|
مدخل
يترقرق في الأفق المفتون، دمُ الرؤى المجرّحة ،
وينتشي محنّياً شفق الأيام بنجيعِ كلام كالأحلام،
مرخياً في الليل عنان الألم إلى مداه،
في عمق الصمت الحاضن سيلَ الليل.. الغربْة .
حول الروح قفص يضغط ويضيق،
وعند موقع القدمين، أشلاء نجوم تهوي منطفئة،
كانت يوماً آمالاً تضيء سماء العمر، وليلَ الوقت.
في التيه...
يستقوي الليل على شمع توقده الروح،
يسخطُه برياحٍ جمع قبضته الأقوى...
يستقوي الليل على شمعي الرخو...
ويدُقُّ الدربَ ورائي نزفُ خطاه...
ونزحف عبر زمان يزحفُ
بين بريق سيوف تهوي فوق عيونٍ
يبرق فيها القهرُ وتذوي.
وساعة الزمن تدُقُّ خطواتٍ بعد خطوات
وتلهث الأقدامُ متعثِّرة بالرنين
هذا زحف يرفع سيفاً، يمشي في أنسجة القلب،
تغدو الأرض بظلِّ زحوفهِ غير الأرض،
تفقد لوناً .. طمعاً، كان يشد إليه الروح،
ويقبض أحشاء الأعماق.
الأرضُ تهجر معنى الأرض،
تصير حنيناً مراً يجذب جسماً يغرق في أحشاء الوقت
تأكله الدنيا إذ يأكل كتف الدنيا.
سيف الغربة يبدأ رعشته السَّكّارة قبل الفتك
وأنا الخوف الجارفُ
كلّ الخوف
فالعمر ثوانٍ معدوداتٍ،
صعبٌ أن يقضيها المرء على أجفان الوقت،
تصعقه الصحراء .. الغربة.
لي في الأرض الخصبة زرعٌ أحرص أن يشتد ويكثر،
ولي في الأرض عيونٌ تنبت في أعماق الزمن الغابر،
تربط حبلي بالماضين،
وتجعل عمري أطول من خيط الضوء القادم من رحم الشمس،
تجعله في عمر الضوء وعمر الشمس،
فأنا الآخرُ إذ يحيا
وأنا حيٌ في من يحيا
لي في الأرض، ولي في الأرض، ولي في الأرضِ...
ولكن .. ها قد هطلَ الخوفُ .. العجزُ .. وخيَّم ليلُ الغربة.
* * *
يسحبني من كفي "غِلْغَامِش"
نغْدو ملء الأرض، نشيدَ حنينٍ نغدو،
توقاً يحيا في الآتين.
يسحبني خلفَه .. نمشي .. نمشي..
من "أوروك" إلى " صَيْدون"،
من سيف الصَّوان إلى صبح الصاروخ...
نمشي .. نمشي.. نبكي.. نمشي
دمعاً نغدو، يُغرِق كلَّ جفون الأرض، عيون الأرض؛
نعبر كهفاً.. صمتاً مزروعاً: رعباً.. موتاً،
نفرق.. نهرب.. نعبر قصراً يزهر في أحيائه موت.
..... يا موت الحيّ، كئيب أنت.....
كئيب موت الحيّ...
يسير.. يجرُّ الموتَ ويحيا... كيف؟! وكيف؟!
يظل يجرّ الموتَ ويحيا ..
يزرع أرض الله نفاقاً .. تيهاً ..يحيا!؟!
يا لعجيب يحيا!؟
نعبر أرضاً قفراً..جبلاً.....وَعَراً... تيهاً...
جنيَّات العيش تَنُوشُ خطانا...
نركض.. نهدأ... نركض... نهدأ ... نركض
يبقى الخطوُ ورانا...
يبقى سيف يقطر ليلاً، فوق جبيني
سيف أسقيَ أمراً، أسقيَ موتاً..
أشكو الناسَ إليه، يشكو الناسَ إليّ، ويركض عبري،
نظل شعاع النافذ في الآفاق وفي الأعماق،
أشكو.. يشكو
أركضُ... يركض
أغرق...يغرق
أقول، يقول، نقول:
"خائفان من الموت نجوب السهوب
وقد أقضَّت مصيبةُ أخي مضجعي
كيف أسطيع السكوت، وكيف أحتمل ساكتاً؟!
صديقي الذي أحبه عاد إلى الطين ،
هل يتوجب عليّ أنا أيضاً أن أرقدَ مثله؟!
ارقد ..لا أستيقظ أبد الآبدين" ؟!(1)
لا مِرْيَة في حق..
لا مرية في حق..
لا مرية في حق..
* * * *
" غِلْغَامِش" يعرف أن السير وراء الأكبر وهمٌ أكبر،
يعرف أن الشدة تذوي مثل الوردة،
يعرف أن الشدة تولد مثل الوردة أيضاً،
يعرف... يعرف..
يذكر أن الغربةَ تنثرُ حبلَ العمر فتاتاً
يذكر أن الرحلة في المجهول، ستفضي يوماً للمجهول؛
" غلغامش" يعرف طعم البحر، وطعم الريح، وطعم البَرّ،
ويعلم معنى زحف الغربة.
يعلم أكثر مني... يعلم أقدم مني... يعلم... يعلم.
ورغم العلم الأقدمِ ..يمضي في المجهول بعيداً
يصولُ ..يجولُ.. يجول
يشد حريرَ شجوني عبر جراح من صبّار الحلق،
وعبر شجون الخلق،
ويسحب أحلامي خلفه فوق العُلّيق.. ويمضي!!
"أوقف زخمَ خطاك قليلاً يا " غلغامش"
دع خطوي يستوعب دربي
دعني أهطل دمعاً من عرنين الأنفِ،
ودع قلبي ينشج فوق الكتفِ..
وريّح قلبي..
دعه ينزف ألماً بكراً فوق رمال الحلم الأصفر
دع نفسي تشوي كبدي فوق الرمل، أحسّ رنين إرادةْ
دعني أبصر حتفي عبر الوقتِ، وأخفي خوفي
لا تسحب أمسَكَ فوقي..
يا " غلغامش" لطفاً
بعضَ زمانك هبني...
هبني بعضَ ودادك
بعض وجود يؤنس ليل الغربة حولي..
لا تهجرني عبر التيه وتمضي عني،
الغربة سيف الغيب، وسيف القهر،
وظل المجهول، وأكبر ..أكبر ...أكبر
والغربة تمطرُ في أحشائي الموتَ،
وتمطر بعد الموتِ: الموتَ وأكثر،
وترفع ستر الوجه الميت، وتندف ورْسَاً...
تنمو فطراً صوّانيّ اللون،
يكاثف فيَّ الكونَ فطوراً تنمو...
تخطف حبي للأحياء....
وتخطف كوني في الأحياء .. وتنمو
الغربة تكبر بالأحزان، وتملأ جوف الآن،
وتغدو أقسى من سجَّان في الصحراءِ،
يدوس الناس بلا إحساس؛
الغربة تعصف في الآفاق، أراها لوناً في الأحداق
كتيماً يبدو لونُ الغربة في الأحداق،
تعرّش بين القلب وحب القلب،
وتغدو قوقعة في الناس،
فيا للغربة من فانوس يرهق قلبي سيراً أعشى
يا للغربة.. ليل يغشى !؟!
ما عاد يساعدني في دربي ضوء المصباح...
راح المصباح..
راح الصبح وراح الضوء وراح … وراح … وراح..!!
مدّ يديك، الطهر، إليَّ...
وخلصني من قيد الغربة، يربطني في عرش الليل،
يا طفلاً يحبو في الجنة،
مدّ ظلالك نحوي.. تخضرّ الصحراء... فالصحراء توجّ بلمعِ الرؤية،
مدّ يديك .. مدَّ يديك..
الرؤية أنت.. الرؤية..أنت.. خلاصك أنت...
مدّ تخومك نحوي قبل مجيء تخوم الغربة..
يا مغسولاً بالدمع وفيض الألمِ البكر، وحبِّ الغير
ويا محروقَ القلبِ بجمرِ العيشِ وغدرِ الغير
مدّ تخومك نحوي
أعرف أنه لم أحم القلب الطفل، ولم أحم الجثة...
لم أحم العهد .. ولا حتى الطيف الزائر في رؤيا ليل..
أعرف عتباً مراً يزهر في عينك، وأعرف.. أعرف.. أعرف.. أعرف..
لا ترسل غضباً نحوي.. لا تصعقني.. لا تعتب موتاً،
بل أرسل بسمتك اللمَّاحة بالأسرار،
وخذ أسراري.. خفِّفْ ناري
قبل يباس القلبِ وفقدان الأسرار، بدار الهجرة،
أرسل بسمتك اللَمَّاحةَ بالأسرار.. وخذ أسراري،
ضاقت نفسي بالأسرار،
أطفئ ناري، ضاقت أحشائي بالنار.
أرسل ظلك فوق سمائي، مرمر مائي .. في صحرائي،
والصحراء رجاها الماء..
فصل الغربة صارَ فصولاً ترى
تزحفُ نحو صفاء الصحبة ...
وأنا في الأسر غريب
أنقذني يا خير حبيب
الغربة موت الحيّ..
وأنت الموت حبيب
أنت الموت قريب.
فلتمدد كفَّ الطهر إليّ.. يا مغسولاً بالأنوار
فأنا أخشى موت الأحياء وهم أحياء
أكثر مما أخشى الموتَ و زحفَ الموتِ على الأحياء.
* * * *
(1) من نشيد بابلي قديم
|