|
أمُّ قيس
" أمُّ قيس": شمخةُ الأرضِ... صَناعْ
يافعٌ فيها اليفاعْ
مرقبٌ، صُرّت له الأرضُ
فصارت كالقُباعْ
نسرُها... عينٌ على الأردنِّ والأخرى .. شراعْ
يحمل الآتينَ في الجرح من اليرموكِ
"للميت " ذراعاً فذراعْ
ويعرِّيهم مدى الإبحار باعاً بعد باعْ
ــــــــــــــــــــــ
فاضت الشمسُ من الغيم انحسَرْ
وتمادى الظلُ، من قلبي نفَرْ
وشذا الأسرارِ في الأرضِ انتشرْ
غاضَت الشمسُ
عدوِّي فوق ظلِّي
وأنا أزحف ما بين الحفرْ
" أم قيسٍ" أغْطَشَت شمسي،
وألقتني نُثَرْ
عن يمين وشمالٍ من مآقيّ سواقٍ
ذابَ فيها النهرُ أو صارت نَهَرْ
أجتلي فيه تصاويرَ الشجرْ
والهضابُ السمرُ أقرانُ سَفَرْ،
مقلتي تمسحُ ما حولي وترخي
في تجاويفي عناناً للمطرْ
يغسل القلبَ المطَرْ
غير أني موحلٌ قلبي بتَسْكابِ المطَرْ
ومدى الرؤيةِ في ليليهِ: خوفٌ أو خَطَرْ .
حسرةٌ تورق ما بين الضلوعْ
تطفئ القنديل والدنيا مطْر
آه.. يا درب السَّفَرْ
هذه أرضي أمامي
غررٌ، أو كالغَرَرْ
تحضن الماء وتبكي درراً فوق دُرَرْ
وتنمَّي الظلّ والذكرى وتشتاقُ السّيَرْ
أتشهّى قطْفَ نوّار ودُفْلَى من رباها
ويذيبُ الخوفُ شهواتٍ أُخَرْ
هذه أرضي أمامي…
وأنا المحروم من أرضيَ من دونِ البَشَرْ
مبعدٌ عنها... وكم من مبعدٍ عادَ،
وما زلت الخبَرْ
تائهاً ما بين أحلام وأخرى
أرتمي في الوهمِ من حلمٍ خَطَرْ
وأظَلُّ العمرَ تذكاراً ووهماً، أو
سيولاً من صُوَرْ
في فضاء الروح تَهْيَامَ شراع من أمانٍ وفِكَرْ
لا أنا ذاك الذي يرسو على شطٍّ وينسى
لا ولا ذاك الذي تنئيه عن فكْرٍ عِبَرْ.
* * * *
" أمُّ قيسٍ" يوم زرنا " أمَّ قيسْ"
أقحمتني يا صديقي في سَقَرْ
حين شقّت سرّة الأرضِ وأهدتني البَصِرْ
قالت أنظر:
وتغشَّتني الصّوَرْ
ذكرياتٌ وعبيرٌ، وترانيمٌ أُخَرْ
يا لعيني.. يا لعيني.. طبريّا..
وطيورُ الماء أسرابٌ تحيّي وتُحَيّا..
شفقاً تمتدّ فوق الماء .. تمضي... تَسْبَطِرْ
تَخْبُنُ الأفق، تعيدُ الخَبْنَ...
تلْتفّ .. تهيّا
وتصبّ القطرَ فوقي وتَمُرْ
ثم أرعاها لُقى في طبريّا
.. مرَّةً أخرى تهيّا وتَمُرْ
وتصبُّ الماءَ من شوقٍ عَلَيّا.
يفرُطُ الماء على كبدي،
ينشُّ الحرقُ،
لا يشفى لمحروقٍ وَطَرْ
يا طيورَ الماء... من كبدي تفرْ
تَخْبُنُ الشَّامَ، تعيد الخَبْنَ مراتٍ.....
وتمضي ..تَسْبَطِرْ
في ظلام الشام تغدو سُرَجَ الليلِ،
وتغدو شهباً،
إنَّمَا لا تطفِّي جسداً
فالشَّام شوقٌ لا يطفّيه المطرْ.
يا طيورَ الماءِ مهلاً
ركّزي السحرَ الذين تجنينَ، في قلبي،
وشديني مطيَّةْ
كي أطوف البيد أحيي ما اندثّرْ
من بني أمي على مرّ الدَّهَرْ
حتى لا أبقى على الدنيا: خَبَرْ
وخطيَّةْ.
*******
ها هنا.. في " أمِّ قيسٍ" مشهدٌ لا يُختصَرْ:
" طبريّا ..
وطيورُ الماءِ،
والسحرُ المسجّى أبديّا
وجمالٌ آسرٌ يرتاحُ عرياناً على الشطِّ،
حفيّاً وحييّا
ونسيمُ " الشيخ" قديسٌ ويتلو: زكريّا..
وهياجُ الذكرِ والناقوسِ همسٌ
في سماء الناصريةْ،
وتفاريقٌ من الزهّاد سمارٌ بُكيّا
وتواريخٌ تدانت وتدلّت من كرومِ الوقتِ،
تسقيني مراراتٍ وتحكي لي عَليّا
و"أبو الطيب" ذو الليث، زئيرٌ يقتلُ اللَّيثَ العتيّا
وحمامٌ زاجلٌ ينساب في الماءِ
رسالاتٍ خفيّةْ … "
طبريّا..... طبريّا....
آه يا قلبي تساقطْ في يديّا
ثمرَ الموت شهياً وطريَّا..
آه يا قلبي تساقط في يديَّا.
طبريّا...... طبريّا... .....
آه يا لهفةَ أجدادي وتثريباً عَلِيّا
آه يا حسرة أحفادي ويا عاراً نديّا
كلما لامسها الجفنُ تغشّته الحُميّا
وارتمى دمعاً وأبقاني سؤالاً مشرقيّا.
هذه.. قدامَ عيني طبريّا.. أشرَقَتْ...
والعارُ يكسوني ويدمي مقلتيّا
وغزت زرقتُها الروحَ فصارَ الروحُ شيّا
ينتشي من زحفهِ الموتُ،
ويبقيني شقياً.
* * * *
طَبَريّا... طبريّا ... طبريّا
ساعدُ الفضَّةِ مجلوٌ أمامي
وهضابٌ يتفتَّحنَ سِواراً
وأرى بِلْقيس في الصرحِ سبيَّةْ
كشفت عن ساق حوراء صبيّةْ
وتوارت بخمارٍ من دماها...
وعلى المرمر من .. منه … بقيَّةْ
ما سليمان على الصرحِ ... ولا
حتى سَميَّهْ
إنما أتباعُ "يهوةْ" ..
والحرابُ العنصريَّةْ
وعلى تاجٍ من الصرح تباهى
حافر النَّغْل على زهوِ الزمرّد
والصبيّةْ
غضبةٌ ملتاعةٌ في طبريّا ...
تطلق الصوت فيدوي .. ثم يدوي .. ثم يدوي ،
ثم يرتدّ دويّا
ومحيطُ الصوتِ أسودْ،
ثم أسودْ
ثم أسودْ،
و" لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيّا "
طبريّا... طبريّا... طبريّا
آه من عصر السبايا...
والحروب الهمجيةْ…
وحضارات تناهتْ بربريةْ،
آه من عصري أنا..
عصر الدويلات الشّقيّةْ
يعربٌ صار بلاداً تكسر الظَّهْرَ القويّا
يأمر "الغربُ" فتلقي عند ساقيه التحيَّةْ
يقتل الأبناء.. ترميهم لعينيه هديَّةْ
يفجُر الليلَ بها.. تصحو...
تبارك فجرَه صبحاً وظهراً وعشيَّةْ
وتقول:
" الله أكبر.. لنا في الكأس بقيَّةْ " ؟!
آه من خزي تناهى عنجهيّةْ…
وعمالات بسلطان، وتيجان ردّيةْ ،
آه من تلويث روحي وضلوعي
وشعاراتي النقيّةْ ،
آه من وهمي وأحلامي وتاريخي
وأيامي البهيّةْ:
" سادراً.. اجتر أمجاديَ من فوق الثريّا
بينما عُبّاد " يهوةْ " رتّعاً في طبريّا
سَلْحهم فوقَ الزّمرّدْ
والعيون العسليّةْ. "
* * * * *
آه… يا قلبي تمرَّدْ ،
فمدارُ الذُّلِّ مثلُ الليلِ أسودْ ،
شقّ ليلاً أنت فيه وتمرَّدْ ،
وانسكبْ يا قلبُ صحواً،
دمعَ عينٍ، أو غناءً، أو دماً .. كنْ
في فضاء الصَّرحِ.. واهتف:
طبريّا
وتمرّدْ...
آه .. يا قلبي تمرّدْ
حرّق الذلَّ بنار العشق واصعدْ
وتمدّدْ
فوق مرجٍ من مروج " الجوخَدار"(1)
وامتشق من كلِّ عينٍ سهمَ نارْ
واستعدْ حقلاً ودارْ
وابتردْ في طبريّا
وابتهجْ في مائها وانشِدْ نشيدَ الانتصار:
" طبريّا .. طبريّا
أنت أغلى من ضياء العينِ...
من قلبي عليّا...
طبريّا .. طبريّا "
آه يا قلبي تمرَّدْ
كلَّ يومينِ.. ترمّدْ
ثم كالفينيق من موتٍ تجدَّدْ
وتمرَّدْ...
حرّر الأوطانَ واسعدْ
أو فكنْ طيرَ زبرجدْ
كنْ شهيداً، ولتعشْ يا قلب سرْمَدْ
واتخذْ من طبريّا ثوبَ عسْجَدْ
آه يا قلبي... تمرّدْ
*****
غامَت الشمسُ وغابتْ ،
وعدوِّي فوق ظلي...
وأنا أزحفُ ما ببين الحُفَرْ
والهضابُ الجرْد أقرانُ سَفَرْ
شررٌ كالقصرِ في قلبي.. وأدهى وأمرْ
جامع الحمَّة تحتي،
" مرقصاً" صارَ،
ورقصٌ في المحاريبِ تعالى واستمرْ ،
" مرقصاً " صارَ، وفوق المنبرِ الرقصُ اسبطرْ
وأنا أرنو إلى الأعداء من مرمى النظرْ ،
جامداً في موقعي بين السواقي والشَّجَرْ .
شجر الموز سرايا وأسَرْ
وأنا فرد على الشوك ترامي وعَبَرْ
أُبَرٌ في بؤبؤ العين، وفي القلب أُبَرْ
ومن الأنوار سالت أعيني نحو البشَرْ
تغرق الحمَّة بالدمع وألوانِ البصَرْ
ها .. هناك أنظر.. ويا تعسَ النظرْ!؟!
خاصرَ المرأة في المحراب " عوزي"
ذابَ .. أفناها سَكَرْ
آه من صعقِ الشَّررْ .!؟
ورمتني " أمُّ قيسٍ" بشواظ من سَقَرْ
قالت: انظر.. ثم انظر.. ثم انظرْ وَتَقرّْ
هكذا أبقى طوال الوقت في كرّ وفرْ
تنتشي فيّ المواضي،
ويسيل العجز من سَحْرٍ لِنَحْرْ
هكذا يحيا الذي يختار ما بين الحُفَرْ
يُسْجَرُ الكأسَ الأمرْ
إنه الإذلال يا هذا.. وما هذا قَدَرْ
إنما العجز الذي يلقيك ما بين الحُفَرْ .
كلّ من غاب عن التاريخِ ..
مثواه الحُفَرْ ،
يُسجَرُ الذلَّ، وأدهى.. وأمرْ
يُسْجَرُ الذلَّ، وأدهى.. وأمرْ.
* * * *
آه في قلبي مطرْ...
مطرُ الكبريت في الحمَّة، ما بين الشَّجَرْ
يعلن الماضي خلايا من ضَجَرْ
آه يا قلبي.. وما قلبي حَجَرْ
بشرٌ... يا ناس.. ما قلب البَشَرْ،
غير مسحوقٍ من الهمّ تجلّى في صُوَرْ،
ركزّت قهراً على مد الليالي والنَّظَرْ ،
في تلافيف الخلايا وأحافيرِ البؤرْ؟!؟
آه من صوتٍ على سمعي عَبَرْ
من مدى التاريخ في الروح استقرْ:
" أحرقتْ كنعانَ من قبلُ الصُّوَرْ
أحرقت عاداً.. وحطت في قريش ،
وقريش عَزَمات ليس تبقي أو تذرْ ،ْ
أحرقت كلَّ الصوَرْ.
وأتى يومٌ على قلبي تخلَّى عن قريش،
وعن الدنيا التي فيها تربَّى وانتصرْ ،
فترامى في دروب القهرِ مهجوراً،
وأفنته الصُّوَرْ " .
آه من لذْعِ الشررْ
شرر كالقصر في ذاكرتي
آه يا من... فوق سمعي، فوق عينيَّ عَبَرْ ،
آه مما هو أدهى.. ثم أدهى وأمرّْ
آه في قلبي مطرْ...
مطر الكبريت في الحمَّةِِ،
ما بين " الشباري" والشَّجَرْ .
آه خذني من تلاوين الكَدَرْ
آه خذني ..
شلّني في " أم قيس" مشهدٌ لا يُغْتَفَر
مشهد الجولان مسلوباً،
وفوق الهام حرباتٌ على روسِ التلالْ
تفجر " النجمة " من فوق الهلالْ!؟!
أمتي.. يا أمتي:
" عقد لآلْ
راح في الوحل وحالْ
صار صفراً لا معاً مثل المقالْ. "
وأنا المصلوب في جذع الشَّجَرْ
حفرٌ في أضلعي..
من فوق أحلامي حُفَرْ...
تحت أقدامي وقدَّامي حُفَرْ .
شلّني الخزيُ
يهود تعتليني، وهم السّفلةُ ما بين البشَرْ ؟!؟
من ترى علمني الذلّ وأشباه السُّوَرْ؟!
لا أبي أستاذه " يهوه" ولا ربي حَجَرْ!؟!
من ترى علّمني الذلَّ وأشباه السُّوَرْ؟!
شلّني الخزيُ… يهودُ ؟!
وا أبا طالبَ.. وا حطينَ ..
وا تشرين.. وا معتصماهْ ..
أنقذوني يا رفاق الدرب ممَّا
في شراييني انتشَرْ،
شررٌ كالقصر يشويني.. وأدهى... وأمرْ.
عارٌ صيف العار(2) يكسوني،
وتزداد الفيافي والمنافي والحُفَرْ
شررٌ يمتد... من بِلْقيس في الماضي،
إلى اليوم الأشَرْ
يوم غادرنا ذرا الجولانَ ،
خلّفنا ورانا طبريّا
وهضاباً كلّها حصنٌ أغرْ،
وارتمينا في منافي الأمسِ،
في ليلِ الحُفَرْ!؟!
آه… يا قلبي... خذوني...
أنقذوني يا رفاق الدرب من نفسي،
ومما في شراييني أنتشَرْ .
فأنا القلبُ، وسهمٌ في سويداهُ استقرّْ ،
وأنا الدرب الذي تضنيه أقدامُ السَّفَرْ ،
وأنا الحِبّ المعنّى..
عشقُه ما بين كفَّيْهِ انتشَرْ ،
وهو لا يملك إلا حسراتٍ ونظرْ!؟!
آه من عيش المخازي والحُفَرْ،
آه من شعبٍ على ضيمٍ صَبَرْ
آه مما هو أدهى وأمرْ...
آه مما هو أدهى .. ثم أدهى وأمر.
* * * *
(1) قرية من قرى الجولان المحتل.
(2) صيف عام 1967 حيث وقعت نكبة حزيران وتم احتلال الجولان من قبل العدو الصهيوني .
|