تراتيل الغربة/د.علي عقلة عرسان/شعر/الطبعة الثانية

يا صوت سفح الشيخ

هبني شرقت بدمعة الذكرى،‏

فهل .. حقاً، يؤدي قلبي المرورُ حق الأرضِ‏

في الذكرى ،‏

وهل أحيي بأدمعي الوطن؟!‏

في عمق صمتي يرعف التاريخ أحوالاً وأقوالاً‏

وذكرى ،‏

تنطفي... تذوي بِطَيَّات الكفن‏

ويذوب وجهي في الزمن،‏

وأتوه في منفى المحن،‏

وأظلُّ مثلَ فراشةِ المصباحِ،‏

أبحث عن حريقٍ واتحادٍ بالوطن.‏

* * * *‏

ما كنت أعرف:‏

أن أرضي موسمٌ يُحيا‏

وحبي زهرةٌ تأتي بأثواب الربيع،‏

مع الربيع، على فَنَنْ،‏

ما كنت أعرف:‏

أن عشقيَ موسمٌ يُجْنى على حد الخطابة واللَّسَن،‏

ويغلُّ من ذلق اللسانِ‏

غلاُل بيدره البيان‏

ما كنت أعرف:‏

أنني حفّار أضرحة الزمان ،‏

هيّال ترب الليل فوق الشمس من آن لآنْ ،‏

نسّاء أَحْيِنَةِ البطولة ،‏

أن تجيءَ مواسمُ الأفعال، والشهدا، ويخضلَّ البيانُ،‏

فأمتطي سيفي - لساني، صارخاً بالأرض‏

أن هُبِّى، فقد آن الأوانْ!؟‏

ما كنت أعرف:‏

أنني أحتاج برق النوحِ يُهطِلُ غيمةً،‏

تُحيي موات الروح، أو تُسقي الضلوعْ،‏

أو أنني أشري بعبرة نائح أشريه، مجداً،‏

ينتشي في أبحر الأقوال منشور القلوعْ،‏

أو أنني نطَّارَ أَحْيِنَةٍ لألهج بالحداء وبالبكاء،‏

ما كنت أعرف:‏

أن أرضي موسمٌ ،‏

وأن حبي موسمٌ‏

أحياه من عام لعام في خشوعْ…‏

حتى تدفق في تشاريني بيانُ الوقت،‏

يحكي عن مواسم للشهامةِ والشهادة والوفاء ،‏

فسعيت أطلب عفوَ أجدادي، وعفوَ الأرض والتاريخ،‏

عن فيض الرياءِ.. عن الخواءْ،‏

عن موسمٍ للحُبِّ والذكرى، وإرسال الدموعْ،‏

عن موسم يأتي ويذهب عارياً في الريح ،‏

محمولاً على كتف الخنوعْ !؟‏

* * *‏

عذراً ترابي، ألفَ عذر بيتَنا،‏

وطناً رويناه الحنينْ،‏

وأُسْرِجَت فيه الدماءُ.. على الوفاء ،‏

من الظلام إلى الضياء ؛‏

عذراً فوهمي خانقي‏

استاف منه بوارقي‏

ما عدت أدري ما قوانين الخليقة والسنينْ،‏

عذراً.. أراني زائغَ النظراتِ في هذا الزمان:‏

خمسون أو كادت، تجر خطوبّها،‏

تقسو.. تصير الليلَ في متن القلوبْ،‏

والدَّم يروي شافةَ الوقت الذي،‏

قد صار يبشمَ من صبيبِ الدّم،‏

من فرطِ اللّغوبْ‏

خمسون أو كادت، ونحن قصيدةٌ لمَّا تتم،‏

ومحنةٌ غرثى ،بأهليها لعوبْ،‏

خمسون أو كادت، ونحن اليوم ما زلنا على مهد الشحوب،‏

والليل يندف كحلَه في دربنا،‏

يبدا بنا لحنَ الخطوب.‏

عَوْدٌ على بدء يشتِّت خطونَا ،‏

يمشي بنا الصعبَ اللَّحوبْ.‏

عَوْدٌ على بدء ونعتادُ العويل،‏

يربدٌّ أفقٌ بالعباءات القديمة، ذارياتِ اللَّيلْ‏

للبلوى شَخُوب.‏

خمسون أو كادت، وهذي أرضُنا حبلى كذُوبْ‏

حبلى تُجِنُّ أجنَّة، ريْا نراها... والمواسم ذكريات:‏

" كنا"… وآهات سمانٌ، وانتشاءاتُ الموات ،‏

تغدو مواضينا وماضينا على شفراتها،‏

شيئاً من الذكرى... من اللذات والصبوات،‏

والصلواتِ، أو تغدو لهاةْ ؛‏

تغزو حكاياها شياطينَ الفلاة:‏

كانت هنالك واختفتْ،‏

كانت... ورانَ الصمت من فوق الغريقْ‏

لا صوت يُطريها، ولا حتى شهيقْ‏

موتٌ تربّع فوقها.. موت عتيقْ‏

موت يطرّز بردة التابوت في كهف سحيقْ‏

هو وحده العرّابُ والقاضي وأهلُ العرس،‏

والصنّاجُ، والجلادُ والظئرُ الشفيقْ.‏

يا " سعدَها " بالموت ظئراً، أمُّنا‏

يا " بخت " ذيّاك الرفيقْ‏

موتٌ أنيقْ‏

تعنوا له الرَّقَبَاتُ ... يسرح في مداهُ‏

ويجتني ما اسطاب من حشَوَاتِها,‏

هو وحدهَ مطلوقةٌ يمناهُ، يفعلُ ما يشاء‏

لا فجر يعرف.. لا عِشاء‏

هو وحده الموتُ المؤثَّلُ والمبجَّلُ والعريقْ‏

أودى بها حتى غدت أمجادُها ،‏

من ذكريات الأمس تُجرَف بازدراء؛‏

تلقي مراسيها بعمقِ الصمتِ... عمقِ اليأسِ ،‏

تبتلع المهانةَ والصداقةَ والصديقْ‏

ثكلى بحلم حياتها‏

والصابُ أحلى ما تقطِّر من " رحيقْ"‏

"كانت" و "كنا"، والتذكُّرُ حِمْلُنا‏

منه نشيلُ كما الفَنيقْ‏

" صارت" و "صرنا" ما لأدمعنا بريقْ‏

شاع الحريقْ ،‏

فالنفس مثلُ الأرض هُجِّن حُلْمُها‏

والأرض مثلُ النفسِ هُجِّن حَمْلُها‏

والكلُ ينزف، ملءَ صدره " آهةٌ "‏

والآخ .. تنثر " فشةَ" المصدورِ،‏

تنشر أضلعاً ضاقت بحمل الآه، والنَفَسِ الغضوبْ‏

ضاقت فَدَافَتْ جوفَها بالصَّابِ‏

ألقته على غَلَثِ الدروبْ،‏

ضاقت فعافت، ثم أقوَت وارتختْ،‏

والغزو ينذِر، ما لخيل الغزو من دفع سوى عَزَمَاتِنا‏

والنَّوْح، لا عزماً يوَّرث أو يكونْ،‏

والنَّوْح لا يحيي مواتَ الروح أو يحيي الوطنْ.‏

****‏

أرضاً.. كفنْ‏

كوني سفوح الشيخ أرضاً أو كفنْ،‏

رحِماً يعطِّل خصبُها خصبَ المحنْ،‏

كوني الوطنْ،‏

أولا نكونُ ولا تكوني.‏

ما كنتُ بكّاء الحياة لكي تكوني،‏

بل عشت أبني، كي أكون.. لكي تكوني‏

ما أنت إخفاقي ولا خوفي، ولا أنت سجوني،‏

ما أنت شجوٌ في حلوق إن صدحْن بحبهنَّ،‏

بلَغْنَ حدَّ المسِّ أو حدَّ الجنونِ ،‏

ما كنتِ حدَّ الموت في قلبي... وحتى لن تكوني ،‏

ما كنتِ كي أذوي في عينيك مثلَ ظفيرة المجذومِ،‏

أو تنمو شجوني،‏

وأرى على طلل يمد جناحه في مهمهِ الرؤية طيفاً‏

من ظنوني،‏

ما كنتِ جوعي أو شقائي أو فتوني‏

ما كنتِ غلَّ المقمّحين، ولا مساميرَ الجفونِ،‏

كلا.. فأنت الضوءُ، أجنحةُ الرؤى ،‏

خفقُ اليقين على اليقينِ ،‏

ولأنتِ عشقُ للحياة، وصفوةُ العيش المكينِ ،‏

ولأنتِ تحريرُ الرقاب، من الوتين إلى الوتينِ،‏

ولأنتِ من خوفٍ ومن جوع تقيني .‏

صبِّي سفوحُ " الشيخ " في قارورة الجسم الحياةْ،‏

صبِّي العزيمةَ والمروءةَ في الجباهْ،‏

صبِّي من التاريخ سحراً واملئي كأس الأُباةْ ؛‏

صبِّي فقد ظمئ الخلائقُ للحقائقِ واليقينِ،‏

صبِّي الحياةَ وأنعشي بالروح أنفاسي وطيني.‏

* * * *‏

جولانَنا‏

أولست " رهجة " خيلِنا ،‏

جولانَ فرسان الحُزون ،‏

أولستَ ملحمةَ الدروعِ،‏

وسطوةَ المغوار في الحصن الحصينِ !؟‏

" أولستَ جارَ العامليِّ، يشق صدراً للمنونِ ،‏

يعلي بيارقَ دامياتٍ في وجوه الليلِ،‏

يصرخ: يا علي ..‏

هبني حسامك ذا الفقار،‏

وصِرْ ضياءً في عيوني!!؟‏

ويصير خندقُه النهارَ،‏

ودفقَ عزمٍ في الدماء،‏

وتذوب عاشوراء والصحراء في ظمأ الحَسُونِ ؟!"(1)‏

أو لستَ يا جولان، من "يا قوصة" التاريخ والأبطال حتى‏

اليوم، مهداً للرجولة والطفولة والحنينِ ؟!‏

ما كنت موسمَ عشقنا يوماً، فأنت العشقَ، والعمرُ ،‏

وتيارُ الحياة مدى السنين.‏

ما كنتِ موسمَ قوِلنا يا أرضُ،‏

يا رحم الحضارة والفنونِ،‏

بل أنت ميدانُ الجهاد البكر في شفة البُكورِ بكلِّ حينِ.‏

مدِّي شراع حنانك الفتَّان كي يروى حنيني،‏

ولكي نكونَ، لكي تكوني.‏

* * * * *‏

هُبِّي سفوحُ الشيخِ(2)، بالريحان والتحنان والحِنِّا‏

وبالطَّلِّ الهتون،‏

هُبِّي بنوَّارِ الربيعِ، بزهرةِ الدُّفْلَى(3)،‏

وبالنَّفَلِ المكسّر، تحت أحذية اليهودِ،‏

يُجنّ عاراً في العيونِ،‏

هُبِّي بترنيم الصبايا، بثُغاء البُهمِ، بالتكبيرِ،‏

بالغوث الذي تبكيه أرياحُ المساءِ، بكلِّ عاريةِ المتونِ،‏

هُبِّي وجاري حامل الطيّون ،‏

عطرَ الخبزِ، عطرَ النعش كوني،‏

وركِّزي معنى الحياة وصفوة العيش المصونِ.‏

هُبِّي... وصُبِّي صولةَ الأحرارِ في الشعبِ الحزينِ،‏

حتى تهبّ جموعُنا الظمأى إلى معنى الكرامة واليقينِ‏

هُبِّي فقد بحَّ القصيدُ ،‏

ظمئتُ ، وازدهرت ظنوني‏

وأنا أخاف من الظنونِ إن ازدهرنَ،‏

فلقد بشمتُ من الظنونِ،‏

فلقد بشمت...‏

وتاق روحي للحقيقةِ... لليقينِ.‏

فكن، يا صوت سفحِ "الشيخِ"،‏

كن يوماً يقيني.‏

* * * *‏

(1) هذا المقطع المحدد بين قوسين صغيرين مضاف بعد الطبعة الأولى من الديوان.‏

(2) ـ جبل الشيخ / حرمون.‏

(3) ـ شجيرة الدُّفْلَى معروفة ومنتشرة في الجولان وهي ذات زهرة حمراء خفيفة الرائحة.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244