|
تحيا الشام لنحيا
حزيناً كان اللَّيْلُ
حزيناً ... يبكي فوقَ بيوتٍ أكثر حزناً ،
يَدْلُقُ فيها البؤسُ دموعاً ،
تجري عبَر الليلِ وتكبر ،
تغدو فقَّاعاتُ الدمعِ محاجرَ تبكي ،
يغدو الليلُ نواحاً ... موتاً.
حزناً كنتُ .. وكان الليلُ كئيباً ،
وفي طرقاتٍ صار بها التاريخ تراباً يروي للآتين حَكَايَا ؛
هَمَسَ الليلُ وهَيْنَمَ يسْتَسْقي !؟
عجباً كنتُ وكانَ الليلُ بأرضِ الشامِ الصُّغْرَى :
حزناً في أحياءٍ منها ... فرحاً في أحياءٍ أخرى !!
ماذا يربطُ هذا الضلْعَ بذاك الضلْعِ ؟؟
وماذا يطلبُ جوفُ اللَّيلِ الباكي فيها ؟؟
ولمَ الحزنُ ووجهُ الكونِ مشاعل تترى ؟!
هَمَسَ اللَّيْلُ وهَيْنَمَ يسْتَسْقي ،
راح يجرِّح سمعَه بالآهاتِ وبالنَّغماتِ ، وكان الدمعُ وليس الغيث هدية !!
كان الحزن ثقيلاً ملء الشام الصُّغْرى .
**** **** ****
من "جيرون "(1) لـ " دربِ المِسْك " (2 ) إلى " الأمويِّ "(3) ..
ركضنا شوطاً في التاريخ، أنا والليلُ ،
ورحنا نقرأ قلب الشام سراجاً بعد سراجٍ ، بيتاً .. بيتاً ، سطراً .. سطراً ؛
في زاوية أظلم فيها الحرفُ وقفنا نجلو سرَّ الحرفِ الشاحبِ كي نقرأَ .. لكن ..
ما أسعفنا سيل “ لَبِيْد “ ( 4 ) يُجِدُّ متونَ الحرْفِ ،
ويكشفُ سحراً طللاً ، يكشفُ مطلولات الدَّمِّ ..
وقفنا نقرأ تحت ركامِ الرَّدْمِ وخلفَ جفونِ الليل خفايا .
وقف الليل .. وقفتُ ، وهّيْنَمَ حتى فضْتُ شجوناً ،
أمطر قلبي دمعاً ..
ما ذا نصنع بالتاريخ وبالإنسان أيا " جيرون " الأمس ، ويا فيحاء اليوم ... دمشقَ ؟!
وقفنا فوق الرَّدْمِ أنا والتاريخ سؤالاً ،
مثلَ شراعٍ يمخر بَحْرَ الليلِ وبَحْرَ العلْقمِ كنَّا .
**** **** ****
في رعبِ الصمتِ أضاءَ على كتفِّ " الأمويِّ " منارٌ ،
يحمل حزمةَ ضوءٍ تلهثُ عبر الريحِ ، وعبر الليلِ .. الرُّعْبِ ،
ويحمل شفةً نوراً تلهجُ عبر سكون الليل بذكر الله وتومض موتاً ؛
قرَّب منا .. لكن ..
شدَّت موجات الليل عليه ،
أغار الليل ، فساد الخوفُ وساد الذلَُ وساد الليلُ ،
وصار النور القادم سيفاً يقطع ألسنة الذِّكْرِ ،
وقفنا نرقب زحف الليل وزحف النور ..
سمعنا صوت القادم من قلب الليل يشدُّ ويلهث عبر النور،
يقول بصوت النور :
" تعالوا في أثواب أخرى ..
في أجسادٍ أخرى ..
في أرواح أخرى ..
وليغْسل كلٌ منكم قلبه بالإخلاص البكر وبعض الصدق ،
تعالوا مثلَ الفجرِ .. الزهرِ .. الطهرِ لنحكي قصة قلب مدينة ،
قلب سكينة .. "
كاد يغيب الصوت .. الضوء ..
وكاد يسود ، الرُّعبُ الموتُ ..
سمعت نشيجاً يعلو ..
ثبت النور .. وعاد منار الضوء يهاجمُ قلبَ الليل ، ويحرق دَرَنَ الليلِ ،
وكان الكون مشاعل ترقص في أَسْرِجَةِ الليل ..
وكان العدل، سجينَ الليل ، يقاوم سجنَ الليل ..
وصوتُ الذِّكْرِ يشعُّ .. يشعُّ .. يشعُّ ، ولكن ...
يبقى الليل رداءً أسود .
***** ***** *****
" درْبُ الحمْرَاوي " ( 5 ) ليَّاتٌ من فقراء ،
و" النَّقَّاشَاتُ " ( 6 ) دماملُ ردْمٍ في وجه الشام الصُّغْرى،
والأطفالُ هناك صراخٌ ، رعبٌ موقوتٌ ، أو صلواتٌ ، أو ما شئت ، فذاك سديدٌ ،
عيدٌ سدَّ عليه الليلُ البابَ فمات العيدُ ، وكان وليداً بعدُ العيد!!
ما شأن الشام بهذي الشام ؟!
نداءٌ عربد في الأرحام ..
ما شأن الشام بهذي الشام ؟!
لمَ لا نحرق أخطاءً ، نقتل خوفاً ، نلغي خطراً ، نشفي وطراً ؛
نزرع قلبَ الشام عرائس نورٍ،
نبني أجمل مما كان وكان وكان ، ونطفىْ ذيَّاك البركان؟!
ركض الناسُ وراءِ الصوت ..
وسال اللحن الحلم ، وسال الموت .
آلافٌ في مجرى الماء !!؟
آلامٌ والوقتُ شتاء !!؟
إرجافٌ والفجرُ نداء !!؟
أفراحٌ والقلبُ شقاء !!؟
ما هذا .. ما هذا الدَّاء !؟!
ما شأن الشام بهذي الشام ؟!؟
أعراسٌ والقلب حطام .
هدوا الشام لنبني الشام ،
هدوا الشام لنبني الشام،
بعض المال وسيلة موتٍ ،
بعض التَّجْرِ رسالةُ موتٍ ،
والتجار كثير ما هم ،
كل طريق يصبح دوماً في مرماهم ،
تجارٌ من كلِّ مقام ،
تجار في كلِّ مقام،
تجارٌ في كلِّ منام ،
تجارٌ في كلِّ الشام ،
تجارٌ فوقَ الأحْكَام ،
تجارٌ بعضُ الحُكَّام ،
تجارٌ بعضُ الحُكَّام .
***** ***** ******
مسكينٌ يا قنديلَ الأمس ،
غدوت شحوباً وتباريح ،
غدوت دماملَ في التاريخ ،
مسكينٌ يا ركب الأجداد ،
تطوف غريباً في الحارات ..
غدوتَ رفاةً للتاريخ بأرض الشام ، وأرض الشام هي التاريخ ،
غدوت خياماً فوق خيامٍ فوق خيام ،
تطوف غريباً .. لا يبغيك الأهلُ ، ولا تبغيك " الشام " ،
هي الأيام .. هي الأيام .. هي الأيام .
يا ركباً لا يلقى حتى في " الدَّحْدَاح "(7) مقابر ..
حتى الاسم: الركب، غدا ممروراً عند النطق ،
أتذكر ماذا ؟! أين ؟! لماذا؟!
مسكينٌ ركبَ الأجداد الحائر ، في أركان الدَّارِ ،
تزور الشام الآن فتلقى فوقك ردماً ..
ردماً فوق الجيل الآخر ،
ربي .. كيف الجيل الأولِ ،
كيف العصر الأول ؟!؟
كيف .. وكيف .. ولا نتحول!؟!
**** ***** *****
حزيناً كنت ... وكان الليل حزيناً ،
ومن " جيرون " لـ " درب المسْك " ، إلى " الأمويّ " ،
زرعت الدربَ مجامر ،
سيلَ مشاعر .
" دربُ الحَمْرَاوي " فقراء ،
و " النَّقَّاشَات " تكوَّم فيها الناس على الأنقاض ،
وليلٌ من إرهاقٍ ينبتُ فيها ،
في الأجفانِ يعربدُ ليلُ الحزنِ ،
ويبكي الشيخُ ... الطفلُ ، من الإرهاق ،
وتبكي طيَّاتُ الأرض ، إذ الأجداد ضيوفٌ " مكروهون " بأرض الشام .. لماذا ؟!
صوت يرمح في الأعماق .. لماذا ؟!
ألا فليشمخْ رأسُ الشام بأرض الشام الصُّغْرَى ،
وليفرحْ قلبُ الناسِ ،
وينمو الجيلُ الطفلُ مع التاريخ ،
وينمو المجد أصيلاً في آفاق الأرض الأمِّ ، وفي الأرواح؛
ألا فليرسلْ غيثُ الرحمة فوق عظام الناسِ ، وفوق الماضي ،
فوق قلوبٍ للفقراء عطاشٍ منذ حريق الشام الأول ،
وليصدحْ صوتُ الفرح الأكبر :
" تحيا الشام لنحيا ...
تحيا الشام لنحيا ...
تحيا الشام لنحيا . "
نحن التاريخُ الـ " يَغْمُرُ " أرضَ الشامِ عطاءً ،
نحن سواعدُ تغرق كلَّ ثمارِ الحزن .. ثمارِ الليل الأسود .
تحيا الشام لنحيا ،
نكبر مثل الشام ،
ونصبح قلبَ العرب الحيِّ بأرضِ الشام ،
وقلبَ التاريخ الحيِّ ،
وتوقَ الناس إلى الأمجادِ ،
ونوراً يكسرها .. الأصفاد ،
ويصنع زهواً للأجداد .
نصبح نحن مشاعل درب الناس إلى الإحساس ؛
وتحيا الشام لنحيا ،
تحيا الشام لنحيا ،
تحيا الشام لنحيا .
دمشق في 23 / 4 / 1985
أبو ظبي في 1 / 11 / 1996
* * * *
( هوامش :
( 1 ) : باب جيرون ، أحد أبواب دمشق القديمة .
( 2 ) : شارع في دمشق القديمة .
( 3 ) : جامع دمشق الأشهر .
( 4 ) : لبيد الشاعر الجاهلي .
( 5 ) : من أحياء دمشق القديمة .
( 6 ) : من أحياء دمشق القديمة .
( 7 ) : مقبرة في دمشق .
ملاحظة : نشر بعض هذه القصيدة في جريدة الثورة بدمشق في التاريخ المشار إليه في أعلاه .
* * * *
|