|
روى لي صديق قصة رجل عاش حدثاً صعباً، فتأثرت تأثراً بالغاً بما سمعت منه،
ومضى زمن وقصة ذلك الرجل تنقر في ذاكرتي من آن لآخر وتخفق مثل جنح غراب.
وذات وقت وجدتني أكتب في ظلال ومضات متتالية مما سمعته من قصته وما تأثرت
به من مصابه، فكانت: "رهان مع الحب".
ـ
1 ـ
يا
قلب..
ليتك لم تدخل رهان الحب يا قلب،
ليتك لم تفرح لحظة كي لا تبكي دهراً..
ليتك لم تكن مغروراً بسيف من خشب..
بعزم من وهم.. وساق من قصب.
من يدخل رهاناً مع الحب يخسر يا قلب.
ها قد راح العمر في رهان..
فهل في الوجود مقامرٌ مثلك؟
الحب لا يُغلَب يا قلب..
هل اقتنعت، تراجعت، ندمت.. تبت..؟
وما الفائدة، بعد فوات الأوان..
يا قلب؟.
ـ 2 ـ
ذات ربيع..
فتَّح لوزٌ في بستان القلب.
جميلٌ زهرُ اللَّوز..
بياضُ الثلج،
نقاءُ الطفل،
فتون الحُبّ،
قلوبُ عذارى.. زهرُ اللوز.
جميلٌ زهرُ اللوز.
أثمرَ شجرُ اللّوز بقلبي..
بيدي لونُ الغابة..
ثمرُ اللوز..
قضمتُ.. صُعِقت..
رديءٌ طعمُ اللوز.
بصقتُ الفجرَ..
سئمت.. سألتُ:
بقلبي فسدَ اللوزُ وطعمُ اللوز..؟
بقلبي صار اللوزُ نفاية.؟!
لونُ الخضرة بين يديَّ..
وطعمُ العتمة في شفتيَّ..
سألتُ:
سموماً أحمل في جنبيَّ.؟
صُعِقتُ .. ندمت.. وتهت..
ولون الخضرة بين يديَّ..
وطعم العتمةِ في شفتيَّ.
كنت إخال الخضرة خيراً..
لكن..
وهْمُ القلب كبيرٌ،
وهْمُ العيش كثير.
رأيت العريَ.. العارَ.. يهيجُ.. يموجُ.. يصيرُ عرائشَ في الطّرقات.
يئست.. سألت..
ونامَ الدمعُ على عينيّ..
وماتَ اللوزُ على كفيَّ..
وماتَ.. ومات..
وماتَ الدفءُ، الدمعُ، نقاءُ اللوز..
و مات الفجرُ،
شعاعُ الفجرِ،
وماتَ.. رفيفُ حياةٍ أخضر في العينين.
ـ 3
ـ
يا مهجتي..
ما ذا جرى للوز؟
لوزي بلا دثار..
عريٌ بلون العار..
يبيعه التجارُ للتجار..
يلهو به الفجّار.
يا مهجتي..
ماذا جرى للوز؟
يا شاهدي.. يا وقت..
قد فاضت الأسرار..
عرياً بلون العار..
يا شاهدي يا وقت.
قد فاضت الأسرار..
عرياً بلون العار..
ما ذا جرى للوز..
ما ذا جرى للوقت.؟
ـ 4
ـ
على سريرٍ ما..
في هدأة المساء..
تكوَّرت رمانتان وانتشت سماء..
تلونت كماء..
في درَّة زرقاء.
وفي مدى مفوَّف الظلال،
تناثرت غِلال..
من عاشقين في مدى الزوال..
وفَتََّحَت نافذةٌ عيونَها مذعورةً،
وهرولت مفجوعةً، تتبعها أقوال..
وآهةٌ تدلَّهت..
تفجرت سؤال..
وشرفةٌ تأوهت موَّال..
ترنمت بنسمة شفافة وخاطر في البال.
وأشرق العرْزال..
وعرَّشت أوراقُ زهرِ اللوز..
فوق سريرٍ مترعٍ بالفوز..
ناشرةً قوسَ قزح..
ونشوةً فوق احمرار الشمس كالشلال..
معلنةً ميلاد وقتٍ مترفٍ ووارفِ الظلال..
ناثرةً أسرارَ قلبٍ عاشقٍ..
راح يوشِّي شرفةَ الزمان..
بألف لون متعةٍ..
تضيق بالحدود بالقيود بالمَدى
وتزدري المُحال..
وينتشي في ذَوْبها الدلال..
تصوغه خلخال..
رنينه يراودُ الرجال،
يضيق بالحَلال.
ويرفض الرجال بالحَلال.
ولوحَّت أشياءُ زهر اللوز بالريحان..
من شرفة في ذلك الزمان..
وأينعت..
رمَّان..
بلون عشق فاجرٍ
وشهوة تلوِّن المكان.
حكايةُ اللوز مشت..
تدحرجت رمّان..
تجمعُه الحِسان في السِّلال..
تبيعه البنات للصبيان..
وأصبحت لوناً من الرهان..
بين فريقين من الفتيان..
على حِصان منهمُ يعاشر "الحَصَان"..
ينشرها خلجان.
حكايةُ اللوز مشت،
تدحرجت رمّان.
وفي مدى الزمان..
تعرَّت الفضائحُ السِّمان..
وحملقت عينان..
وعربد المكان.
ـ 5
ـ
في غمرة اللقاء..
أمسك بالعنان،
بكاء طفل جرَّح الزمان،
ورافقَ الأذانَ في المساء..
راح يوشِّي الليل بالبكاء،
ويُتعِب السماء..
ويشتهي أماً تمُدّ حِلمة فيَّاضة في ثغره،
وتنعش الأمان.
يصيحُ.. يستريح..
ثم يدوّي صوتُه الجريح:
أمي.. أيا أمي.. أبي..
أمي .. وأمي .. يا أبي.."
صراخُه يلوب..
يقطِّع القلوب..
في حزنه كلّ فؤادٍ راشدٍ يذوب.
والأُم في دوّامة الفراش..
أزهارُ لوزٍ مصَّها العشيق..
صارت بلا رحيق..
وكلُّها مثل خيوط القطن في الحريق..
يطفئها.. يشعلُها.. ماء الرجال.
وتشتهيه فوقَ ما تطيق..
أوقدها فاحترقت..
ما ذنبها.. إذ قلبُها رقيق..
ولم تعد تطيق..
فراق ظلّ ذلك العشيق.؟
ذاتُ شَبق..
وحِبّها في رَهزِهِ رشيق..
وتنتشي من مائه الرمال.
في حضنه تنسى الأنا..
وكلَّ رفضٍ للزّنا..
وكلَّ طفلٍ.. كلَّ زوجٍ، كلَّ شيءٍ في الدّنا..
تنسى الأنا..
وكلَّ ما تصنعه الحياةُ من أحوال..
وترفض الأحكامَ والأخلاقَ والأقوال.
في حضنه تنام.. كالحَمام،
ولا تريد.. لا تريد أن تفيق.
ـ 6
ـ
وأزغَب المساء..
ولوَّن السّماء..
بريشة رعناء..
والطفل إعصار المدى..
بكاء..
وكل آذان الدّنا.. صمّاء،
والوالد المسكين يرثي حظّه..
يصفعه الرجاء..
يهجُرُه الرجاء..
يروح أو يجئ في المكان..
يأكلُه الإباء..
تحرقه الفضيحةُ الرّعناء..
تلجمه الفضيحةُ الرّعناء..
ووجهه إغماء.
يا لونه المساء..
في عين طفلٍ وأبٍ..
ومنزلٍ مزَلزلٍ..
يسكنه انطفاء..
وظلمة تغالب الضياء..
ومشنقة..
معلق في حبلها الوفاء.
هناك.. في المدى..
تكسَّرت أشعةٌ..
وأبحرت مراكبُ المساء..
في ظلمة الفجور والرياء.
يا رحمة السماء..
يا رحمة السماء..
تكسَّرت أشعة الرجاء..
وأَصحَرت سماء..
وأينع ازدراء..
في قلب زوجٍ مرهق،
تساقطت في قلبه السهام..
ونام..
على بكاء طفله الرضيع..
كأنه رخام.
ـ 7
ـ
تناقلت ألسنةُ الأنام..
أخبار لوزٍ هام..
في أبحر الغرام..
تسحقُه الأقدام..
وشهوةٌ ناشزةٌ،
ألقته وهماً في مدى الأوهام..
ركامَ جسم فاسدٍ تركلُه الأيام..
نفايةً.
ينام..
بين ذراعين من الجذام..
كأنه غلام..
يبهره الغرور.
مسرور..
يبحر في الرياء..
في عاصف الأنواء..
وأبحرٍ من حبه الحَرام.
يقذفه الظلامُ للظلام..
يلفظه الظلام للسّقام..
ملوثاً.. مقزِّزاً..
نفاية الحطام.
ـ 8
ـ
قال لنا القوّال:
يومي كئيب والمسا ترحال..
في أبحرٍ زاخرةٍ طوال..
ترجّحُ الأحوال،
ما بين حزنٍ هائجٍ وعوسج يمزق السؤال.
موجات روحي مترعاتٌ بالمنى،
وأدمعي.. ثِقال،
وليلُ قلبي موحشٌ،
ومشيُه إرْقَال..
نحو هموم كلّها أهوال.
ومسكني، في وحدتي..
كوخٌ من الأسمال..
تنسجه الأهوال..؟
ما بين شوكَي شِبْرِقٍ وملحِ عين سال.
قال لنا القوَّال:
يتركني توجّعُ السؤال..
ممزّقَ الأوصال..
بين سرابٍ لامعٍ.. وزاخرِ الأقوالِ والآمال..
يحرقني المحال..
يحرقني..
والبال..
بَلْبَال ..
من كثرة الخيَالِ والأوهامِ والخبَال..
والحرثِ في الأملاحِ والرمَال.
الشاطئُ الجميل لا يهزّني..
بحري بحورٌ سبعةٌ طوال..
مظلمةٌ.. هائجةٌ.. حارقةٌ..
والحالُ.. من ذا الحال..
ترحال..
في مهمه الأقوالِ والأوهام والرمال والأهوال..
بين خيال شاهقٍ وهوَّةِ الخبَال.
وكلها ساجيةٌ، قاتمةٌ، ثقال:
قافلتي.. قافيتي.. أشجانُ قلبي..
والمنى..
أشرعةُ السؤال..
ساجيةٌ.. قاتمةٌ.. ثقال.
قال لنا القوَّال:
يا موت خذني..
ها سَجا مني الحِجا..
وأثلجَ القُذال..
أغرقْ عيوني في الدجى..
وابذرْ دمي في قممِ الجبال..
واغرس أمانيَّ العِذاب في المحال..
كي لا أرى تقلّبَ الزمان والأحول والنساء والرجال.
أحمالُ قلبي كلُّها ثقال..
ومتعبٌ روحي بأحوالِ دمي..
ممزَّق..
بين جواب شاحبٍ وخضرةِ السؤال.
وكثرةِ الترحال.
أيا دمي..
تموت شهوةُ الحياة في دمي..
وأعظمي غِربال..
ينخرُها رئبال..
وترتمي في أضلعي مسألة عُضال:
متى العدم.. وسحق أنياب الندم..؟
متى يكون يا ترى الزوال..؟
متى يموت في دمي السؤال..؟
متى تكون راحةٌ، مثابةٌ.. ونبلغ المآل..
متى .. متى.. ويسأمُ السؤال.؟
قال لنا القوَّال:
في أضلعي موّال..
نعيبُ شريانٍ وهَى..
أوردتي غربال،
وزفْنُ قلبٍ في المدى ينهال.
يا شجنَ الحياةِ والسؤال..
يا وجع الغدر الذي يشيِّب الأطفال..
أهوال..
أهوال..
شخبُ دماءٍ في فمي..
وذابحي لا ينتمي..
وأضلعي بأضلعي لا تحتمي..
وقصتي حكايةُ الأجيال للأجيال.
أصيح..
يا.. ملءَ دمي أصيح:
" يا عزوَتي..
ذبيح..
من الوريدِ للوريد.. يا دمي يسيح..
وعزمُ روحي سال.
أوحال..".
أسأله..
يجيبني السؤال:
" قلبٌ يجافي الحبَّ والحياةَ والنساءَ والرجال..
تدركُه الأحوال..
تسحقُه الأهوال.
من دمه المسفوح..
يلوح..
كأنه عَنْتَرَةٌ في ساحةِ القتال،
مخضَّبٌ القُذال،
يشخُبُ دمّ جرحِه في جوفه..
يفيض من أحشائه..
وما يزال ينتخي في ساحة القتال..
كأنه رِئْبال:
"أنا ابن من تعرفُه الأهوال..
أنا ابن من..".
يقول.. أو يصول.. أو يجول..
عنترةُ الفحلُ الذي تخافُه الفحول..
وبعد فيضٍ من سجالٍ..
ينثني..
جراحُه في جوفِه نزيف..
وحالُه.. أحوال..
وصولةُ الرجالِ في أوصاله..
أقوال..
من ذهبِ الكلامِ.. إنما..
أقوال.
نهايةٌ محزنةٌ..
تعندمُ الجبين.
تفيض من سمومها أسئلةٌ معضلةٌ..
وغابةٌ من شائك الهموم والأهوال.
يا عيب قلبٍ.. سيفُه أقوال..
وفعلُه أقوال..
وعمرُه أقوال..
وهمُّه أن يغلبَ الحياة والنساء والرجال بالأقوال.
يا عيب قلبٍ ساذج..
لا يعرف النساءَ والرجال..
سلاحُه أقوال..
وينتشي.. في كلّ وقتٍ.. ذاهلاً..
تسكرُه الحياةُ والأحلامُ والأقوال..
تقتله الأحوالُ.. والأهوال..
تلفظه: أسئلةً داميةً وأدمعاً ثقال..
وحَشَفَاً من بائس الأقوال.
ـ
9 ـ
يا أيها القلب الذي في جنبه خناجرٌ..
مُرُّ النوى..
وغدرُ خلق الله واستباحةُ الحناجر..
ها قد خسرت الحِلَّ والترحال..
وراحة للبال..
ما عدت تدري طعمها.. وعذبها السيَّال..
ها قد جعلت العمرَ نزْفاًً..
والمَدى بوابة مقفلةً بأمنع الأقفال..
ها قد جعلت البوحَ عبئاً..
والمعنَّى حبَّك القتّال..
يا أيها المنكوب في " اختياره"..
شخصٌ وما يختار،
حتى لو اختار الشَّقا والنار..
شخصٌ وما يختار..
شخصٌ وما يختار.
نعيمك المنشود صار غيمةً صيفيةً.. لا شئ فيها..
لا ندى الأحباب..
ولا المُنى العِذاب..
نعيمُك.. السراب..
نوعٌ من اليباب..
غناؤك.. الغراب..
نعيبه الخراب..
وكلُّه عَذاب.
ثمارُه نَكَد.
نهارُه.. وليلُه نَكَد،
وأنت فيه خائرُ الجسد،
وحائرُ الدليل..
وقاتلٌ.. قتيل.
ولوحةٌ من الدما أمشاجُها.. تسيل..
تلوِّن المكانَ والزّمان.
تبعثرُ المكانَ والزّمان.
ـ 10
ـ
الحبّ بحرُ..
الحبّ بَر،
الحبّ خيرُ..
الحبّ شر.
الحبّ حَرُ..
الحبّ قَر.
الحبّ كَرُ..
الحبّ فَر.
من علَّم المجنون حباً جامداً مثل الحجَر.؟
في كلّ يوم زهرة البستان في شانٍ وفي البستان أزهارٌ أُخَر.
للحبّ وجهان وللشر وجوه يا بشر.
قَلِّبِ الحربَ تجدها حفرةَ البؤسِ وسوءاتِ الحفر..
قَلِّبِ السّلم تجدها قبرَ حرب مثقلاً بالثأر والحقدِ الأشرِّ، والعِبَر..
قَلِّبِ النفس تجد وسواسَها وخزَ الإبر،
كل وقت..
كل نفس..
بحرُ خيرٍ.. بحرُ شر،
قاتلٌ: بالحبّ، باسم الحبّ، باسم الحرب، باسم السّلم.. يقتُل.
غادر في الحبّ، باسم الحبّ، يغدُر..
فاجرٌ في الحبّ، باسم الحبّ، يفجُر.
ونقول: الحبُّ مظلومٌ وظالم.
إنه الإنسان ربّ الترّهات..
يصنع الموتَ حياة..
يجعل الحبّ كَرَاهَة..
يجعل الحربَ سلاماً..
ويغطي كلَّ لونٍ من حياة بفروع من ممات،
ترَّهات.. ترَّهات..
إنما الموت تباريه الحياة..
وحياة الناس نوع من ممات.
*
* *
يا لهذا الليل..
خفّاق الجناح..
خائفٌ قلبي وخوفُ الموتِ موت..
بين خوفين يصيرُ الحبُّ موت.
يا كثير الخوف يا قلبي، تعلَّم..
لا تعكّر زهوَ شمس النفس أو نهرَ النَّهار،
لا تعطّل فيضَ أنوارٍ تهاديك الثمار..
فثمار الليل شَر..
وثمار النور من خير الثمار،
وشعاعُ الشمس نورٌ وحياة ودثارٌ،
لقلوب غضة مثل النهار.
ـ 11
ـ
في مغيب الشمس..
تبحث العصافير عن مخبئ من الليل والريح،
أسرابُ خلف أسرابٍ تعبر الشفقَ وتغيب في مدى العتمة..
كل منها يحتمي في بيت..
كل منها يبيت في عُش.
وقلبي الخائف يبحث عن جناحين فلا يجد..
يبحث عن بيت فلا يجد..
يبحث عن مخبئ فلا يجد..
وعن عصفورٍ يرافقه فلا يجد..
يمضي في متاهة الليل والريح..
يلفُّه الصقيعُ،
توجعُه الغربة.
سفينةٌ تبحر في اليم،
مثل شراع صغير في يانغ تسي،
يمضي نحو محيط الهند.
تبحر سفينة قلبي بلا مرساة..
ترسو بلا شطآن..
تحبّ بلا ضفاف..
تعطي النفس.. لنفس أخرى..
تحيا وفاءَ حنان أخضر.
في وهمي مات الشر، ومات الجان،
ومات الساحر والشيطان،
ماتوا في مدّ من إعصار الحب.. النار،
ذَرَّاهم في خلجان البحرِ.
ومات الرعبُ ومات الموتُ ومات الظنُّ..
بظني..
لكن..
أيقظ روحي الليلُ.. الريحُ.. الإعصارُ.. المدُّ..
سمعتُ.. فزعتُ..
وعاد الموتى كالطوفان.
عاد الموجُ بلا أشجان..
عاد البحرُ بلا شطآن..
عاد الريحُ بلا أوطان..
وعاد الموتُ بلا أحزان.
إن العين بلا أجفان..
إن الدمع بلا أملاح في خلجان القلب..
وإن اللوز بلا أغصان.
يا للوقت، ويا للخوف، ويا للحبّ..
ويا لضياع الإنسان..
في بحر التّيهِ، وتيهِ البحر..
بلا آمال أو أحلام أو خُلان.
ـ 12
ـ
زؤانُ.. زؤان..
حصادُ زؤان..
بيدر عمري تُعرِس فيه الريحُ،
تشيل الريحُ غبارَ زؤان..
تحطّ الريحُ غبارَ زؤان..
تبقى العتمة.
مدُّ العتمة يلعنُ آخر..
مدُّ العتمة يصنعُ آخر..
تلك نفوسٌ تحيا..
تلك حياةٌ أخرى..
في ظلماتٍ..
يفرحُ فيها الفُجْرُ..
ويفجُرُ فيها الشرُّ..
يموتُ النورُ..
تسحُّ الظُّلمة.
من يشري الشرَّ يبيعُ الخير،
يعيش العهر، وينسى الفخر،
يقامر.. يخسرُ..
يبقى الخاسر.
ـ 13
ـ
مركبي البؤس شديد الباس.. والشقا ميناء،
وأدمعي في أضلعي بحرٌ، وأشجاني شراعٌ ودعاء،
وأناشيدي رياحٌ عاصفاتٌ في الفضاء..
يا قويّ الأيد أسألك الشفاء،
دائي عميق الغور في نفسي،
وأيامي سواء..
كلّها وحلٌ وإقواء وأطياف دماء..
لا أرى نوراً ولا زهراً ولا رؤيا ولا حتى رجاء.
كلما أبصرتُ حِبين سعيدين شربت الدمع من كأسي،
وغاص الظل في نفسي..
وأدمنْتُ البكاء.
وإذا ما أشرقت في أضلعي شمسٌ رأيت العشقَ يبكي،
وعلى آثاره بعضُ دماء..
من تُراه أسكن البيداء في روحي..
سقاني المرَّ..
أدمى ساعدي الممدودَ للناس بساطاً من صفاء وحياة ووفاء..
من رمى سهماً بقلبي أحرقَ النورَ،
أحالَ الناسَ في عيني رماداً وجَفاءً وغُثاء..
أتُراه الحبّ، أم غدرٌ النساء،
أم ترى ماذا.. وماذا..؟
قسوة مني على الحبِّ إذا..
قلت إن الحبّ فتاكٌ بألوان الرجاء..
زاهراً مزِّيناً بالغار يبدو،
وضياءً يتجلى في عيونٍ ووجوهٍ ودروب،
|