شـاطئ الغربة/د.علي عقلة عرسان/شعر/الطبعة الثانية

بين الحلم والكابوس

في ليلة صيفْ‏

يومضُ فيها الحلم كسيفْ‏

شدّ الهمّ على سرحانْ‏

ألجأه أحدَ الأركانْ‏

عصفاً مأكولاً ألقاهُ ..‏

ركاماً من همِّ الإنسانْ ،‏

مدقوقَ اللَّحم مع الأحلام على سِنْدانْ ،‏

شهيدَ الوجه بلا ألوان ْ ،‏

وأحاط به من كل مكانْ .‏

***‏

ثقيلٌ رَدْمُ الهمّ ،‏

يسدُّ ينابيع الروحِ ، وكُوى النورِ ،‏

ويحجب وجه الله عن الإنسانْ !!‏

ثقيل رَدْمُ الهمّ .‏

وكلُّ جناحٍ يخفق في أجواء الهمّ يصيرُ رماداً ،‏

يندف فوق حقول الروح صقيعاً ،‏

يحرق قلب اللونِ ،‏

يرش رمال الموت بعين الشمسِ ،‏

ويطفئ وجه الكونِ ،‏

ثقيلٌ ردمُ الهمِّ على الإنسانْ .‏

***‏

سرحان .. عجوز يحلم ْ‏

شابَ ..‏

وأبقى الدهر على شفتيه صبابةْ‏

يسكب ألماً من شبّابةْ ،‏

يعصر أسرار الفتيان ، يعتِّق أسرار الفتيان .. ويحلمْ .‏

في الحرب الكبرى الأولى كان جنيناً ،‏

وعلى سفح القبر مخاضُه كانْ ..‏

بكَاهُ الناسُ وليداً ..‏

قالوا :‏

"كان جنيناً من أحلام أكبر من حجم الإنسانْ ،‏

كان لقاحُ الأرض .. الأمّ ، به ، إغواءً ، من نيسانْ ،‏

كان فتوناً يسعى ..‏

جاء بغير أوانْ ..‏

كان .. وكان.. وكانْ .. " .!!.‏

همَّ الأهل بدفن الجسد الحلمِ .. لكنْ ،‏

شهق الحلم وقال :‏

"دعوني ..‏

ها أنا قد فتّحتُ عيوني ،‏

جئت أوانَ مخاض الموتِ ،‏

وهلَّ أوانُ الحلمِ ،‏

دعوني .. " .‏

وعلى سفح القبر تلقَّى سيلاً من نظرات الدَّهْشةْ ،‏

سيلاً من رشقات الحسد البكر .. ورعشةْ ،‏

صار يحبُّ ،‏

وصار يشبُّ،‏

ويهرمُ منه القلبُ ،‏

ولكنْ يكبر بين الناسِ ..‏

ويمضي في دنيا " الأوهام " عجيباً ،‏

يمضي في دنيا الأحلامْ .‏

***‏

سرحانُ .. اثنانْ‏

تجوب الأرضَ به فرسانْ‏

بكفٍّ يحمل سيف الحلمْ‏

والكفُّ الأخرى سيفانْ ،‏

سيف العصر وسيف " زمانْ " !!‏

يطوي سرَّ الأرض بطرفةِ عين ..‏

من طوروس إلى تطوانْ ،‏

يجمع عمراً من أشجانٍ .. في فنجانْ .‏

لكنْ .. تُكسَرُ كلُّ سيوفه في نجرانْ ،‏

حيث الوقت صقيعاً صارَ .. صقيعاً كانْ !!‏

ويعود إلى رحمٍ سرحانْ‏

كَسِير الروح يعودُ ...‏

به أحمال من خذلانْ ،‏

نَتَنُ النفط على كفّيهِ ،‏

تقطر من رئتيه رياحُ الجمرِ ،‏

دخان قرون الحلم الأخضر ، صار سياجاً ،‏

في عينيه سياج دخانْ‏

يمشي خلف سراب أمانْ .‏

غاب الدربْ‏

والصبار فراش القلبْ .‏

سرحان .. اثنانْ‏

قدم في طين القبر تغوصُ ،‏

وأخرى ترقى للميزانْ‏

يركض ركضاً ممروراُ في : صارَ .. وكانْ .‏

يركع في محراب الجرحِ‏

يرشف من أوجاع الجرحِ‏

يصرخ ..يصرخ : نحن اثنانْ‏

من عادٍ .. حتى لبنانْ‏

نحن اثنانْ‏

نبحر في فُلْكِ الطوفانْ‏

عين تثقب قعر المركبِ ،‏

والعين الأخرى ربانْ !!.‏

نحن اثنان ..‏

صرنا الآن ...تفاضل : كانَ‏

صرنا الآن تفاضل كانْ .!!؟‏

***‏

في فترات "الصحو " يعربد في سرحان الحلمُ ،‏

يقفز .. يهزأ بالنمرودْ ،‏

ينشئ مأرب فوق سدودْ ،‏

يبعث كلَّ مدائن صالحْ ،‏

ينثر هوداً فوق رعودْ ،‏

يحمل كلَّ حبال القنّبْ‏

كلَّ خيوط الحلم الأرحبْ‏

كلَّ شباك الدّم الأقربْ‏

يحمل حتى ضوع الفجر .. ويركض ..‏

يركض .. يركض ..‏

يربط سفَ البحر الأحمر...،‏

بسيف البحر الأبيض...،‏

يربط طنجةَ بالناقورةْ ،‏

والأوراس إلى " شمسانْ " ..‏

يطعم أهل الشام تمور البصرةْ ،‏

" دقلةْ النورْ " ..‏

يسقي نجدَ من " الخابورْ " ..‏

يفرحُ ،‏

يرقصُ ،‏

يعصب شمساً حول الرأسِ ،‏

يفضح زهو العرسِ ،‏

يكاد يعربد عبر الأمسِ ،‏

يندفُ .. يندفُ نشوةْ ..‏

لكن ..‏

يهجم ظل " ملوك " وسْع الأرضِ‏

يهجمُ سيل عساكرْ‏

نملُ مخافرْ‏

يمطر ليلُ العصر بيادقْ‏

تمتشق الساحات بيارقْ‏

يغدو الرعبُ فيالقْ‏

والأخبارُ بنادقْ‏

تزحف أقطارٌ .. أقطارٌ مثل الكذبِ‏

ملء الكتبِ ..‏

ملء كوى التاريخ الرحبِ !!‏

"تفزع "كل قبائل تُبَّعْ ،‏

تُبعث عادٌ .. ثم ثمودٌ .. ثم قبائل .. ثم قبائل ..‏

ثمَّ..‏

ويغدو الاسم فصائلْ ،‏

تزحف سهلاً .. جبلاً .. بحراً .. قمراً ..‏

تزحفُ .. تزحفُ .. تزحفْ‏

تدفن عالم سرحان الطفل .. تدكُّه دكّا‏

تلقي سرحان ركاماً في أحد الأركان ..‏

ركاماً منهمّ الإنسانْ ،‏

مدقوقَ اللَّحم مع الأحلام على سِنْدانْ‏

شهيد الوجه بلا ألوانْ ..‏

***‏

بياناً كان ..‏

بياناً يخسف شمس الصيف‏

سرحان بيانْ‏

بياض بيانْ‏

سرحان أَمانٍ‏

منذ زمانْ‏

يزحف نحو تراب القبر‏

لكن :‏

عند سفوح القبرِ‏

يشهق حلمُ العمر‏

يقول : " دعوني أحلم‏

هذا أوان الحلم‏

وليل اليأس يفجّر زهوَ الأمل .. الحلم‏

دعوني أسكر حلماً ..‏

هذا أوان الحلم ،‏

إن اليأس أوانُ الحلم ،‏

أون الآن :‏

" سيف الإنسان .. الإنسان:‏

حلمٌ يُشْهَرُ مثل الشمسِ‏

فوق جبين اليأسِ .."‏

إن أوان اليأس .. أوان الحلم .. أوان الإنسان :‏

الآن .‏

* * * *‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244