أور سالم القدس/د.علي عقلة عرسان/شعر/الطبعة الثانية

قنابل شعب ... بشرية

حب العيش أنا.. وأنا الزمان‏

لي زوجٌ من لَيَّات الزهرِ،‏

ولي طفلان.‏

طفلٌ قمر الفقر، وطفل ماس النجم بليل دخانِ ،‏

لي بيت محفوف الخصر بزهر اللَّيلك والرمَّانِ:‏

صغيراً شدت البيت.. بعِرْق الدمِّ وبالصوَّانِ،‏

بنزف الماء من الأجفان،‏

زيَّنت "الحِنْتَ" (3) بِوُرْقٍ في أعلى التيجان، وبالألوان‏

صغيراً شدت البيت..‏

ولي خصلات من أحلام ..فوق البيت،‏

لي الأحلام وما أكبر من كل الحلم..ليَ الإيمانُ،‏

بأنيَ زيتُ الروح، وملحُ الأرض، ونورٌ يسطع في الأزمانِ،‏

ولي من قدس الله نصيب أكبر من وهم الشيطانِ،‏

ولي الشطآن.. وما أوسع من كل مجرَّات الأكوانِ،‏

ولي وطن ، أحلى الأوطانِ :‏

هو الزيتون، هو "الحنّون"... هو الإنسانْ.‏

أحببت البيتَ وأهل البيت، وكلَّ الرفقة والجيرانْ‏

أحببت الناس.. أنا أحببت.. أنا إنسانْ.‏

ـ 2 ـ‏

في حَرِّ الصيف.. وموسم فرخ الطير، وضوع العطر،‏

وفي تشرين وعيد الأضحى،‏

في عيد العذرا مريم..‏

في كل الأعياد يهاجمني جند الحاخام..‏

يغصب مني الجندُ ضياءَ الروحِ.. فرحَ القلب .. ثمارَ الأرض، وكلَّ الأرضِ.‏

ويوم يفيض الماء على كفيَّ بذات شتاء‏

سبحان الله.. أسبِّح باسم الله وأرفع عيني نحو غيوم تبكي مثل بكاء الحيِّ من الأحياء..‏

يغشى الجندُ البيت كليل الموت بذات مساء...‏

يفتِّش جند الحاخام الدارَ.. دماغي.. جسدي الهش..‏

وثديَ الزوج المهزول.. أصابعَ أطفالي الرُّضَّع..‏

بحثاً عن حلم أو أمل أو عزم في طَرْفِ الأصبع،‏

يغرس كل منهم رعباً في القلب ويمضي نحو العظمِ،‏

يفتش بين خلايا العظم عن الإيمانْ‏

صار الإيمان هو الأعداء هو العدوانْ‏

سبحان الله.. فأي زمان، أي زمان؟!‏

ويبقى الظل الأسود فوق البيت مديداً مثلَ بساط الموتْ‏

ظل الموساد مديدٌ،‏

ظل "الشين بيت".. حريق الزيت..‏

مثل غراب البين يخيّم فوقي ظل الموساد.‏

لا نسطيع الحلم بظل العسكرِ..لا نسطيع النوم،‏

نبقى العمر بظل الكابوس الشرِّ،‏

نطلب موتاً أكثر رحمةْ.‏

ـ 3 ـ‏

عند شروق الشمس، بكل صباح‏

أذهب أيَّ مكانٍ من وطني الحلوِِ..‏

لأعمل .. أنسى.. أجلب خبزاً للأطفالِ،‏

لكنَّ الدرب سدودٌ من موسادْ..‏

من عملاء صفرٍ.. من أحقادْ‏

كلٌ يصرخ في أذنيَّ: الموت..‏

لكل العرب الموت!؟..‏

أحار وأسأل ملء الصوتْ:‏

ولمَ الموتْ..؟! لمن الموتْ!؟‏

ما غير فلسطين بقلبي..‏

وطناً .. بيتاً أو جنسية،‏

إن فلسطين هوية..‏

فيها: البيت.. الأوتاد. .. الأعياد.. الإنشادْ‏

فلمَ الموت.. لمن الموت!؟‏

لم نترك يوماً أرض الآباء.. الأجدادْ‏

فيها عاش الجد الأول منذ الأزل الأول..‏

فيها يبقى حلم الأبد الأزل.. الأزل الأبد،‏

فلم الموت.. لمن الموت؟!‏

عيش الرعب الموت‏

إن غادرت البيت.. فقدت البيتَ؟!‏

عجيب..‏

كل عصافير الدنيا تبني عشاً، تذهب.. ترجع.. تهجر عشاً،‏

إلايَ أنا.. إن غادرت العش فقدت العشَّ!؟‏

عجيب...‏

ـ 4 ـ‏

في الموسم أرفع كفي‏

أعلن أني كلمة‏

لكن.. يمنع عني القول.‏

لا قول لمن عيناه الأرض، صباه الأرض، ويلهج بالحرية.‏

من يتقن بيع القول يقولْ‏

من يتقن غير الصول يصولْ‏

يدخل سوق ألحكي.. يبيع ويشري..‏

أمَّا المشَّاء بقول الحق فميت، أي مقتولْ‏

قال يقول، وقال يقولْ‏

ليس لقول الحق فصول...‏

ليس لقول الحق فصول.‏

ـ 5 ـ‏

عند خلوِّ البالِ..‏

خلوِّ القلب من الترحالِ..‏

خلوِّ النفس من الأغلالِ..‏

أحال لسرب محالٍ يلمع مثل لآل في الأوحالْ.‏

أعلن أني نجم مساء يسطع مثل شعاع حرٍ في الأدغالْ‏

يغري العين ويغري دهليز الرئتين ببعض حنين.‏

أشم حنين الأرض طويلاً..‏

تُنْعَشُ نَفْس،‏

تشرق في الأعماق الشمس،‏

يموج الحلم.. المرج بروحي،‏

أنسى كل جروحي...‏

يا الله..‏

يا الله..‏

ما أحلى ليل فلسطين الليلة،‏

كم ينعش هذا الغيم الغضُّ الحامل عبق "البيَّارات" بجنح الليل..‏

نسيمٌ ملء شراع الأفق يجذِّف في بحر الرئتين.. يغسِّل قلبي بالليمون،‏

يسحر طرفي مثل عيون مرضى: تقتل.. تُبري. .. تَبرى.‏

يا الله..‏

يا الله..‏

كم يغدو العيش جميلاً لولا الرعب..‏

لولا الموساد، وحقد أصفر في الأصفاد،‏

يا الله..‏

ما أجمل أن أحضن طفلي..‏

أمشي دربي باطمئنان،‏

أقضي عطلة يوم عند الشطِّ بحيفا،‏

أذهب مثل السهم الحر إلى طبرية،‏

فأرى الأهل وأمرح فجراً في البريّة،‏

أرجع ليلاً باطمئنان؟!‏

لو أفعل.. أشعر أني حرٌ،‏

أني سيد..‏

في أرض الحنطة والزيتون، وأرض الزعتر والليمون،‏

أشعر أني حرٌ سيد.‏

ـ 6 ـ‏

بعد دقيقة‏

أسقط من فُلْكِ الحلم جريحاً،‏

يجفُل شَعري من صفّارات الإنذارِ،‏

فأركض نحو فراش الطفلِ،‏

أشم لهاث شفاه الليلك يذوي تحت القيظ،‏

أكفكف دمعاً يحفر خدي،‏

يدنو القيد .. يريد يديّ..‏

أشعر أن القيد يشد يديّ..‏

وصدري يُفتح للَّلكَمَات.‏

بعد دقيقة..‏

تجوب فضاءَ الأذن شتائم..‏

يا ابن الـ…‏

فأصبِّر نفسي، أشكمُ غيظي..‏

يقترب الخطو إلي..‏

زوجي تحت غطاء البيت وجيبُ ضلوع، لا أكثر،‏

ويشد إليه صغاراً،‏

يرسم كلمات في الحلق،‏

يصلي:‏

" يا رب..‏

أبعد عنَّا الشر وسلِّم بيتي،‏

يا رب..‏

ما للمظلومين سواكَ. " .‏

تسيل دموع البيت،‏

يضج خشوع الخشية،‏

صمت.. صمت .. صمت،‏

يطفح صوت،‏

ويغور الدمع بشق الأرض، ينشّ الباب،‏

إخال صلاة في المحراب،‏

إخال الأقصى.. المهد.. الصخرة.. صوتَ صلاة:‏

"سلِّم يا رب.. سلِّم يا رب..".‏

زوجي تضرع..تبكي: " سلّم يا رب،‏

ما للمظلومين سواك ".‏

ـ 7 ـ‏

الكلب يدق الباب ويدخل،‏

ينشب مخلبه المشحوذ بلحمي..‏

يبسط كفيه المعقوفين على كتفيّْ ..‏

يرتاح.. ويرتاح طويلاً في بحر التعب المرّ.. الخوف الجاثم في عينيّْ،‏

يشمّ الكلبُ حريقي..يغمز كلباً آخرَ... يدعو آخر..‏

الكلب وراء الكلب..‏

تشمّ القلبَ.. الرئةَ الحرَّى.‏

أرجف مثل وريقة زعترْ..‏

في الإعصار..‏

طيَّ القلب صلاة:‏

" يا ذكر الله الـ "يغمر" روحي،‏

لطفاً.. لا تنشرْ عطراً في جسدي،‏

صبراً.. حتى يمضي الكلب بعيداً،‏

هذا الكلب عدوّ لله... وذِكْرِ اللهْ.‏

يا ترب القدس.. الوطن الـ " ينفح" عَبَقَاً‏

في الدّمّ، توقف،‏

لا تتضوُّع في نهر الدم،‏

كلاب الصهيوني نباح تلحق ذِكْرَ اللهِ..‏

وتَلِغُ الدّمَّ،‏

لتبحث عن ضوع القدس بنهر الدّم...‏

يا ضوع تراب القدس توقف..‏

وقت البحث بعرق الدم يحين.. توقف.‏

تفتك فتكاً إن تابعت النبض بنهر الدمّ..‏

توقف.‏

يا قلبي..‏

يا عصب الجسد العامر بالحرية..‏

يا جسْرَ الروح المشروخ بنير العمر..‏

أنين العمر، تمهل،‏

غيِّب في التيه.. الجسدَ.. الروحَ..‏

التسبيحَ.. ترابَ القدس..‏

الوطنَ..الأرض،‏

حتى يمضي الكلب بعيداً."‏

ـ 8 ـ‏

الكلب يشمُّ الكبدَ.. يشمّ الروحَ،‏

ويكشف ذكرَ الله.. الوطنَ.. القدسَ.. بنهر الدّمْ:‏

ينشب مخلبه في الوجه، يشدّ القيدَ،‏

يبول على الأطفال.. الأمن .. الحب.. الوطن. ..‏

الطهر.. الحر..‏

يبول الكلب ويمضي.. يركض، يلحق غيري.‏

أبقى شلواً مشكومَ الروح أسيرَ القيد.. وحيداً،‏

أستاف تراب الدار وذلَّ العار،‏

وأُخرَج من داري مدحوراً مجروراً جرّا..‏

في خاصرتي حربة صهيوني أزرق،‏

ينهر جرحي بالرشاشِ..‏

ويخنق روحَ الأرض ِِالصارخِ ملءَ الوطن الصامتِ صمتَ القبرِ، بكلّ حشاي.‏

ـ 9 ـ‏

في الزنزانة مترٌ من غِسْلِين أصفر،‏

فوق جليد الرعب تكوَّر قلبي،‏

قلت: "بريء إلا من حبِّ الله وحبِّ الأرض،‏

" ما جعل الله لمرءٍ من قلبين بجوفه ".‏

أشهد أن زماناً مرَّ عليَّ وكان طويلاً،‏

جرَّبْت خلاله نَبْذَ الحبِّ وكتمَ الحبِّ، ولكن..‏

يبدو أن الحبَّ قويٌ جداً في الأعماقِ،‏

وأن علاجَ الحبِّ عزيزٌ في الآفاق ولا يدركه الناسُ،‏

وأن الحبَّ يُعَرِّي القلب العاشقِ حتى العظم وأكثر،‏

يفضح مشََّّ العظمِ، ويمضي أكثر.‏

عُذِّبْت بحب الله وحبِّ الأرضِ سنيناً عدداً،‏

غبت طويلاً بين الرمل وبين الرمل،‏

وبين الصمت وبين الصوت،‏

وبين الموت وبين الموت،‏

وعدت بحكْمِ الله إلى الأولاد وبيت اللبْنِ،‏

وخيمة قهرٍ فوق البيت، وأخرى من خوف أكبر.‏

ـ 10 ـ‏

” لا حُرَّ بوادي عوف ”،‏

قيل القول وشاع الخوف،‏

هذا قانون الأشرار بأرض جبال النار وبيت المقدس،‏

هذا قانون الفجَّار بأرض سلام اللهِ،‏

سلام القدس، سلام الناس...‏

حيث النخلة مريم.‏

في البيت أنين...‏

جوعٌ .. سكِّينٌ .. تنِّين ،‏

في البيت طعينٌ فوقَ طعين.‏

ابْحَث عن دربٍ يبعِدُ عنك الهمَّ وفيض الغمِّ،‏

وشكوى الطفلِ،‏

وذلاً ملءَ القلب وملءَ البيت وملءَ الكون وأكثر !؟‏

ابحث.. فلتبحث.. لا تَعْثَر..‏

” لا حُرَّ بوادي عوف ”..‏

ثارت في الأعماق حكاية،‏

تمتحُ من وجناتٍ صفرٍ كلَّ خبايا القلب الوارم بالآهاتْ‏

تنثر في الأفاق مرايا:‏

انظر يا هذا درب الذلِّ ودرب العزِّ أمامك،‏

فرِّق بين العبد وبين السيد،‏

وانظر يا هذا درباً يكفيك الأحزان، ويفتح باباً للإيمان، وباباً آخر للإنسان..‏

وباباً آخر.. باباً آخر.. باباً آخر...‏

لا حصر .. لكثر الأبواب.‏

ـ 11 ـ‏

ضاع الصوت الأعمقُ عبر الصوت الأجوف:‏

الصفَّارةُ ملءَ الحارة.‏

جرَّبت الطقس الأول:‏

وجه الطفل الغارق في الليمون سعير،‏

والأنفاس بقايا كير،‏

كدت أقول شفيف زئير،‏

والعينان غيوم تترى،‏

دَفَق الليل وموج الحزن وسيل من ألوان أخرى،‏

فوق فراش الموت،‏

والمسكينة زوجي: نَوْحٌ مثل الناقة حول البَوِّ،(4)‏

صوت الحي نعيب البوم،‏

يحوم.. يحوم.. يحوم ويبقى كالزَّقومْ‏

رفَّعْت يديَّ فخِلْتُ السقفَ يزولُ؛‏

رفّعْت جبيني خِلْتُ الحقَّ يقولُ:‏

( إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم (.‏

والله غفور رحيم..‏

والله غفور رحيم..‏

فاض الدمع.. وفاض، وكبَّر في الأعماق منادٍ:‏

" يومٌ عمرُ المرء..‏

ونصف العمر سبات،‏

نصف الباقي ركضٌ خلف رغيفِ الذّلِّ،‏

وثلثٌ لهوٌ،‏

نصف الباقي سهوٌ.‏

هلاّ كان لكم في باقي الباقي،‏

زلفى لله وحسن مآب،‏

في ردع الظلم وحبِّ الخير،‏

وفتح الباب على الحرية والأحباب!؟‏

هلا ّ كان لكم...‏

جرأة فعلٍ، ينقذ مما يجعل كلَّ العمر شقاءً‏

أعمى،‏

ذلاً ممزوجاً بالموت وموتاً ممزوجاً بالذلِّ؛‏

ورعباً يطلي القلب بدهن الدنيا ؟!‏

من قال بأن العيشَ ربيعُ بطونٍ،‏

تلْتَلَها الذلُّ بلقمة ذُل ؟!‏

"... فيقوا..فيقوا.."‏

موتاً عزاً تختارون، أو عزاً يوماً تحيون ..‏

الفطرة عزٌ لا ذُل...‏

الفطرة عزٌ لا ذُل،‏

وأرضُ الله سَعَةٌ من حول الناس. "‏

ـ 12 ـ‏

عيني المسكونة بالدمع توارت عني،‏

راحت مني،‏

لا أدري ماذا في الأعماق تجلّّى:‏

يا أمَّ الأطفال يناديني صوتٌ من فوق الأرض،‏

أَأَسمع وهْمَاً ؟!‏

أَسْمَعُ حَقاً.. أسمع حقاً.. أسمع حقاً.‏

يا أمَّ الأطفال وداعاً:‏

إمَّا عيشٌ نرضى عنه، وإمَّا موتٌ يُرضي عنَّا..‏

يا أمَّ الأطفال.. وصوتََ الوطن الباكي.. عذراً،‏

ألف وداعٍ، ألف تحيَّةْ،‏

ألف وداعٍ، ألف تحيَّةْ،‏

روحي تطلبها الحريةْ.‏

روحي تطلبها الحرية‏

ـ 13 ـ‏

لا أدري كيف انشقَّ البيتُ وصرتُ بعيداً عن كلبٍ صهيونيّ يركض خلفي،‏

ورصاصٍ يدوي في أطراف الليل،‏

وزحفِ الموتِ يطوِّق دربي،‏

لا أدري كيف ولكن:‏

صار الدربُ ضياءً،‏

والظلمةُ طوقََ نجاةٍ وشعاعاً سينياً يهدي المدلِجَ،‏

يكشف دربَه، يصنع قلبَهْ.‏

صار الدربُ ضياء..‏

ـ 14 ـ‏

وبعيداً عن سطوة ” يهوه ”..‏

وقف الدربُ وأسلم قلبي للأفكار:‏

“ بيت العم بعيد جداً، يغرق في ليل من نار،‏

بيت الخال أشد جفاءً.. بعداً،‏

بيت الجد حديدٌ خلف حديدٍ.. سجنٌ للغايات مديد..‏

جوف نهاية.‏

بيت الأخ يدير الظهر لبيت الأخ،‏

فكيف أعانق روح الخلق هناك، ويحيا القلب، وتنمو النبتة في الأعماق، تصدح ألحانُ الحريةْ؟!.‏

عذراً يا ضوء الأحداقِ،‏

وعذراً يا صوت الأعماقِ،‏

وعذراً يا كلَّ الأطفالِ،‏

وعذراً يا...عذراً..‏

قلبي نذر للحرية..‏

عذراً.. عذرا..‏

ـ 15 ـ‏

يا كلَّ الأرض ويا كلَّ التاريخ،‏

هذا يوم للتاريخ..‏

صباح الخير.. مساء الخير،‏

القلب يعيش فراقاً بين الذلّ وبين العيش الحر.‏

صباح الخير.. صباح الخير... صباح الخير.‏

ضوء الخير يعم دروبي.‏

إني اخترت بريق شحوبي.‏

دربي يصعد للحرية.‏

ـ 16 ـ‏

سرت على قلبي دَهْرَين،‏

رمش العين صليل السيف،‏

نبض القلب هدير الرعد،‏

روحي وثبٌ فوق الوعد.‏

في كلّ مغارة أرض لغمٌ،‏

في الريح لهاث اللغمِ،‏

وفي الأعماق شعاع منارة.‏

من منَّا في هذا الليل يشنُّ الغارة،‏

قلبي أم لغمٌ صار القلب، وصرت ستارهْ ؟!‏

مَنْ "أنيَِ" في هذا الليل.. وما الأهداف المختارة ؟!‏

سؤال هدَّ الحيل وأرخى دربي مني.‏

وقف العزمُ وحيَّا الكونَ وصار بشارة،‏

قال القلب:‏

وحيداً جئتُ، وحيداً أذهبْ..‏

في الحالين العريُ رفيقُ الدرب..‏

صرخة صوتي الأول تدوي منذ اليوم الأول:‏

لا يسمعني إلاّي،‏

لا يعرفني إلاّي،‏

لا يرحمني إلاّي،‏

لا ينصفني إلاّي،‏

لا يدفنني إلاَّي.‏

ـ 17 ـ‏

أغفيتُ على حلُم أخضر،‏

أشرق صبحٌ بعد ثوانٍ،‏

صبحٌ ينطق،‏

يُصْدِرُ أمراً مثل بيان الشمس وأكثر،‏

وقتُ الناس شتاءٌ،‏

وقت القلب دماءٌ،‏

وقت الروح ضياءٌ،‏

وقت العهد وفاء..‏

أقدم .. أبشِر.‏

وتوضأنا الشمس، وصار الليل نهاراً،‏

وقتي ليلٌ، أسود من كحل العينين.‏

في الأفق الزاحف نحوي موتٌ يحمله الكلب إليّ،‏

وعلى مَدّ الزحف قرأت وليدي يزحف نحوي،‏

زرقاء يمامة..‏

إني أقرأ أرض تِهامة.‏

أقرأ. أقرأ ..أنظر.. أسعى.‏

أبدأ عداً عكسياً..‏

أخطف لون الأرضِ، أصير خلايا الأرض،‏

يمرَّ الركب قريباً مني،‏

لا يلمحني..‏

لا يعرفني..‏

لا يدركني،‏

لكن... يبحث عني،‏

يعرف أني الأرض، وأني...‏

يعرف أنَّ الأرض غدت سُكْنايَ،‏

وأنَّ الأرض مُنايَ،‏

وأنَّ الأرضَ: فؤادٌ.. عينٌ. .. روحٌ يسعى..‏

ينمو فيَّ وفي يمناي،‏

ويعرف أنَّيَ.. أنَيَ. ... أنّي ...‏

صَمَتَ الكون‏

كَمَدَ اللون‏

ودوّى الصوتُ دويَّ اليومِ الأوَّل،‏

يومَ ولدت..‏

ويوم أموت..‏

ويوم...‏

بيتي صار رماداً،‏

والأطفال حكايةْ.‏

رَتَّلْتُ: ".. الله أحد.."..‏

ذبتُ.. وذبتُ.. وذبتُ .. وذبتُ، وضج الكون يعيد رؤاي..‏

رأس وليدي يكرجُ ملءَ طريقي..‏

شِبْتُ.. وشِبْتُ.. وشِبْتُ،‏

ماتَ رفيقي،‏

ذبتُ.. وذبتُ.. وذبتُ،‏

وراحَ رحيقي.‏

طفلي ليلُ القوم،‏

طفلي قمر اليوم،‏

طفلي صار طريقي.‏

من ذا يسأل مثلي عما يعمل يوم يسير بدمِّ بنيه؟!‏

من ذا يسأل..؟!‏

قلبي صبحُ أشرق ثأراً..‏

صرت شهيداً يمشي،‏

يخرج من كفنٍ منشورٍ ملء الكون.. ويدوي،‏

يعلن أن الشعب الحي يعيشُ، ويولد مثل الطفل، ويصرخ،‏

يدوي صوته، يُعْلَنُ حيَّاً،‏

يخفت صوتُه يذوي موتاً، يشبع موتاً، لكن..‏

يُنفخ فيه، بفعل بنيه، فيُبْعَثُ حيَّا.‏

صرت شهيدَ الأرض، شهيدَ الشعب:‏

صوت كياني يعلن أن الشعبَ يعيشُ وأنه يُبْعَثُ حيَّا،‏

وأن الخوف يموت فيُبعث قلبُ الشعب نديَّا؛‏

قلت القول الفصلَ كحدِّ النصل:‏

شعب يعشق عيش العز لشعب تعشقه الحرية..‏

راحت أشلائي مثل دمائي،‏

تزرع في الأرض الحرية،‏

تعلن أن قنابل شعب مظلوم‏

قد تغدو يوماً بشرية.‏

قنابل شعبي بشرية،‏

تصنع ألوان الحرية،‏

قنابل شعبي بشرية.‏

دمشق في 27 / 3 / 1996 إلى 8 / 9 / 2002‏

* * * *‏

(1) الخيام: بلدة في جنوب لبنان كان العدو الصهيوني وعملاؤه يقيمون فيها معسكر اعتقال، وقد حررها حزب الله من الاحتلال.‏

(2) الشيخ راغب حرب شهيد الجنوب اغتاله الصهاينة المحتلون في جنوب لبنان.‏

(3) الحِنْت: سقف مدخل الدار، ويكون عادة قطعة واحدة من الحجر المنحوت.‏

(4) البَوّ: جلد يُحشى بالقش ويوضع للناقة عوضاً عن ولدها حتى تسلوه لكن...‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244