تراتيل الغربة/د.علي عقلة عرسان/شعر/الطبعة الثانية

الليل طريد نهار

قل إن الليلَ يغشّي الأرضَ،‏

يلفُّ النفسَ،‏

يدقُّ حروفَ الرعب بنبض القلبِ ،‏

وينثر فحماً في الأحداقِ ،‏

ويرعف ظلمةْ.‏

إن الليل يذيبُ الملح بدّم الجرح، ويندف ظلما‏

إن الليل يسوق جيوش الهمّ، ينمي الغمّ ،‏

ويطفئ شمع الروح، ويقطر سمّا‏

إن الليل جحافل نملٍ تسعى ملء النومِ،‏

وتغمر درب الحلم.. فضاء الحلمِ،‏

تكثّف غيماً فوق اليومِ،‏

وتصبغ حتى الأمل البكر بلون النمل،‏

وتبقي الخوف دبيباً يسعى في الأعماق‏

يشلّ النوم.. يظل طليقاً في الأحشاء وفي الآفاق‏

وإن الليل جنادب في أرجاء العمر‏

تَمُدّ البيد على الأزهار بلا إشفاق.‏

قل إن الليل...‏

وقل ما شئت بحق الليلْ‏

لكن لا تنس أن الليلَ طريدُ نهارٍ دوماً،‏

أن الفجر يدقّ الباب على الأحياء، بُعَيْدَ مساءٍ من إعياءْ‏

ويشرق نوراً في الأعماق‏

يَمُد النور..فيرقى المدُّ إلى الأحداق‏

وأن الأرض تلاوَذ في أشباه الظلِّ،‏

ولكن... يغمرها الإشراق.‏

وأن الظلَّ، وشبه الظلِّ، وليلَ الوقتِ،‏

هروبٌ مشدود الخطوات إلى الأعناقْ‏

هروبٌ يقتله الإرهاقْ‏

لأن الظلمة مثل الظلم، ومثل الجهل،‏

عناكب يحرقها الإشراق‏

فالشمس بقاء أسمى‏

نبع يولد في الأرواح، وينمو في عمق الأعماق.‏

*******‏

إن شاع الظلم، وزاغ القلب، وغام الدربُ‏

وكلَّت أبصارُ العظماء، وأهل الوقتِ،‏

وسادت أمصار الأرضين مناقعُ طينْ‏

فاذكر يا هذا أن القدرة تبدأ دوماً من قلبين على مبدأ ،‏

ومن كفّين على مقبض،‏

ومن صوتين على كلمةْ‏

وأن القوة في المظلوم وفي المحروم.‏

لا تفقد قلبك في العتمةْ‏

فالقلب يرى قبل العينينْ.‏

لا تفقد حدسَك في الزحمةْ‏

فالروح سراجُ القلبِ،‏

سراجٌ حرٌ،‏

لا يطفئه الماء، ولا إعصار الريحِ،‏

ولا بحر اللَّيْلَيْن:‏

ليلُ الوقت‏

وليلُ الأرض الحبلى بالمجهول.‏

لا تفقد معنى أن تحيا بين الأحياء‏

لأمرٍ كنتَ...‏

لأمرٍ صرتَ...‏

لأمرٍ تبقى بين الناس،‏

نثاراً من شفق الإحساسْ.‏

ولأمرٍ أنت العين وأنت المخرز‏

ولأمرٍ أعلى كان الخلق، وكانت: كنْ‏

ولأمرٍ كنتَ...‏

لأمرٍ يخرج عن فحوى فهم الأحياء.‏

لا تفقد جدوى أن تعمل‏

فالفعل ضياء‏

واليأس نداء الليل .. الموت،‏

وصوتٌ يطلب فيه الظلمُ الناسَ إلى الإخناسِ‏

لظلم الناسْ.‏

لا تفقد وهج الروح، ونار القلب،‏

ففي الإنسان الحق براء العيش من الأوهام‏

وكشف الستر عن الأغتام‏

ونقض العقل، وعقلٌ يزري بالأختام‏

لم نخلق عبئاً أو عَبَثَاً.....‏

ما نحن الزيت يضيء سراج المفتونين‏

بل نحن الزيت الحارق قلب اليأس، وقلبَ الظُّلْمَة ،‏

قلب الظلم، وكلَّ قيود المأسورين،‏

ونحن النور بجنح الليل،‏

يحنّي الليل، ويكشف مقتله للناس.‏

إنْ غطّت في ظلمات النوم جموع الخلق‏

جنّد يا هذا كلمة حق.‏

فالكلمة وثبة ضوء فوق حصان الليل‏

تميت الوحشة في الأحشاء‏

تفلّق صخراً، تصنع فجراً، في الأحياء‏

الكلمة مصباح يا صاح‏

فلنوقد ذاك المصباح‏

ولننشر نور الإفصاح‏

ولنبذر في فلوات الليل نداء الشمسِ،‏

نرفع صوتاً في الآفاق":‏

" قل إن الليل يغشّي الأرضَ،‏

وإن الشمس سراج الفلكِ،‏

وأنَّا نبحر كالأشواق‏

في طوف يحرسه الخلاق‏

طوف ذي ميقات .. ذي خلجات ..ذي أطواق‏

يمشي نحو السر بصمت ..يمشي..‏

ولنذكر دوماً أن الليلَ طريدُ نهار‏

إنّ الليلَ طريدُ نهار‏

16/1/1990‏

* * * *‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244