تراتيل الغربة/د.علي عقلة عرسان/شعر/الطبعة الثانية

شـــاحب الوجه

شاحبَ الوجه تخطّاني .. حزينْ‏

ناثراً ورْسَ الدّنا فوق الجبين‏

بعد أن كان بلون الورد ممزوجاً برّياً الياسمين‏

فيه لون من جمالٍ، وتلاوينُ حنين‏

وصِباً يذوي على رجع الأنين‏

وعلى كتف له نامت تباريح السنينْ.‏

* * * * * *‏

مثقلُ القامةِ بالهمّ تبدّى‏

وحديثُ العين لو يجديه أجدى‏

صعَّرَ الخدَّ ومالْ‏

وتملاّني وقالْ:‏

" هل تُرى تعرف من يُلقي السؤالْ؟!‏

ربع قرن وتواريخي سؤال،‏

فوق حد السيف أو فوق الرمالْ!!"‏

وتخطّاني كتسحابِ النِّصال‏

في فؤادٍ يتردّى،‏

من علوٍ متعالْ.‏

* * * *‏

فوق ظل الصدر شاْل‏

وتصاويرُ رجالْ‏

وبقايا من جلالْ‏

ولوقع الكون لحظٌ يتصدّى‏

وأنا في الغِلّ أرنو، شأن كلِّ المقمَحين‏

تائه النظرة، والرأي، ومشلول اليقين.‏

من ترى يرتاح في طيَّات قلب المتعبينْ،‏

وأنا بالنبض موصولٌ بكُلَّ المتعبينْ؟!‏

أرقب الآتيَ، من حينٍ لحين ،‏

يبرز الماضي الدفين‏

يرتَقيني يتحدَّى‏

في عروقي يتبدّى‏

ويهز الرمحَ في الجرحِ المكينْ.‏

يا لحزني إذ يَرينْ‏

فوق أوجاعٍ وأملاحٍ وطينْ،‏

يا لعيشي بُمدى الذلِّ وبالعارِ طعينْ.‏

مقلة حبلى، وخرّاز ومخرز‏

وحشاشات تُفدّى‏

وبقايا من يقينْ‏

نابتات بين عرنين من خوف ولينْ؛‏

يا لروحي من سجين‏

يا لروحي من حزين وسجينْ.‏

* * * *‏

يا حزيران المسجّى في فضاء الروح والتاريخ تَدْمى من سنينْ،‏

يا عذاب الوقتِ، والعمرِ الهجينْ،‏

هامة تصرخ في الساحات ملء العالمينْ،‏

أفما يكفيك تَصْهَالاً على مرمى العريْن؟!‏

ضاقَ حتى العمر بالتعريض إذ تصهلُ،‏

وامتدَّت نصالُ الشامتينْ،‏

حَزّت العظم وما أبقيت وتينْ.‏

يا حزيران الحزينْ‏

قد دفعناك بتشرين وما زلْتَ المعنّى‏

تهتك الأستارَ عنّا‏

تنثر الأحشاء منّا‏

وتنادينا مهينْ:‏

" حان وقت الفجرِ،‏

عشرون(1).. ما جئتم‏

ومرّ الوقت ذكرى بعد ذكرى‏

وأنا أسرِج خيلاً من حنينْ،‏

وأناديكم .. وما من قادمينْ‏

بئس نسّاؤون للوقتِ،‏

وبئست من سنينْ،‏

ترهن الثأر بصحو النائمينْ".‏

* * * * *‏

يا حزيران .. الحزينْ‏

أفَمَا يكفيك أن جئنا حبالى الوهم حيناً بعد حينْ،‏

ونهلنا من كؤوس مترعاتٍ بالأذى‏

وشربنا عَكرَ الماء وأشلاء القذى‏

وتنحَّينا عن العليا لقوم آخرينْ !؟‏

أفَمَا يكفيك حَيْنٌ في حمانا، كل يوم ،إذ يحينْ؟!‏

صرت فينا عيشَنا الممرور، والليلَ المسجّى في العيونْ،‏

حشوة الذكرى، وداء وفتونْ،‏

أفما يكفيك تَصْهَالاً وتعريضاً بنا ؟!؟‏

* * * *‏

يا حزيران تناسيناك، أقفلنا عليك الصمتَ،‏

أوجعناك هجراً وازدراء .. وابتعدنا‏

ودفنّاك بأكباد الجمالْ‏

وأهلْنا فوق ذكراك الجبالْ،‏

وتلهينا بأنواع الجَمَالْ،‏

ورحلنا عنك، بالخمر وبالسلوى، مسافات الخيالْ‏

عَدَّ رملِ البيدِ، ركضَ الآل في بحر الرِّمالْ‏

وابتعدنا ... فوق ما يجتازه سبْحُ الخيالْ‏

كيف يا ذا الظّلَّة السوداء، والشالِ الملطخ،‏

سحنةَ الموتى، وعريَ العار والمنفى الأبيدْ‏

كيف تسطيع تخطّي النارَ والنسيانَ والموتَ... وتأتي من بعيد؟!‏

كيف يا جسّار تأتي!؟‏

كيف تغشانا، وتدوّي في فضانا‏

أفَمَا تخشى حِمانا؟!‏

كل شيء قد محونا رسمه .. حتى المنى حالت، وما عادت منانا‏

كيف تأتي...‏

كل شخص قد محونا "إسمه"، صغناه أنسيّاً سوانا‏

كل عيب قد سترنا عريه... حتى سماء الأمس ما عادت سمانا‏

كيف تسطيع اختراق الزهوِ صغناه جُمَانا‏

وتقلَّدناهُ من تشرين آناً.. ثم آناً.. ثم آنا‏

ثم صغناه بيانا،‏

وغزونا بالبيان الشمسَ، ألحقنا سماها بِسَمَانا.‏

كيف يا جسّار تنبش كبدنا، تفري مراراتٍ سِمانا‏

كيف تأتي.. شاهراً بؤسَك في وجه حُلانا‏

أفَمَا تخشى رُقانا،‏

شدّةً في شُعَرَانا‏

شِقوةً في أمرانا‏

ومراضَ اللَّحْظِ من حلو نسانا‏

حين يُسْرِجْنَ خدوداً في ليالينا، ويرخينَ إلى اللهو عنانا‏

ويضئن الخمرَ والشعرَ، وسحراً وبياناً؟!؟‏

كيف يا هذا تُهيجُ الخيلَ والليلَ وأطرافَ القنا ..‏

تغدو صراخاً في كَرَانَا؟!‏

حاسراً تأتي، ومن كفيك تَخفاق البنودْ!!‏

كيف يا هذا تعود،‏

قاطعاَ كل المنافي ،‏

كاسراً كل القيود،‏

عابراً كل الحدودْ ؟!‏

أخضر اللغو تعود‏

أخضر العشق تعود‏

حلو أملودٍ تعود‏

غصنَ بان .. وكمان‏

وعلى الثغر بيانْ:‏

" صحوةَ الموت، وعقداً من دماء كالجمان "‏

وعلى الكفين فيضٌ من رعود‏

واللسانْ...‏

يا لذيَّاك اللسانْ!!‏

زهوُ عشاق الزمانْ‏

يجتني من زهرة الرّمان معنى للصعود!!‏

كيف يا هذا تعود‏

رافعاً صوت الضحايا،‏

خافقاً مثلَ البنودْ،‏

قاطعاً كل المنافي،‏

كاسر كل القيود؟!‏

كيف يا هذا تعود!؟‏

كيف يا هذا تعود؟!‏

* * * * *‏

آه يا شهر الرزايا‏

يا حزيرانَ الحزينْ،‏

شبحاً في الدرب مغلولاً، وفي القلب دفينْ،‏

منشِداً تبقى على مَرِّ السنينْ،‏

تنشرُ الأمسَ مراراتٍ على دربي،‏

وتلقيني على الدنيا سؤالْ‏

وتصعِّر خداك المصفَّر للناس، وتمشي في الخلايا..‏

في التواشيح التي تروي الحَكَايا‏

تطلب الصحوَ، وأن تُمحى الخطايا‏

ويعودَ العهدُ.. عهدُ الأولينْ؟!‏

آه يا جسرَ الأنينْ،‏

وتواريخ البلايا...‏

شاحبَ الوجه تخطّاني .. حزينْ،‏

ناثراً ورْسَ الدُّنا فوق الجبينْ،‏

آه من آهِكَ في قلبي .. وما قلبي مرايا‏

أو صَفَاة لا تلينْ،‏

آه من تَصْهَالِك الممرور في كل الزوايا،‏

حين تغزونا وتغدو في الخلايا،‏

وفضاءُ الروح هشٌ وحزينْ!!‏

مثقلاً بالخوف...بالجوعِ، وباليأس رهينْ،‏

وتشارين تكايا وحكايا ومزايا لا تبينْ،‏

آه من ردي على تسآلك المرِّ الدفينْ،‏

باهتٌ مثل انعدام الرَّدِّ ردي لا يُبينْ.‏

يا حزيران .. الحزينْ،‏

صعّر الخدَّ.. تحدّى‏

وازدريني.. لن ترى عندي على الإزراء ردّا،‏

واعتليني.. وتصدَّى،‏

في شراييني تبدّى،‏

شاحبَ الوجه، نحيلاً، وغريباً، وحزينْ؛‏

لن ترى عندي على الإزراء ردّا،‏

فلقد أزريتَ بالجند فصار القولُ جندا.‏

إنني أثقب شرنقةَ الأمس، وأغزو اليومَ،‏

ولا أملك عقدا.‏

إنهم آتون أحفادي ، رجاء وعرينْ،‏

ونضارات سنينْ؛‏

فانتظر يوماً ترانا قادمينْ،‏

شعلةَ العزم، شُراةً كاسرينْ،‏

نظفر الغارَ على كلِّ جبينْ،‏

نهبُ العمرَ لمجد العالمينْ،‏

ونقول: النصر وعد الصابرينْ؛‏

فانتظرنا.. يا حزيران الحزينْ،‏

انتظرنا…‏

انتظر زحف الشُّرَاة القادمينْ.‏

* * * *‏

(1) كتبت هذه القصيدة بمناسبة مرور عشرين سنة على نكبة حزيران 1967.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244