|
إنَّ غيابكَ أكبر
كلماتي أيتامٌ في اللَّيْلِ على الأبوابْ ، بلا أحبابْ ،
ألوانٌ منْ حرَّاسِ القولِ تجوبُ بحورَ عذابْ ،
تجوس خراباً في الأعماقِ ،
تدوس قلوب أناسٍ طي سراب رغابْ
تَعُبُّ نزيفَ كلامٍ شفَّ وجفَّ ،
وصارَ شرابَ يبابٍ ، يبقى رغمَ الشّرْبِ يبابْ ،
كلماتي ترفعُ أشرعةً في ليلِ البحرِ الهائجِ ، عبَر التِّيه ،
زوارقُها السودُ يتقاذفها الموجُ ،
تروحُ حبالى الوهمِ ،
تطوِّحها الريحُ .. تصيح ، و..
من ماءٍ إلى ماءٍ ...
ومنْ سماءٍ إلى سماء ...
تعانق ثجَّ الماء وسيل الريح ، وشيئاً من وحي الأحياء ،
وتنصبُ خيمةَ غربةِ قلبٍ ، في زمنِ النفي ..الليل .. الغربةْ ،
خيمةَ قلبٍ تدْفُقُ موتاً ، من نوعٍ لا يعرفهُ الأحياءُ ولا تعرفهُ الأشياءْ .
أعطوني يا أصحابَ الرؤيةِ مصباحاً .. أو ظِلَّ جسارةْ ،
لأنيرَ الوقت لموكبِ قلبٍ يقتحم الديجور ويسعى نحوَ رفيف النُّورْ ،
ليسترَ عريَه .. يغسلَ عارَه .. يرفع للآتين بشارةْ ؛
أعطوني يا أصحابَ الرؤيةِ عيناً ،
لأرى الوهمَ على مشنقةِ الأمس ، الغد ، هلوعاً ،
يمشي نحوَ صليبِ الوقت جزوعاً ،
أمشي خلفه برهةَ قلبٍ ،
أهتف بالسارين حيارى :
يا ناسَ الوقت ...
أعطوني بعضَ الوقتِ أزيِّنُ مفرقَ قلبي الفارِهِ في التابوتْ،
مفرق حلمي الـ " كان " … وصار... وظلّ يموتْ ،
أعطوني الموتَ وحُبَّ أموتْ ؛
فالموتُ يريني ما تعجزُ عنه الرؤيا ،
يجمعُ قلبي بالأحبابِ وبالأحلام وراءَ الدنيا ؛
أَعطوني الموتَ وحُبَّ أَموتْ ،
أعطوني بعضَ الفَجْرِ أكحِّلُ عينيَّ .. أنامْ ،
فكون الحقِّ بجوفِ الظُّلْمِ يُشتِّتُ مني العقلَ ،
يشرِّد عني النومَ ، ويضني الروحَ ،
يجرِّح عمري بالآلام .
من حولي الناسُ نيامْ ؛
أشباحٌ .. ظلُّ أنامٍ ،
أّعطوني قولاً .. فعلاً .. أقتحمُ على صهوته الناس .. الشمسَ ،
فخيلُ الوقتِ سِقامْ .
حريقُ الأرضِ بطيءٌ ،
جرجرَ قلبي فوقَ محارقَ شتَّى ..
أبقى فيَّ حياةً تشقى ..
حِسّاً بالحرْقِ ونوعاً من تعذيبٍ أرقى ؛
يا أَهل الموتِ الباذخِ عَسْعَسَ في فلواتِ الوقتِ وفي الأحشاءِ تعالوا،
هاتوا شيئاً منهُ يقيني الصعقةَ كلَّ صباحٍ ..
كلَّ مساءٍ ..
كلَّ بريقِ كلامٍ ..
كلّ نهايةِ شهقةِ حلقٍ ، فيها البؤس وأشقى .
* * * * * *
أجوبُ ربيع العشقِ فيذوي العشقُ على كفيَّ .. يموتُ ،
وأزرعُ نفسي حرقةَ شوقٍ فوقَ الآهِ وفوقَ أنينِ الغَرْقَى ،
لكنْ .. أَشقى ، أبقى أشقى ؛
كل صباحٍ يذوي العِشْقُ على كفيَّ يموت ... يموتُ ،
يموتُ العِشْقُ وأَبقى .
يا جنحَ غرابِ البينِ..
تعالَ وصفِّقْ فوقَ الرأسِ على الخدين،
وذكِّرْ بالآتيَن ... جحافلَ نملٍ يزحف .. يزحف ،
تعالَ وصَفِّقْ فوقَ رموشِ العينِ .. إنْعَقْ ،
وازْعَقْ في الأذنينِ .. وذكِّرْ ،
أنتَ اليومَ إمامُ القومِ ،
إمامُ الوقتِ ،
إمامُ الموتِ .. فكبِّرْ .
* * * * *
يمشي المهزومونَ صفوفاً نحوَ الموتِ الأكثرِ وهجاً ،
موتِ الحيِّ الأكثرِ رَهْجَاً ،
نحوَ سلامٍ موتٍ يبدو نهْجَاً ،
يمضي المهزومونَ نشاوى عبرَ هزيمِ “ السِّلمِ “ الموتِ..
ونحو فحيحِ الصِّلّ الصوتِ ..
ونحو الريحِ الأصفر ؛
يعصفُ فيهمُْ " يهوة " عَصْفَا ،
يعجزُ عنه القولُ ... الوصفُ ،
ويعجز عنه العزمُ .. العسكر !؟
يا للمهزومينَ... جحافلَِ نملٍ تسعى نحوَ العشِّ ،
تشدُّ شعير القشِّ ..
تموتُ هناكَ ويسحقُها الجندُ وحافرُ خيلِ الجندِ ،
وتهوي عندَ حوافرِ “ يهوهْ “ ،
يا بؤسَ النَّمْلِ وبؤسَ شعيرٍ يُحْمَل نحو العش ،
وبؤس فَرَاشٍ في المصباحِ يموت ،
وبؤسَ الموتِ .. يموت ؛
وبئس القوم ، جحافل لا تسطيع لصفٍّ رصَّا ..
لا تسْطِيعُ لحالٍ وصْفا ؛
تسعى نحوَ هوانِ الروحِ ،
وتبقى رهنَ حديدِ القيدِ ،
وتزقوا في أقفاصِ الذلِّ ،
وتبقى الحيَّ الأشقى.
* * * * * *
ملحُ الأسئلةِ المرَّةِ خيَّمَ فوقَ شقوقِ القلبِ ،
وسدَّ صبيبَ الدَّمِّ ببحْرِ القلب ،
ملحاحٌ وَخْزُ الملحِ على أبوابِ القلبِ .. الجرح ،
يُكدُّ.. يهدُّ ..ويفتحُ بابَ الكربِ على مصراعيهِ ،
ويمخرُ بحر القلب بخَيْلِ الصمت ؛
يضجُّ الصمتُ .. يصيحُ ،
يصير عواصف في الأعماق ،
تعربدُ أسئلةُ الصمتِ الرائعِ ،
يغدو الصمتُ مريعاً ،
يغدو الصمتُ ركامَ زمانٍ فوقَ هضابِ الروحِ ،
وينخرُ عظمَ الجسمِ دبيبُ الصمتِ ،
يحيلُ العظم فُتَاتَاً ،
ينمو الموتُ ويبقى سيفاً .. خوفاً .. زاداً للسارينَ .. ونُعمى ؛ يبقى أعمى.
يا ما أشقى القلب الأعمى ،
القلب الحي الميت ،
على عتباتِ الذلِّ يعيشُ ، ويبكي كلَّ صباحٍ موتَهْ ،
يا ما أشقى الحيِّ القابعِ في أحضانِ الخوفِ ،
يشاهدُ موتَه يزحفُ .. يزحفُ ، يهدمُ بيتَهْ ،
يرضى موتَه .. يَنْشُد موتَه .
شدوا مخطَمَ فحلِ الشَّرِّ نَشامى الناسِ ،
فإن الفحلَ يذيعُ الشَّرَّ ،
يبيحُ الشَّر ،
يصيرُ الشَّر .
شدُّوا حبلَ الجمَلِ الأجربِ شدُّوا ..
كي لا يعدو الجربُ فيكمْ ؛
شدُّوا يا ناس الحبل ،
شدوا ناقةَ صالحَ من مخطمِها بحبالِ الصخرِ ،
وصيحوا بالناسِ :
تعالوا ...
ها ناقةُ صالحَ فينا حبلى من فحلٍ أجربْ ،
جاءَ من الأطرافِ هجيناً ؛
إن أعجزكم فحلُ الشر، ولجم الجملِ الأجربِ ،
هاتوا أمواسَ الحقِّ .. الحقدِ ـ يضيعُ الفرقُ ـ تعالوا :
إن اللحمَ غريضٌ ..
إن الصبحَ مريضٌ ..
إنَّ الحق " بغيضٌ " ..
إنَّ .. وإنَّ .. وإنَّ .. تعالوا .
هيَّا يا فجَّارَ الناسِ تعالوا ،
ها ناقةُ صالحَ فيكمُ حبلى ؟!!
* * * * *
يا موتُ .. غريبٌ أنتَ ،
تروحُ على الأحياءِ وتغدو دونَ عيونٍ .. أَعمى ،
أَعمى يا موتُ تجوبُ الدنيا ،
تحتَطِبُ الناسَ ،
تعالَ وفتشْ عن أمواتٍ يحتاجونَ شهادةَ موت ،
أَقْبِلْ يا موتْ ...
أَقْبِلْ يا موتْ ...
أَقبِلْ يا موتْ .
* * * * *
كلماتي أيتامٌ في اللَّيْلِ على الأبوابِ ،
تريدُ جواباً بعد جوابْ ،
لكن لا تَروى .. لا تَروى يا “ سِيدِي “ الموتْ ؛
فكلُّ جوابِ سؤالٍ يَفْتُقُ جرحَ سؤالٍ أكبرْ ،
كلُّ سؤالٍ عسْكَرْ ؛
يسهرُ .. يرقصُ .. يشربُ .. يسْكَرْ ؛
يبصقُ في رئتيَّ فُتَاتاً من رئتيهِ : القيح ، ويفتحُ دَفْتَرْ؛
يا “سِيدِي “ الموتُ ..الكلُّ ينزُّ .. ينزُّ .. ينزُّ ويسْكَر ،
عيشٌ يقهر .. يقهر .. يقهر ؛
كلُّ خوابي القولِ جوابٍ صارتْ ،
مثلَ جِفانِ الغسَّانيِّ وأَكبرُ ..
أكبرُ .. أكبرْ ؛
يغرق فيها القلبُ ،
ويمطر فيها الخوفُ ،
ويقهر فيها العيشُ ،
وتصبح عمر المرء وأكثر .
أَقبلْ يا موتُ فإنَّ غيابكَ أكثرُ غمَّاً ..همَّاً.. بؤساً .. موتاً،
إنَّ غيابكَ أكبرْ ..
إنَّ غيابكَ أكبرْ ..
إنَّ غيابك أكبر .
دمشق في / 14 / 2 / 1996
أبوظبي في 28 / 10 / 1996
* * * *
|