|
لحم على وضم
يا أمتي .. صارت على أيامنا لحماً على وضمْ ،
مباحةٌ شؤونُها ،
عظيمةٌ شجونُها ،
دموعُها نهرٌ إلى خضمْ ،
سكينُ من يقطع من أشلائها ،
تغوص في التاريخ ..
في الرحم العريقةِ ، في الأصول ؛
تغدو هناك .. كما الفحولْ ،
تجول في أحشائها طولاً وعرضاً ،
لا تكلُّ ، ولا تملُّ ، ولا تََرَدَّدُ ، أو تَحُولْ ،
ثأراً تعيدُ ...وألف ثارْ
عاراً تهيلُ ... وألف عارْ
وتثير ألفاً ... محرقةْ ،
أقصوصة ملفَّقَةْ ،
وتختفي آثارها في ظل عَنْدَمَةَ النهارْ ؛
غَرْثَى .. وتبحث عن شعارْ ،
في ظل تهويشٍ وتهريجٍ ورغباتِ اشتهارْ.
نصْلُ الحقيقةِ من عدمْ ،
نصْلُ الحقيقةِ في العدمْ
فاندمْ على ما فات إن نفع الندمْ
لا ينفعُ اليوم الندمْ .
ها .. إنها ، في عهدنا ، لحمٌ على وضمْ ،
لحمٌ على وضمْ ،
أعداؤها أشدُّ أمْ أبناؤها فتكاً بها ؟؟!
تحار في الجوابْ ...
حين ترى من دمها فصلَ الخطابْ
حين يحزُّ الحدُّ في المفصلِ ، أياً كان ، أياً كانت الأسبابْ،
يفري وريدَ الروح ، أوشِجَةً عظيماتِ الأداءْ ،
ويشيع داء ... ألف داءْ !؟
ويثير أحصنةَ السؤالْ ..
في مهمهٍ يمتدَُ من عادٍ إلى هذا الزمانْ ،
أعداؤها أشدُّ أمْ أبناؤها فتكاً بها ؟!
ما عدت أعرف ما الجواب وما السؤال ،
وما المصابُ وما الدواءْ،
ما عدت أعرفُ غير أنَّا في البلاءْ ،
كنا وما زلنا بأحضانِ البلاءْ .
يا أمتي ... قلبٌ كواه الابتلاءْ ..
ها ... إنها ، في عصرنا ، لحمٌ على وضمْ ،
وعوسجٌ عندَمَه النَّدَمْ .
تصيح في أرجائها .. تُبَحُّ .. يدميك الصممْ ،
تلوب في بيدائها .. لا ما .. ولكن فيضُ دمْ ،
كأنه السيل العرمْ ،
فاشرب .. ومتع ناظريك ، فأنت في الغم الأهمْ ،
لا همّ فيه للهممْ ،
إلاّ التساقي من حممْ ،
فاطفح على جلودنا قيحَ الألْم ،
كل الذرى صارت رِمَمْ ،
ضاعت قِيَمْ ،
والناس ما بقيت ... قيمْ .
ضاعت قِيَمْ ،
كل الذرى صارت رِمَمْ ،
يا أمتي بين الأمَمْ ،
بلا كساءٍ ، أو حياءٍ ، أو عَلَمْ ،
عارٌ وعريٌ ، وارتماءٌ كالرمَمْ ،
على ممرَّات الأمَمْ .
يا ويح قلبي .. ما انحطمت ..؟! ألا انحطِمْ ،
يا ويح نبضك من جَلود يرتقي مرقى الكَلِمْ ،
" كنا ... وكان " ، ألا انحطِمْ ،
" صرنا ... وصار " ، ألا انحطِمْ ،
" قلنا .. وقال .. " ، أما انحطمت ؟؟ ألا انحطِمْ ،
يا ويح نبضك من جَلُودٍ..
فارتقي فعلاً عظيماً كاسحاً أو فانحطِمْ ؛
ها .. أمتي ، في عصرنا ، صارت حكايات الأمَمْ ،
عاراً وعرياً .. كالرمَمْ ،
على ممرَّات الأمَمْ ،
فازْمُمْ وعاءَ القول زَمّاً وانصَرِمْ ،
أو حطِّم القيدَ وبشِّرْ واقتَحِمْ ،
هذا أوان من استعدَّ .. من اقتَحَمْ ،
ما عاد ينفعك السؤالُ .. ولا الجوابُ ،
ولا البكاءُ .. ولا النَّدَمْ ،
فاندم على ما فات ، إن نفع الندمْ ،
لا ينفع اليوم الندمْ ،
هذا أوانُ من اقتحَمْ ،
هذا أوانُ من اقتحم ْ .
* * *
ضاعت حدودُ الآن .. في الأمسِ ،
وضاع الوجه .. في الرمسِ ،
وضاع الحقُّ ... والصوتُ الصُّرَاحْ ،
صار الكلام صدى نواحْ ،
ماعَت حدودُ المسألةْ ،
تاهت ظلالُ الأسئلةْ ،
ضاعت حدودُ الأجوبةْ ،
" الآن " تقتُلُ مثلَ " كان " ،
و" سوف " صارت من رمادْ ،
اليوم يطفح قيحُ عادْ ،
لا يصْلِحُ الزبدُ الفسادْ ،
العدل أجدى في العبادْ ،
ما عاد يصطلح الزمان بقولنا : كنا .. وكان
فاعدل وقوِّم خطوةَ التاريخ واقتحم الزنادْ ،
إفعل .. وإلا فالرمادْ ..
إفعل وإلا .. فالضلالة والضآلة والسوادْ ،
والموت في كبد العبادْ .
ما عاد يصطلح الزمان بقولنا " كنا وكان " .
فاض الألْم ..
فاردم عيون السيل كي يَهدا الألْم ؛
فاض الألمْ ،
فاندمْ على ما فات إنْ نفع الندمْ .
* * *
يا أمتي .. لحمٌ على وَضَمْ ،
من مفرق التاريخ في شط العربْ
إلى" نياق الشط " أكواخ القصبْ
يجتاح ناديها العطبْ
وليس للخلَّص من أبنائها ، سوى تباريحِ النُوَبْ ،
وألفِ لونٍ من غضبْ .
دفاعُها عن نفسها : جحافلُ الصياحْ
وفتكُها بنفسها : كجَلْوَةِ الصباحْ
جزَّارُها ، في أرضها ، يعلو رقاب الناس بالسلاحْ
حكَّامها .. ظلاَّمها ، ظَلامها ،
وكلُّ ما في حوضها .. مباحٌ .. مستباحْ ،
وفي الحشا من كل قلب معقل الجراحْ .
لبنان .. من جنوبه حتى الحشا ... نُواحْ
ورغبةٌ في العزم تعقلها الجراحْ
والموت في " بحر الغزال " ،
لمن تعلَّق بالهلالْ
وليبيا محاصَرةْ ،
تدافع المؤامَرَةْ ،
سيف العدا في نحرها ،
ومن ذويها طعنة في العين أو في الخاصِرَةْ .
والجوع يفتك بالعراق ،
يا بؤس أطفال العراق ،
يا بؤس شعبي في العراق ،
تفريه أنياب النفاق .
والفتنة الكبرى ، من الأوراس حتى القاهرةْ ،
باطنة وظاهرةْ ؛
ولا سعادة في اليمنْ ،
إلا لمن طيَّ الكفنْ ،
لأنه : ملَّ الجراح ، واستراحْ ،
يا لليمنْ ..
دمعٌ وليلٌ وامتحانٌ في محنْ ،
وقادماتٌ من فِتَنْ ،
لا عوَّض الله الزمنْ ،
لا عوَّض الله الزمنْ ،
ها فتكة أخرى بقلبي في اليمنْ ؛
سكينها أهلي ، وقبضاتُ العِدا ،
صارت معاً
سيف الزمنْ
يفري بصنعاءَ عَدَنْ ،
يسقي أهيْلي في اليمنْ ،
صِرْفَ المحنْ ،
لا عوَّض الله الزمنْ ،
لا عوَّض الله الزمنْ ،
ولا لصوص الليل من عُرْبٍ ، ومن أعاجِمٍ ،
صاروا وباء العصر يجتاح اليمنْ .
يا من " بحَجَّة " أو بسيف البحر من شاطي عَدَنْ ،
وقَّاكم الله المحنْ ،
ها مهجتي لكم فدا ،
قد صرتمُ سيف العدا ،
أمَا تعون الكيد يا أهل اليمنْ ؟!
من عهد تبَّع .. ذي يَزَنْ ،
والموت في أرض العرب ،
يأتي بأسياف اليمنْ ،
لا عوَّض الله الزمنْ ،
يغتال أهلي في اليمنْ ،
يغتال حبي لليمنْ .
* * *
يا أمتي : فُرِشَ الكفَنْ ،
والحلم صار بلا وطنْ ،
والروحُ طيرٌ متعبٌ ..
والطير صار بلا فَنَنْ ،
قد شرَّدته يدُ المحنْ .
يا أمتي : ضَحُلَ الزمنْ ..
صارت " أريحا "(1) رمزنا ،
صارت عناوينً لنا ،
والراية البيضا .. " أمانْ "
لمن تنازل بامتهان ،
" سلِّم " خضوعاً أو " تهانْ " !؟!
لا عوَّض الله الزمانْ ،
صارت أريحا معقد الغايات والآمال والراياتِ ،
فاستسلم .. وإلاّ .. لن تصانْ ؛
يا أخفض الأرضين طُرَّاً ،
صِرْتِ أخفض موقع للعرب مذ كانوا ومذ كان الزمانْ ،
ها فيك أسوأ شاهد للعصر مذ كنَّا وكانْ ،
ها فيك تضطرب الرؤى ، تسوَدُّ أركان البيانْ ...
فيك المذلَّة والهوانْ ،
فيك المذلَّة والمعرَّة والهوانْ ،
يا أمتي ضَحُلَ الزمانْ
لا عرب في هذا الزمانْ ،
لا عزَّ في هذا الزمانْ .
* * *
يا أمتي ...
من قمة الأوراس للنِّيلَيْن ، للقدس ، لأطراف الفراتْ ..
يأسٌ ، وقتلٌ ، وافتآتٌ ، أو مواتْ ..
يا أمة كانت حياة الناسِ ،
ما شأن الحياة بأمة تجفو الحياةْ ؟ !
ما شأن حفار القبور بدورة التاريخ والأمجاد من بدء الزمانْ؟!
هل تذهبين بزورق الماضي إلى " كنا وكانْ " !؟
تبقين في ظل الزمانْ ،
حيث الرطوبة والعفَنْ ؟!
لا عوَّض الله الزمنْ ،
ضاعت جذور المسألةْ ،
ذابت حدود الأسئلةْ ،
ماتت عيون الأجوبةْ ،
صرنا وصارت كلها لحماً على وَضَمْ ،
تنتاش منه الطيرُ ما تبغي ،
وتلقي للكلاب نصيبها ،
هذا عدا عدو الذئابْ ..
يا أمة لا أفقد الحب لها : آن الأوانْ
آن أوان الصحو .. أو آن الحسابْ ،
تكفي تلاوين العذابْ ،
تكفي تلاوين العذابْ ،
تكفي تلاوين العذابْ .
ما عاد يصلح للزمانْ ،
أن نستظل بحاجز خلف الزمانْ ،
ما عاد يصلح أن نظَلَّ كأننا : " لحمٌ على وَضَمْ " .
لا يأس في هذي الظُلَمْ ،
ما فاز إلاّ من أنار فؤاده ومن اقتحَمْ
ما فاز إلاّ من أنار بعلمه الطاغوتَ ، بالوعي اقتحَمْ ،
ما فاز إلاّ من اقتحَمْ ،
ما فاز إلاّ من اقتحَمْ .
دمشق ـ طرابلس الغرب
12 ـ 18 / 6 / 1994
* * * *
(1 ) ان اتفاق أوسلو الذي وقعه عرفات يحمل اسم: " اتفاق غزة أريحا "، وأريحا جغرافياً هي من أكثر نقاط الكرة الأرضية انخفاضاً .
|