|
يا صوت سفح الشيخ
هبني شرقت بدمعة الذكرى،
فهل .. حقاً، يؤدي قلبي المرورُ حق الأرضِ
في الذكرى ،
وهل أحيي بأدمعي الوطن؟!
في عمق صمتي يرعف التاريخ أحوالاً وأقوالاً
وذكرى ،
تنطفي... تذوي بِطَيَّات الكفن
ويذوب وجهي في الزمن،
وأتوه في منفى المحن،
وأظلُّ مثلَ فراشةِ المصباحِ،
أبحث عن حريقٍ واتحادٍ بالوطن.
* * * *
ما كنت أعرف:
أن أرضي موسمٌ يُحيا
وحبي زهرةٌ تأتي بأثواب الربيع،
مع الربيع، على فَنَنْ،
ما كنت أعرف:
أن عشقيَ موسمٌ يُجْنى على حد الخطابة واللَّسَن،
ويغلُّ من ذلق اللسانِ
غلاُل بيدره البيان
ما كنت أعرف:
أنني حفّار أضرحة الزمان ،
هيّال ترب الليل فوق الشمس من آن لآنْ ،
نسّاء أَحْيِنَةِ البطولة ،
أن تجيءَ مواسمُ الأفعال، والشهدا، ويخضلَّ البيانُ،
فأمتطي سيفي - لساني، صارخاً بالأرض
أن هُبِّى، فقد آن الأوانْ!؟
ما كنت أعرف:
أنني أحتاج برق النوحِ يُهطِلُ غيمةً،
تُحيي موات الروح، أو تُسقي الضلوعْ،
أو أنني أشري بعبرة نائح أشريه، مجداً،
ينتشي في أبحر الأقوال منشور القلوعْ،
أو أنني نطَّارَ أَحْيِنَةٍ لألهج بالحداء وبالبكاء،
ما كنت أعرف:
أن أرضي موسمٌ ،
وأن حبي موسمٌ
أحياه من عام لعام في خشوعْ…
حتى تدفق في تشاريني بيانُ الوقت،
يحكي عن مواسم للشهامةِ والشهادة والوفاء ،
فسعيت أطلب عفوَ أجدادي، وعفوَ الأرض والتاريخ،
عن فيض الرياءِ.. عن الخواءْ،
عن موسمٍ للحُبِّ والذكرى، وإرسال الدموعْ،
عن موسم يأتي ويذهب عارياً في الريح ،
محمولاً على كتف الخنوعْ !؟
* * *
عذراً ترابي، ألفَ عذر بيتَنا،
وطناً رويناه الحنينْ،
وأُسْرِجَت فيه الدماءُ.. على الوفاء ،
من الظلام إلى الضياء ؛
عذراً فوهمي خانقي
استاف منه بوارقي
ما عدت أدري ما قوانين الخليقة والسنينْ،
عذراً.. أراني زائغَ النظراتِ في هذا الزمان:
خمسون أو كادت، تجر خطوبّها،
تقسو.. تصير الليلَ في متن القلوبْ،
والدَّم يروي شافةَ الوقت الذي،
قد صار يبشمَ من صبيبِ الدّم،
من فرطِ اللّغوبْ
خمسون أو كادت، ونحن قصيدةٌ لمَّا تتم،
ومحنةٌ غرثى ،بأهليها لعوبْ،
خمسون أو كادت، ونحن اليوم ما زلنا على مهد الشحوب،
والليل يندف كحلَه في دربنا،
يبدا بنا لحنَ الخطوب.
عَوْدٌ على بدء يشتِّت خطونَا ،
يمشي بنا الصعبَ اللَّحوبْ.
عَوْدٌ على بدء ونعتادُ العويل،
يربدٌّ أفقٌ بالعباءات القديمة، ذارياتِ اللَّيلْ
للبلوى شَخُوب.
خمسون أو كادت، وهذي أرضُنا حبلى كذُوبْ
حبلى تُجِنُّ أجنَّة، ريْا نراها... والمواسم ذكريات:
" كنا"… وآهات سمانٌ، وانتشاءاتُ الموات ،
تغدو مواضينا وماضينا على شفراتها،
شيئاً من الذكرى... من اللذات والصبوات،
والصلواتِ، أو تغدو لهاةْ ؛
تغزو حكاياها شياطينَ الفلاة:
كانت هنالك واختفتْ،
كانت... ورانَ الصمت من فوق الغريقْ
لا صوت يُطريها، ولا حتى شهيقْ
موتٌ تربّع فوقها.. موت عتيقْ
موت يطرّز بردة التابوت في كهف سحيقْ
هو وحده العرّابُ والقاضي وأهلُ العرس،
والصنّاجُ، والجلادُ والظئرُ الشفيقْ.
يا " سعدَها " بالموت ظئراً، أمُّنا
يا " بخت " ذيّاك الرفيقْ
موتٌ أنيقْ
تعنوا له الرَّقَبَاتُ ... يسرح في مداهُ
ويجتني ما اسطاب من حشَوَاتِها,
هو وحدهَ مطلوقةٌ يمناهُ، يفعلُ ما يشاء
لا فجر يعرف.. لا عِشاء
هو وحده الموتُ المؤثَّلُ والمبجَّلُ والعريقْ
أودى بها حتى غدت أمجادُها ،
من ذكريات الأمس تُجرَف بازدراء؛
تلقي مراسيها بعمقِ الصمتِ... عمقِ اليأسِ ،
تبتلع المهانةَ والصداقةَ والصديقْ
ثكلى بحلم حياتها
والصابُ أحلى ما تقطِّر من " رحيقْ"
"كانت" و "كنا"، والتذكُّرُ حِمْلُنا
منه نشيلُ كما الفَنيقْ
" صارت" و "صرنا" ما لأدمعنا بريقْ
شاع الحريقْ ،
فالنفس مثلُ الأرض هُجِّن حُلْمُها
والأرض مثلُ النفسِ هُجِّن حَمْلُها
والكلُ ينزف، ملءَ صدره " آهةٌ "
والآخ .. تنثر " فشةَ" المصدورِ،
تنشر أضلعاً ضاقت بحمل الآه، والنَفَسِ الغضوبْ
ضاقت فَدَافَتْ جوفَها بالصَّابِ
ألقته على غَلَثِ الدروبْ،
ضاقت فعافت، ثم أقوَت وارتختْ،
والغزو ينذِر، ما لخيل الغزو من دفع سوى عَزَمَاتِنا
والنَّوْح، لا عزماً يوَّرث أو يكونْ،
والنَّوْح لا يحيي مواتَ الروح أو يحيي الوطنْ.
****
أرضاً.. كفنْ
كوني سفوح الشيخ أرضاً أو كفنْ،
رحِماً يعطِّل خصبُها خصبَ المحنْ،
كوني الوطنْ،
أولا نكونُ ولا تكوني.
ما كنتُ بكّاء الحياة لكي تكوني،
بل عشت أبني، كي أكون.. لكي تكوني
ما أنت إخفاقي ولا خوفي، ولا أنت سجوني،
ما أنت شجوٌ في حلوق إن صدحْن بحبهنَّ،
بلَغْنَ حدَّ المسِّ أو حدَّ الجنونِ ،
ما كنتِ حدَّ الموت في قلبي... وحتى لن تكوني ،
ما كنتِ كي أذوي في عينيك مثلَ ظفيرة المجذومِ،
أو تنمو شجوني،
وأرى على طلل يمد جناحه في مهمهِ الرؤية طيفاً
من ظنوني،
ما كنتِ جوعي أو شقائي أو فتوني
ما كنتِ غلَّ المقمّحين، ولا مساميرَ الجفونِ،
كلا.. فأنت الضوءُ، أجنحةُ الرؤى ،
خفقُ اليقين على اليقينِ ،
ولأنتِ عشقُ للحياة، وصفوةُ العيش المكينِ ،
ولأنتِ تحريرُ الرقاب، من الوتين إلى الوتينِ،
ولأنتِ من خوفٍ ومن جوع تقيني .
صبِّي سفوحُ " الشيخ " في قارورة الجسم الحياةْ،
صبِّي العزيمةَ والمروءةَ في الجباهْ،
صبِّي من التاريخ سحراً واملئي كأس الأُباةْ ؛
صبِّي فقد ظمئ الخلائقُ للحقائقِ واليقينِ،
صبِّي الحياةَ وأنعشي بالروح أنفاسي وطيني.
* * * *
جولانَنا
أولست " رهجة " خيلِنا ،
جولانَ فرسان الحُزون ،
أولستَ ملحمةَ الدروعِ،
وسطوةَ المغوار في الحصن الحصينِ !؟
" أولستَ جارَ العامليِّ، يشق صدراً للمنونِ ،
يعلي بيارقَ دامياتٍ في وجوه الليلِ،
يصرخ: يا علي ..
هبني حسامك ذا الفقار،
وصِرْ ضياءً في عيوني!!؟
ويصير خندقُه النهارَ،
ودفقَ عزمٍ في الدماء،
وتذوب عاشوراء والصحراء في ظمأ الحَسُونِ ؟!"(1)
أو لستَ يا جولان، من "يا قوصة" التاريخ والأبطال حتى
اليوم، مهداً للرجولة والطفولة والحنينِ ؟!
ما كنت موسمَ عشقنا يوماً، فأنت العشقَ، والعمرُ ،
وتيارُ الحياة مدى السنين.
ما كنتِ موسمَ قوِلنا يا أرضُ،
يا رحم الحضارة والفنونِ،
بل أنت ميدانُ الجهاد البكر في شفة البُكورِ بكلِّ حينِ.
مدِّي شراع حنانك الفتَّان كي يروى حنيني،
ولكي نكونَ، لكي تكوني.
* * * * *
هُبِّي سفوحُ الشيخِ(2)، بالريحان والتحنان والحِنِّا
وبالطَّلِّ الهتون،
هُبِّي بنوَّارِ الربيعِ، بزهرةِ الدُّفْلَى(3)،
وبالنَّفَلِ المكسّر، تحت أحذية اليهودِ،
يُجنّ عاراً في العيونِ،
هُبِّي بترنيم الصبايا، بثُغاء البُهمِ، بالتكبيرِ،
بالغوث الذي تبكيه أرياحُ المساءِ، بكلِّ عاريةِ المتونِ،
هُبِّي وجاري حامل الطيّون ،
عطرَ الخبزِ، عطرَ النعش كوني،
وركِّزي معنى الحياة وصفوة العيش المصونِ.
هُبِّي... وصُبِّي صولةَ الأحرارِ في الشعبِ الحزينِ،
حتى تهبّ جموعُنا الظمأى إلى معنى الكرامة واليقينِ
هُبِّي فقد بحَّ القصيدُ ،
ظمئتُ ، وازدهرت ظنوني
وأنا أخاف من الظنونِ إن ازدهرنَ،
فلقد بشمتُ من الظنونِ،
فلقد بشمت...
وتاق روحي للحقيقةِ... لليقينِ.
فكن، يا صوت سفحِ "الشيخِ"،
كن يوماً يقيني.
* * * *
(1) هذا المقطع المحدد بين قوسين صغيرين مضاف بعد الطبعة الأولى من الديوان.
(2) ـ جبل الشيخ / حرمون.
(3) ـ شجيرة الدُّفْلَى معروفة ومنتشرة في الجولان وهي ذات زهرة حمراء خفيفة الرائحة.
|