أور سالم القدس/د.علي عقلة عرسان/شعر/الطبعة الثانية

إنَّ غيابكَ أكبر

كلماتي أيتامٌ في اللَّيْلِ على الأبوابْ ، بلا أحبابْ ،‏

ألوانٌ منْ حرَّاسِ القولِ تجوبُ بحورَ عذابْ ،‏

تجوس خراباً في الأعماقِ ،‏

تدوس قلوب أناسٍ طي سراب رغابْ‏

تَعُبُّ نزيفَ كلامٍ شفَّ وجفَّ ،‏

وصارَ شرابَ يبابٍ ، يبقى رغمَ الشّرْبِ يبابْ ،‏

كلماتي ترفعُ أشرعةً في ليلِ البحرِ الهائجِ ، عبَر التِّيه ،‏

زوارقُها السودُ يتقاذفها الموجُ ،‏

تروحُ حبالى الوهمِ ،‏

تطوِّحها الريحُ .. تصيح ، و..‏

من ماءٍ إلى ماءٍ ...‏

ومنْ سماءٍ إلى سماء ...‏

تعانق ثجَّ الماء وسيل الريح ، وشيئاً من وحي الأحياء ،‏

وتنصبُ خيمةَ غربةِ قلبٍ ، في زمنِ النفي ..الليل .. الغربةْ ،‏

خيمةَ قلبٍ تدْفُقُ موتاً ، من نوعٍ لا يعرفهُ الأحياءُ ولا تعرفهُ الأشياءْ .‏

أعطوني يا أصحابَ الرؤيةِ مصباحاً .. أو ظِلَّ جسارةْ ،‏

لأنيرَ الوقت لموكبِ قلبٍ يقتحم الديجور ويسعى نحوَ رفيف النُّورْ ،‏

ليسترَ عريَه .. يغسلَ عارَه .. يرفع للآتين بشارةْ ؛‏

أعطوني يا أصحابَ الرؤيةِ عيناً ،‏

لأرى الوهمَ على مشنقةِ الأمس ، الغد ، هلوعاً ،‏

يمشي نحوَ صليبِ الوقت جزوعاً ،‏

أمشي خلفه برهةَ قلبٍ ،‏

أهتف بالسارين حيارى :‏

يا ناسَ الوقت ...‏

أعطوني بعضَ الوقتِ أزيِّنُ مفرقَ قلبي الفارِهِ في التابوتْ،‏

مفرق حلمي الـ " كان " … وصار... وظلّ يموتْ ،‏

أعطوني الموتَ وحُبَّ أموتْ ؛‏

فالموتُ يريني ما تعجزُ عنه الرؤيا ،‏

يجمعُ قلبي بالأحبابِ وبالأحلام وراءَ الدنيا ؛‏

أَعطوني الموتَ وحُبَّ أَموتْ ،‏

أعطوني بعضَ الفَجْرِ أكحِّلُ عينيَّ .. أنامْ ،‏

فكون الحقِّ بجوفِ الظُّلْمِ يُشتِّتُ مني العقلَ ،‏

يشرِّد عني النومَ ، ويضني الروحَ ،‏

يجرِّح عمري بالآلام .‏

من حولي الناسُ نيامْ ؛‏

أشباحٌ .. ظلُّ أنامٍ ،‏

أّعطوني قولاً .. فعلاً .. أقتحمُ على صهوته الناس .. الشمسَ ،‏

فخيلُ الوقتِ سِقامْ .‏

حريقُ الأرضِ بطيءٌ ،‏

جرجرَ قلبي فوقَ محارقَ شتَّى ..‏

أبقى فيَّ حياةً تشقى ..‏

حِسّاً بالحرْقِ ونوعاً من تعذيبٍ أرقى ؛‏

يا أَهل الموتِ الباذخِ عَسْعَسَ في فلواتِ الوقتِ وفي الأحشاءِ تعالوا،‏

هاتوا شيئاً منهُ يقيني الصعقةَ كلَّ صباحٍ ..‏

كلَّ مساءٍ ..‏

كلَّ بريقِ كلامٍ ..‏

كلّ نهايةِ شهقةِ حلقٍ ، فيها البؤس وأشقى .‏

* * * * * *‏

أجوبُ ربيع العشقِ فيذوي العشقُ على كفيَّ .. يموتُ ،‏

وأزرعُ نفسي حرقةَ شوقٍ فوقَ الآهِ وفوقَ أنينِ الغَرْقَى ،‏

لكنْ .. أَشقى ، أبقى أشقى ؛‏

كل صباحٍ يذوي العِشْقُ على كفيَّ يموت ... يموتُ ،‏

يموتُ العِشْقُ وأَبقى .‏

يا جنحَ غرابِ البينِ..‏

تعالَ وصفِّقْ فوقَ الرأسِ على الخدين،‏

وذكِّرْ بالآتيَن ... جحافلَ نملٍ يزحف .. يزحف ،‏

تعالَ وصَفِّقْ فوقَ رموشِ العينِ .. إنْعَقْ ،‏

وازْعَقْ في الأذنينِ .. وذكِّرْ ،‏

أنتَ اليومَ إمامُ القومِ ،‏

إمامُ الوقتِ ،‏

إمامُ الموتِ .. فكبِّرْ .‏

* * * * *‏

يمشي المهزومونَ صفوفاً نحوَ الموتِ الأكثرِ وهجاً ،‏

موتِ الحيِّ الأكثرِ رَهْجَاً ،‏

نحوَ سلامٍ موتٍ يبدو نهْجَاً ،‏

يمضي المهزومونَ نشاوى عبرَ هزيمِ “ السِّلمِ “ الموتِ..‏

ونحو فحيحِ الصِّلّ الصوتِ ..‏

ونحو الريحِ الأصفر ؛‏

يعصفُ فيهمُْ " يهوة " عَصْفَا ،‏

يعجزُ عنه القولُ ... الوصفُ ،‏

ويعجز عنه العزمُ .. العسكر !؟‏

يا للمهزومينَ... جحافلَِ نملٍ تسعى نحوَ العشِّ ،‏

تشدُّ شعير القشِّ ..‏

تموتُ هناكَ ويسحقُها الجندُ وحافرُ خيلِ الجندِ ،‏

وتهوي عندَ حوافرِ “ يهوهْ “ ،‏

يا بؤسَ النَّمْلِ وبؤسَ شعيرٍ يُحْمَل نحو العش ،‏

وبؤس فَرَاشٍ في المصباحِ يموت ،‏

وبؤسَ الموتِ .. يموت ؛‏

وبئس القوم ، جحافل لا تسطيع لصفٍّ رصَّا ..‏

لا تسْطِيعُ لحالٍ وصْفا ؛‏

تسعى نحوَ هوانِ الروحِ ،‏

وتبقى رهنَ حديدِ القيدِ ،‏

وتزقوا في أقفاصِ الذلِّ ،‏

وتبقى الحيَّ الأشقى.‏

* * * * * *‏

ملحُ الأسئلةِ المرَّةِ خيَّمَ فوقَ شقوقِ القلبِ ،‏

وسدَّ صبيبَ الدَّمِّ ببحْرِ القلب ،‏

ملحاحٌ وَخْزُ الملحِ على أبوابِ القلبِ .. الجرح ،‏

يُكدُّ.. يهدُّ ..ويفتحُ بابَ الكربِ على مصراعيهِ ،‏

ويمخرُ بحر القلب بخَيْلِ الصمت ؛‏

يضجُّ الصمتُ .. يصيحُ ،‏

يصير عواصف في الأعماق ،‏

تعربدُ أسئلةُ الصمتِ الرائعِ ،‏

يغدو الصمتُ مريعاً ،‏

يغدو الصمتُ ركامَ زمانٍ فوقَ هضابِ الروحِ ،‏

وينخرُ عظمَ الجسمِ دبيبُ الصمتِ ،‏

يحيلُ العظم فُتَاتَاً ،‏

ينمو الموتُ ويبقى سيفاً .. خوفاً .. زاداً للسارينَ .. ونُعمى ؛ يبقى أعمى.‏

يا ما أشقى القلب الأعمى ،‏

القلب الحي الميت ،‏

على عتباتِ الذلِّ يعيشُ ، ويبكي كلَّ صباحٍ موتَهْ ،‏

يا ما أشقى الحيِّ القابعِ في أحضانِ الخوفِ ،‏

يشاهدُ موتَه يزحفُ .. يزحفُ ، يهدمُ بيتَهْ ‍،‏

يرضى موتَه .. يَنْشُد موتَه ‍‍‍.‏

شدوا مخطَمَ فحلِ الشَّرِّ نَشامى الناسِ ،‏

فإن الفحلَ يذيعُ الشَّرَّ ،‏

يبيحُ الشَّر ،‏

يصيرُ الشَّر .‏

شدُّوا حبلَ الجمَلِ الأجربِ شدُّوا ..‏

كي لا يعدو الجربُ فيكمْ ؛‏

شدُّوا يا ناس الحبل ،‏

شدوا ناقةَ صالحَ من مخطمِها بحبالِ الصخرِ ،‏

وصيحوا بالناسِ :‏

تعالوا ...‏

ها ناقةُ صالحَ فينا حبلى من فحلٍ أجربْ ،‏

جاءَ من الأطرافِ هجيناً ؛‏

إن أعجزكم فحلُ الشر، ولجم الجملِ الأجربِ ،‏

هاتوا أمواسَ الحقِّ .. الحقدِ ـ يضيعُ الفرقُ ـ تعالوا :‏

إن اللحمَ غريضٌ ..‏

إن الصبحَ مريضٌ ..‏

إنَّ الحق " بغيضٌ " ..‏

إنَّ .. وإنَّ .. وإنَّ .. تعالوا .‏

هيَّا يا فجَّارَ الناسِ تعالوا ،‏

ها ناقةُ صالحَ فيكمُ حبلى ؟!!‏

* * * * *‏

يا موتُ .. غريبٌ أنتَ ،‏

تروحُ على الأحياءِ وتغدو دونَ عيونٍ .. أَعمى ،‏

أَعمى يا موتُ تجوبُ الدنيا ،‏

تحتَطِبُ الناسَ ،‏

تعالَ وفتشْ عن أمواتٍ يحتاجونَ شهادةَ موت ،‏

أَقْبِلْ يا موتْ ...‏

أَقْبِلْ يا موتْ ...‏

أَقبِلْ يا موتْ .‏

* * * * *‏

كلماتي أيتامٌ في اللَّيْلِ على الأبوابِ ،‏

تريدُ جواباً بعد جوابْ ،‏

لكن لا تَروى .. لا تَروى يا “ سِيدِي “ الموتْ ؛‏

فكلُّ جوابِ سؤالٍ يَفْتُقُ جرحَ سؤالٍ أكبرْ ،‏

كلُّ سؤالٍ عسْكَرْ ؛‏

يسهرُ .. يرقصُ .. يشربُ .. يسْكَرْ ؛‏

يبصقُ في رئتيَّ فُتَاتاً من رئتيهِ : القيح ، ويفتحُ دَفْتَرْ‍‍‍‍‍‍‍؛‏

يا “سِيدِي “ الموتُ ..الكلُّ ينزُّ .. ينزُّ .. ينزُّ ويسْكَر ،‏

عيشٌ يقهر .. يقهر .. يقهر ؛‏

كلُّ خوابي القولِ جوابٍ صارتْ ،‏

مثلَ جِفانِ الغسَّانيِّ وأَكبرُ ..‏

أكبرُ .. أكبرْ ؛‏

يغرق فيها القلبُ ،‏

ويمطر فيها الخوفُ ،‏

ويقهر فيها العيشُ ،‏

وتصبح عمر المرء وأكثر .‏

أَقبلْ يا موتُ فإنَّ غيابكَ أكثرُ غمَّاً ..همَّاً.. بؤساً .. موتاً،‏

إنَّ غيابكَ أكبرْ ..‏

إنَّ غيابكَ أكبرْ ..‏

إنَّ غيابك أكبر .‏

دمشق في / 14 / 2 / 1996‏

أبوظبي في 28 / 10 / 1996‏

* * * *‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244