|
الليل طريد نهار
قل إن الليلَ يغشّي الأرضَ،
يلفُّ النفسَ،
يدقُّ حروفَ الرعب بنبض القلبِ ،
وينثر فحماً في الأحداقِ ،
ويرعف ظلمةْ.
إن الليل يذيبُ الملح بدّم الجرح، ويندف ظلما
إن الليل يسوق جيوش الهمّ، ينمي الغمّ ،
ويطفئ شمع الروح، ويقطر سمّا
إن الليل جحافل نملٍ تسعى ملء النومِ،
وتغمر درب الحلم.. فضاء الحلمِ،
تكثّف غيماً فوق اليومِ،
وتصبغ حتى الأمل البكر بلون النمل،
وتبقي الخوف دبيباً يسعى في الأعماق
يشلّ النوم.. يظل طليقاً في الأحشاء وفي الآفاق
وإن الليل جنادب في أرجاء العمر
تَمُدّ البيد على الأزهار بلا إشفاق.
قل إن الليل...
وقل ما شئت بحق الليلْ
لكن لا تنس أن الليلَ طريدُ نهارٍ دوماً،
أن الفجر يدقّ الباب على الأحياء، بُعَيْدَ مساءٍ من إعياءْ
ويشرق نوراً في الأعماق
يَمُد النور..فيرقى المدُّ إلى الأحداق
وأن الأرض تلاوَذ في أشباه الظلِّ،
ولكن... يغمرها الإشراق.
وأن الظلَّ، وشبه الظلِّ، وليلَ الوقتِ،
هروبٌ مشدود الخطوات إلى الأعناقْ
هروبٌ يقتله الإرهاقْ
لأن الظلمة مثل الظلم، ومثل الجهل،
عناكب يحرقها الإشراق
فالشمس بقاء أسمى
نبع يولد في الأرواح، وينمو في عمق الأعماق.
*******
إن شاع الظلم، وزاغ القلب، وغام الدربُ
وكلَّت أبصارُ العظماء، وأهل الوقتِ،
وسادت أمصار الأرضين مناقعُ طينْ
فاذكر يا هذا أن القدرة تبدأ دوماً من قلبين على مبدأ ،
ومن كفّين على مقبض،
ومن صوتين على كلمةْ
وأن القوة في المظلوم وفي المحروم.
لا تفقد قلبك في العتمةْ
فالقلب يرى قبل العينينْ.
لا تفقد حدسَك في الزحمةْ
فالروح سراجُ القلبِ،
سراجٌ حرٌ،
لا يطفئه الماء، ولا إعصار الريحِ،
ولا بحر اللَّيْلَيْن:
ليلُ الوقت
وليلُ الأرض الحبلى بالمجهول.
لا تفقد معنى أن تحيا بين الأحياء
لأمرٍ كنتَ...
لأمرٍ صرتَ...
لأمرٍ تبقى بين الناس،
نثاراً من شفق الإحساسْ.
ولأمرٍ أنت العين وأنت المخرز
ولأمرٍ أعلى كان الخلق، وكانت: كنْ
ولأمرٍ كنتَ...
لأمرٍ يخرج عن فحوى فهم الأحياء.
لا تفقد جدوى أن تعمل
فالفعل ضياء
واليأس نداء الليل .. الموت،
وصوتٌ يطلب فيه الظلمُ الناسَ إلى الإخناسِ
لظلم الناسْ.
لا تفقد وهج الروح، ونار القلب،
ففي الإنسان الحق براء العيش من الأوهام
وكشف الستر عن الأغتام
ونقض العقل، وعقلٌ يزري بالأختام
لم نخلق عبئاً أو عَبَثَاً.....
ما نحن الزيت يضيء سراج المفتونين
بل نحن الزيت الحارق قلب اليأس، وقلبَ الظُّلْمَة ،
قلب الظلم، وكلَّ قيود المأسورين،
ونحن النور بجنح الليل،
يحنّي الليل، ويكشف مقتله للناس.
إنْ غطّت في ظلمات النوم جموع الخلق
جنّد يا هذا كلمة حق.
فالكلمة وثبة ضوء فوق حصان الليل
تميت الوحشة في الأحشاء
تفلّق صخراً، تصنع فجراً، في الأحياء
الكلمة مصباح يا صاح
فلنوقد ذاك المصباح
ولننشر نور الإفصاح
ولنبذر في فلوات الليل نداء الشمسِ،
نرفع صوتاً في الآفاق":
" قل إن الليل يغشّي الأرضَ،
وإن الشمس سراج الفلكِ،
وأنَّا نبحر كالأشواق
في طوف يحرسه الخلاق
طوف ذي ميقات .. ذي خلجات ..ذي أطواق
يمشي نحو السر بصمت ..يمشي..
ولنذكر دوماً أن الليلَ طريدُ نهار
إنّ الليلَ طريدُ نهار
16/1/1990
* * * *
|