تراتيل الغربة/د.علي عقلة عرسان/شعر/الطبعة الثانية

أمُّ قيس

" أمُّ قيس": شمخةُ الأرضِ... صَناعْ‏

يافعٌ فيها اليفاعْ‏

مرقبٌ، صُرّت له الأرضُ‏

فصارت كالقُباعْ‏

نسرُها... عينٌ على الأردنِّ والأخرى .. شراعْ‏

يحمل الآتينَ في الجرح من اليرموكِ‏

"للميت " ذراعاً فذراعْ‏

ويعرِّيهم مدى الإبحار باعاً بعد باعْ‏

ــــــــــــــــــــــ‏

فاضت الشمسُ من الغيم انحسَرْ‏

وتمادى الظلُ، من قلبي نفَرْ‏

وشذا الأسرارِ في الأرضِ انتشرْ‏

غاضَت الشمسُ‏

عدوِّي فوق ظلِّي‏

وأنا أزحف ما بين الحفرْ‏

" أم قيسٍ" أغْطَشَت شمسي،‏

وألقتني نُثَرْ‏

عن يمين وشمالٍ من مآقيّ سواقٍ‏

ذابَ فيها النهرُ أو صارت نَهَرْ‏

أجتلي فيه تصاويرَ الشجرْ‏

والهضابُ السمرُ أقرانُ سَفَرْ،‏

مقلتي تمسحُ ما حولي وترخي‏

في تجاويفي عناناً للمطرْ‏

يغسل القلبَ المطَرْ‏

غير أني موحلٌ قلبي بتَسْكابِ المطَرْ‏

ومدى الرؤيةِ في ليليهِ: خوفٌ أو خَطَرْ .‏

حسرةٌ تورق ما بين الضلوعْ‏

تطفئ القنديل والدنيا مطْر‏

آه.. يا درب السَّفَرْ‏

هذه أرضي أمامي‏

غررٌ، أو كالغَرَرْ‏

تحضن الماء وتبكي درراً فوق دُرَرْ‏

وتنمَّي الظلّ والذكرى وتشتاقُ السّيَرْ‏

أتشهّى قطْفَ نوّار ودُفْلَى من رباها‏

ويذيبُ الخوفُ شهواتٍ أُخَرْ‏

هذه أرضي أمامي…‏

وأنا المحروم من أرضيَ من دونِ البَشَرْ‏

مبعدٌ عنها... وكم من مبعدٍ عادَ،‏

وما زلت الخبَرْ‏

تائهاً ما بين أحلام وأخرى‏

أرتمي في الوهمِ من حلمٍ خَطَرْ‏

وأظَلُّ العمرَ تذكاراً ووهماً، أو‏

سيولاً من صُوَرْ‏

في فضاء الروح تَهْيَامَ شراع من أمانٍ وفِكَرْ‏

لا أنا ذاك الذي يرسو على شطٍّ وينسى‏

لا ولا ذاك الذي تنئيه عن فكْرٍ عِبَرْ.‏

* * * *‏

" أمُّ قيسٍ" يوم زرنا " أمَّ قيسْ"‏

أقحمتني يا صديقي في سَقَرْ‏

حين شقّت سرّة الأرضِ وأهدتني البَصِرْ‏

قالت أنظر:‏

وتغشَّتني الصّوَرْ‏

ذكرياتٌ وعبيرٌ، وترانيمٌ أُخَرْ‏

يا لعيني.. يا لعيني.. طبريّا..‏

وطيورُ الماء أسرابٌ تحيّي وتُحَيّا..‏

شفقاً تمتدّ فوق الماء .. تمضي... تَسْبَطِرْ‏

تَخْبُنُ الأفق، تعيدُ الخَبْنَ...‏

تلْتفّ .. تهيّا‏

وتصبّ القطرَ فوقي وتَمُرْ‏

ثم أرعاها لُقى في طبريّا‏

.. مرَّةً أخرى تهيّا وتَمُرْ‏

وتصبُّ الماءَ من شوقٍ عَلَيّا.‏

يفرُطُ الماء على كبدي،‏

ينشُّ الحرقُ،‏

لا يشفى لمحروقٍ وَطَرْ‏

يا طيورَ الماء... من كبدي تفرْ‏

تَخْبُنُ الشَّامَ، تعيد الخَبْنَ مراتٍ.....‏

وتمضي ..تَسْبَطِرْ‏

في ظلام الشام تغدو سُرَجَ الليلِ،‏

وتغدو شهباً،‏

إنَّمَا لا تطفِّي جسداً‏

فالشَّام شوقٌ لا يطفّيه المطرْ.‏

يا طيورَ الماءِ مهلاً‏

ركّزي السحرَ الذين تجنينَ، في قلبي،‏

وشديني مطيَّةْ‏

كي أطوف البيد أحيي ما اندثّرْ‏

من بني أمي على مرّ الدَّهَرْ‏

حتى لا أبقى على الدنيا: خَبَرْ‏

وخطيَّةْ.‏

*******‏

ها هنا.. في " أمِّ قيسٍ" مشهدٌ لا يُختصَرْ:‏

" طبريّا ..‏

وطيورُ الماءِ،‏

والسحرُ المسجّى أبديّا‏

وجمالٌ آسرٌ يرتاحُ عرياناً على الشطِّ،‏

حفيّاً وحييّا‏

ونسيمُ " الشيخ" قديسٌ ويتلو: زكريّا..‏

وهياجُ الذكرِ والناقوسِ همسٌ‏

في سماء الناصريةْ،‏

وتفاريقٌ من الزهّاد سمارٌ بُكيّا‏

وتواريخٌ تدانت وتدلّت من كرومِ الوقتِ،‏

تسقيني مراراتٍ وتحكي لي عَليّا‏

و"أبو الطيب" ذو الليث، زئيرٌ يقتلُ اللَّيثَ العتيّا‏

وحمامٌ زاجلٌ ينساب في الماءِ‏

رسالاتٍ خفيّةْ … "‏

طبريّا..... طبريّا....‏

آه يا قلبي تساقطْ في يديّا‏

ثمرَ الموت شهياً وطريَّا..‏

آه يا قلبي تساقط في يديَّا.‏

طبريّا...... طبريّا... .....‏

آه يا لهفةَ أجدادي وتثريباً عَلِيّا‏

آه يا حسرة أحفادي ويا عاراً نديّا‏

كلما لامسها الجفنُ تغشّته الحُميّا‏

وارتمى دمعاً وأبقاني سؤالاً مشرقيّا.‏

هذه.. قدامَ عيني طبريّا.. أشرَقَتْ...‏

والعارُ يكسوني ويدمي مقلتيّا‏

وغزت زرقتُها الروحَ فصارَ الروحُ شيّا‏

ينتشي من زحفهِ الموتُ،‏

ويبقيني شقياً.‏

* * * *‏

طَبَريّا... طبريّا ... طبريّا‏

ساعدُ الفضَّةِ مجلوٌ أمامي‏

وهضابٌ يتفتَّحنَ سِواراً‏

وأرى بِلْقيس في الصرحِ سبيَّةْ‏

كشفت عن ساق حوراء صبيّةْ‏

وتوارت بخمارٍ من دماها...‏

وعلى المرمر من .. منه … بقيَّةْ‏

ما سليمان على الصرحِ ... ولا‏

حتى سَميَّهْ‏

إنما أتباعُ "يهوةْ" ..‏

والحرابُ العنصريَّةْ‏

وعلى تاجٍ من الصرح تباهى‏

حافر النَّغْل على زهوِ الزمرّد‏

والصبيّةْ‏

غضبةٌ ملتاعةٌ في طبريّا ...‏

تطلق الصوت فيدوي .. ثم يدوي .. ثم يدوي ،‏

ثم يرتدّ دويّا‏

ومحيطُ الصوتِ أسودْ،‏

ثم أسودْ‏

ثم أسودْ،‏

و" لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيّا "‏

طبريّا... طبريّا... طبريّا‏

آه من عصر السبايا...‏

والحروب الهمجيةْ…‏

وحضارات تناهتْ بربريةْ،‏

آه من عصري أنا..‏

عصر الدويلات الشّقيّةْ‏

يعربٌ صار بلاداً تكسر الظَّهْرَ القويّا‏

يأمر "الغربُ" فتلقي عند ساقيه التحيَّةْ‏

يقتل الأبناء.. ترميهم لعينيه هديَّةْ‏

يفجُر الليلَ بها.. تصحو...‏

تبارك فجرَه صبحاً وظهراً وعشيَّةْ‏

وتقول:‏

" الله أكبر.. لنا في الكأس بقيَّةْ " ؟!‏

آه من خزي تناهى عنجهيّةْ…‏

وعمالات بسلطان، وتيجان ردّيةْ ،‏

آه من تلويث روحي وضلوعي‏

وشعاراتي النقيّةْ ،‏

آه من وهمي وأحلامي وتاريخي‏

وأيامي البهيّةْ:‏

" سادراً.. اجتر أمجاديَ من فوق الثريّا‏

بينما عُبّاد " يهوةْ " رتّعاً في طبريّا‏

سَلْحهم فوقَ الزّمرّدْ‏

والعيون العسليّةْ. "‏

* * * * *‏

آه… يا قلبي تمرَّدْ ،‏

فمدارُ الذُّلِّ مثلُ الليلِ أسودْ ،‏

شقّ ليلاً أنت فيه وتمرَّدْ ،‏

وانسكبْ يا قلبُ صحواً،‏

دمعَ عينٍ، أو غناءً، أو دماً .. كنْ‏

في فضاء الصَّرحِ.. واهتف:‏

طبريّا‏

وتمرّدْ...‏

آه .. يا قلبي تمرّدْ‏

حرّق الذلَّ بنار العشق واصعدْ‏

وتمدّدْ‏

فوق مرجٍ من مروج " الجوخَدار"(1)‏

وامتشق من كلِّ عينٍ سهمَ نارْ‏

واستعدْ حقلاً ودارْ‏

وابتردْ في طبريّا‏

وابتهجْ في مائها وانشِدْ نشيدَ الانتصار:‏

" طبريّا .. طبريّا‏

أنت أغلى من ضياء العينِ...‏

من قلبي عليّا...‏

طبريّا .. طبريّا "‏

آه يا قلبي تمرَّدْ‏

كلَّ يومينِ.. ترمّدْ‏

ثم كالفينيق من موتٍ تجدَّدْ‏

وتمرَّدْ...‏

حرّر الأوطانَ واسعدْ‏

أو فكنْ طيرَ زبرجدْ‏

كنْ شهيداً، ولتعشْ يا قلب سرْمَدْ‏

واتخذْ من طبريّا ثوبَ عسْجَدْ‏

آه يا قلبي... تمرّدْ‏

*****‏

غامَت الشمسُ وغابتْ ،‏

وعدوِّي فوق ظلي...‏

وأنا أزحفُ ما ببين الحُفَرْ‏

والهضابُ الجرْد أقرانُ سَفَرْ‏

شررٌ كالقصرِ في قلبي.. وأدهى وأمرْ‏

جامع الحمَّة تحتي،‏

" مرقصاً" صارَ،‏

ورقصٌ في المحاريبِ تعالى واستمرْ ،‏

" مرقصاً " صارَ، وفوق المنبرِ الرقصُ اسبطرْ‏

وأنا أرنو إلى الأعداء من مرمى النظرْ ،‏

جامداً في موقعي بين السواقي والشَّجَرْ .‏

شجر الموز سرايا وأسَرْ‏

وأنا فرد على الشوك ترامي وعَبَرْ‏

أُبَرٌ في بؤبؤ العين، وفي القلب أُبَرْ‏

ومن الأنوار سالت أعيني نحو البشَرْ‏

تغرق الحمَّة بالدمع وألوانِ البصَرْ‏

ها .. هناك أنظر.. ويا تعسَ النظرْ!؟!‏

خاصرَ المرأة في المحراب " عوزي"‏

ذابَ .. أفناها سَكَرْ‏

آه من صعقِ الشَّررْ .!؟‏

ورمتني " أمُّ قيسٍ" بشواظ من سَقَرْ‏

قالت: انظر.. ثم انظر.. ثم انظرْ وَتَقرّْ‏

هكذا أبقى طوال الوقت في كرّ وفرْ‏

تنتشي فيّ المواضي،‏

ويسيل العجز من سَحْرٍ لِنَحْرْ‏

هكذا يحيا الذي يختار ما بين الحُفَرْ‏

يُسْجَرُ الكأسَ الأمرْ‏

إنه الإذلال يا هذا.. وما هذا قَدَرْ‏

إنما العجز الذي يلقيك ما بين الحُفَرْ .‏

كلّ من غاب عن التاريخِ ..‏

مثواه الحُفَرْ ،‏

يُسجَرُ الذلَّ، وأدهى.. وأمرْ‏

يُسْجَرُ الذلَّ، وأدهى.. وأمرْ.‏

* * * *‏

آه في قلبي مطرْ...‏

مطرُ الكبريت في الحمَّة، ما بين الشَّجَرْ‏

يعلن الماضي خلايا من ضَجَرْ‏

آه يا قلبي.. وما قلبي حَجَرْ‏

بشرٌ... يا ناس.. ما قلب البَشَرْ،‏

غير مسحوقٍ من الهمّ تجلّى في صُوَرْ،‏

ركزّت قهراً على مد الليالي والنَّظَرْ ،‏

في تلافيف الخلايا وأحافيرِ البؤرْ؟!؟‏

آه من صوتٍ على سمعي عَبَرْ‏

من مدى التاريخ في الروح استقرْ:‏

" أحرقتْ كنعانَ من قبلُ الصُّوَرْ‏

أحرقت عاداً.. وحطت في قريش ،‏

وقريش عَزَمات ليس تبقي أو تذرْ ،ْ‏

أحرقت كلَّ الصوَرْ.‏

وأتى يومٌ على قلبي تخلَّى عن قريش،‏

وعن الدنيا التي فيها تربَّى وانتصرْ ،‏

فترامى في دروب القهرِ مهجوراً،‏

وأفنته الصُّوَرْ " .‏

آه من لذْعِ الشررْ‏

شرر كالقصر في ذاكرتي‏

آه يا من... فوق سمعي، فوق عينيَّ عَبَرْ ،‏

آه مما هو أدهى.. ثم أدهى وأمرّْ‏

آه في قلبي مطرْ...‏

مطر الكبريت في الحمَّةِِ،‏

ما بين " الشباري" والشَّجَرْ .‏

آه خذني من تلاوين الكَدَرْ‏

آه خذني ..‏

شلّني في " أم قيس" مشهدٌ لا يُغْتَفَر‏

مشهد الجولان مسلوباً،‏

وفوق الهام حرباتٌ على روسِ التلالْ‏

تفجر " النجمة " من فوق الهلالْ!؟!‏

أمتي.. يا أمتي:‏

" عقد لآلْ‏

راح في الوحل وحالْ‏

صار صفراً لا معاً مثل المقالْ. "‏

وأنا المصلوب في جذع الشَّجَرْ‏

حفرٌ في أضلعي..‏

من فوق أحلامي حُفَرْ...‏

تحت أقدامي وقدَّامي حُفَرْ .‏

شلّني الخزيُ‏

يهود تعتليني، وهم السّفلةُ ما بين البشَرْ ؟!؟‏

من ترى علمني الذلّ وأشباه السُّوَرْ؟!‏

لا أبي أستاذه " يهوه" ولا ربي حَجَرْ!؟!‏

من ترى علّمني الذلَّ وأشباه السُّوَرْ؟!‏

شلّني الخزيُ… يهودُ ؟!‏

وا أبا طالبَ.. وا حطينَ ..‏

وا تشرين.. وا معتصماهْ ..‏

أنقذوني يا رفاق الدرب ممَّا‏

في شراييني انتشَرْ،‏

شررٌ كالقصر يشويني.. وأدهى... وأمرْ.‏

عارٌ صيف العار(2) يكسوني،‏

وتزداد الفيافي والمنافي والحُفَرْ‏

شررٌ يمتد... من بِلْقيس في الماضي،‏

إلى اليوم الأشَرْ‏

يوم غادرنا ذرا الجولانَ ،‏

خلّفنا ورانا طبريّا‏

وهضاباً كلّها حصنٌ أغرْ،‏

وارتمينا في منافي الأمسِ،‏

في ليلِ الحُفَرْ!؟!‏

آه… يا قلبي... خذوني...‏

أنقذوني يا رفاق الدرب من نفسي،‏

ومما في شراييني أنتشَرْ .‏

فأنا القلبُ، وسهمٌ في سويداهُ استقرّْ ،‏

وأنا الدرب الذي تضنيه أقدامُ السَّفَرْ ،‏

وأنا الحِبّ المعنّى..‏

عشقُه ما بين كفَّيْهِ انتشَرْ ،‏

وهو لا يملك إلا حسراتٍ ونظرْ!؟!‏

آه من عيش المخازي والحُفَرْ،‏

آه من شعبٍ على ضيمٍ صَبَرْ‏

آه مما هو أدهى وأمرْ...‏

آه مما هو أدهى .. ثم أدهى وأمر.‏

* * * *‏

(1) قرية من قرى الجولان المحتل.‏

(2) صيف عام 1967 حيث وقعت نكبة حزيران وتم احتلال الجولان من قبل العدو الصهيوني .‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244