|
ـ 1 ـ
يا للدَّهشة..
جناحان أخضرانَ في السحاب،
قدمان شفَّافتان في الماء،
رأسٌ يُبحرُ في الشَّفق،
مطرٌ ينخرُ الجمجمة..
سيفٌ راعفٌ في العنُق،
وخيط دمٍ ينسحب على الصدر وشاحاً..
ما هذا المعلَّق في فضاء المُقَلِ كابوساً،
يشكّل أفقَ الرؤية،
يغلق بابَ الذاكرة،
يسجِّل غيابَ الحضور..
ويقول اكتب على ورق الغيم.؟
يا لجرحٍ يُحَنّي الجسد،
يستمطرُ دمعَ الرّوح..
يبقيها دائماً في كَبَد!
سحرٌ تُرى..؟
عهدي.. السحرُ زال،
عهدي.. الساحرُ ميت..
كيف يصحو السُّحَّارُ..
يفيضُ السِّحرُ.. وينهض،
ترنيمَ فضاء يغدو..
كيف؟.
غناءُ بلا ترجيع،
مدى بلا صدى،
الصدى ذاتُه صقيع،
بردٌ قارسٌ في القلب..
بردٌ في الكلمات..
المشهد باهت..
المشهد موت..
ليلٌ يغمرُ النَّفْس..
شمسٌ تغمرُ المدى..
والمدى بارد حزين؟!
يا قلباً يشتاق الشمس!.
لا تحزن..
لا تيأس..
البرزخُ إلى انفراج،
الإعصارُ يهدأ..
البحرُ يصفو..
الشمسُ تشرق..
والفضاءُ الرَّحبُ سِربُ أمل.
لا تحزن..
لا تيأس..
بعد الضِّيق فرَج..
رحمةُ الله واسعة..
واللهُ مع الصابرين.
ـ 2 ـ
آسيا عن يميني،
أوربا عن شمالي،
وجهي إلى البحر،
ليلٌ بابُ البحر..
مِن حُضْن الماءِ أرى الضِّفتين..
رائعةٌ.. مرابعُ الضِّفتين.
ضفتاك ماءٌ وطين..
كيف تضفرُ الطينَ والماءَ..
جدائلَ فضةٍ وذهب؟
ماهرٌ أيها البُسْفور..
ساحرٌ أيها البُسْفور
رائعٌ أيها البُسْفور..
البيوتُ زاهيةٌ في غابتك..
بيضاء.. حمراء.. وصفراء..
تقفز مثل وعولٍ يبهرُها الموج،
سكرى.. تناطح الموج..
ذاهلةً.. تمضي إليك..
ذاهلةً.. تندسّ فيك..
ذاهلةً تنام..
ذاهلةً تصحو..
تغمس أقدامها في اللُّجَين..
تتمطَّى في الذهب..
تسبح..
تمرح..
تسهر..
تلبَس القمَر..
تسكر..
ينتشي النورُ بها..
يرقصُ..
يعانقُ النورُ.. النور.
كرْم النجم هَطْلُ عناقيدٍ في الماء..
داخ الماء..
خُماراً صارَ، ترنَّحَ.. ذاب..
ضياءً صار الماء.
ذَوْب فضة تحضنه السماء..
تنقشُه أرضاً..
السماءُ حضنُ الأرض..
الأرضُ قلبُ السماء..
مباركةٌ السماء..
مباركةٌ الأرض.
عناقيدٌ.. فوقَ عناقيد..
يهطُلُ النجمُ فوقَ النجم في البُسْفور..
بين صنوبرٍ عِشْرِقِيّ اللونِ.. ودُلُبٌ ممتقعِ الوجه.
يا له من عالمٍ مثير.
الغابةُ حياة..
والحياةُ.. غابة..
والأرضُ مدار.
الشجرُ يغتسلُ بدمع السَّحاب..
واللون المترَع بالضوء يهرب أمام الخريف..
الشتاء يقرعُ الباب..
وأنا المسكون بعشق الربيع واللون..
خوفٌ مثقلٌ بالدموع.
عيونُ الخلق نار..
عاصفةٌ في قمقم صغير..
عيني بين العيون،
أَنظر البُسْفور العظيم..
يلهو بمَن يلهو فوق سطحه والضّفتين..
يا له من عالمٍ مثير..
الغابةُ حياة..
والحياةُ غابة..
والأرضُ مدار..
والبُسْفور شريان حياة.
ـ 3 ـ
مركبٌ أنا.. يبحرُ في الدَّهشة..
تجذبه أسرارُ الضِّفتين،
يهرع نحوهما..
تنأيان..
تنفران..
تفرّان نحو الهضاب..
يركض خلفَهما..
يسابق الموج..
يعثَر بالموج..
يخطفه الموج..
يسحبه الملحُ المُذاب..
يرسو عميقاً..
قلبُه الملحُ.. العَذاب..
يهدأ الماءُ.. الملْحُ.. الصوتُ..
ينامُ الليلُ بلا أثواب..
ضحكةٌ ماجنةٌ كالسيل..
تفرقع الليل..
تصهلُ شهبُ السماء..
يموجُ الماء..
وتحتمي الأسرار..
من خطر النهار..
في " رومَلي" حِصار..
" أَنَضُولي" حِصار.
يا روعةَ المَدار..
يا روعةَ المَدار..
قوسُ قزح..
في زرقةِ اخضرار..
وغيمةٌ تتيه في إزار..
من ذهبِ النهار..
بوابتان في كُوى الزمانِ تُفتحان..
ومعبران عاليان باهران..
جسران يبحران في المدى..
جسرٌ إلى الشرق العظيم ينتمي،
وآخرٌ إلى غروبِ الشمسِ يستطير..
أسطورةٌ فضّيةٌ.. تطير..
غيبوبةٌ جميلةٌ.. في حلُمٌ مثير..
أفواج نخلٍ سابحٍ في الماء..
عذُوقُه امتلاء..
عّذْقٌ وعِذْقٌ.. وثَمَر..
ثمارُه طلعُ البَشر..
وجِنّةٌ تمشي على السيوف في ملابس البَشر..
تمشي.. بلا أدنى خطر..
يا روعةَ المَدار..
يا روعة المَدار.
يا عابرين في المكان.. أوقفوا الزمان..
في قمة انبهار..
ما بين فجر وضحى وضفَّتيْ نهار.
في قمّة انبهار..
جسري أنا من ها هنا ينهار..
ألمحُه في زبَد البِحار..
حوريةً منزوعةَ الدّثار..
برَّاقَةً.. وعريُها انبهار..
يهصُرُها التيَّاُر في أحضانه..
يتركها ازدهار..
بوابةً مخلوعةَ الإطار..
مشرعةً على المَدى..
ما بين فجرٍ وضحى وضفّتيْ نهار.
ـ 4 ـ
أحجيةٌ قديمة..
يا صاحبَ العزيمة..
" مُرَيْكبٌ في أبحُر الظلام..
وشمعةٌ واجفةٌ تغوص في الهلام..
ولجةٌ من زمهريرٍ يلجُم الكلام..
وشاخصٌ ظلالُه وهمٌ على أوهام..
يندفعون في مدى الإبصار..
أحجيةً..
في عالم يكتنزُ الأسرار..
ما دَوْرنا في عالم الأسرار..
نحار.. ثمْ..
نحار..
ونرتمي كالصِبْيَة الأغرار؟.".
حكاية قديمةٌ سقيمة..
نرشقُها في صدرنا تميمة..
وتضحك الأقدار.
يا حسرة قاتلةً..
من يكشف الأسرار..
من ينقذ المغرور من دوّامة يثيرها..
يرسلُها إعصار..
مِن وهمِ علمٍ يقتفي الأسرار؟
ما مبعث الإصرارِ يا "غلغامش" المنكوبَ بالإصرار..
ما مبعث الإصرار..
على خلودٍ أو صِبا، أو متعةٍ تنهار؟
تقلّب هو الزمان والهوى..
ما بين قُربٍ ونوى..
تقلُّبٌ دوَّار..
يُقَلِّب القلوبَ والأدوار..
يُزوبِعُ الأدوار والأفكار:
" كلّ القلوب صافية،
كزرقة السماء.
كلّ العيون زاهية،
كنجمة المساء.".
فجاءة..
نتوه في النهار..
ما بين قُرْبٍ ونوى..
ودفتي دُوار.
نحيا تقلَّب الهوى..
نحيا تباريح الجوى.
" كلُّ القلوب كابية..
كلحظة انطفاء.
كلُّ العيون ذاوية..
كوردة الشتاء.".!!.
ما بين قرب ونوى.. فضاء..
يرسمُه الإنسانُ في أهوائه،
يعزوه للأقدار.
"الحُبُ ريحٌ عاتية..
قلبي أنا.. بَحَّار.
والروحُ مثل جارية..
في قبضتيْ جبَّار."
ما بين قرب ونوى..
نصيِّر الأعمارْ..
مشوارْ..
متاهةً..
في قاربٍ من نار.
الكون يدعو:
"أيها البُسْفور..
ها كُلّنا انتظار..
أشرِعْ فضاءَ الماء يا بُسفور..
أنرْ شموعاً في عيون الماء..
كي نقرأ الأسماء..
نحن القلوب العارية..
نحن مرايا الماء..
أنرْ شموعاً كي نرى قلوبَنا في الماء..
العاشقون أقبلوا وكلُّهم إعياء..
اقرأ نشيداً.. آيةً.. ترنيمةً.. دعاء..
أنرْ عيون الماء..
فالعاشقون أقبلوا وكلّهم إعياء.".
ـ 5 ـ
"الدولمابقجة" مثقلٌ بالماس..
يروي حَكايا.. مثل كلِّ الناس..
يأخذه من تعبٍ نُعاس..
فتهرب الأسرار من إزاره..
ويغضبُ السلطان.
"الدولما بقجة"([1])
مثقلٌ تعبان..
يروي حكايا ملّها السلطان،
ينظمها حكايةً حكايةً في سِبحة واهية الخيوط،
يودعها ذاكرةَ الزّمان..
وينشُدُ الأمان..
من غضب السلطان..
في كنفَ الخصيان.
ذات مساءٍ حدَّث المساء..
متكئاً على جذوع.. الماء..
واجتمعت من حوله الأطيارُ والأزهارُ.. والأسمارُ والسمَّار..
واستمعَ الهواء..
ووردةٌ مبتلّةٌ بالماء..
وأَصغت السماء..
قال المعنَّى: " كان.. يا ما.. كان..
يُحكى عن السلطان..
في كان.. يا ما.. كان..
أن له طريقةً..
في عِشْرَةِ النسوان..
وبينه وبينهنّ قصةٌ أسرارُها عميقة..
تعرفها الحيتان..
في كلّ يوم غادة حَسَان..
كقمر الزمان..
تنام في فراشه ما شاء أن تنام..
تصحو على غلام..
يشدّها من شعرها الحرير..
يسحبها من حضنه الوثير..
تسير .. لا تسير.. أو تطير..
يُلقى بها في الماء..
من شرفةٍ رعناء..
على ضفاف الزرقة الخضراء..
يسهر فيها الدمعُ والبكاء..
يسهرُ فيها الماء..
ينتظرُ العذراء..
في حلة أخّاذة البهاء.
في كلِّ يوم واحدة..
كلُّ صباحٍ عِرسُه للماء..
وقلبه دعاء:
"أيتها السماء..
تعبت من طبيعتي..
أنا صنيع الماء..
تعبت من طبيعتي،
أنا ضجيج الطين عبر الماء..
فلتغفر السماء..
فلتغفري أيتها السماء..
أنا ضجيج الطين عبر الماء.".
الغادةُ الحسناء..
آنيةٌ.. من زبَدٍ..
وعاء..
نفَسُها محاصَرُ في دمِها..
تشهقُ تحت الماء..
تتعبُ تحت الماء..
تهدأُ تحت الماء..
وتستريحُ للأبد.
لكنّها..
حكايةُ الجسد..
تعومُ فوق الماء..
ينشرُها الضياء..
تنثرُها الرياحُ في الفضاء..
تعيد من جديد..
حكاية العبيد..
وضجة للطين عبر الماء.
الشمسُ لا تطيق أن تَرى..
الشمسُ لا تطيق أن تغيب..
والموتُ لا يريد أن يَرى..
ولا يريد الموت أن يغيب..
ويستحي الفضاء..
ويستحي المغيب..
ويستحي السكوتُ والكلام..
ويستحي السناءُ والظلام..
وتختفي في ناظرينا الشمس والسماء.
الشمسُ لا تموت إذ تغيب.. أيها الأنام..
الشمسُ لا تنام..
الشمسُ لا تطيق أن ترى في كل يوم قصةَ الغلام..
يشدّها من شعرها..
يقذفها في الماء.
غاضبةً.. تروح..
تخلِّف الظلام..
يفقدها الأنام.. إذ تغيب..
تعود للأنام.. إذ تغيب..
لا بسةً براءةَ الحِداد..
وبُردةَ الخصام.
الشمسُ لا تطيق أن تغيبَ.. أن تنامَ.. أن تَرى..
في كلّ يوم قصةَ الغلام..
يشدّها من شعرها..
يلقي بها في الماء.
يا مَسمَعَ الأنام..
يا مجمَعَ الكلام..
يبكي الندى في أعين الزهر ولكن.. لا يواسي زهرةً ظلام.
ـ 6 ـ
يا .. ياه..
ربَّاه..
مسكينةٌ لؤلؤة رانَ عليها الماء..
في قلبها نُواح..
ملحٌ على جِراح..
راحَ الصدف..
وذاعَ موتُ عاصفٌ في قلبها،
وسرّها من حولها مباح..
ولحمُها نداء.
وليمةٌ فاخرةٌ.. لدى وحوش الماء..
وحشٌ يناغي حِبَّه..
ينهشُ لحمَ الماء..
وحشٌ يجافي قلبَه..
يبصقُ لحمَ الماء..
وعينُها ضائعةٌ تطلب عطف الماء.
تلهثُ في رمضاءِ ملحٍ، كلّها خَواء..
ملحٌ على ملحٍ غدت..
في قلبها اكتواء.
مسكينةٌ لؤلؤةٌ رانَ عليها الماء.
جوهرُ عينٍ صاح..
في لجّة الصباح:
"أرى ما لا يُرى..
أُبيحُ ما لا سرّه يُباح..
أصير مثل ريشةٍ في زعزع الرياح..".
مسكينةٌ لؤلؤةٌ رانَ عليها الماء..
يُقتَل ضوءُ عينها..
كي لا يَرى..
وكي لا يُستباح.
يا.. ياه..
ربَّاه..
مسكينةٌ.. لؤلؤة..
جوهرُ عين صاحَ..
في لجّة الصباح..
تَرى ما لا يُرى،
تُبيحُ ما لا سره يُباح..
تُقتَل حتى لا تَرى..
وكي لا تُستباح.".
يا.. يا لها مرآة..
لؤلؤةٌ.. مرآة..
ينظر فيها الناسُ.. يعرفون..
يغضبون..
يهتفون.
فتُهتَك الأسرار..
وتُنشَر الأخبار..
وتصبح القصورُ عاريَة..
مباحةً.. رابعةَ النهار.
من ذا يشكِّل المحارَ ساريَة..
ويرفعُ الأسرارَ رابيَة..
ويجعلُ الكهوفَ والسجونَ والقصورَ عاريَة..
رابعةَ النهار..
ويتركُ النفوس راضيَة؟.
أمنيةُ الإنسان..
على مدى الزمان..
أن تصبحَ النفوسُ راضيَة..
وأن يرى حقائقَ المكان.
وكان.. يا.. ما كان..
على مدى الزمان.
و"دولما بقجة" مثقلٌ تَعبان..
وخائف من وثبة الزمان..
كأنه جوهرة في فوهتي بركان.
ـ 7 ـ
يا أيها البُسْفور..
أسرارُنا كثيرةْ،
خطيرةٌ مثيرةْ،
صغيرةٌ كبيرةْ..
وقصةٌ قصيرة..
أميرةٌ تصنعها أميرةْ..
آلامنا دائمةٌ، شديدة..
وعيننا كسيرة.
آلامنا كثيرة.
إخفاؤها كياسة،
وربما سياسة..
ندفنها ألماسةً.. ألماسة..
في جعبة أثيرة..
أطرافها وثيرة.
فدفنها سياسة..
وحفظها كياسة..
والله المستعان..
في محنة الإنسان.
وكان .. يا ما كان..
و" دولما بقْجة" مثقلٌ تعبان.
ـ 8 ـ
يا أيها البُسْفور..
رَوَيْتَ لي.. حكاية النَّخَّاس والنّخاسة..
أسكَنْتَها في مسمعي،
هيَّجتَها رقطاءَ في رمل الحشا.. نَهَّاسَة..
تثير رمضاء النّوى في أضلعي..
تحرقني..
تتركني..
روحي على مِحماسَة([2])..
أرفُضُها .. حكايةَ النّخَّاس والنّخاس..
أرفُضُها ..
وأنت يا مكين لا تلين..
أرفُضُها.. وأنت لا تلين..
تصرّ يا جبَّار أن.. تُسمِعني الأنين..
تسجُرني الأنين.
قُصَّ عليّ قصةً رائقةً، شائقةً،
واكشف بها خافيةً من سرِّك الدفين.
ما قصة العذارى..
مخلخلات بالذهب..
يمضين في مياهك العميقة..
مقَمَّطات بالحبال والخشب..
يرفعن تاجاً فوق سطح الماء..
يصِحْن باسم التاجِ عَبْرَ الماء..
يمتصُّهنَّ الماء..
يصرْنَ قلبَ صدفٍ يزيِّن البِحار،
يثمِّر البِحار..
يَعُدْنَ أعينَ المحار في الندى..
وقصةً بلا صدى..
وزورقاً من قصب الأسرار..
يركبه المحار..
ليأنس المحار بالقصَب.
يجرفه التيَّار..
إلى مرافئ المدى.. خمائلِ النَّوَّار..
يلقيه مرجاناً على شواطئ مهجورة..
في جَنَّةٍ بَرِّيَّةٍ ينبوعُها ثرثار.
يا أيها البُسفور
ما قصة الجواري..
قلوبُهنَّ معتِمَة،
أسرارهّن مظلِمَة،
يبكين تحت الماء من حياء،
يمسحن دمع الماء عبر الماء..
ومثلما الإماءِ.. يبكي مثلهنّ الماء.
حكايةً قاسيةً خافيةً يصبحن يا بُسْفور،
وخنجراً يشهره المظلوم في الخفاء..
وتشهقُ العيون باكية..
تغالب الظلام في السماء..
كنجمة المساء.
وتُقْبِل القلوبُ واهية،
في مركبٍ طويل..
يميل فوق سطحك الجميل.. إذ يميل..
ينوء بالحنّاء والحنان والمحن..
كأنه الزمن..
في قاربٍ ثقيل..
يحملُ أسراراً بلا تأويل..
يمشي بلا دليل..
يضيعُ في البحار.
يا داهية..
يا أيها البُسْفور..
حتى الزمن..
تتركُه يضيع في البحار!؟
حكايتي.. حكايتُك..
وكان.. يا.. ما كان..
في أقدم الأزمان..
سجنٌ عظيمُ الشان..
في أقدم الأزمان..
في بابه ربابةٌ يحضُنها هَجَّان..
وقهوةٌ يشربُها فنجان..
وفتيةٌ ممشوقةٌ قاماتُهم..
حِسَان..
كأنهم تألق البيان.
وقصةٌ، حديثُ إنسٍ لا حديث جان..
وكان.. يا.. ما كان..
مرجانة يحضنُها سلطان,
يعشقُها سلطان،
يُغرِقُها سلطان.
و" دولما بقجة" ذاهلٌ.. وشاهدٌ سكْران..
يغضب مثل الموج في الخلجان..
يهدأ مثل الموج في الخلجان..
ينام في أرصفةٍ التَّعَب..
مشرَّد الغضب.
في شرفتيه: نشوةٌ وغصةٌ ولعنةٌ قاسيَة..
وكان.. يا.. ما كان..
في سالف الزمان.
ـ 9 ـ
و"دولما بقجة".. عامر.. يا أيها البُسْفور
و" دولما بقجة" غامرٌ..
مقامرٌ..
وسِرّه مُذاب..
في زبَد العُباب.
يا عامراً.. خَراب..
في شرفتيه الذهبُ المُذاب..
أبهاؤه تروي لنا حكاية الرّمان في البستان..
" أثداؤه فاتنةٌ تكوَّرت إنسان..
أشلاؤه ذاويةٌ تبعثرت إنسان.".
أبهاؤه تعرف كيف ينقضي الزمان..
ما بين حُبٍ عاصفٍ وميتة الجبان،
وقتْلِ قلبٍ عاشقٍ ديْدَنُه الحنان.
و " دلما بقجة" تائهٌ يا أيها البُسْفور..
ما من حياة في مدى الخَراب،
والذهب المُذاب.
كلُّ الرؤوس حاسِرة..
كلُّ العيون ناظرة..
وكلُّها مبهورة بقصصٍ،
من سكَّرٍ مُذاب..
أو علقمٍ و صَاب..
سماعُها عَذاب..
إهمالُها عَذاب..
وكلُّ ما في اليمّ من آثارها يباب..
تنقصُه القبورُ والقِباب.
و " دولما بقجة" حارسٌ يغلِّق الأبواب..
وشاعرٌ..
وعازفٌ يرقِّص الأمواجَ في الذهاب والإياب،
فيجفل التراب،
ويركب السحاب..
ويبحر المسكين في سفينة..
في أيّما عباب.
والماءُ أنغام جوى، وزينةٌ، وقصصٌ حزينة،
يدفعها الموجُ إلى بحرين أبيضين أسودين.. من خضاب..
يدفعها رسالةً قويةً مبينة:
"يا أيها الإنسان..
كان هنا الزمان..
وعَرْف عودٍ يملأ المكان..
كان هنا الخلان والندامى..
كانت هنا الأنغام والألحان..
وكانت الروح هنا ينقصها الأمان..
فها هنا يعسكِر الإنسان..
ويزدهي الإنسان..
ويُظلم الإنسان..
ويُقتل الإنسان..
ويصرخ الإنسان بالإنسان..
يا.. إنسان..
وتنتهي الحكايةُ الحزينة..
لتبدأَ الحكايةُ الحزينة.".
ـ 10 ـ
الشمسُ تمشي مُبهَرَة
في قُبَّة البُسْفور،
كأنما تبحث عن مظلة.. عن فيء دُفْلَى..
عن ظلالٍ.. عن ندى..
فنارُ ما تَرى..
تحرِّق الورى..
وتترك الرماد والأطلال.
في كلِّ يوم تدخل الشمسُ هنا متعبةً في قبة البُسْفور..
تنام عند رأسه..
يوقظُها المَحار..
راكضةً تفيق من خُمارِها، وتمتطي المَدار..
لتصنع النهار..
وألفَ شالٍ مترفٍ بألفِ لونٍ من شذا الأسرار.
ـ 11 ـ
يا أنت.. يا بُسْفور.. يا تعَب..
مستودعَ الأسرارِ والغضَب..
تراقب المراكبَ الثِّقال،
سُكَّانُها يَقصّ جسمَ الماء يلقيه.. قَصَب..
يصنعُه سجَّادةً أغنى من اللّون ومن كلّ الذهب،
تربط شطين إلى ألوان ألواحٌ وأنواع دُسُر..
من نسيج ما له أدنى صلات ونسب..
بحديدٍ ونحاسٍ وخشب..
تحملُها.. يا أيها البُسْفور..
تحملُها.. المراكبَ الثِّقال..
تهزّها..
تدفعُها .. تجذبها..
تعيدُها قِرَب..
تدلقُها..
في مهمَه الغضب..
تسلبُها أحلامَها..
تضحك من أوهامها..
تقطعُها.. إرَب..
تبذرها على شفاه الماءِ.. أسمالَ تعَب..
يضحك فيك الماءُ من زهوٍ ومن فرطِ العجب..
ماءٌ على ماءٍ..
ويفنى من غَلَب..
ماءٌ على ماء..
وتبقى في المَدى..
أقصوصةٌ للماء يرويها القَصَب..
يا.. ياه..
ربَّاه..
كم على الماء كتبْنا وذهَب..
يذهب الكاتبُ بالماءِ على الماءِ ويُمحَى ما كَتَب.
سائل إذا ما شئت يا بُسْفور شلالاً من النجم انسكب..
سائل صباحاً ومساء، وزماناً من ظلام وشعاع ونَصَب،
وتراباً ودماءً وخشب..
وحديداً ونحاساً وذهب..
اسأل الناسَ وشلالَ التَّعب..
والمنافي والضحايا و" التُرَب"..
وكؤوساً من زجاجٍ وعنَب..
واسأل الأسوارَ والأبوابَ والذّكرى..
وتاريخَ المكان..
وبني عثمانَ والبيزنطَ واليونان..
والإسكندر الأكبرَ..
واسأل " داريوس([3])..
جسرَه الأولَ فوق الماء.. مائك..
والقرابينَ التي قرَّبها للماء كي يَرضى إلهٌ في سمائك..
كي تهبّ الريحُ.. يصفو البحرُ.. يمشي النصرُ في موكبهِ عبر إنائك..
اسأل الفُرْسَ وفرسانَ العروبة..
و"أبا أيوب"([4])
في مسجده..
ذلك الصَّقر المُحنى باللَّهب..
ذلك الصرح على السور انتصَب..
سيفُه الحقّ، ويمناه الحِقَب..
واسأل "الفاتحَ"([5])
إذ سالت جواريه([6])
على متن التراب..
صانعاً أعجوبة.. من العَجب.
اسأل التاريخ.. وابحث..
ثم نقّر..
ثم قرر.. وأجِب..
هل ترى في الماء آثار عَطَب؟
هل ترى فيه تلاوينَ تَعَب؟
كم يزيل الماءُ ذكرى مَن كتَب..
بدماءِ الناس مِن دون سبب؟.
كم على الماء كتبْنا وذهب..
يذهب الكاتبُ بالماءِ على الماءِ ويُمحَى ما كَتَب.
يذهب الإنسان أخباراً ويبقى.. مَن وَهب.
ذاهلٌ أنت..
أمن دون سبب؟
ـ 12 ـ
لا تقل شيئاً..
تسلّى..
وتجلّى.. ملكاً فوق الملوك..
وتملّى الكونَ يغزوه بنوك..
لا تقل شيئاً..
فإفكٌ أن يقول الماءُ للدهر شنأناك وإنا شانؤوك.
لا تقلْ..
لا فُضَّ فوك.
لا تقل شيئاً.. فإنا عارفون..
نحن تاريخٌ وأخبارٌ وذكرى..
وبقايا من ظنون..
وحكاياتٌ قديماتٌ، وأشلاءُ فنون..
نحن نوعٌ من جنون.
لا تذكِّرنا.. فإنا ذاكرون.
أيها الساحر في ثغرٍ ضَحوك..
لا تقلْ..
لا فُضَّ فوك.
لا تقلْ شيئاً..
تجلَّى.. وتسلَّى.. وتملَّى..
وأجِب إن راقك القولُ.. فإنَّا سامعوك.
هل صحيح أن " زوساً" صاحبَ الأولمب،
يأتي حافياً في الفجر يسعى خلف حوريَّات مائك؟
هل صحيح أنهن الفجرَ يسبحنَ عرايا في سمائك..
آمنات من عيون الناس والأرباب في رحب فضائك؟
هل زرعن الوقت أقصوصات حُب في إنائك؟
وتركن الريح تحكي.. للملوك..
وتلوك الحكيَ مرَّات ومرَّات.. وتبقى في ظنونٍ وفنونٍ من جنون؟
هل صحيحٌ أن رهطاً من قسوس الروم..
من رهبان روما..؟
يعبرون البحر ليلاً..
يقصدون القصرَ.. قصرَ " طوب قابي" فوق المراكب..
في دروب من تراب..
شقها "الفاتح" في فعل عُجاب.
يمسحون الظلَّ والضوءَ إلى قلب المكان..
يقصدونَ " أَيَا صوفيا"..
سحرُ ماضيها قَتول..
وبها ألوان طيفٍ لا تَحُول..
وتواريخ تجول..
فينامون هناك..
بين آمال وأطماع وأضغاثٍ لأحلام كبار..
ينفثون العُقَدَ الكبرى بكلماتٍ قصار..
وعلى الإيقاع.. إيقاعك، يمشي مولويٌ.. راقصاً..
بين صحن المسجد الخالد([7])..
والقصرِ وأبهاء الكنيسة..
مفعماً بالناي والقانون والشعر وترتيلات مولانا جلال..
وحنين في هديل لليمام..
ينشر الروحَ بياضاً في فضاء من غمام..
وجلال الدين([8])
وحيٌ وإمام..
والمكان..
مفعمٌ بالزهر والألوان.. والأطياب.. والأحباب..
ساحر.
والمَزاهر..
تزرع الأكوان إيقاعاً
وترتاد المنابر..
يسكرُ اللحنُ ويرتجّ المكان..
ينتشي حتى الزمان..
يَذهَل النائمُ والقائمُ في عين المكان..
يَذهَل الروم القساوس..
ويخافون..
يهبّون.. جموعاً..
بعيون غمَّها الصحوُ فأضحت في سقام..
يهربون..
وجلال الدين ذاك المولويّ..
يرفع المزهرَ.. "حيّ.. الله.. حيّ.."..
يرسل الأشعار والأذكارَ.. " حي.. الله.. حي.."..
والقساوسُ يهربون..
يتركون الساحة السَّكرى بإيقاع المزاهر..
يهرع البحرُ إليهم..
يهرعون..
يعبرون البحر صبحاً ذاهلين..
بين أسراب حمامٍ ومُشاة لا تنام..
أنت يا بُسْفور ترنو.. أنت تضحك..
ترقب الناسَ وتضحك..
دائماً ثغرٌ ضَحوك.!
لا تقلْ شيئاً..
تجلَّى.. وتسلَّى.. وتملَّى..
وأجب إن راقكَ القولُ فإنا سامعوك.
هل صحيحٌ أن مصباح " ديوجين"([9])..
يقطع الماء صباحاً ومساء.. في ذهاب وإياب..
باحثاً عن جوهر الإنسان في اللجّ الحزين..
في حياة كلّها ماءٌ وطين.؟
هل صحيحٌ أنه يمشي نهاراً..
في ابْتِهار الشمس يسأل:
"هل ترى من كائن من ما وطين..
روحُه نورٌ وأفراحٌ ولين..
بين جمع الناس في هذا المكان..
من هو الإنسان في هذا الأوان."؟.
سارقُ النار([10])
تُرى مرَّ عليك؟
ناشراً ثورتَه بين يديك..؟.
هل تلا " هوميرُ" أشعاراً هنا في ضفتيك؟
هل صحيح أنَّ..
تضحك..؟
أنت تضحك..؟!
ترقب الناس وتضحك..
يسأل الناسُ ويبكون.. يموتون.. وتضحك..
يكتب الماءُ تواريخَ السلاطين فتضحك..
تغضب الريحُ فتغريها.. وتغريها.. وتضحك..
وتهزُّ الماءَ.. تمحو كلَّ تاريخٍ.. وتضحك..؟.
مالحٌ أنت وتوحي بالحلاوة،
داميَ اللُّجةِ.. توحي بالنَّقاوة..
ومخيفٌ أنت.. توحي بالأمان..
معتمٌ.. يجتاحُك النورُ وتبقى أُلعبان.
أيها البُسفور..
مَن أنت؟
ومن نحن..؟
وما معنى المكان..
والزمان؟
أيها البُسْفور.. من أنت؟
سؤالٌ.. بثَّه.. مَرُّ الزمان؟
أيها البُسْفور..
تضحك..؟
أنت تضحك..
نحن نبكي..
أنت تضحك..
ترقب الناس وتضحك..
سخريات تلك.. أم ذاك امتهان..
أم تراه البؤس.. في كل أوان..
وتباريحٌ لها طعم الهوان..
أم هي الأمواج..
تضحك..؟
أنت تضحك..
دائماً ثغرٌ ضَحوك.
لا تقلْ شيئاً.. تباركت..
تسلَّى..
وتملَّى..
وتجلَّى..
ملكاً فوقَ الملوك.
أنت تضحك..
ربما لم يعجبوك..
ربما تخشى الملوك..
ربما تخشى غداً أن يذبحوك..
فتداري الخوف في ثغرٍٍ ضَحوك..
لا.. تقلْ..
لا.. فُضَّّ فوك..
لا تقلْ شيئاً.. فإنا فاهموك..
نحن ندري سرَّ " إنَّ..."([11])
لا تقلْ.. إنَّ الملوك..
لا تقل.. لا.. فُضَّ فوك.
أنت تضحك...
دائماً ثغرٌ ضَحوك..
دائماً ثغرٌ ضَحوك.
استانبول في 13/11/2005 ـ دمشق ت2 وك2 2005ـ بكين 12/2005 ـ الخرطوم
22/12/2005 ـ تونس 24/12/2005 ـ دمشق ـ 12 2005 ـ دمشق 6/1/2006 ـ دمشق في
11/2/2006 ـ دفنة أبولو 1/5/2006 ـ لاهاي 13/12/2006
([1])
قصر لسلاطين بني عثمان على الضفة الأوربية لمضيق البُسْفور.
|