تراتيل الغربة/د.علي عقلة عرسان/شعر/الطبعة الثانية

مدخل

يترقرق في الأفق المفتون، دمُ الرؤى المجرّحة ،‏

وينتشي محنّياً شفق الأيام بنجيعِ كلام كالأحلام،‏

مرخياً في الليل عنان الألم إلى مداه،‏

في عمق الصمت الحاضن سيلَ الليل.. الغربْة .‏

حول الروح قفص يضغط ويضيق،‏

وعند موقع القدمين، أشلاء نجوم تهوي منطفئة،‏

كانت يوماً آمالاً تضيء سماء العمر، وليلَ الوقت.‏

في التيه...‏

يستقوي الليل على شمع توقده الروح،‏

يسخطُه برياحٍ جمع قبضته الأقوى...‏

يستقوي الليل على شمعي الرخو...‏

ويدُقُّ الدربَ ورائي نزفُ خطاه...‏

ونزحف عبر زمان يزحفُ‏

بين بريق سيوف تهوي فوق عيونٍ‏

يبرق فيها القهرُ وتذوي.‏

وساعة الزمن تدُقُّ خطواتٍ بعد خطوات‏

وتلهث الأقدامُ متعثِّرة بالرنين‏

هذا زحف يرفع سيفاً، يمشي في أنسجة القلب،‏

تغدو الأرض بظلِّ زحوفهِ غير الأرض،‏

تفقد لوناً .. طمعاً، كان يشد إليه الروح،‏

ويقبض أحشاء الأعماق.‏

الأرضُ تهجر معنى الأرض،‏

تصير حنيناً مراً يجذب جسماً يغرق في أحشاء الوقت‏

تأكله الدنيا إذ يأكل كتف الدنيا.‏

سيف الغربة يبدأ رعشته السَّكّارة قبل الفتك‏

وأنا الخوف الجارفُ‏

كلّ الخوف‏

فالعمر ثوانٍ معدوداتٍ،‏

صعبٌ أن يقضيها المرء على أجفان الوقت،‏

تصعقه الصحراء .. الغربة.‏

لي في الأرض الخصبة زرعٌ أحرص أن يشتد ويكثر،‏

ولي في الأرض عيونٌ تنبت في أعماق الزمن الغابر،‏

تربط حبلي بالماضين،‏

وتجعل عمري أطول من خيط الضوء القادم من رحم الشمس،‏

تجعله في عمر الضوء وعمر الشمس،‏

فأنا الآخرُ إذ يحيا‏

وأنا حيٌ في من يحيا‏

لي في الأرض، ولي في الأرض، ولي في الأرضِ...‏

ولكن .. ها قد هطلَ الخوفُ .. العجزُ .. وخيَّم ليلُ الغربة.‏

* * *‏

يسحبني من كفي "غِلْغَامِش"‏

نغْدو ملء الأرض، نشيدَ حنينٍ نغدو،‏

توقاً يحيا في الآتين.‏

يسحبني خلفَه .. نمشي .. نمشي..‏

من "أوروك" إلى " صَيْدون"،‏

من سيف الصَّوان إلى صبح الصاروخ...‏

نمشي .. نمشي.. نبكي.. نمشي‏

دمعاً نغدو، يُغرِق كلَّ جفون الأرض، عيون الأرض؛‏

نعبر كهفاً.. صمتاً مزروعاً: رعباً.. موتاً،‏

نفرق.. نهرب.. نعبر قصراً يزهر في أحيائه موت.‏

..... يا موت الحيّ، كئيب أنت.....‏

كئيب موت الحيّ...‏

يسير.. يجرُّ الموتَ ويحيا... كيف؟! وكيف؟!‏

يظل يجرّ الموتَ ويحيا ..‏

يزرع أرض الله نفاقاً .. تيهاً ..يحيا!؟!‏

يا لعجيب يحيا!؟‏

نعبر أرضاً قفراً..جبلاً.....وَعَراً... تيهاً...‏

جنيَّات العيش تَنُوشُ خطانا...‏

نركض.. نهدأ... نركض... نهدأ ... نركض‏

يبقى الخطوُ ورانا...‏

يبقى سيف يقطر ليلاً، فوق جبيني‏

سيف أسقيَ أمراً، أسقيَ موتاً..‏

أشكو الناسَ إليه، يشكو الناسَ إليّ، ويركض عبري،‏

نظل شعاع النافذ في الآفاق وفي الأعماق،‏

أشكو.. يشكو‏

أركضُ... يركض‏

أغرق...يغرق‏

أقول، يقول، نقول:‏

"خائفان من الموت نجوب السهوب‏

وقد أقضَّت مصيبةُ أخي مضجعي‏

كيف أسطيع السكوت، وكيف أحتمل ساكتاً؟!‏

صديقي الذي أحبه عاد إلى الطين ،‏

هل يتوجب عليّ أنا أيضاً أن أرقدَ مثله؟!‏

ارقد ..لا أستيقظ أبد الآبدين" ؟!(1)‏

لا مِرْيَة في حق..‏

لا مرية في حق..‏

لا مرية في حق..‏

* * * *‏

" غِلْغَامِش" يعرف أن السير وراء الأكبر وهمٌ أكبر،‏

يعرف أن الشدة تذوي مثل الوردة،‏

يعرف أن الشدة تولد مثل الوردة أيضاً،‏

يعرف... يعرف..‏

يذكر أن الغربةَ تنثرُ حبلَ العمر فتاتاً‏

يذكر أن الرحلة في المجهول، ستفضي يوماً للمجهول؛‏

" غلغامش" يعرف طعم البحر، وطعم الريح، وطعم البَرّ،‏

ويعلم معنى زحف الغربة.‏

يعلم أكثر مني... يعلم أقدم مني... يعلم... يعلم.‏

ورغم العلم الأقدمِ ..يمضي في المجهول بعيداً‏

يصولُ ..يجولُ.. يجول‏

يشد حريرَ شجوني عبر جراح من صبّار الحلق،‏

وعبر شجون الخلق،‏

ويسحب أحلامي خلفه فوق العُلّيق.. ويمضي!!‏

"أوقف زخمَ خطاك قليلاً يا " غلغامش"‏

دع خطوي يستوعب دربي‏

دعني أهطل دمعاً من عرنين الأنفِ،‏

ودع قلبي ينشج فوق الكتفِ..‏

وريّح قلبي..‏

دعه ينزف ألماً بكراً فوق رمال الحلم الأصفر‏

دع نفسي تشوي كبدي فوق الرمل، أحسّ رنين إرادةْ‏

دعني أبصر حتفي عبر الوقتِ، وأخفي خوفي‏

لا تسحب أمسَكَ فوقي..‏

يا " غلغامش" لطفاً‏

بعضَ زمانك هبني...‏

هبني بعضَ ودادك‏

بعض وجود يؤنس ليل الغربة حولي..‏

لا تهجرني عبر التيه وتمضي عني،‏

الغربة سيف الغيب، وسيف القهر،‏

وظل المجهول، وأكبر ..أكبر ...أكبر‏

والغربة تمطرُ في أحشائي الموتَ،‏

وتمطر بعد الموتِ: الموتَ وأكثر،‏

وترفع ستر الوجه الميت، وتندف ورْسَاً...‏

تنمو فطراً صوّانيّ اللون،‏

يكاثف فيَّ الكونَ فطوراً تنمو...‏

تخطف حبي للأحياء....‏

وتخطف كوني في الأحياء .. وتنمو‏

الغربة تكبر بالأحزان، وتملأ جوف الآن،‏

وتغدو أقسى من سجَّان في الصحراءِ،‏

يدوس الناس بلا إحساس؛‏

الغربة تعصف في الآفاق، أراها لوناً في الأحداق‏

كتيماً يبدو لونُ الغربة في الأحداق،‏

تعرّش بين القلب وحب القلب،‏

وتغدو قوقعة في الناس،‏

فيا للغربة من فانوس يرهق قلبي سيراً أعشى‏

يا للغربة.. ليل يغشى !؟!‏

ما عاد يساعدني في دربي ضوء المصباح...‏

راح المصباح..‏

راح الصبح وراح الضوء وراح … وراح … وراح..!!‏

مدّ يديك، الطهر، إليَّ...‏

وخلصني من قيد الغربة، يربطني في عرش الليل،‏

يا طفلاً يحبو في الجنة،‏

مدّ ظلالك نحوي.. تخضرّ الصحراء... فالصحراء توجّ بلمعِ الرؤية،‏

مدّ يديك .. مدَّ يديك..‏

الرؤية أنت.. الرؤية..أنت.. خلاصك أنت...‏

مدّ تخومك نحوي قبل مجيء تخوم الغربة..‏

يا مغسولاً بالدمع وفيض الألمِ البكر، وحبِّ الغير‏

ويا محروقَ القلبِ بجمرِ العيشِ وغدرِ الغير‏

مدّ تخومك نحوي‏

أعرف أنه لم أحم القلب الطفل، ولم أحم الجثة...‏

لم أحم العهد .. ولا حتى الطيف الزائر في رؤيا ليل..‏

أعرف عتباً مراً يزهر في عينك، وأعرف.. أعرف.. أعرف.. أعرف..‏

لا ترسل غضباً نحوي.. لا تصعقني.. لا تعتب موتاً،‏

بل أرسل بسمتك اللمَّاحة بالأسرار،‏

وخذ أسراري.. خفِّفْ ناري‏

قبل يباس القلبِ وفقدان الأسرار، بدار الهجرة،‏

أرسل بسمتك اللَمَّاحةَ بالأسرار.. وخذ أسراري،‏

ضاقت نفسي بالأسرار،‏

أطفئ ناري، ضاقت أحشائي بالنار.‏

أرسل ظلك فوق سمائي، مرمر مائي .. في صحرائي،‏

والصحراء رجاها الماء..‏

فصل الغربة صارَ فصولاً ترى‏

تزحفُ نحو صفاء الصحبة ...‏

وأنا في الأسر غريب‏

أنقذني يا خير حبيب‏

الغربة موت الحيّ..‏

وأنت الموت حبيب‏

أنت الموت قريب.‏

فلتمدد كفَّ الطهر إليّ.. يا مغسولاً بالأنوار‏

فأنا أخشى موت الأحياء وهم أحياء‏

أكثر مما أخشى الموتَ و زحفَ الموتِ على الأحياء.‏

* * * *‏

(1) من نشيد بابلي قديم‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244