|
بين الحلم والكابوس
في ليلة صيفْ
يومضُ فيها الحلم كسيفْ
شدّ الهمّ على سرحانْ
ألجأه أحدَ الأركانْ
عصفاً مأكولاً ألقاهُ ..
ركاماً من همِّ الإنسانْ ،
مدقوقَ اللَّحم مع الأحلام على سِنْدانْ ،
شهيدَ الوجه بلا ألوان ْ ،
وأحاط به من كل مكانْ .
***
ثقيلٌ رَدْمُ الهمّ ،
يسدُّ ينابيع الروحِ ، وكُوى النورِ ،
ويحجب وجه الله عن الإنسانْ !!
ثقيل رَدْمُ الهمّ .
وكلُّ جناحٍ يخفق في أجواء الهمّ يصيرُ رماداً ،
يندف فوق حقول الروح صقيعاً ،
يحرق قلب اللونِ ،
يرش رمال الموت بعين الشمسِ ،
ويطفئ وجه الكونِ ،
ثقيلٌ ردمُ الهمِّ على الإنسانْ .
***
سرحان .. عجوز يحلم ْ
شابَ ..
وأبقى الدهر على شفتيه صبابةْ
يسكب ألماً من شبّابةْ ،
يعصر أسرار الفتيان ، يعتِّق أسرار الفتيان .. ويحلمْ .
في الحرب الكبرى الأولى كان جنيناً ،
وعلى سفح القبر مخاضُه كانْ ..
بكَاهُ الناسُ وليداً ..
قالوا :
"كان جنيناً من أحلام أكبر من حجم الإنسانْ ،
كان لقاحُ الأرض .. الأمّ ، به ، إغواءً ، من نيسانْ ،
كان فتوناً يسعى ..
جاء بغير أوانْ ..
كان .. وكان.. وكانْ .. " .!!.
همَّ الأهل بدفن الجسد الحلمِ .. لكنْ ،
شهق الحلم وقال :
"دعوني ..
ها أنا قد فتّحتُ عيوني ،
جئت أوانَ مخاض الموتِ ،
وهلَّ أوانُ الحلمِ ،
دعوني .. " .
وعلى سفح القبر تلقَّى سيلاً من نظرات الدَّهْشةْ ،
سيلاً من رشقات الحسد البكر .. ورعشةْ ،
صار يحبُّ ،
وصار يشبُّ،
ويهرمُ منه القلبُ ،
ولكنْ يكبر بين الناسِ ..
ويمضي في دنيا " الأوهام " عجيباً ،
يمضي في دنيا الأحلامْ .
***
سرحانُ .. اثنانْ
تجوب الأرضَ به فرسانْ
بكفٍّ يحمل سيف الحلمْ
والكفُّ الأخرى سيفانْ ،
سيف العصر وسيف " زمانْ " !!
يطوي سرَّ الأرض بطرفةِ عين ..
من طوروس إلى تطوانْ ،
يجمع عمراً من أشجانٍ .. في فنجانْ .
لكنْ .. تُكسَرُ كلُّ سيوفه في نجرانْ ،
حيث الوقت صقيعاً صارَ .. صقيعاً كانْ !!
ويعود إلى رحمٍ سرحانْ
كَسِير الروح يعودُ ...
به أحمال من خذلانْ ،
نَتَنُ النفط على كفّيهِ ،
تقطر من رئتيه رياحُ الجمرِ ،
دخان قرون الحلم الأخضر ، صار سياجاً ،
في عينيه سياج دخانْ
يمشي خلف سراب أمانْ .
غاب الدربْ
والصبار فراش القلبْ .
سرحان .. اثنانْ
قدم في طين القبر تغوصُ ،
وأخرى ترقى للميزانْ
يركض ركضاً ممروراُ في : صارَ .. وكانْ .
يركع في محراب الجرحِ
يرشف من أوجاع الجرحِ
يصرخ ..يصرخ : نحن اثنانْ
من عادٍ .. حتى لبنانْ
نحن اثنانْ
نبحر في فُلْكِ الطوفانْ
عين تثقب قعر المركبِ ،
والعين الأخرى ربانْ !!.
نحن اثنان ..
صرنا الآن ...تفاضل : كانَ
صرنا الآن تفاضل كانْ .!!؟
***
في فترات "الصحو " يعربد في سرحان الحلمُ ،
يقفز .. يهزأ بالنمرودْ ،
ينشئ مأرب فوق سدودْ ،
يبعث كلَّ مدائن صالحْ ،
ينثر هوداً فوق رعودْ ،
يحمل كلَّ حبال القنّبْ
كلَّ خيوط الحلم الأرحبْ
كلَّ شباك الدّم الأقربْ
يحمل حتى ضوع الفجر .. ويركض ..
يركض .. يركض ..
يربط سفَ البحر الأحمر...،
بسيف البحر الأبيض...،
يربط طنجةَ بالناقورةْ ،
والأوراس إلى " شمسانْ " ..
يطعم أهل الشام تمور البصرةْ ،
" دقلةْ النورْ " ..
يسقي نجدَ من " الخابورْ " ..
يفرحُ ،
يرقصُ ،
يعصب شمساً حول الرأسِ ،
يفضح زهو العرسِ ،
يكاد يعربد عبر الأمسِ ،
يندفُ .. يندفُ نشوةْ ..
لكن ..
يهجم ظل " ملوك " وسْع الأرضِ
يهجمُ سيل عساكرْ
نملُ مخافرْ
يمطر ليلُ العصر بيادقْ
تمتشق الساحات بيارقْ
يغدو الرعبُ فيالقْ
والأخبارُ بنادقْ
تزحف أقطارٌ .. أقطارٌ مثل الكذبِ
ملء الكتبِ ..
ملء كوى التاريخ الرحبِ !!
"تفزع "كل قبائل تُبَّعْ ،
تُبعث عادٌ .. ثم ثمودٌ .. ثم قبائل .. ثم قبائل ..
ثمَّ..
ويغدو الاسم فصائلْ ،
تزحف سهلاً .. جبلاً .. بحراً .. قمراً ..
تزحفُ .. تزحفُ .. تزحفْ
تدفن عالم سرحان الطفل .. تدكُّه دكّا
تلقي سرحان ركاماً في أحد الأركان ..
ركاماً منهمّ الإنسانْ ،
مدقوقَ اللَّحم مع الأحلام على سِنْدانْ
شهيد الوجه بلا ألوانْ ..
***
بياناً كان ..
بياناً يخسف شمس الصيف
سرحان بيانْ
بياض بيانْ
سرحان أَمانٍ
منذ زمانْ
يزحف نحو تراب القبر
لكن :
عند سفوح القبرِ
يشهق حلمُ العمر
يقول : " دعوني أحلم
هذا أوان الحلم
وليل اليأس يفجّر زهوَ الأمل .. الحلم
دعوني أسكر حلماً ..
هذا أوان الحلم ،
إن اليأس أوانُ الحلم ،
أون الآن :
" سيف الإنسان .. الإنسان:
حلمٌ يُشْهَرُ مثل الشمسِ
فوق جبين اليأسِ .."
إن أوان اليأس .. أوان الحلم .. أوان الإنسان :
الآن .
* * * *
|