أور سالم القدس/د.علي عقلة عرسان/شعر/الطبعة الثانية
إلى المبصرين أفول الشفق

إلى المبصرين أفول الشفق

من الحَلْقِ تبتدئُ الغَرْغَرْةْ

 

ومنها إلى وحشةٍ مقفرَةْ

ومن أعوزَتْه رؤى مُبْصِرَةْ

 

يتوهُ بها فاقدٌ مرتجاهُ

غليظ الفؤادِ ظلوم العيونِ

 

ومن ضاقَ بالنورِ إذ يبصِرَه

ألا في السرائرِ ما أكفرَهْ

 

أَلا في الحفائرِ مَنْ أَقبَرَهْ ؟!

من الحَلْقِ تبتدئُ الغَرْغَرَةْ

 

وسَيْرٌ إلى وحشةِ المقبرَةْ

***

أرى شِقوةً في جبينِ الدروبِ

 

وأُخرى على قارعاتِ الخطوبِ

وثالثةً في المدى مدبرَةْ

ألا خبِّروني عن المتعبينَ

 

وعمّنْ غدوا فتنةً مثمرَةْ

وعمّنْ همُ " محورُ " الخافقَينِ

 

يقولون قولَ الفتى القَسْوَرَةْ؟!

ويمشونَ فوقَ جباهِ العبادِ

 

وأنفُ السَّحابِ لهم مُزْدَرَى

ألا خبِّروني فإني شتيتٌ

 

كليلُ البصيرةِ والمبصرَةْ 

ولا أعرفُ اليومَ فصلَ الخطابِ

 

ولاشيءَ منْ حكمةٍ مسفرَةْ

فهل لهمُ راسياتُ الجبالِ نعالٌ

 

وهل لهمُ العتمةُ المقْمِرَة

وهل حلَّتِ الصافناتُ الجيادُ

 

بهم خافقاً لا يطاهُ الورى

وهم يرفلون بثوبِ الخلودِ

 

لهم منه سطوتُه المشهَرَة؟!

أم أن الخرابَ طوى في الترابِ

 

عظيمَ الجبلّةِ والمشوَرَةْ!؟

وهم على دربه سائرونَ

 

بعزمٍ شديدٍ وخوفٍ يُرى

وصارَ الكبيرُ مثيلَ الصغيرِ

 

وصارَ الجميعُ صُوى محضَرَة !؟!

ألا خبروني فإني شتيتٌ

 

كليلُ البصيرةِ والمبصِرَةْ

***

ومنها إلى وحشةٍ مقفرَةْ

 

منَ الحلقِ تبتدئُ الغَرْغَرَةْ

ومنها إلى تيهِ فَقْدٍ مُريعٍ

 

ويومٍ له وقدةٌ مُسْعَرَةْ

ألا ساءَ من قلبُه مجمَرَة

 

تحرِّق بالحقدِ فضلاً سرَى

ألا ساءَ مَنْ قلبُهُ محبرَةْ 

 

تسجِّلُ زلاّتِ كلِّ الورى

ومَنْ في المعاصيَ ما أجسرَهْ

 

ومن في السرائرِ ما أكفَرَهْ

مِنَ الحلقِ تبتدئُ الغرغرَةْ

 

ومنها إلى وحشةِ المقبرَةْ 

***

هو العمرُ قد نجتلي مبتداهُ

 

ولا يعرفنْ أحدٌ منتهاهْ

يضيعُ بهِ فاقدٌ مرتجاهُ

 

وتُصْحِرُ روحُ الفتى المشْجِرَةْ

يليُن الترابُ على الميِّتينْ

 

ويفتحُ صدرهُ للقادميْنَ

وتحفرُ قبرَ الشقيِّ يداهْ

 

ويأسى الندامى على النادمين

ويُعلَن في الناس فصلُ الخطابِ

 

وتبتلع الأرضُ كلَّ العذابِ

وتنسى البراءةُ من قد بداهْ

 

ويبدأُ خطوٌ إلى المقبرةْ

منَ الحلقِ تبتدئُ الغَرْغَرَةْ

 

منَ الحلقِ تبتدئُ الغَرْغَرَةْ

***

هو الدهر يبطشُ بالمتعبينْ

 

تذوبُ القلوبُ ولا يسأمَنَّ

ولا يرأفنَّ بمنْ همْ غِذَاهْ .

يطلُّ كصقْرٍ على المُرْجِفِينَ

 

على القائليَن ببعدِ أَذاهْ

فلا يأنسونَ ولا يُلْبِسُون

 

ولا يَنْبِسُونَ ببنتِ شفاهْ

وكمْ تشتفي منهمُ الحادثاتُ

 

ولا ترتوي منهمُ مقلتاهْ

وينشِبُ ظفراً ولا يرعوي

 

ويغشى حمى الروحِ  رغمَ  الحُمَاةْ

فيهتف هاتفُهم في العراءِ

 

وقد لفَّه الرعبُ مما جناهْ

" ألا فلتُغَشِّي المنايا مُناهُ

 

غداةَ العذابُ بغيِر حساب

غداةَ القلوبُ تروحُ وتغدو

 

على مبتغاهُ بغير ارتيابْ

وفكّاهُ منْ نهمٍ متعبانِ

 

يهرِّسُ بالنابِ لحمَ الأباةْ

ويرفض ضوءَ الحياة العميمِ

 

وتشربُ منْ ضوئهمْ مقلتاهُ . "

ألا فلتغشِّي المنايا مُنَاه !!.

ويضحك جبَّارنا ضحكتينِ

 

ويبطشُ بالناسِ بطشَ الكُمَاةْ

وتبقى القلوب بلا ضفَّتيِنِ

 

وتدمى العيونُ بلا مقلتينِ

وتحثوا الدروبُ على السائرين

 

سُمُومَ العذاباتِ ، من مخلَبين

جحيماً من الرَّيْب يبقيهمُ

 

أسارى الشكوكِ وصوتَ البُكاةْ

وينتشر الموت ملء الحياة

وينتشر الخوف ملء الفلاة

 

من الحلقِ تبتدئ الغَرْغَرَةْ

 

ويمشي الجميعُ إلى المقْبِرَةْ

من الحلقِ تبتدئ الغَرْغَرَةْ

***

هو القهرُ يفترشُ الوهدَتينِ

 

فتلكَ المماتُ وتلك الحياةْ

ويبقى على الضِّفتين رضابٌ

 

ويبقى على الضفتيِن العذابْ

ويبقى الحنينُ إلى منتهاهُ

 

ويبقى لكلِّ امرئٍ مُشْتَهَاهْ

تموتُ الحياةُ بعينِ العليلِ

 

وفي قلبِهِ شوقُهُ للحياةْ

حبيبٌ إلى الناسِ ضوءُ النهارِ

 

ودفء الظلالِ ورفعُ الجباهْ

حبيبٌ إلى القلبِ وقرب الحبيب

 

وتوقٌ يفيضُ إلى منتهاهْ

حبيبٌ صباحٌ جميلٌ يطلُّ

 

ولو طَلَّهُ الدَّمُ من مُبْتَدَاهْ 

صديقي حبيبي رفيقَ الحياة

 

تموتُ العذوبةُ في المقلتينِ ،

تموتُ صوى اللونِ في الوجنتينِ

 

تموتُ المنى في قلوبٍ وعينِ

تموتُ العذارى على الضفتينِ

 

ويبقى الزُّنَاةُ ، وتبقى الحياة

وينمو على القبرِ شوكُ الرِّغابْ

فسبحانَ من كوَّنَ هذا الترابْ

 

وسبحانَ من قدَّرَ هذا الكِتَاب

وصيَّرَ صيفاً شتاء ، وعزماً هباءً

 

وطيناً وماءً.. وصوماً وجاءً

وتوقاً مُذَاباً بثوبِ العَذَابْ

وسبحانَ من يسَّرِ هذا السَّحابَ

 

فأحيا به بعد موتٍ طويلٍ،

وطولِ انتظارٍ وطول اكتئآبْ

***

عليكمْ ركامُ الخطوبِ

 

عليكمْ ظلامُ الدروبِ

عليكمْ جحيمُ الغيابِ

 

عليكمْ صليلُ الحرابِ

أيا الراحلينَ : سراباً ، ضبابَ ارتيابٍ عليكم سُهادُ الغيابْ

تغيبونَ ملءَ فضاءِ الوجودِ

 

وتبقون ملءِ فضاءِ الرحابْ

وتبقى الإشاراتُ ملءَ العيونِ

 

ويبقى المدى مفعماً بالإيابْ

ألا خبِّروني خيار الصحاب

 

عن المُدْلِجَاتِ بثوب الضباب

قُبيل الغروبْ.. وعند الغياب

عن البازلاتِ القلوبَ قروحاً

 

على قارعاتِ الدروب

عن الصانعات الذنوب

ألا خبِّروني فإني أَذوبُ ،

 

وحين أتوبُ ، فإني أتاب

وإني بملح الخراب أُذَاب

وقــد لا أتــوب

على البعدِ فيَّ جراحُ الخطوبِ

 

شعابٌ ..غلاظٌ ..ظماءٌ .. يباب 

بكفيَّ حلمٌ بوهجِ فداءٍ

 

بدفقِ عطاءٍ ، بصيفٍ وماءْ

وصيفٍ وماءٍ .. وصيفٍ وماءٍ ..  وماءٍ.. وماءٍ .. وماءٍ ..وماءْ

وفي القلبِ ترنيمةٌ منْ ضياءٍ ،

 

لوجهِ الرجاءِ ، لوجهِ السَّماءْ ،

فلا الماءُ يقرُبُ منْ شارِبِيهِ ،

 

ولا الضوءُ يحنو على سائليهِ ،

ولا النورُ مزجىً إلى طالبيهِ

 

ولا النفسُ تكشفُ سرَّ العذابْ

ولا شمعةٌ بين بابٍ وبابْ

حبيبي : تموتُ الرؤى في العيونِ ،  ولا تنتهي صَبَوَاتُ الشَّبابْ

وتُفْضِي الدُّرُوبُ إلى حالتينِ :

 

نعيم القلوبِ وأخرى العَذَابْ 

وتبقى حبيبي فضاءَ اليقينِ ،

 

وتبقى حبيبي حضورَ الغيابْ

***

على الغيمِ أَلقَيْتُ شبّابتيَّ 

 

وودَّعْتُ كلَّ فتونِ الخضابْ

ولوّحْتُ بالكفِّ للمتعبينَ

 

ويسَّرْتُ للريحِ سَوْقَ السَّحابْ

وقلْتُ لمنْ يألفُ المشيتينِ :

 

طريقي صعودٌ وسعيُكَ خابْ

عجيبُ الوعورةِ دربُ الصعودِ

 

ولكنْ... لكلِّ فتى مبتغاهْ

فهذا يحبُّ رطيبَ الظلامْ

 

وذاكَ يحبُّ شَفِيفَ الحياةْ

ومرجٌ عليه رفيفُ الصّباحِ

 

ولغوٌ على الشّفَّتينِ مُذابْ

ومرجٌ ذوى مثلَ وجهِ المريضِ

 

عَلاهُ السَّوادُ وبومُ الخرابْ

***

منَ الحلقِ تبتدئُ الغَرْغَرَةْ 

 

ومنها إلى وحشةِ مقفِرَةْ

يتوهُ بها جحفلُ العارفينَ

 

وتُفضي إلى وحشةِ المقبرَةْ

منَ الحلقِ تبتدئُ الغَرْغَرَةْ 

 

ومنها إلى وحشةِ المقبرَةْ

منَ الحلقِ تبتدئ الغَرْغَرَةْ

من الحلقِ تبتدئ الغَرْغَرَةْ

دمشق في 14 / 2 / 1996

دمشق في 29 / 11 / 1996

* * * *

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244