أور سالم القدس/د.علي عقلة عرسان/شعر/الطبعة الثانية

لحم على وضم

يا أمتي .. صارت على أيامنا لحماً على وضمْ ،‏

مباحةٌ شؤونُها ،‏

عظيمةٌ شجونُها ،‏

دموعُها نهرٌ إلى خضمْ ،‏

سكينُ من يقطع من أشلائها ،‏

تغوص في التاريخ ..‏

في الرحم العريقةِ ، في الأصول ؛‏

تغدو هناك .. كما الفحولْ ،‏

تجول في أحشائها طولاً وعرضاً ،‏

لا تكلُّ ، ولا تملُّ ، ولا تََرَدَّدُ ، أو تَحُولْ ،‏

ثأراً تعيدُ ...وألف ثارْ‏

عاراً تهيلُ ... وألف عارْ‏

وتثير ألفاً ... محرقةْ ،‏

أقصوصة ملفَّقَةْ ،‏

وتختفي آثارها في ظل عَنْدَمَةَ النهارْ ؛‏

غَرْثَى .. وتبحث عن شعارْ ،‏

في ظل تهويشٍ وتهريجٍ ورغباتِ اشتهارْ.‏

نصْلُ الحقيقةِ من عدمْ ،‏

نصْلُ الحقيقةِ في العدمْ‏

فاندمْ على ما فات إن نفع الندمْ‏

لا ينفعُ اليوم الندمْ .‏

ها .. إنها ، في عهدنا ، لحمٌ على وضمْ ،‏

لحمٌ على وضمْ ،‏

أعداؤها أشدُّ أمْ أبناؤها فتكاً بها ؟؟!‏

تحار في الجوابْ ...‏

حين ترى من دمها فصلَ الخطابْ‏

حين يحزُّ الحدُّ في المفصلِ ، أياً كان ، أياً كانت الأسبابْ،‏

يفري وريدَ الروح ، أوشِجَةً عظيماتِ الأداءْ ،‏

ويشيع داء ... ألف داءْ !؟‏

ويثير أحصنةَ السؤالْ ..‏

في مهمهٍ يمتدَُ من عادٍ إلى هذا الزمانْ ،‏

أعداؤها أشدُّ أمْ أبناؤها فتكاً بها ؟!‏

ما عدت أعرف ما الجواب وما السؤال ،‏

وما المصابُ وما الدواءْ،‏

ما عدت أعرفُ غير أنَّا في البلاءْ ،‏

كنا وما زلنا بأحضانِ البلاءْ .‏

يا أمتي ... قلبٌ كواه الابتلاءْ ..‏

ها ... إنها ، في عصرنا ، لحمٌ على وضمْ ،‏

وعوسجٌ عندَمَه النَّدَمْ .‏

تصيح في أرجائها .. تُبَحُّ .. يدميك الصممْ ،‏

تلوب في بيدائها .. لا ما .. ولكن فيضُ دمْ ،‏

كأنه السيل العرمْ ،‏

فاشرب .. ومتع ناظريك ، فأنت في الغم الأهمْ ،‏

لا همّ فيه للهممْ ،‏

إلاّ التساقي من حممْ ،‏

فاطفح على جلودنا قيحَ الألْم ،‏

كل الذرى صارت رِمَمْ ،‏

ضاعت قِيَمْ ،‏

والناس ما بقيت ... قيمْ .‏

ضاعت قِيَمْ ،‏

كل الذرى صارت رِمَمْ ،‏

يا أمتي بين الأمَمْ ،‏

بلا كساءٍ ، أو حياءٍ ، أو عَلَمْ ،‏

عارٌ وعريٌ ، وارتماءٌ كالرمَمْ ،‏

على ممرَّات الأمَمْ .‏

يا ويح قلبي .. ما انحطمت ..؟! ألا انحطِمْ ،‏

يا ويح نبضك من جَلود يرتقي مرقى الكَلِمْ ،‏

" كنا ... وكان " ، ألا انحطِمْ ،‏

" صرنا ... وصار " ، ألا انحطِمْ ،‏

" قلنا .. وقال .. " ، أما انحطمت ؟؟ ألا انحطِمْ ،‏

يا ويح نبضك من جَلُودٍ..‏

فارتقي فعلاً عظيماً كاسحاً أو فانحطِمْ ؛‏

ها .. أمتي ، في عصرنا ، صارت حكايات الأمَمْ ،‏

عاراً وعرياً .. كالرمَمْ ،‏

على ممرَّات الأمَمْ ،‏

فازْمُمْ وعاءَ القول زَمّاً وانصَرِمْ ،‏

أو حطِّم القيدَ وبشِّرْ واقتَحِمْ ،‏

هذا أوان من استعدَّ .. من اقتَحَمْ ،‏

ما عاد ينفعك السؤالُ .. ولا الجوابُ ،‏

ولا البكاءُ .. ولا النَّدَمْ ،‏

فاندم على ما فات ، إن نفع الندمْ ،‏

لا ينفع اليوم الندمْ ،‏

هذا أوانُ من اقتحَمْ ،‏

هذا أوانُ من اقتحم ْ .‏

* * *‏

ضاعت حدودُ الآن .. في الأمسِ ،‏

وضاع الوجه .. في الرمسِ ،‏

وضاع الحقُّ ... والصوتُ الصُّرَاحْ ،‏

صار الكلام صدى نواحْ ،‏

ماعَت حدودُ المسألةْ ،‏

تاهت ظلالُ الأسئلةْ ،‏

ضاعت حدودُ الأجوبةْ ،‏

" الآن " تقتُلُ مثلَ " كان " ،‏

و" سوف " صارت من رمادْ ،‏

اليوم يطفح قيحُ عادْ ،‏

لا يصْلِحُ الزبدُ الفسادْ ،‏

العدل أجدى في العبادْ ،‏

ما عاد يصطلح الزمان بقولنا : كنا .. وكان‏

فاعدل وقوِّم خطوةَ التاريخ واقتحم الزنادْ ،‏

إفعل .. وإلا فالرمادْ ..‏

إفعل وإلا .. فالضلالة والضآلة والسوادْ ،‏

والموت في كبد العبادْ .‏

ما عاد يصطلح الزمان بقولنا " كنا وكان " .‏

فاض الألْم ..‏

فاردم عيون السيل كي يَهدا الألْم ؛‏

فاض الألمْ ،‏

فاندمْ على ما فات إنْ نفع الندمْ .‏

* * *‏

يا أمتي .. لحمٌ على وَضَمْ ،‏

من مفرق التاريخ في شط العربْ‏

إلى" نياق الشط " أكواخ القصبْ‏

يجتاح ناديها العطبْ‏

وليس للخلَّص من أبنائها ، سوى تباريحِ النُوَبْ ،‏

وألفِ لونٍ من غضبْ .‏

دفاعُها عن نفسها : جحافلُ الصياحْ‏

وفتكُها بنفسها : كجَلْوَةِ الصباحْ‏

جزَّارُها ، في أرضها ، يعلو رقاب الناس بالسلاحْ‏

حكَّامها .. ظلاَّمها ، ظَلامها ،‏

وكلُّ ما في حوضها .. مباحٌ .. مستباحْ ،‏

وفي الحشا من كل قلب معقل الجراحْ .‏

لبنان .. من جنوبه حتى الحشا ... نُواحْ‏

ورغبةٌ في العزم تعقلها الجراحْ‏

والموت في " بحر الغزال " ،‏

لمن تعلَّق بالهلالْ‏

وليبيا محاصَرةْ ،‏

تدافع المؤامَرَةْ ،‏

سيف العدا في نحرها ،‏

ومن ذويها طعنة في العين أو في الخاصِرَةْ .‏

والجوع يفتك بالعراق ،‏

يا بؤس أطفال العراق ،‏

يا بؤس شعبي في العراق ،‏

تفريه أنياب النفاق .‏

والفتنة الكبرى ، من الأوراس حتى القاهرةْ ،‏

باطنة وظاهرةْ ؛‏

ولا سعادة في اليمنْ ،‏

إلا لمن طيَّ الكفنْ ،‏

لأنه : ملَّ الجراح ، واستراحْ ،‏

يا لليمنْ ..‏

دمعٌ وليلٌ وامتحانٌ في محنْ ،‏

وقادماتٌ من فِتَنْ ،‏

لا عوَّض الله الزمنْ ،‏

لا عوَّض الله الزمنْ ،‏

ها فتكة أخرى بقلبي في اليمنْ ؛‏

سكينها أهلي ، وقبضاتُ العِدا ،‏

صارت معاً‏

سيف الزمنْ‏

يفري بصنعاءَ عَدَنْ ،‏

يسقي أهيْلي في اليمنْ ،‏

صِرْفَ المحنْ ،‏

لا عوَّض الله الزمنْ ،‏

لا عوَّض الله الزمنْ ،‏

ولا لصوص الليل من عُرْبٍ ، ومن أعاجِمٍ ،‏

صاروا وباء العصر يجتاح اليمنْ .‏

يا من " بحَجَّة " أو بسيف البحر من شاطي عَدَنْ ،‏

وقَّاكم الله المحنْ ،‏

ها مهجتي لكم فدا ،‏

قد صرتمُ سيف العدا ،‏

أمَا تعون الكيد يا أهل اليمنْ ؟!‏

من عهد تبَّع .. ذي يَزَنْ ،‏

والموت في أرض العرب ،‏

يأتي بأسياف اليمنْ ،‏

لا عوَّض الله الزمنْ ،‏

يغتال أهلي في اليمنْ ،‏

يغتال حبي لليمنْ .‏

* * *‏

يا أمتي : فُرِشَ الكفَنْ ،‏

والحلم صار بلا وطنْ ،‏

والروحُ طيرٌ متعبٌ ..‏

والطير صار بلا فَنَنْ ،‏

قد شرَّدته يدُ المحنْ .‏

يا أمتي : ضَحُلَ الزمنْ ..‏

صارت " أريحا "(1) رمزنا ،‏

صارت عناوينً لنا ،‏

والراية البيضا .. " أمانْ "‏

لمن تنازل بامتهان ،‏

" سلِّم " خضوعاً أو " تهانْ " !؟!‏

لا عوَّض الله الزمانْ ،‏

صارت أريحا معقد الغايات والآمال والراياتِ ،‏

فاستسلم .. وإلاّ .. لن تصانْ ؛‏

يا أخفض الأرضين طُرَّاً ،‏

صِرْتِ أخفض موقع للعرب مذ كانوا ومذ كان الزمانْ ،‏

ها فيك أسوأ شاهد للعصر مذ كنَّا وكانْ ،‏

ها فيك تضطرب الرؤى ، تسوَدُّ أركان البيانْ ...‏

فيك المذلَّة والهوانْ ،‏

فيك المذلَّة والمعرَّة والهوانْ ،‏

يا أمتي ضَحُلَ الزمانْ‏

لا عرب في هذا الزمانْ ،‏

لا عزَّ في هذا الزمانْ .‏

* * *‏

يا أمتي ...‏

من قمة الأوراس للنِّيلَيْن ، للقدس ، لأطراف الفراتْ ..‏

يأسٌ ، وقتلٌ ، وافتآتٌ ، أو مواتْ ..‏

يا أمة كانت حياة الناسِ ،‏

ما شأن الحياة بأمة تجفو الحياةْ ؟ !‏

ما شأن حفار القبور بدورة التاريخ والأمجاد من بدء الزمانْ؟!‏

هل تذهبين بزورق الماضي إلى " كنا وكانْ " !؟‏

تبقين في ظل الزمانْ ،‏

حيث الرطوبة والعفَنْ ؟!‏

لا عوَّض الله الزمنْ ،‏

ضاعت جذور المسألةْ ،‏

ذابت حدود الأسئلةْ ،‏

ماتت عيون الأجوبةْ ،‏

صرنا وصارت كلها لحماً على وَضَمْ ،‏

تنتاش منه الطيرُ ما تبغي ،‏

وتلقي للكلاب نصيبها ،‏

هذا عدا عدو الذئابْ ..‏

يا أمة لا أفقد الحب لها : آن الأوانْ‏

آن أوان الصحو .. أو آن الحسابْ ،‏

تكفي تلاوين العذابْ ،‏

تكفي تلاوين العذابْ ،‏

تكفي تلاوين العذابْ .‏

ما عاد يصلح للزمانْ ،‏

أن نستظل بحاجز خلف الزمانْ ،‏

ما عاد يصلح أن نظَلَّ كأننا : " لحمٌ على وَضَمْ " .‏

لا يأس في هذي الظُلَمْ ،‏

ما فاز إلاّ من أنار فؤاده ومن اقتحَمْ‏

ما فاز إلاّ من أنار بعلمه الطاغوتَ ، بالوعي اقتحَمْ ،‏

ما فاز إلاّ من اقتحَمْ ،‏

ما فاز إلاّ من اقتحَمْ .‏

دمشق ـ طرابلس الغرب‏

12 ـ 18 / 6 / 1994‏

* * * *‏

(1 ) ان اتفاق أوسلو الذي وقعه عرفات يحمل اسم: " اتفاق غزة أريحا "، وأريحا جغرافياً هي من أكثر نقاط الكرة الأرضية انخفاضاً .‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244