البوسفور / علي عقلة عرسان / شـعر / دمشق - 2007

 

شي آن

 

قديمة، عريقة، شي آن

حكاية المكان للزمان..

حكاية التاريخ للإنسان،

حكاية الملوك والجنود والعبيد والزّنُود،

تجسّدت في مشهد فتَّان،

حكاية التراث والتراب،

يصنعه الفنّان،

حضارةً، وزهوَ فنٍ خالدٍ في آن،

بقدرة فائقة يملكها الإنسان.

قديمة، عريقة.. شي آن،

مدينة عجيبة،

في حضنها مقبرة من طين..

دروبُها من طين، 

فرسانُها من طين،

خيولُهم لباسُهم سيوفُهم رماحُهم حرابهم، من طين،

حتى الملك..

وذكرُه وظلّه المديد..

في صهوة عالية من طين.

                         ـ 2 ـ

في المقبرة..

تقدمت جيوشُه,

صفوفُها تزحمُها صفوف،

فرسانُها، مشاتُها، يمضون للحتوف كالحتوف،

وجوهُهم للشرق حيث الشمس والحياة..

يمشون في ركاب من يغادر الحياة، 

يواجه المجهول..

في موكبٍ مهول..

في موكبِ الملك.

الخيلُ والجنود والسيوف والحراب،

تحت سقوف من حصيرٍ فوقه تراب..

أسلحةُ الجنود والبنود،

مشرعةٌ على المدى

مرهفةُ الحدود..

تصارع الحتوفَ والعِدى،

مع الملك..

خلف الملك..

في الموت والحياة.

هل يرهبون الموتَ في إقدامهم،

أم أنهم في الموت يصنعون ما يرسِّخ الحياة.؟

يا موكب التراب..

غاب الحضور في فَضَاه، أوغلَ الغياب..

غابت تفاصيلُ الوجوه والمكان والزمان..

غاب الوجود والعدم،

وأينعَ الغياب،

وعنكبَ اليباب..

وحاضرٌ في ظله هو الملك،

في عرشه المكين.

عاش الملك..

مات الملك..

حتى الملك من طين..

في قبره العجيب في شي آن.

             ـ 3 ـ 

مقبرة مذهلةٌ تضمها شي آن

أحجيةٌ كبيرةٌ من أول الزمان..

لآخر الزمان.

في المقبرة..

محفَّة جليلةٌ مذهَّبة..

خيولُها أربعةٌ أنيقةٌ رشيقةٌ مطهَّمة..

حوذيّها مظهرُه حزين،

وسوطُهُ، وهمُّهُ، ودمعُهُ، وصوتُهُ.. من طين..

وكلّ ما فيها خبا عجين،

وجوفُها يكاد يُنْطِق الترابَ، ينطق السنين..

بذكرياتٍ وعِبَر،

وبعد صيتٍ ونظَر،

وقدرة على الظَّفَر،

تقولها في آن..

مقبرةٌ تضمّها شي آن:

مات الملك..

عاش الملك..

مات الملك..

عاش الملك..

يا لعبة تغتالُنا كأنها الغناء في دوامة الفَناء، في الحياة.

عاش الملك.

مات الملك.

عاش الملك.

                   ـ 4 ـ

يا ملك الزمان..

يا شين..

يا أول الملوك في سلالة البُناة..

في الصين..

من يدفن الجنودَ لا يعيش يا ملك،

مَن جيشُه يموت إذ يموت..

وعرشُه تابوت،

وداره محفَّةٌ مذهَّبَة،

تجرّها الخيول في الجَبّان

تحرسُها الفرسان في الجَبَّان..

تزفّه للقبر ثلَّتان.. ثلَّتان.. ثلَّتان..

من عسكر الميدان..

من يدفن الحياة لا يعيش يا ملك.

مهابة كبيرة يا سيد الفرسان..

يا ملك الزمان..

مهابة كبيرة لكنها من طين..

وجسمكم ياملكي الفطين..

تأكلُه الديدان.

فهل تراها حكمةُ الزمان،

وكلمة، وآية في غاية البيان..

 بلاغةُ الموت التي قد أعيَت الإنسان،

نهايةٌ معتبَرَة،

في مقبرة،

لقوةٍ قهّارة..

لملك الزمان..

تضمّها مقبرةٌ تضمّها شي آن؟.

                 ـ  5  ـ

عمراً قضاه شينُ في إعداد مقبرة.

منذ استوى في عرشه،

وسنّه صغير،

نصحه الوزير،

بأن يعدّ مقبرة،

يحشد فيها قسورة،

من تربة.. قرميد،

أقوى من الحديد.

قال الوزير: يا ملك..

" يفنى الورى..

تفنى العظامُ في الثرى،

ويصمد القرميد.".

نصيحةٌ "عظيمةٌ" مبكِّرَة..

قد أسديت لشين..

أسكنها مساكن اليقين..

راح يعدّ القبر، يستعدّ للمصير.

                 ـ  6 ـ

ما سرّ ذاك السعي في الحياة للممات..

 يا شين؟

ما سِرّه الدفين؟

هل سِرّه في قوة الأقدار أم في أنه التسليم للأقدار،

هل خلفه سياسةٌ أم خلفه أفكار..

أم أنه إيمان..

أقوى من الزمان..

يهزّ أركان العقول والقلوب، والبنا..

وراسخاً يبقى على الزمان؟ 

أم صنعةٌ من عَظَمَة..

يعتادها الإنسان.

أم حكمةٌ نجهلها، ومنهج قويم.

يا شين.؟

ما السرّ في موت غدا يستعبد الحياة والأحياء في الحياة،

يصفّهم، يزفّهم، يدفنهم في مقبرة؟

أذلك الوداع..

وعودة من بعد للصراع؟

ما سِرّ جبّار ملك،

فرعون أو أنت الملك..

يا شين،

يدفِّن، الأحياء في قبر له،

يجرهم للحرب، يفنيهم معه؟؟

أتلك أيضاً مفْخَرَة

يصنعها الملوك؟.

اشرح لنا يا شينُ سِرّ المقبرة،

وسِرَّك الدفين،

فإنها فلسفة قديمة، فيما بدا، في الصين

فلسفة نجهلها..

نشتاق أن نفهمها..

بيِّن لنا يا شين..

ما سِرّك الدفين،

ما سِرّها مقبرة مذهلة،

تضمها شي آن؟

من أول الزمان.

 

                      ـ 7  ـ

ألا تجلّى.. قل لنا يا شين..

يا ملكاً من ذهبٍ وطين..

ما سِرّ هذا الموكب المهيب،

ما سِرّ هذا العالم العجيب،

وركنِك الركين،

وعرشِك المكين،

ووجهِك الحزين..

وكل هذه الحشود المبهِرَة..

في مقبرة،

تضمها شي آن.؟

يا أول الملوك في السلالة البناءة المؤسِّسَة

في الصين..

ما سِرّها الدفين،

مقبرةٌ مذهلة..

شخوصُها من طين..

حكايةٌ معجِبة..

لكنّ خلْف طينها أسرار.

قلها لنا يا شين؟

يا ملكاً من ذهبٍ وطين،

آثاره من طين،

وجيشُه من طين،

ووجهُه حنين،

مثل أنين متعبٍ يقطّع الوتين،

يجيء من بوابة السنين،

مثل رنينٍ خالدٍ حزين،

تحمله الرياح الأربعة..

في الصين..

من أول الزمان..

لآخر الزمان.

ما سرّها الأوثان..

ما سرّها مقبرةٌ مذهلة..

تضمّها شي آن.؟

            ـ  8 ـ

تسألنا .. نسألها مقبرة لشين،

في الصين.

تقدم الدروسَ للإنسان،

تقول للأجيال والزمان:

مات الملك يبقى الملك،

فليحسِن الكتّاب رسمَ الخطِّ والسطور

وليُحسِن القراء فهم ما يدور،

في عامرِ البيوت،

في دارسِ القبور،

ولتحْسِن العقول..

تدبرَ الأمور في الحياة والممات.

هذا وفاء كامل لملك الزمان..

في الموت والحياة.

وفرقةُ الحراسة الغراء في ركابه،

تحميه من وحدته في تربة الفَناء،

تحميه من مصيره،

تحميه من دود الجسد،

وكل أنواع الحسد،

وكل ما قد يعتريه من بلاء، للأبد،

في حوبة الفناء؟

فلتَحْسُن القراءة!.

وليحسِن الكتّاب والقراء فقه ما يدور من أمور.؟

مات الملك فليدفن الجيش معه،

ولتدفن الخيول والسيوف والرماح والعقول والـ ..

هذا هو المآل..؟

مات الملك..

نهاية المقال.

"لا جيش يبقى بعدما يفنى الملك"؟

هذا هو الجواب والسؤال.؟

يا شين..

يا ملكاً من ذهبٍ وطين.؟

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244