يشعل في الأعماق حرائق ..‏

الرعب غدا نسرَ الآفاق ، أظلَّ الكون .. أفيقوا .. " !؟‏

صار الأفق سواداً ، تيهاً .. قعر جهنَّمْ ، ار قلب الخضرةِ‏

أفسد حتى رحم الزادْ‏

هذي الشمس كسوفٌ ..‏

هذي الأرض مدائن صالحْ‏

هذي عاد ،‏

هذا الوادي والأوتاد ..‏

هذي أشباح الأجسادْ ،‏

أعجاز النخل المنقعرِ،‏

والحوت يعود إلى يونس .‏

هيا يا سكان الأرض أفيقوا …‏

هذا الرعب يجيء " زوابع " !!‏

لكن الجبن .. النوم .. الخوف .. يشد الناس إليهِ ،‏

يشد القيد إلى الأوتاد ويُبقي الناس نحيباً .‏

ضمي يا " صبرا شاتيلا " ..‏

في ليل الناس الأطول هذا ،‏

شدَّيها من رمش العين وقولي :‏

" إن الجبن .. الخوف ..الذلَّ .. يشد الناس إليهِ ،‏

إن القيد حديد ،‏

إن القلب قديد ،‏

نامي يا أختي المسكينةْ ،‏

إن البرد شديدٌ ،‏

والأحياء جليدْ ..‏

نامي يا أختي المسكينةْ .‏

***‏

في الذكرى الأولى كان الكون نشيجاً‏

مرَّت أيام والذكرى تغمر ذكرى‏

حتى صار الناس جليداً ،‏

يطفو فوق محيط الرعب‏

نحيباً يرتجف الإنسان ، نحيباً صار‏

يخاف .. يذوب .. يصير روافد للأعماق‏

يظل .. يخاف .. يذوب ،‏

يذوب .. يخاف ،‏

إلى أن يصبح مصلوباً في الماء ... الرعب‏

يشد الشمس إليه .. يذوب‏

يرش الماء عليه .. يذوب‏

والذكرى توغل في النسيان تماماً .. توغل في النسيان .‏

**‏

في الذكرى الأولى كان الكون نشيجاً ،‏

نشيجاً مراً يا " صبرا "‏

مرّت أيام ، والذكرى عصفورٌ يبحر في الآفاق ،‏

تغيب .. تغيب .. وتصبح في الأعماق مذابحْ ،‏

تصبح لغماً موقوتاً ، كابوساً ، نهش جوارحْ .‏

أرقص رعباً يا شاتيلا .. أرقص رعباً ،‏

أعطوني عوداً .. مزماراً ..‏

شيئاً يُصدر صوتاً أسمى ، أحلى من صوت الممرور الخائف.‏

أعطوني حلماً .. عشباً ، خصلةَ شعرٍ أشقرَ .. نوراً ..‏

شيئاً من أحلام صبيَةْ ،‏

كي أغريَ عصفورَ الذكرى بالإبحار إليّ ،‏

كي يقصد صحرائي ، يبني عشاً فيها ،‏

يصرخ فيها .. يحييها ؛‏

كي ينقذني من رعبٍ ينمو في الأعماقْ ،‏

رعب النسيان المرِّ ، الموتِ ، القهرِ ، السلْبِ ، الغربةْ !!‏

أعطوني شيئاً أبني فيه الذكرى .. أملاً ،‏

أصبحُ شيئاً حياً ..‏

أعطوني حباً كي أطعمَ عصفور الذكرى‏

أعطوني شيئاً ، ضوءاً ..‏

فالشمس تغيبْ ،‏

والليل كئيبْ ،‏

وأنا يبصرني في الليل الغولُ وحرَّاسُ الأعماق .‏

أعطوني حبلاً أربط فيه الشمسَ ، فإن الشمس تغيبْ ،‏

وأنا أخشى الليلَ وحرَّاسَ الأعماق .‏

موج الطوفان يدب إليّ وفيّض الروح يضيق عليَّ ،‏

المركب يا نوح المركب ..‏

إني أغرقُ .. أغرقُ ..أغرقُ في الأعماقْ ؛‏

حيث محيط الرعب رهيب في الأعماقْ .‏

***‏

الكون نشيجٌ يا " صبرا "‏

في عيد الأعياد الكبرى‏

حيث الذكرى ..‏

تنبت دمعاً في الأحداقْ .‏

حيث الدَّم يصير سياجاً .. نعشاً ،‏

حيث سيوف الثأر بَوَادِحْ ،‏

حيث الضلع يخاف الأخَّ ،‏

وحيث العالم كالحْ .‏

***‏

ضمي يا " صبرا " شاتيلا‏

واروي للأطفال حكاية‏

تشرق أملاً ، تشرق آيةْ ،‏

قولي : ليل الرعب طويل‏

والآمال بهذا الجيل‏

ضمي يا " صبرا " شاتيلا‏

هذا يومٌ أقوَم قيلا ..‏

قولي :‏

"ليل العرب طويل‏

والآمال بهذا الجيل . " .‏

* * * *‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244