أور سالم القدس/د.علي عقلة عرسان/شعر/الطبعة الثانية

تحيا الشام لنحيا

حزيناً كان اللَّيْلُ‏

حزيناً ... يبكي فوقَ بيوتٍ أكثر حزناً ،‏

يَدْلُقُ فيها البؤسُ دموعاً ،‏

تجري عبَر الليلِ وتكبر ،‏

تغدو فقَّاعاتُ الدمعِ محاجرَ تبكي ،‏

يغدو الليلُ نواحاً ... موتاً.‏

حزناً كنتُ .. وكان الليلُ كئيباً ،‏

وفي طرقاتٍ صار بها التاريخ تراباً يروي للآتين حَكَايَا ؛‏

هَمَسَ الليلُ وهَيْنَمَ يسْتَسْقي !؟‏

عجباً كنتُ وكانَ الليلُ بأرضِ الشامِ الصُّغْرَى :‏

حزناً في أحياءٍ منها ... فرحاً في أحياءٍ أخرى !!‏

ماذا يربطُ هذا الضلْعَ بذاك الضلْعِ ؟؟‏

وماذا يطلبُ جوفُ اللَّيلِ الباكي فيها ؟؟‏

ولمَ الحزنُ ووجهُ الكونِ مشاعل تترى ؟!‏

هَمَسَ اللَّيْلُ وهَيْنَمَ يسْتَسْقي ،‏

راح يجرِّح سمعَه بالآهاتِ وبالنَّغماتِ ، وكان الدمعُ وليس الغيث هدية !!‏

كان الحزن ثقيلاً ملء الشام الصُّغْرى .‏

**** **** ****‏

من "جيرون "(1) لـ " دربِ المِسْك " (2 ) إلى " الأمويِّ "(3) ..‏

ركضنا شوطاً في التاريخ، أنا والليلُ ،‏

ورحنا نقرأ قلب الشام سراجاً بعد سراجٍ ، بيتاً .. بيتاً ، سطراً .. سطراً ؛‏

في زاوية أظلم فيها الحرفُ وقفنا نجلو سرَّ الحرفِ الشاحبِ كي نقرأَ .. لكن ..‏

ما أسعفنا سيل “ لَبِيْد “ ( 4 ) يُجِدُّ متونَ الحرْفِ ،‏

ويكشفُ سحراً طللاً ، يكشفُ مطلولات الدَّمِّ ..‏

وقفنا نقرأ تحت ركامِ الرَّدْمِ وخلفَ جفونِ الليل خفايا .‏

وقف الليل .. وقفتُ ، وهّيْنَمَ حتى فضْتُ شجوناً ،‏

أمطر قلبي دمعاً ..‏

ما ذا نصنع بالتاريخ وبالإنسان أيا " جيرون " الأمس ، ويا فيحاء اليوم ... دمشقَ ؟!‏

وقفنا فوق الرَّدْمِ أنا والتاريخ سؤالاً ،‏

مثلَ شراعٍ يمخر بَحْرَ الليلِ وبَحْرَ العلْقمِ كنَّا .‏

**** **** ****‏

في رعبِ الصمتِ أضاءَ على كتفِّ " الأمويِّ " منارٌ ،‏

يحمل حزمةَ ضوءٍ تلهثُ عبر الريحِ ، وعبر الليلِ .. الرُّعْبِ ،‏

ويحمل شفةً نوراً تلهجُ عبر سكون الليل بذكر الله وتومض موتاً ؛‏

قرَّب منا .. لكن ..‏

شدَّت موجات الليل عليه ،‏

أغار الليل ، فساد الخوفُ وساد الذلَُ وساد الليلُ ،‏

وصار النور القادم سيفاً يقطع ألسنة الذِّكْرِ ،‏

وقفنا نرقب زحف الليل وزحف النور ..‏

سمعنا صوت القادم من قلب الليل يشدُّ ويلهث عبر النور،‏

يقول بصوت النور :‏

" تعالوا في أثواب أخرى ..‏

في أجسادٍ أخرى ..‏

في أرواح أخرى ..‏

وليغْسل كلٌ منكم قلبه بالإخلاص البكر وبعض الصدق ،‏

تعالوا مثلَ الفجرِ .. الزهرِ .. الطهرِ لنحكي قصة قلب مدينة ،‏

قلب سكينة .. "‏

كاد يغيب الصوت .. الضوء ..‏

وكاد يسود ، الرُّعبُ الموتُ ..‏

سمعت نشيجاً يعلو ..‏

ثبت النور .. وعاد منار الضوء يهاجمُ قلبَ الليل ، ويحرق دَرَنَ الليلِ ،‏

وكان الكون مشاعل ترقص في أَسْرِجَةِ الليل ..‏

وكان العدل، سجينَ الليل ، يقاوم سجنَ الليل ..‏

وصوتُ الذِّكْرِ يشعُّ .. يشعُّ .. يشعُّ ، ولكن ...‏

يبقى الليل رداءً أسود .‏

***** ***** *****‏

" درْبُ الحمْرَاوي " ( 5 ) ليَّاتٌ من فقراء ،‏

و" النَّقَّاشَاتُ " ( 6 ) دماملُ ردْمٍ في وجه الشام الصُّغْرى،‏

والأطفالُ هناك صراخٌ ، رعبٌ موقوتٌ ، أو صلواتٌ ، أو ما شئت ، فذاك سديدٌ ،‏

عيدٌ سدَّ عليه الليلُ البابَ فمات العيدُ ، وكان وليداً بعدُ العيد!!‏

ما شأن الشام بهذي الشام ؟!‏

نداءٌ عربد في الأرحام ..‏

ما شأن الشام بهذي الشام ؟!‏

لمَ لا نحرق أخطاءً ، نقتل خوفاً ، نلغي خطراً ، نشفي وطراً ؛‏

نزرع قلبَ الشام عرائس نورٍ،‏

نبني أجمل مما كان وكان وكان ، ونطفىْ ذيَّاك البركان؟!‏

ركض الناسُ وراءِ الصوت ..‏

وسال اللحن الحلم ، وسال الموت .‏

آلافٌ في مجرى الماء !!؟‏

آلامٌ والوقتُ شتاء !!؟‏

إرجافٌ والفجرُ نداء !!؟‏

أفراحٌ والقلبُ شقاء !!؟‏

ما هذا .. ما هذا الدَّاء !؟!‏

ما شأن الشام بهذي الشام ؟!؟‏

أعراسٌ والقلب حطام .‏

هدوا الشام لنبني الشام ،‏

هدوا الشام لنبني الشام،‏

بعض المال وسيلة موتٍ ،‏

بعض التَّجْرِ رسالةُ موتٍ ،‏

والتجار كثير ما هم ،‏

كل طريق يصبح دوماً في مرماهم ،‏

تجارٌ من كلِّ مقام ،‏

تجار في كلِّ مقام،‏

تجارٌ في كلِّ منام ،‏

تجارٌ في كلِّ الشام ،‏

تجارٌ فوقَ الأحْكَام ،‏

تجارٌ بعضُ الحُكَّام ،‏

تجارٌ بعضُ الحُكَّام .‏

***** ***** ******‏

مسكينٌ يا قنديلَ الأمس ،‏

غدوت شحوباً وتباريح ،‏

غدوت دماملَ في التاريخ ،‏

مسكينٌ يا ركب الأجداد ،‏

تطوف غريباً في الحارات ..‏

غدوتَ رفاةً للتاريخ بأرض الشام ، وأرض الشام هي التاريخ ،‏

غدوت خياماً فوق خيامٍ فوق خيام ،‏

تطوف غريباً .. لا يبغيك الأهلُ ، ولا تبغيك " الشام " ،‏

هي الأيام .. هي الأيام .. هي الأيام .‏

يا ركباً لا يلقى حتى في " الدَّحْدَاح "(7) مقابر ..‏

حتى الاسم: الركب، غدا ممروراً عند النطق ،‏

أتذكر ماذا ؟! أين ؟! لماذا؟!‏

مسكينٌ ركبَ الأجداد الحائر ، في أركان الدَّارِ ،‏

تزور الشام الآن فتلقى فوقك ردماً ..‏

ردماً فوق الجيل الآخر ،‏

ربي .. كيف الجيل الأولِ ،‏

كيف العصر الأول ؟!؟‏

كيف .. وكيف .. ولا نتحول!؟!‏

**** ***** *****‏

حزيناً كنت ... وكان الليل حزيناً ،‏

ومن " جيرون " لـ " درب المسْك " ، إلى " الأمويّ " ،‏

زرعت الدربَ مجامر ،‏

سيلَ مشاعر .‏

" دربُ الحَمْرَاوي " فقراء ،‏

و " النَّقَّاشَات " تكوَّم فيها الناس على الأنقاض ،‏

وليلٌ من إرهاقٍ ينبتُ فيها ،‏

في الأجفانِ يعربدُ ليلُ الحزنِ ،‏

ويبكي الشيخُ ... الطفلُ ، من الإرهاق ،‏

وتبكي طيَّاتُ الأرض ، إذ الأجداد ضيوفٌ " مكروهون " بأرض الشام .. لماذا ؟!‏

صوت يرمح في الأعماق .. لماذا ؟!‏

ألا فليشمخْ رأسُ الشام بأرض الشام الصُّغْرَى ،‏

وليفرحْ قلبُ الناسِ ،‏

وينمو الجيلُ الطفلُ مع التاريخ ،‏

وينمو المجد أصيلاً في آفاق الأرض الأمِّ ، وفي الأرواح؛‏

ألا فليرسلْ غيثُ الرحمة فوق عظام الناسِ ، وفوق الماضي ،‏

فوق قلوبٍ للفقراء عطاشٍ منذ حريق الشام الأول ،‏

وليصدحْ صوتُ الفرح الأكبر :‏

" تحيا الشام لنحيا ...‏

تحيا الشام لنحيا ...‏

تحيا الشام لنحيا . "‏

نحن التاريخُ الـ " يَغْمُرُ " أرضَ الشامِ عطاءً ،‏

نحن سواعدُ تغرق كلَّ ثمارِ الحزن .. ثمارِ الليل الأسود .‏

تحيا الشام لنحيا ،‏

نكبر مثل الشام ،‏

ونصبح قلبَ العرب الحيِّ بأرضِ الشام ،‏

وقلبَ التاريخ الحيِّ ،‏

وتوقَ الناس إلى الأمجادِ ،‏

ونوراً يكسرها .. الأصفاد ،‏

ويصنع زهواً للأجداد .‏

نصبح نحن مشاعل درب الناس إلى الإحساس ؛‏

وتحيا الشام لنحيا ،‏

تحيا الشام لنحيا ،‏

تحيا الشام لنحيا .‏

دمشق في 23 / 4 / 1985‏

أبو ظبي في 1 / 11 / 1996‏

* * * *‏

( هوامش :‏

( 1 ) : باب جيرون ، أحد أبواب دمشق القديمة .‏

( 2 ) : شارع في دمشق القديمة .‏

( 3 ) : جامع دمشق الأشهر .‏

( 4 ) : لبيد الشاعر الجاهلي .‏

( 5 ) : من أحياء دمشق القديمة .‏

( 6 ) : من أحياء دمشق القديمة .‏

( 7 ) : مقبرة في دمشق .‏

ملاحظة : نشر بعض هذه القصيدة في جريدة الثورة بدمشق في التاريخ المشار إليه في أعلاه .‏

* * * *‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244