البوسفور / علي عقلة عرسان / شـعر / دمشق - 2007

البُسْفور

           

ـ 1 ـ

 

يا للدَّهشة..

جناحان أخضرانَ في السحاب،

قدمان شفَّافتان في الماء،

رأسٌ يُبحرُ في الشَّفق،

مطرٌ ينخرُ الجمجمة..

سيفٌ راعفٌ في العنُق،

وخيط دمٍ ينسحب على الصدر وشاحاً..

ما هذا المعلَّق في فضاء المُقَلِ كابوساً،

يشكّل أفقَ الرؤية،

يغلق بابَ الذاكرة،

يسجِّل غيابَ الحضور..

ويقول اكتب على ورق الغيم.؟

يا لجرحٍ يُحَنّي الجسد،

يستمطرُ دمعَ الرّوح..

يبقيها دائماً في كَبَد!

سحرٌ تُرى..؟

عهدي.. السحرُ زال،

عهدي.. الساحرُ ميت..

كيف يصحو السُّحَّارُ..

يفيضُ السِّحرُ.. وينهض،

 ترنيمَ فضاء يغدو..

كيف؟.

غناءُ بلا ترجيع،

مدى بلا صدى،

الصدى ذاتُه صقيع،

بردٌ قارسٌ في القلب..

بردٌ في الكلمات..

المشهد باهت..

المشهد موت..

ليلٌ يغمرُ النَّفْس..

شمسٌ تغمرُ المدى..

والمدى بارد حزين؟!

يا قلباً يشتاق الشمس!.

لا تحزن..

لا تيأس..

البرزخُ إلى انفراج،

الإعصارُ يهدأ..

البحرُ يصفو..

الشمسُ تشرق..

والفضاءُ الرَّحبُ سِربُ أمل.

لا تحزن..

لا تيأس..

بعد الضِّيق فرَج..

رحمةُ الله واسعة..

واللهُ مع الصابرين.

ـ 2 ـ

آسيا عن يميني،

أوربا عن شمالي،

وجهي إلى البحر،

ليلٌ بابُ البحر..

مِن حُضْن الماءِ أرى الضِّفتين..

رائعةٌ.. مرابعُ الضِّفتين.

ضفتاك ماءٌ وطين..

كيف تضفرُ الطينَ والماءَ..

 جدائلَ فضةٍ وذهب؟

ماهرٌ أيها البُسْفور..

ساحرٌ أيها البُسْفور

رائعٌ أيها البُسْفور..

البيوتُ زاهيةٌ في غابتك..

بيضاء.. حمراء.. وصفراء..

تقفز مثل وعولٍ يبهرُها الموج،

سكرى.. تناطح الموج..

ذاهلةً.. تمضي إليك..

ذاهلةً.. تندسّ فيك..

ذاهلةً تنام..

ذاهلةً تصحو..

تغمس أقدامها في اللُّجَين..

تتمطَّى في الذهب..

 تسبح..

تمرح..

تسهر..

تلبَس القمَر..

تسكر..

ينتشي النورُ بها..

يرقصُ..

يعانقُ النورُ.. النور.

كرْم النجم هَطْلُ عناقيدٍ في الماء..

داخ الماء..

خُماراً صارَ، ترنَّحَ.. ذاب..

ضياءً صار الماء.

ذَوْب فضة تحضنه السماء..

تنقشُه أرضاً..

السماءُ حضنُ الأرض..

الأرضُ قلبُ السماء..

مباركةٌ السماء..

مباركةٌ الأرض.

عناقيدٌ.. فوقَ عناقيد..

يهطُلُ النجمُ فوقَ النجم في البُسْفور..

بين صنوبرٍ عِشْرِقِيّ اللونِ.. ودُلُبٌ ممتقعِ الوجه. 

يا له من عالمٍ مثير.

الغابةُ حياة..

والحياةُ.. غابة..

والأرضُ مدار.

الشجرُ يغتسلُ بدمع السَّحاب..

واللون المترَع بالضوء يهرب أمام الخريف..

الشتاء يقرعُ الباب..

وأنا المسكون بعشق الربيع واللون..

خوفٌ مثقلٌ بالدموع.

عيونُ الخلق نار..

عاصفةٌ في قمقم صغير..

عيني بين العيون،

أَنظر البُسْفور العظيم..

يلهو بمَن يلهو فوق سطحه والضّفتين..

يا له من عالمٍ مثير..

الغابةُ حياة..

والحياةُ غابة..

والأرضُ مدار..

والبُسْفور شريان حياة.

 

ـ 3 ـ

 

مركبٌ أنا.. يبحرُ في الدَّهشة..

تجذبه أسرارُ الضِّفتين،

يهرع نحوهما..

تنأيان..

تنفران..

تفرّان نحو الهضاب..

يركض خلفَهما..

يسابق الموج..

يعثَر بالموج..

يخطفه الموج..

يسحبه الملحُ المُذاب..

يرسو عميقاً..

قلبُه الملحُ.. العَذاب..

يهدأ الماءُ.. الملْحُ.. الصوتُ..

ينامُ الليلُ بلا أثواب..

ضحكةٌ ماجنةٌ كالسيل..

تفرقع الليل..

تصهلُ شهبُ السماء..

يموجُ الماء..

وتحتمي الأسرار..

من خطر النهار..

في " رومَلي" حِصار..

   " أَنَضُولي" حِصار.

يا روعةَ المَدار..

يا روعةَ المَدار..

قوسُ قزح..

في زرقةِ اخضرار..

وغيمةٌ تتيه في إزار..

من ذهبِ النهار..

بوابتان في كُوى الزمانِ تُفتحان..

ومعبران عاليان باهران..

جسران يبحران في المدى..

جسرٌ إلى الشرق العظيم ينتمي،

وآخرٌ إلى غروبِ الشمسِ يستطير..

أسطورةٌ فضّيةٌ.. تطير..

غيبوبةٌ جميلةٌ.. في حلُمٌ مثير..

أفواج نخلٍ سابحٍ في الماء..

عذُوقُه امتلاء..

عّذْقٌ وعِذْقٌ.. وثَمَر..

ثمارُه طلعُ البَشر..

وجِنّةٌ تمشي على السيوف في ملابس البَشر..

 تمشي.. بلا أدنى خطر..

يا روعةَ المَدار..

يا روعة المَدار.

يا عابرين في المكان.. أوقفوا الزمان..

في قمة انبهار..

ما بين فجر وضحى وضفَّتيْ نهار.

في قمّة انبهار..

جسري أنا من ها هنا ينهار..

ألمحُه في زبَد البِحار..

حوريةً منزوعةَ الدّثار..

برَّاقَةً.. وعريُها انبهار..

يهصُرُها التيَّاُر في أحضانه..

يتركها ازدهار..

بوابةً مخلوعةَ الإطار..

مشرعةً على المَدى..

ما بين فجرٍ وضحى وضفّتيْ نهار.

 

ـ  4 ـ

أحجيةٌ قديمة..

يا صاحبَ العزيمة..

" مُرَيْكبٌ في أبحُر الظلام..

وشمعةٌ واجفةٌ تغوص في الهلام..

ولجةٌ من زمهريرٍ يلجُم الكلام..

وشاخصٌ ظلالُه وهمٌ على أوهام..

يندفعون في مدى الإبصار..

أحجيةً..

في عالم يكتنزُ الأسرار..

ما دَوْرنا في عالم الأسرار..

نحار.. ثمْ..

نحار.. 

ونرتمي كالصِبْيَة الأغرار؟.".

حكاية قديمةٌ سقيمة..

نرشقُها في صدرنا تميمة..

وتضحك الأقدار.

يا حسرة قاتلةً..

من يكشف الأسرار..

من ينقذ المغرور من دوّامة يثيرها..

يرسلُها إعصار..

مِن وهمِ علمٍ يقتفي الأسرار؟

ما مبعث الإصرارِ يا "غلغامش" المنكوبَ بالإصرار..

ما مبعث الإصرار..

على خلودٍ أو صِبا، أو متعةٍ تنهار؟

تقلّب هو الزمان والهوى..

ما بين قُربٍ ونوى..

تقلُّبٌ دوَّار..

يُقَلِّب القلوبَ والأدوار..

يُزوبِعُ الأدوار والأفكار:

" كلّ القلوب صافية،

كزرقة السماء.

كلّ العيون زاهية،

كنجمة المساء.".

فجاءة..

نتوه في النهار..

ما بين قُرْبٍ ونوى..

ودفتي دُوار.

نحيا تقلَّب الهوى..

نحيا تباريح الجوى.

" كلُّ القلوب كابية..

كلحظة انطفاء.

كلُّ العيون ذاوية..

كوردة الشتاء.".!!.

ما بين قرب ونوى.. فضاء..

يرسمُه الإنسانُ في أهوائه،

يعزوه للأقدار.

"الحُبُ ريحٌ عاتية..

قلبي أنا.. بَحَّار.

والروحُ مثل جارية..

في قبضتيْ جبَّار."

ما بين قرب ونوى..

نصيِّر الأعمارْ..

مشوارْ..

متاهةً..

في قاربٍ من نار.

الكون يدعو:

"أيها البُسْفور..

ها كُلّنا انتظار..

أشرِعْ فضاءَ الماء يا بُسفور..

أنرْ شموعاً في عيون الماء..

كي نقرأ الأسماء..

نحن القلوب العارية..

نحن مرايا الماء..

أنرْ شموعاً كي نرى قلوبَنا في الماء..

العاشقون أقبلوا وكلُّهم إعياء..

اقرأ نشيداً.. آيةً.. ترنيمةً.. دعاء..

أنرْ عيون الماء..

فالعاشقون أقبلوا وكلّهم إعياء.".

 

ـ 5 ـ

 

"الدولمابقجة" مثقلٌ بالماس..

يروي حَكايا.. مثل كلِّ الناس..

يأخذه من تعبٍ نُعاس..

فتهرب الأسرار من إزاره..

ويغضبُ السلطان.

 "الدولما بقجة"([1]) مثقلٌ تعبان..

 يروي حكايا ملّها السلطان،

ينظمها حكايةً حكايةً في سِبحة واهية الخيوط،

يودعها ذاكرةَ الزّمان..

وينشُدُ الأمان..

من غضب السلطان..

في كنفَ الخصيان.

ذات مساءٍ حدَّث المساء..

متكئاً على جذوع.. الماء..

واجتمعت من حوله الأطيارُ والأزهارُ.. والأسمارُ والسمَّار..

واستمعَ الهواء..

ووردةٌ مبتلّةٌ بالماء..

وأَصغت السماء..

قال المعنَّى: " كان.. يا ما.. كان..

يُحكى عن السلطان..

في كان.. يا ما.. كان..

أن له طريقةً..

في عِشْرَةِ النسوان..

وبينه وبينهنّ قصةٌ أسرارُها عميقة..

تعرفها الحيتان..

في كلّ يوم غادة حَسَان..

كقمر الزمان..

تنام في فراشه ما شاء أن تنام..

تصحو على غلام..

يشدّها من شعرها الحرير..

يسحبها من حضنه الوثير..

تسير .. لا تسير.. أو تطير..

يُلقى بها في الماء..

من شرفةٍ رعناء..

على ضفاف الزرقة الخضراء..

يسهر فيها الدمعُ والبكاء..

يسهرُ فيها الماء..

ينتظرُ العذراء..

في حلة أخّاذة البهاء.

في كلِّ يوم واحدة..

كلُّ صباحٍ عِرسُه للماء..

وقلبه دعاء:

"أيتها السماء..

تعبت من طبيعتي..

أنا صنيع الماء..

تعبت من طبيعتي،

أنا ضجيج الطين عبر الماء..

فلتغفر السماء..

فلتغفري أيتها السماء..

أنا ضجيج الطين عبر الماء.".

الغادةُ الحسناء..

آنيةٌ.. من زبَدٍ..

وعاء..

نفَسُها محاصَرُ في دمِها..

تشهقُ تحت الماء..

تتعبُ تحت الماء..

تهدأُ تحت الماء..

وتستريحُ للأبد.

لكنّها..

حكايةُ الجسد..

تعومُ فوق الماء..

ينشرُها الضياء..

تنثرُها الرياحُ في الفضاء..

تعيد من جديد..

حكاية العبيد..

وضجة للطين عبر الماء.

الشمسُ لا تطيق أن تَرى..

الشمسُ لا تطيق أن تغيب..

والموتُ لا يريد أن يَرى..

ولا يريد الموت أن يغيب..

ويستحي الفضاء..

ويستحي المغيب..

ويستحي السكوتُ والكلام..

ويستحي السناءُ والظلام..

وتختفي في ناظرينا الشمس والسماء.

الشمسُ لا تموت إذ تغيب.. أيها الأنام..

الشمسُ لا تنام..

الشمسُ لا تطيق أن ترى في كل يوم قصةَ الغلام..

يشدّها من شعرها..

يقذفها في الماء.

غاضبةً.. تروح..

تخلِّف الظلام..

يفقدها الأنام.. إذ تغيب..

تعود للأنام.. إذ تغيب..

لا بسةً براءةَ الحِداد..

وبُردةَ الخصام.

الشمسُ لا تطيق أن تغيبَ.. أن تنامَ.. أن تَرى..

في كلّ يوم قصةَ الغلام..

يشدّها من شعرها..

يلقي بها في الماء.

يا مَسمَعَ الأنام..

يا مجمَعَ الكلام..

يبكي الندى في أعين الزهر ولكن.. لا يواسي زهرةً ظلام.

 

ـ  6  ـ

يا .. ياه..

ربَّاه..

مسكينةٌ لؤلؤة رانَ عليها الماء..

في قلبها نُواح..

ملحٌ على جِراح..

راحَ الصدف..

وذاعَ موتُ عاصفٌ في قلبها،

وسرّها من حولها مباح..

ولحمُها نداء.

وليمةٌ فاخرةٌ.. لدى وحوش الماء..

وحشٌ يناغي حِبَّه..

ينهشُ لحمَ الماء..

وحشٌ يجافي قلبَه..

يبصقُ لحمَ الماء..

وعينُها ضائعةٌ تطلب عطف الماء.

تلهثُ في رمضاءِ ملحٍ، كلّها خَواء..

ملحٌ على ملحٍ غدت..

في قلبها اكتواء.

مسكينةٌ لؤلؤةٌ رانَ عليها الماء. 

جوهرُ عينٍ صاح..

في لجّة الصباح:

"أرى ما لا يُرى..

أُبيحُ ما لا سرّه يُباح..

أصير مثل ريشةٍ في زعزع الرياح..".

مسكينةٌ لؤلؤةٌ رانَ عليها الماء..

يُقتَل ضوءُ عينها..

كي لا يَرى..

وكي لا يُستباح.

يا.. ياه..

ربَّاه..

مسكينةٌ.. لؤلؤة..

جوهرُ عين صاحَ..

 في لجّة الصباح..

تَرى ما لا يُرى،

تُبيحُ ما لا سره يُباح..

تُقتَل حتى لا تَرى..

وكي لا تُستباح.".

يا.. يا لها مرآة..

لؤلؤةٌ.. مرآة..

ينظر فيها الناسُ.. يعرفون..

يغضبون..

يهتفون.

فتُهتَك الأسرار..

وتُنشَر الأخبار..

وتصبح القصورُ عاريَة..

مباحةً.. رابعةَ النهار.

من ذا يشكِّل المحارَ ساريَة..

ويرفعُ الأسرارَ رابيَة..

ويجعلُ الكهوفَ والسجونَ والقصورَ عاريَة..

رابعةَ النهار..

ويتركُ النفوس راضيَة؟.

أمنيةُ الإنسان..

على مدى الزمان..

أن تصبحَ النفوسُ راضيَة..