|
شـــاحب الوجه
شاحبَ الوجه تخطّاني .. حزينْ
ناثراً ورْسَ الدّنا فوق الجبين
بعد أن كان بلون الورد ممزوجاً برّياً الياسمين
فيه لون من جمالٍ، وتلاوينُ حنين
وصِباً يذوي على رجع الأنين
وعلى كتف له نامت تباريح السنينْ.
* * * * * *
مثقلُ القامةِ بالهمّ تبدّى
وحديثُ العين لو يجديه أجدى
صعَّرَ الخدَّ ومالْ
وتملاّني وقالْ:
" هل تُرى تعرف من يُلقي السؤالْ؟!
ربع قرن وتواريخي سؤال،
فوق حد السيف أو فوق الرمالْ!!"
وتخطّاني كتسحابِ النِّصال
في فؤادٍ يتردّى،
من علوٍ متعالْ.
* * * *
فوق ظل الصدر شاْل
وتصاويرُ رجالْ
وبقايا من جلالْ
ولوقع الكون لحظٌ يتصدّى
وأنا في الغِلّ أرنو، شأن كلِّ المقمَحين
تائه النظرة، والرأي، ومشلول اليقين.
من ترى يرتاح في طيَّات قلب المتعبينْ،
وأنا بالنبض موصولٌ بكُلَّ المتعبينْ؟!
أرقب الآتيَ، من حينٍ لحين ،
يبرز الماضي الدفين
يرتَقيني يتحدَّى
في عروقي يتبدّى
ويهز الرمحَ في الجرحِ المكينْ.
يا لحزني إذ يَرينْ
فوق أوجاعٍ وأملاحٍ وطينْ،
يا لعيشي بُمدى الذلِّ وبالعارِ طعينْ.
مقلة حبلى، وخرّاز ومخرز
وحشاشات تُفدّى
وبقايا من يقينْ
نابتات بين عرنين من خوف ولينْ؛
يا لروحي من سجين
يا لروحي من حزين وسجينْ.
* * * *
يا حزيران المسجّى في فضاء الروح والتاريخ تَدْمى من سنينْ،
يا عذاب الوقتِ، والعمرِ الهجينْ،
هامة تصرخ في الساحات ملء العالمينْ،
أفما يكفيك تَصْهَالاً على مرمى العريْن؟!
ضاقَ حتى العمر بالتعريض إذ تصهلُ،
وامتدَّت نصالُ الشامتينْ،
حَزّت العظم وما أبقيت وتينْ.
يا حزيران الحزينْ
قد دفعناك بتشرين وما زلْتَ المعنّى
تهتك الأستارَ عنّا
تنثر الأحشاء منّا
وتنادينا مهينْ:
" حان وقت الفجرِ،
عشرون(1).. ما جئتم
ومرّ الوقت ذكرى بعد ذكرى
وأنا أسرِج خيلاً من حنينْ،
وأناديكم .. وما من قادمينْ
بئس نسّاؤون للوقتِ،
وبئست من سنينْ،
ترهن الثأر بصحو النائمينْ".
* * * * *
يا حزيران .. الحزينْ
أفَمَا يكفيك أن جئنا حبالى الوهم حيناً بعد حينْ،
ونهلنا من كؤوس مترعاتٍ بالأذى
وشربنا عَكرَ الماء وأشلاء القذى
وتنحَّينا عن العليا لقوم آخرينْ !؟
أفَمَا يكفيك حَيْنٌ في حمانا، كل يوم ،إذ يحينْ؟!
صرت فينا عيشَنا الممرور، والليلَ المسجّى في العيونْ،
حشوة الذكرى، وداء وفتونْ،
أفما يكفيك تَصْهَالاً وتعريضاً بنا ؟!؟
* * * *
يا حزيران تناسيناك، أقفلنا عليك الصمتَ،
أوجعناك هجراً وازدراء .. وابتعدنا
ودفنّاك بأكباد الجمالْ
وأهلْنا فوق ذكراك الجبالْ،
وتلهينا بأنواع الجَمَالْ،
ورحلنا عنك، بالخمر وبالسلوى، مسافات الخيالْ
عَدَّ رملِ البيدِ، ركضَ الآل في بحر الرِّمالْ
وابتعدنا ... فوق ما يجتازه سبْحُ الخيالْ
كيف يا ذا الظّلَّة السوداء، والشالِ الملطخ،
سحنةَ الموتى، وعريَ العار والمنفى الأبيدْ
كيف تسطيع تخطّي النارَ والنسيانَ والموتَ... وتأتي من بعيد؟!
كيف يا جسّار تأتي!؟
كيف تغشانا، وتدوّي في فضانا
أفَمَا تخشى حِمانا؟!
كل شيء قد محونا رسمه .. حتى المنى حالت، وما عادت منانا
كيف تأتي...
كل شخص قد محونا "إسمه"، صغناه أنسيّاً سوانا
كل عيب قد سترنا عريه... حتى سماء الأمس ما عادت سمانا
كيف تسطيع اختراق الزهوِ صغناه جُمَانا
وتقلَّدناهُ من تشرين آناً.. ثم آناً.. ثم آنا
ثم صغناه بيانا،
وغزونا بالبيان الشمسَ، ألحقنا سماها بِسَمَانا.
كيف يا جسّار تنبش كبدنا، تفري مراراتٍ سِمانا
كيف تأتي.. شاهراً بؤسَك في وجه حُلانا
أفَمَا تخشى رُقانا،
شدّةً في شُعَرَانا
شِقوةً في أمرانا
ومراضَ اللَّحْظِ من حلو نسانا
حين يُسْرِجْنَ خدوداً في ليالينا، ويرخينَ إلى اللهو عنانا
ويضئن الخمرَ والشعرَ، وسحراً وبياناً؟!؟
كيف يا هذا تُهيجُ الخيلَ والليلَ وأطرافَ القنا ..
تغدو صراخاً في كَرَانَا؟!
حاسراً تأتي، ومن كفيك تَخفاق البنودْ!!
كيف يا هذا تعود،
قاطعاَ كل المنافي ،
كاسراً كل القيود،
عابراً كل الحدودْ ؟!
أخضر اللغو تعود
أخضر العشق تعود
حلو أملودٍ تعود
غصنَ بان .. وكمان
وعلى الثغر بيانْ:
" صحوةَ الموت، وعقداً من دماء كالجمان "
وعلى الكفين فيضٌ من رعود
واللسانْ...
يا لذيَّاك اللسانْ!!
زهوُ عشاق الزمانْ
يجتني من زهرة الرّمان معنى للصعود!!
كيف يا هذا تعود
رافعاً صوت الضحايا،
خافقاً مثلَ البنودْ،
قاطعاً كل المنافي،
كاسر كل القيود؟!
كيف يا هذا تعود!؟
كيف يا هذا تعود؟!
* * * * *
آه يا شهر الرزايا
يا حزيرانَ الحزينْ،
شبحاً في الدرب مغلولاً، وفي القلب دفينْ،
منشِداً تبقى على مَرِّ السنينْ،
تنشرُ الأمسَ مراراتٍ على دربي،
وتلقيني على الدنيا سؤالْ
وتصعِّر خداك المصفَّر للناس، وتمشي في الخلايا..
في التواشيح التي تروي الحَكَايا
تطلب الصحوَ، وأن تُمحى الخطايا
ويعودَ العهدُ.. عهدُ الأولينْ؟!
آه يا جسرَ الأنينْ،
وتواريخ البلايا...
شاحبَ الوجه تخطّاني .. حزينْ،
ناثراً ورْسَ الدُّنا فوق الجبينْ،
آه من آهِكَ في قلبي .. وما قلبي مرايا
أو صَفَاة لا تلينْ،
آه من تَصْهَالِك الممرور في كل الزوايا،
حين تغزونا وتغدو في الخلايا،
وفضاءُ الروح هشٌ وحزينْ!!
مثقلاً بالخوف...بالجوعِ، وباليأس رهينْ،
وتشارين تكايا وحكايا ومزايا لا تبينْ،
آه من ردي على تسآلك المرِّ الدفينْ،
باهتٌ مثل انعدام الرَّدِّ ردي لا يُبينْ.
يا حزيران .. الحزينْ،
صعّر الخدَّ.. تحدّى
وازدريني.. لن ترى عندي على الإزراء ردّا،
واعتليني.. وتصدَّى،
في شراييني تبدّى،
شاحبَ الوجه، نحيلاً، وغريباً، وحزينْ؛
لن ترى عندي على الإزراء ردّا،
فلقد أزريتَ بالجند فصار القولُ جندا.
إنني أثقب شرنقةَ الأمس، وأغزو اليومَ،
ولا أملك عقدا.
إنهم آتون أحفادي ، رجاء وعرينْ،
ونضارات سنينْ؛
فانتظر يوماً ترانا قادمينْ،
شعلةَ العزم، شُراةً كاسرينْ،
نظفر الغارَ على كلِّ جبينْ،
نهبُ العمرَ لمجد العالمينْ،
ونقول: النصر وعد الصابرينْ؛
فانتظرنا.. يا حزيران الحزينْ،
انتظرنا…
انتظر زحف الشُّرَاة القادمينْ.
* * * *
(1) كتبت هذه القصيدة بمناسبة مرور عشرين سنة على نكبة حزيران 1967.
|