الغرباء مسرحية تأليف علي عقلة عرسان  من منشورات وزارة الثقافة  دمشق - 1975

الفصل الثاني

المنظر

الساحة نفسها بعد مدة طويلة من الزمن، تعود الاضاءة تدريجياً إلى الساحة كما تعود إليها الحياة تدريجياً لتربط ما كان في نهاية القسم الأول بما يتم الآن في بداية هذا القسم. الرصاص يرتفع على خلفية موسيقية مرافقة. ثم يأخذ صوته الدرجة الثانية في الأهمية ويبرز أمامنا في شبه الظلام المختار وأبو داود كل منهما يواجه الآخر عن بعد وبينهما هوة من الظلام غير محدودة.. والنور مركز على كل منهما بحيث يفصله فصلاً تاماً عن الآخر ويعمق هوة الظلام الدامية بينهما. والتي تنتشر فيها الجماجم البشرية.

المختار: غدرت بأبنائنا يا أبا داود، وقد حموك ضعيفاً وفتحوا لك بيوتهم وصدورهم، تنكرت للناس الذين وقفوا معك وقت الشدة.. لم يعذبوك في حين عذبك واضطهدك الآخرون ولم يطردوك في حين نبذتك الأرض.. غدرت بأبنائنا وخنت عهدهم.

أبو داود: لا أفهم لغة العواطف هذه يا مختار.. لقد مضى الوقت الذي كنت أستمع فيه لكلامك وأحبس في صدري ما أريد أن أقوله لك من كلام، جاء الوقت الآن لأتكلم صراحة لأعلن لك ما أريد: بيوتكم أخذتها بالقوة وأصبحت الحارة لي، ومن بقي فيها منكم هو الآن تحت تصرفي وطةع أوامري يعملون ما أريد، والساحة التي التقينا فيها يوم وصلت، والتي تراها الآن عن بعد أصبحت لنا وليس لكن فيها موطيء قدم.

المختار: وأهل الحارة، أصحاب البيوت؟.

أبو داود: أهل الحارة لم يبق لهم أرض ولا بيوت، نحن الآن أصحاب الملك.

المختار: هل يعقل أن يستضيفوكم في بيوتهم فتطردوهم منها؟.

أبو داود: إنها دواعي الأمن يا مختار.. ولا نستطيع أن نعيش معهم ونحن نخشاهم.

المختار: ولم لم تكن تخشاهم عندما كنت ضعيفاً فأووك وحموك.. اتغيرت أطماعك أم تغيروا هم؟‍‍!.

أبو داود: لم أكن وقته أطمع بشيء.. ولم يكن عندي شيء.. أما الآن.. فالأمر يختلف..

المختار: منطق غريب.. وأخلاق أغرب وكلام عجيب.

أبو داود: هذه هي لغة الواقع يا مختار.. حاول أن تفهمها وتكلم بها إن كنت تستطيع، أما لغة العواطف التي تسمعني إياها الآن، فأصارحك بأنني لا أفهمها.

المختار: أنا أتكلم لغة الحق.. ولم أتوقع أن أسمع منك ما تقول.

المختار: "بغضب" أتجرؤ على إهانتي؟.

أبو داود: تسألني هل أجرؤ؟ ألم تجرح أذنيك كلماتي! ألم نغرس السكاكين في صدور جماعتك؟! أتسألني بعد هذا إن كنت أجرؤ على إهانتك؟! "يضحك" أنت مضحك يا مختار.. مضحك.

المختار: يا أبا داود إن اللهجة التي تتحدث معي بها لا تعجبني.. وأنت تتباهى بنتائج غدرك وتتغطرس دون مبرر.. وكان الأحرى بك أن تخجل من نفسك ومن تصرفات جماعتك.

أبو داود: إنني سعيد يا مختار. سعيد بسماع نصائحك الأخلاقية وسأكون سعيداً دوماً لو بقيت تكرر على مسامعي هذه النصائح.

المختار: أنت وقح.

أبو داود: انتقلنا من النصائح إلى الشتائم. أنا أستطيع أن أتغاضى واسمح عنك لأنني أعرف كيف أتعامل معك. أما أبنائي.. فلا أظنهم سيسمحون لك؟.

المختار: تسمحون لي؟! من تظنون أنفسكم.. وبأية لهجة تحدثني أنت يا صعلوك.. من أنتم؟.

أبو داود: نحن اليوم  سادة هذا الساحة. هذا نحن يا مختار.. هذا هو من يكلمك الآن.

المختار: ولكنكم لن تستطيعوا الكلام.. ولا البقاء أحياء إذا ما قررنا نحن أهل القرية جميعاً خرجكم منها.. ولتعرف جيداً أنه إذا جد الجد فإن كل وجودكم يصفى في ساعات.

أبو داود: ما عليك إلا أن تحاول تنفيذ ذلك.. لتثبت أنه صحيح ولتجبرني على السكوت وإلى أن أنفذ ما تريد.. سأتكلم كما أشاء وأعمل ما أشاء..

المختار: أتبلغ بك الجرأة هذا الحد يا منافق؟ انظروا يا ناس. شحاذ أتى قريتنا ويريد أن يفرض وجوده فيها ويشتمنا.

أبو داود: آسف يامختار.. ليس لدي وقت أضيعه في الرد عليك أو حتى بالاستماع إليك.

"ينسحب أبو داود ويقع الضوء الذي كان عليه على مجموعة من الجماجم البشرية المعلقة.. على قوس يشبه قوس بوابة.. أو على شكل كومة.. تقع عين المشاهد على هذا المنظر فترة.. في الوقت الذي يتابع فيه المختار كلامه"..

المختار: يا ناس.. يا عالم.. يا أهل القرية.. تعالوا واسمعوا ما يدهشكم ويؤذيكم سماعه.. هذا النذل الغريب الذي آويناه وسمحنا لصعاليكه بالالتجاء إليه والاحتماء به. يتنك اليوم لكل خلق ولكل معروف وفضيلة ويهاجم أبناءنا فيقتل بعضهم.. ويذبح الأسر المسكينة الآمنة التي تشاركه السكنى في حارتنا.. ليأخذ بيوتهم ويتشدّق بأنه هو مالك الحارة.. وبأنه لن يتراجع عهن الساحة التي أخذها. إنه يتكلم اليوم لغة جديدة يسميها لغة الواقع ولغة القوة.. ويوجه لكم من خلالي الإهانات ويرفض أن يصغي لحقنا.. ماذا تقولون يا أبناء القرية.. أتصبرون على هذا؟! إنه لن يسمح لنا بدخول الساحة. وليس لنا فيها موطيء قدم كما قال.. ساحتنا التي تربينا فيها ولعب فيها صغاربنا وشبوا.. ساحتنا التي تعرفون حجارتها وترابها.. والتي لا أكاد أصدق ما سمعت.. ولا أكاد أصدق ما أراكم عليه الآن يا أهلي..

"ينار المكان الذي فيه المختار.. فتظهر ساحة صغيرة  غير الساحة الأولى التي كان فيها العراك ونرى رجالاً ونساء من أعما مختلفة بعضهم يحملون الصرر والأكياس على كتفه وبعضهم حفاة.. وقليل منهم يحملون الخناجر والسكاكين أو البنادق القديمة الطويلة. ويجلس على الأرض أشخاص جرحى وعاجزون وتحس بأن لسان الكآبة في هذه الساحة هو أقوى لسان وأن البؤس يخيم على كل شيء.. ونرى الناس في الساحة مجموعات متنافرة كل منهم يهتم بنفسه إلى حد كبير يمشي المختار بين الموجودين ويزداد ألمه حدة".

أهؤلاء أنتم.. هذا الضعف والهزال والتآكل.. هذه الكأبة والحزن.. إنني لا أسمع أصواتكم.. لقد  كنتم تتحدثون سابقاً وكنت أسمع آراءكم وكان فيكم من يعارض ومن يناقش ومن يطرح رأياً.. ما لكم لا أسمع منكم غير الأنات ولا أرى غير عدم الاكتراث تكلموا.. إنني أخاطبكم أنتم.. "يمسك كل شخص بيده ويتصاعد موقفه تدريجياً" أنت.. وأنت.. وأنت.. وأنت.. أنتم كلكم.. إنني أخاطبكم أناديكم.. يا أهل القرية "ينتهي إلى زاوية من الساحة يقف عندها ماهر وسعيد، ماهر بيد واحدة وسعيد يقف إلى جانبه وعندما يصل تكون حالته قد ساءت ونفسه ضاق وصوته بح.. ويتهالك على حجر إلى جابنهما".

المختار: من أنتما.

ماهر: ماهر وسعيد.. يامختار..

المختار: ماهر؟!. ماهر العوامرة؟.

ماهر: هو بنفسه..

المختار: أما قتلت أنت في الساحة يا ولدي؟.

ماهر: لا يا مختار ذهبت يدي فقط.

المختار: من الذي قتل منكم أنتم.. أنت ورفاقك.. لا أتذكرهم.. كنتم تتحدثون معي ثم تركتكم وبعدها حدث ما حدث، من الذي قتل في الساحة.. منكم؟.

ماهر: قتل خلق كثير بينهم وفيقنا علي..

المختار: علي.. نعم.. نعم.. علي الزير أذكره جيداً.. شاب كالوردة.. لم يتزوج.

ماهر: حظه أفضل من حظنا على كل حال.

سعيد: لا تقل هذا يا ماهر "ماهر يتابع".

ماهر: هو مات وارتاح أما نحن تشوهنا ووصلنا إلى هذه الساحة المؤلمة.. رأينا ما لم نكن نتخيل رؤيته.

المختار: أتتألم يا بني؟.

ماهر: لا يا مختار أتكلم من شدة الفرح..

المختار: لا تسخر مني يا بني.. أنا أتألم مثلك..

سعيد: لا تؤاخذه يا مختار.. أعصابه تعبة ولا يوجد شيء في الساحة يسر الخاطر.

ماهر: علي مات يا مختار.. وشباب كثيرون مثله وأحسن منه ماتوا وأنا قُطعت يدي.. كل هذا همه في كفه.. ومنعنا من الذهاب إلى حارتنا في كفه. بعد كل تلك الضحايا في الساحة نطرد من حارتنا ولا نستطيع أن نتغلب عليهم؟ شيء عجيب غريب.. لا أستطيع أن أفهمه أو أصدقه.. قرية.. قرية.. قرية كاملة.. تغلبها جماعة من الصعاليك؟ أين حدث مثل هذا في الدنيا كلها؟!.

سعيد: ماحدث عجيب.

ماهر: "مستمراً" والأدهى من ذلك.. أنهم يسخرون منا ويهزؤون بنا ولا نستطيع أن نرفع رؤوسنا.. أهذه قرية؟! قرية تستحق الحرق من أولها إلى آخرها "صمت" يا مختار.. جماعة أبي داود أخذت حارتنا وأخذت الساحة وقتلت منا الكثير وهي تسخر منا.. أتسمع.. أتسمع يا مختار أم أعيد ذلك مسامعك؟.

المختار: اسمع يا بني.. اسمع.. "فترة صمت يقطعها ماهر بعصبية واضحة".

ماهر: مختار.

المختار: نعم.

ماهر: أنت كذاب.

سعيد: "يزجره" ماهر؟.

المختار: أنا يا ماهر؟.

ماهر: نعم أنت يامختار.

سعيد: عيب يا ماهر.

المختار: "لسعيد" دعه "لماهر" لم يا بني؟.

ماهر: ألم تقل لنا إنهم مجموعة من الصعاليك لن يجرؤوا على الوقوف في وجه القرية، وإن القرية عندما تشاء.. تفعل بهم ما تريد "يصمت المختار" ألم تقل ذلك؟.

المختار: بلى يا بني.

ماهر: أين قريتك ومشيئتها الآن؟.

المختار: ما قلته صحيح يا بني.. إنهم لم يغلبوا القرية.

ماهر: أتسخر منا أيضاً يامختار؟ إنهم لم يغلبوا القرية؟! إلى متى ننكر الواقع يا مختار؟ ألم يأخذوا الحارة ويطردوا أهلها منها؟ أليست الساحة في أيديهم الان ولا يستطيع أحد منا أن يتخطاها إلى بيته؟ أليس هذا صحيحاً يا مختار.. فإلى متى نكابر ونكذب؟؟.

المختار: إنهم لم يغلبوا القرية يا ماهر.. القرية لم تشترك بما حدث في الساحة. كان الخلاف بيننا وبين فياض وأقاربه قائماً بشأن مصطفى، ويوسف وأهله رحلوا عن القرية، وكل واحد كان يقوم بعمله في الحقول باطمئنان ولا يتوقع أن يقوم الغرباء بحركتهم ضدكم في الساحة.. وعندما وقعت المعركة لم يشترك كل أهل القرية بما حدث. كان كل واحد منهم مهتماً بعمله وبعضهم اعتقد أن الخلاف بين فياض وبعض أقارب يوسف.. وجاء بعض أهل القرية إلى الساحة ليحجّزوا وليطفئوا الشر ويهدئوا الحال.. وهناك من لم يسمع بما حدث إلا بعد وقوعه. القرية لم تشترك يا بني.

ماهر: عجيب ما تقول يامختار.

المختار: القرية أخذت غدراً.

سعيد: نعم لقد غدرنا ونحن بالساحة.. هذا هو واقع. نحن لم نكن نتوقع من جماعة أبي داود أن يقاتلوا.. ولم نكن على حذر ولو كنا مستعدين لهم لما استطاعوا أن يفعلوا معنا شيئاً.

المختار: وما زال الغرباء لا يستطيعون الوقوف في وجه القرية يا ماهر.

ماهر: وكل هذه اللطمات التي نتلقاها منهم؟ أهي أحلام يا مختار؟.

المختار: ما أعرفه جيداً أن قوة القرية كبيرة وهم لا يصمدون لها.

ماهر: والله يامختار أنا لا أشبع من هذا الكلام.. إني أختبىء هنا في ظل هذا الجدار حتى لا يصطادني الغرباء من فوق أسطح منازلنا وأنا لا أجرؤ على اجتياز الساحة وعلى الوصول إلى بيتي، ويدي مقطوعة من الكتف.. هذه كلها حقائق.. هذا هو الصحيح يامختار.. أما ما عدا ذلك فكذب.. ولا تؤاخذني فيما أقول. "ينظر المختار إلى ماهر وسعيد اللذين ينظران إليه بدورهما.. تمر فترة صمت تسمع بعدها طلقات رصاص من خلف الجدار الذي يجلس بحواره ماهر. وبعد لحظة يدخل رجلان يحملان جريحاً يضعانه بجانب الجدار. جماهير الساحة لا تتحرك والجماعات التي تقف منها تبقى غير مبالية بما يحدث. يقترب ماهر من الأشخاص الذي يحملون الجريح ثم يتبعه سعيد".

ماهر: ماذا حدث له؟.

عز الدين: جريح أصابته رصاصة، ساعدونا برباط "يتحرك سعيد ليقدم إليهم ما يحتاجون إليه".

ماهر: أين جرح؟.

عز الدين: كنا نحاول اجتياز الساحة فأصابه الخنازير.

ماهر: ولم تجتازون الساحة؟!.

عز الدين: أهذا سؤال؟ نريد أن نذهب إلى بيوتنا. أين الرباط؟ الرجل ينزف.

ماهر: "ينادي" يا سعيد.

المختار: "يقترب منهم ويقدم لهم الحطة التي يضعها على رأسه" خذوا..  اربطوا جرحه "يأخذ عز الدين الحطة ثم يبدأ بربط الجرح ويجلس المختار إلى جانب الجريح" اترك. إنك لا تربطه بشكل جيد "يأخذ الرباط ويربط الجرح" جرحه بالغ "يأتي سعيد وهو يحمل قطعة من القماش يعطي القطعة للرجل".

سعيد: خذ.. لم أجد أفضل منها.

عز الدين: لا أريدها.. أعطني الماء "يناوله سعيد الماء.. فيقدمه للرجل، يأخذ المختار الاناء ويمسح وجه الجريح بعد أن يضعه على ركبته" أتستطيع أن نتركه عندكم حتى نعود؟

ماهر: إلى أين تذهبون؟.

عز الدين: سنعود إلى هناك.

ماهر: إلى الساحة؟.

عز الدين: نعم.. سنحاول لابد أن نعود إلى بيوتنا في الحارة.

ماهر: سأذهب معكم.

سعيد: تذهب؟.

ماهر: ما الذي يبقيني؟. بيتي هناك وأنا لست أفضل منهما "يشير للرجلين" وإذا كنا ثلاثة أفضل من أن نكون اثنين.

سعيد: ولكنك..

ماهر: بذراع واحدو؟! لا بأس هذا ما بقي لي.. "يرفع يده السليمة مخاطباً الرجلين" أتنفع هذه؟.. ألا يمكن أن تفيدكما بشيء؟!.

عز الدين: كل يد تفيد.. إذا كنت تريد المجيء فهذا حقك ونحن نرحب بك.

ماهر: لا تخشيا أن أكون عبئاً عليكما جُرحت في الساحة وقطعت يدي على أثر ذلك.. إن لي تجربة معهم.. ولابد أن تفيدني تلك التجربة.. "لسعيد" وداعاً.

سعيد: أتذهب حقاً؟!.

ماهر: نعم.

سعيد: ماهر.. لن يفيد ذلك.. أنت تعرف.

ماهر: ما أعرفه جيداً يا سعيد أن عيشي أصعب من مماتي، إن مجرد رؤية الناس في هذه الساحة وهم على هذا القدر من الضعف والبؤس وعدم الاكتراث هو تعذيب مستمر أهون منه الموت. ثم ماذا بقي لي في الدنيا؟!. إن الأيام التي قضيناها معاً في ظل هذا الجدار نختبيء من الموت.. لم تمنحنا الحياة حقاً.. لأن الحياة هي شيء آخر.. غير هذا الذي نحن فيه.

سعيد: ينطقك اليأس بما تقول..

ماهر: ليكن.

سعيد: ولكن هل لك أمل حقاً بما تذهب لإنجازه؟..

ماهر: إن أملي في إنجازه أكثر من المل الذي يمنحني إياه بقائي هنا.

عز الدين: "لسعيد" دعه يذهب معنا ما دام مصراً على ذلك؟! لم تخش عليه؟ إن بنات أبي داود في الجانب الآخر من الساحة يقاومننا كما يفعل الرجال.

سعيد: لا أقصد أن أخيفه أو أبث اليأس في نفسه.. ولكنني.

ماهر: "يقاطعه" أفهم عطفك علي.

سعيد: "بشيء من الغضب" متى تفهم إنني لا أعطف عليك بالشكل الذي تتصوره، متى تفهم ذلك؟ أنا أقصد أن ذهابكم جميعاً لاجتياز الساحة لن يكون مفيداً لأحد، لا لكم ولا لنا.

عز الدين: لأي سبب؟.

سعيد: لأنكم حتى لو احتزتم الساحة بنجاح فلن تتمكنوا من دخول الحارة وربما خسرتم حياتكم في مغامرة.. ولن يكون ذلك أكثر من خسارة جديدة.

عز الدين: وماذا في ذلك؟ دم يضاف إلى دم.

سعيد: "لماهر" أفهمت إذن.. إن اليأس هو الذي يتكلم.

ماهر: "لغز الدين" ماذا تقصدون بالضبط من الذهاب.

عز الدين: اشتقنا لبيوتنا ونريد أن نزورها أن نراها..

سعيد: هذه العواطف قد تكلفك حياتك.

عز الدين: "صارخاً في وجه سعيد" وما هي حياتي من غير هذه العواطف؟ هل أنشد لك الشعر؟ إنني أجيد ذلك.

سعيد: "يجلس على الأرض" إننا ندخل في حوار عقيم.

ماهر: أنا ذاهب.

سعيد: لا تذهب. إذا كنت تعزني فلا تذهب.. وأنتما أيضاً ابقيا إلى جانب زميلكما وساعداه في مصابه. هذا أفضل..

ماهر: "ينظر إلى عز الدين ثم ينظران كلاهما إلى الرجل الآخر الواقف بقربهما والذي بقي صامتاً طوال هذا الحوار.. فيبادلهما نظرة تعبر عن الاشمئزاز والغضب".

جهاد: "لعز الدين" هل أعجبك نموذج الجبن هذا الذي تراه؟ ابق معهم إذا شئت "يسير خارجاً من المكان".

عز الدين: جهاد.. جهاد.. "لا يرد جهاد ويتابع سيره فيتبعه عزالدين ثم ماهر".

سعيد: "ينطر إليهم بصمت ثم يحدق إلى الأرض ونشاهد جسمه يهتز بعنف تمر فترة صمت ثقيلة يقطعها المختار".

المختار: "دون أن يلتفت لسعيد" هل ذهبوا؟ "سعيد لا يجيب فيلتفت المختار إليه" سعيد.

سعيد: "دون أن ينظر للمختار" نعم.

المختار: ما الذي أصابك؟.

سعيد: "يتكلم بألم وهو يكاد يبكي" لست جباناً يامختار.. لست جباناً. كان بإمكاني أن أذهب معهم إلى الحارة. ولكن ماذا نفعل هناك وماذا ستكون النتيجة؟! ليس المهم أن نذهب.. ولكن المهم ما سنحققه.. النتيجة التي نحصل عليها.. "المختار لا يهتم لقول سعيد" ألست على حق يا مختار.. "يقترب منه" ألست على حق؟ أجبني يا مختار.. ماذا سيفعلون وهم ثلاثة مع جماعة أبي داود؟! هل سيهزمونهم؟ إن الغرباء هزموا القرية كلها..

المختار: "يقاطعه بغضب" لم يهزموا القرية.. قلت لكم لم يهزموا القرية.

سعيد: "يصرخ" هزموها.. هزموها.. هزموها يا مختار.. ألا تريد أن تصدق؟.

المختار: لا.. أبداً.. القرية لم تنهزم. القرية لم تشترك في واقعة.. القرية قوية وإذا وقفت في وجوههم فلن يصمد هؤلاء الفئران لها أبداً.

سعيد: انظر يامختار.. انظر إلى القرية القوية التي تتحدث عنها.. ماذا ترى حولك؟ مجموعات صغيرة من البشر تجتر بؤسها وكآبتها؟! ماذا ينتظر منها؟.

المختار: ولماذا تسألني.. لماذا تلح في سؤالك؟! تريد أن تأخذ مني رداً يبارك بقاءك إلى جانبي.

سعيد: ماذا تقصد؟ أتتهمني بالجبن يا مختار؟. ليست الشجاعة أن أذهب لأموت كالشاة دون فائدة.

المختار: وليست الشجاعة أن تنوح إلى جانبي كالأرملة.. فكر بشيء تفعله.

سعيد: تتهمني يا مختار "صمت.. سعيد يمشي مبتعداً عن المختار" لو لم يذهبوا لكنا أربعة، لعملنا شيئاً، لفكرنا معاً على الأقل، ولكنهم ذهبوا الآن وبقيت وحدي. ولا أعرف متى يعودون.. هذا إن عادوا.

المختار: لا تنعق كالبومة اذهب بعيداً عني.

سعيد: اتطردني يا مختار.

المختار: لم أعرف شباباً من هذا النوع في هذه القرية، ولا أريد أن أعرف.

سعيد: إنك تقسو علي يا مختار.. لقد قاتلت جماعة أبي داود مع ماهر وعلي في ساحة القرية.

المختار: وكانت النتيجة أن ذهبت الساحة.

سعيد: "يكتم غيظه فلا يستطيع" ما ذنبنا إذا كانت جماعة أبي داود كلها في الساحة وأنتم غائبون منها.. لقد قاومناهم بشجاعة.

المختار: هذا واضح.. ما شاء الله.. ما شاء الله.

سعيد: "وقد  استفزه المختار.. وجرح شعوره، ينهض ويتقدم منه ويهز كتفه بينما يتكلم بانفعال وعصبية" ماذا تقصد هه؟! ماذا تقصد؟ أنا بذلت جهدي، لم أهرب من الساحة دون مبرر، لم نكن متهيئين، وفاجأنا الغرباء ومعهم سلاح.. ونحن لم يكن أمامنا إلا حجارة الساحة والمحظوظ منا وجد سكيناً أو عصا.. لا يمكنك أن تتهمني بشيء.

المختار: "بسخرية" أنا لا أتهمك يا بني. أنا ألوم علي الزير فقد كان جباناً رحمه الله.

سعيد: "سعيد وقد صدمه جواب المختار يجلس على الأرض ويأخذ بالبكاء وفي الوقت نفسه تقريباً نسمع طلقات الرصاص من خارج الساحة. ينهض سعيد بسرعة ينظر إلى الجموع المتفرقة في الساحة ثم يركض بينهم كالمجنون بينما صوت الرصاص يزداد قرباً وشدة" الرصاص أتسمعون؟ ماهر وعز الدين وجهاد.. الرصاص "يركض" الغرباء يطلقون الرصاص على رفاقنا! أتسمعون.. رصاص؟! ماهر بيد واحدة ولا يستطيع المقاومة. أتسمعون؟ أجيبوني على الأقل، قولوا كلمة. إنكم تنظرون في وجهي كالبلهاء ألا تفهمون ما أقول؟ الغرباء يقتلون رفاقنا وسوف يأتي دوركم، يا أهل القرية يا ناس "يقترب إطلاق الرصاص ويشتد وسعيد يدور في المكان بين المجموعات.. يدخل ماهر جريحاً ويسقط عند قدمي سعيد الذي ينحني عليه" ماهر.. ماهر.

ماهر: لا فائدة.. سأموت يا سعيد.. سأموت دون أن أصل إلى الحارة.. بيتنا يا سعيد.. بيتنا "يرفع يده كأنما يريد أن يأخذ شيئاً أو يقبض على شيء" سعيد.. سعيد "يسقط ميتاطص وفي اللحظة نفسها يدخل الساحة، ومن أكثر جوانبها، الغرباء جماعة أبي داود بأسلحتهم، فيفاجأ بهم سعيد يركض باتجاه المختار الذي يحتضن الجريح يبدأ إطلاق الرصاص وتعم الفوضى المكان صرخات ومجموعات من الناس تتحرك بذعر وتهرب من المكان.. شبه ظلام بالحلول فوق المكان نلمح بشكل خاطف سعيداً".

سعيد: اهرب يامختار.. الغرباء يقتحمون المكان "لا نسمع رداً من المختار ولا نراه.. يعم الظلام ويستمر إطلاق الرصاص وعندما يعود  الضوء نرى بعض الأمتعة والأشياء المتعددة مما يعقب خراباً كبيراً ونرى القسم الأعظم من المكان وقد تمركز فيه الغرباء- جماعة أبي داود- ولا تظهر إلا متاريسهم، أما الجزء المتبقي من المكان وهو جزء بسيط فتراه مع امتداد جزء جديد لم نره بعد. فيه بعض الأزقة والبيوت ونرى جمهرة من أهل القرية وكأنهم كتلة من السواد ولا يسمع من هذا الجمع الكئيب إلا صوت عويل جماعي متصل يتخافت شيئاً فشيئاً إلى أن يصبح أنات ألم وتكون الجماعة المتراصة خلال هذه الفترة قد بدأت بالتفرق البسيط شيئاً فشيئاً إلى مجموعات تجثو على الأرض وبقي في منتصف مكان التجمع المختار متصباً كشبح، وتتضاءل أهمية المجموعات الأخرى بحيث يتركز الانتباه على هذا الشيخ الذي يلفه الفجر، ويتبين المشاهد المختار ويوسف الذي كان قد رحل عن القرية يواجهه".

يوسف: أرأيتم يامختار.. أرأيتم النييجة؟ عندما كنت أحذركم من جماعة أبي داود اتخذتموني عدواً، الآن تمتعوا بنتائج استقبالكم لهم وعطفكم عليهم. تمتعوا الآن برؤية بيوتنا بين أيديهم، وبقتلانا يملؤون الساحة ولا يوجد من يدفنهم. هذا هو الغريب يرد لنا المعروف.

المختار: كفّ عن اللوم يا يوسف! لم نتخذك عدواً لنا ولا مجال لهذا الكلام الآن.

يوسف: عندما قلت إنهم مجرمون وإنهم سيخلقون لنا المتاعب كنتم تقولون لي: ليس هذا الكلام مجال الان.. انظروا ما حل بنا اليوم. لم يكتفوا ببيت ولا بحارة.. إن أطماعهم أكثر بكثير من حارة واثنين وأربع في قريبتنا. كنت تقول يا مختار نحن قرية فهل يقفون بوجه قرية، سنخرجهم من قريتنا إذا شعرنا بأذاهم؟! أنظر الأن يامختار ألا ترى أنهم سيخرجوننا من القرية؟! استيقظ يا مختار استيقظوا يا ناس.

المختار: بالله يا يوسف، لا تزد همنا هماً. لم يترك الألم مكاناً في نفوسنا إلا غزاه وآذاه. ولن يفيدنا تذكيرك بالماضي شيئاً.

يوسف: أنتم سلمتموه مفاتيح القرية وسمحتم له باستقبال الغرباء في بيوتنا.

المختار: يم نسمح له بشيء. لقد تسلل هو وإياهم كالطاعون لم ند كيف دخل واستقر وأخرجنا.

يوسف: قلت لكم هؤلاء مجرمون يهربون من وجه العدالة في كل أنحاء العالم ويلجأون إلى هنا.. قلتم لا. قلت لكم إن نساءهم يفسدن شبابنا قلتم لا. وقلت إنهم سيخرجوننا من بيوتنا ويأخذون حارتنا وإن أهل القرية أينما كانت بيوتهم مهددون، فلم يصغ إلي أحد وكأنني كنت أغني في طاحون. أنا لم أقتل مصطفى يا مختار.. ولا أعرف حتى هذه اللحظة من قتله. ولكنني أعرف الذي استفاد من خلافي معه، وأعرف من يسكن الآن بيتي وبيت مصطفى وبيت فياض الذي غرر به. يا للعار! يا للعار! ماذا أقول غير هذا، وأي الكلمات تشفي ما بصدري؟ تهت على الدروب بين خلق الله أنا وأهلي مبعداً عنكم وعن بيتي، لأترك المجرمين ينعمون بتعتبي وتعب أجدادي ويرتاحون على حساب شقائي.. من كان سبب ذلك يا مختار؟ ألم تكن أنت وأهل القرية ممن ناصروك؟!.

المختار: "باستنكار" أنا يوسف؟!

يوسف: نعم أنت يا مختار! أنت الذي اسكتنا وعندما طفح بي الكيل وشعر أبو داود بأنني سأخلق لهم المتاعب وجدت نفسي متهماً بقتل جاري ووجدت نفسي وحدياً أمام الاتهام القاسي.. الاتهام الباطل الذي سكتم عليه، ثم طلبتم مني أن أرحل، أنت الذي طلبت مني أن أرحل.. أنت تتحمل المسؤولية فيما حدث لي وفيما حدث للقرية.

المختار: يايوسف.

يوسف: نعم.. أنت المسؤول عن ضياع الحارة وعن الساحة الأولى والثانية وعن كل القتلى الذين سقطوا.

المختار: اسكت.. اسكت..

يوسف: لا تهرب من مواجهة المسؤولية يا مختار.. أنت المسؤول وأنت الذي ينبغي أن يتحمل النتائج.

المختار: ليست مسؤولاً.. إلا بالقدر الذي أملك فيه القدرة على تصريف الأمور..

أنا لم أوافق ولكنني سكت.. أنا مختار حارة بسيط يا يوسف.. وفي القرية عشرات المخاتير..  ويكاد يكون كل واحد منكم مختاراً. ماذا بيدي؟ أنا لا أملك أمر القرية.. وإنما أنا مختار حارة فيها وليس عندي خزائن الأرض وليست ساحراً. أنا أتصرف بما تمليه علي تجربتي وإخلاصي لكم وللقرية. قد أخطىء ولكنني لست خائناً يا يوسف.

يوسف: أنتم دائماً تواجهوننا بهذه الكلمات كي تضطرونا إلى السكوت.. ولكنني لن أسكت هذه المرة.. أنا أحملك المسؤولية أنت لأنك تختلف عن بقية مخاتير القرية ولهذا السبب وحده أخاطبك. ولهذا السبب بقيت مختاراً لنا، في حين تغير الآخرون مراراً. أنت مسؤول وعليك أن  تواجه الواقع والحقيقة.

المختار: "يقاطعه" يا يوسف.

يوسف: لا بد أن أقول ما عندي يا مختار.. لقد طردتموني من القرية كي لا ندافع عنها، وحتى يسهل على الغرباء أخذها.

المختار: أخجل من نفسك. اخجل يا يوسف..

يوسف: أنا الذي علي أن أخجل آخر المطاف؟ أنا؟! والله قلبت الأمور في هذه الدنيا.

المختار: أمن أجل هذا جئت؟

يوسف: لا.. ولكن.. فلنتنصارح جيداً إذا أردنا أن نضع أيدينا على الجرح ونسير معاً.

المختار: هل تدعي أنك على البعد تعرف الجرح أكثر منا نحن الذين نعيشه كل يوم؟.

المختار: هذه عادتنا نحن أبناء هذه القرية.. نهلل للغريب ونسخر من بعضنا.. نفتح قلوبنا للأجنبي، ونغلقها في وجه ابن البلد ونبرر ذلك بألف عذر وألف سبب. أحقاً إنني لا أشعر بالجرح ولا أرى حتى ما هو أمامي؟ انظر حولك يا مختار.. فماذا ترى؟! أشباح قوم يهجعون دون حراك ولا يتعالى منهم إلا نحيبهم ولا يجيدون إلا النحيب.. أهذا هو الشعور بالجرح حقيقة؟! الحيوان يستطيع أن يصرخ ولكن ما لا يملكه الحيوان ونملكه نحن.. فإننا لا نستطيع أن نستعمله "وهو يشير بيده إلى رأسه" أين القرية التي كنت تعتز بقوة أهلها يا مختار.. أين هي؟؟

المختار: القرية موجودة.. ولكن مخاتيرها..

يوسف: لا يلق الوم أحدكم على الآخر.. أنت تتكلم عن قرية قوية وعظيمة.. أين هي؟!

المختار: موجودة.. القرية لم تمت وما زلنا نقف على ترابها وبين أناسها القرية لم تمت.. وإذا كنت تحب أن تلعب دور الغراب فابحث عن مكان غير هذا. إن القرية حقيقة واقعة من حولك. إنها هذه المجموعة الهاجعة وما علينا إلا أن نعرف كيف نحركها ونستثير قوتها ونخوتها ونجمع كلمة أهلها.

يوسف: كل هذه النكبات ولم يشعر أهل القرية بعد.. بأن عليهم أن يتحركوا ويجمعوا كلمتهم؟!.

المختار: الذنب ليس ذنبهم. إنه ذنبنا نحن.

يوسف: نحن؟ من نحن؟!

المختار: أنا وأنت وأمثالنا.

يوسف: لا.. أنا لا.. وبالمناسبة لا تقل "نحن" يا مختار. إنكم لا تتذكرون "نحن" إلا عندما تحل المصائب. أما في أوقات الرخاء فتبرز "أنا" فوق كل اعتبار. قل لي لماذا يكون الذنب ذنبي أنا مثلاً.. ألم أقم بما علي.. ألم يسكتني الجميع عندما تكلمت؟

المختار: إننا بأسلوبنا في الحديث نفرقهم ونفتت عزائمهم بدل أن نبعث فيهم القوة.

يوسف: لم أفهم ما ترمي إليه.

المختار: عندما يسمعون مهاتراتنا يفقدون أملهم فينا وثقتهم في أن ينهض واحد من بينهم يحقق أمالهم.. عندما يسمعوننا نتراشق التهم يشعرون بأن طريق الوفاق بيننا مسدودة وهكذا يبقى كل امرىء في بيته ولا يخرج منه. حتى لو أيقن بوقوع مصيبة فإنه يفضل أن يتلقاها منفرداً لقناعته بأنه وحيد في الساحة وأن الذين بجانبه لا يهمهم إلا أنفسهم.

يوسف: هذا شعور مهلك.

المختار: بدأت تفهمني.. هذا ما ضيع القرية وبدد قوتها. إن القرية موجودة وقوتها موجودة ولكن كيف تستثيرها كقوة جماعية، كقوة قرية تدفع عن كل بيوتها الخطر مرة واحدة، لا كقوة أفراد منها يدفعون الخطركل عن بيته ونفسه.

يوسف: نعم.. هذا هو الموضوع.

المختار: وهذا ما أدعوك للقيام به معي. لنبخث معاً، لنفتش وسيلة. الناس لديها الاستعداد ولديها القوة.. ولكنها تريد أن تثق وتريد تطمئن وتريد أن ترى مواقف جدية. ثق يا يوسف أن الخير كل الخير ما زال كامناً في هذه المجموعة الهاجعة من حولي والتي يكللها السواد ويأكلها الأسى. فهل نستطيع أن نحرك قدرتها على العطاء ونثير في كل فرد من أفرادها الاحساس بالخطر الذي يداهم زميله كأنما يداهمه هو؟ هل نستطيع؟ إن قريتنا كريمة وأهلها هم أولئك الذين نعرفهم أبناء أجدادنا القدامى.

يوسف: أخشى أن تكون قد تقطعت بيننا وبين أولئك الأجداد أواصر القبى وباعد بيننا وبينهم الزمن.

المختار: لا يا يوسف.. لا أشاركك الرأي تعال نجرب ونتأكد.

يوسف: ماذا ستفعل؟

المختار: سنسأل الجموع فئة وهيئة هيئة.. نتعرف على رأي أفرادها.

يوسف: بالذي حدث؟!

المختار: لا.. لا أريد أن نتكلم فيما حدث.. ما كان كان.. ولن نرجع عقارب الساعة إلى الوراء.. نريد أن نتعرف على رأيهم في أمر استرداد ما أخذه الغرباء منا..

يوسف: سيوافقون.. أنا أقول لك ذلك عنهم.. سيوافقون.

المختار: إن لهذه الرغبة ثمناً.. فهل هم على استعداد لدفعه.. يجب أن يعرفوا هذا ونعرف ردهم عليه.. تعال نسألهم..

يوسف: أنا معك.. "يسيران حتى يصلا إلى جماعة من الناس ترافق سيرهما بين المجموعات موسيقا يتجلى فيها أمل خفي يداعب النفوس".

المختار: السلام عليكم.

الشاب: وعليكم السلام.

المختار: أنا مختار حارة في القرية.. وقد أتيت أسألكم سؤالاً.

الشاب: تفضل يا مختار..

المختار: ما رأيكم في أن نهاجم الغرباء لنسترد منهم ما أخذوا منا.

الشاب: أتسخر منا يا مختار؟.

المختار: أسخر..معاذ الله.. إنني جاد فيما أقول..

الشاب: وهل نستطيع نحن أن نهاجم الغرباء؟. نحن إذا صمدنا لهم فيما تبقى من القرية نكون قد حققنا معجزة.

المختار: إذا تعاونا كلنا.. كل أهالي القرية. فإننا نستطيع.

الشاب: هذا موال قديم يا مختار.. من كثرة ما ردده المطربون لم يعد يطرب أحداً.. وإذا كنت مصراً على أن تغنيه.. فغنِّه لغيرنا من فضلك..

المختار: ينبغي ألا تفقد الأمل.

الشاب: نحن فقدنا كل أمل.. وأصبحت لدينا قناعة بأن جماعة أبي داود لا تقهر.. وبأن علينا أن ننظر إلى هذا الأمر كحقيقة واقعة..

يوسف: "للمختار" أتسمع.. هذا هو الرصيد..

المختار: "للشاب" أتؤمن حقاً بما تقول؟

الشاب: أنا أؤمن بما أرى.. وقد رأيت هذه الحقيقة في الساحة.. وأراها كل يوم.. إنا نتلقى الضربة على رؤوسنا من جماعة أبي داود.. ونسكت، ومع ذلك لا نخلص من شرهم. فكيف تريدنا أن نصفعهم يا مختار؟ ليتركونا بحالنا.. وكفى..

المختار: حتى لو تركناهم.. فهم لن يتركونا.. إنهم يطمعون بالأرض التي نقف عليها.. فهل نتركهم يأخذونها؟. "الشاب لا يجيب" هذا الأمر أصبح حقيقة يا بني.. إنهم يطمعون بالمزيد.. وإذا لم نهاجمهم هاجمونا..

الشاب: يقولون العكس..

المختار: ويفعلون عكس ما يقولون.. أتذكرون المرات السابقة؟.

الشاب: لا نستطيعى أن تفعل شيئاً.

المختار: أنا واثق من قدراتنا إذا اجتمع أهل القرية..

الشاب: ألم يسبق لك أن وثقت بشخص وخاب أملك فيه؟.

المختار: نعم.. حدث هذا.

الشاب: وكيف كان شعورك؟.

المختار: مريراً.

الشاب: وإذا تكرر ذلك مراراً ومع عدد من الأشخاص.. فلماذا يحل بك؟.

المختار: "وقد أدرك مرماه" ماذا تقصد؟

الشاب: "يجلس" شبعنا يا مختار.. شبعنا. "يوسف والمختار ينظر كل منهما للآخر.. ثم ينسحبان ويسيران بصمت تمر لحظة يقطعها يوسف بقوله".

يوسف: ما رأيك يا مختار؟ "المختار لا يجيب" أمازلت تؤمن بقدرة القرية ورغبتها في القتال؟.

المختار: نعم.

يوسف: وكيف لمست ذلك؟.

المختار: إنه موجود.. لا يمكن أن يكون أبناء القرية إلا أحفاداً لأسلافهم.

يوسف: هذه أفكار تبعث الأمل ولكنها لسيت حقائق. الناس ليسوا على استعداد لأن يبتعلوا غصة أخرى.

المختار: إنك لا تفتأ توجه لي الكلمات القاسية.. هل أنا عدوك وعدوهم؟ إنني أحمل من الآلام ما تحملون وأكثر.. ويهمني مصير القرية وأهلها كما يهمكم.. فكيف تبيحون لأنفسكم أن تخاطبوني بهذه اللهجة.. وتوجهوا إلي مثل هذا الكلام؟.

يوسف: لم أقصد أن أجرح شعورك يا مختار.. إنما قصدت أن أفتح بصرك على الواقع الجديد..

المختار: كل ماتشاهده على الناس ليس إلا غشاوة من البؤس والكآبة.. وأقل بارقة أمل كفيلة بأن تعيد إليهم الثقة وتعيدهم إلى طبيعتهم وقوتهم.. أهل بلدي وأنا أعرفهم عاشرتهم صغيراً وربيت صغارهم.

يوسف: أتمنى ألا يخيب ظنك.. فيهم يا مختار.. أنا عائد من حيث جئت.

المختار: ماذا؟ أتذهب وقت الحاجة إليك؟.

يوسف: ألم تتركوني أذهب وقت حاجتي إليكم.. واحدة بواحدة يامختار؟!!.

المختار: تتصور أنك على حق.. وتظن أنك أرحت ضميرك وقمت بما عليك تجاه القرية وأهلها.

يوسف: لا يستطيع أحد أن يطلب مني أكثر مما قدمت.. بعد الذي سلفه الناس عندي.. ومع ذلك فإذا وجدت من يدي استعداده لمقاتلة الغرباء فأنا معه.. بل قبله.. أما إذا رضوا بما هم فيه.. واستطابوا الماء الذي يشربونه.. فأنا أستطيب ماء آخر وعيشاً آخر.. ولا أستمرىء البقاء ورؤية ما يؤذيني لك يوم..

المختار: أتشعر حقاً بأنك قادر على تنفيذ ما تقول؟.

يوسف: طبعاً.. "صمت طويل" ألم أقم بواجبي يامختار؟.

المختار: كنت أظن أن على كل منا أن يدافع عن القرية عندما تتعرض هي وأهلها للاهانة والذل.. وإنه يكون قد أدى واجبه كما ينبغي عندما يرفع الاهانة والذل عنها أو يموت دون ذلك.. لا أتصور أن واجبنا هو أقل أو أكثر مما ذكرت.

يوسف: تطلب مني أن أموت في سبيل غلطة ارتكبها غيري وفي سبيل أناس لا يهتمون بما يحدث لهم.. يسكنون الأزقة.. ويتلفظون بأكبر الكلمات وأغلظها، إذا ما طلب منهم أحد أن يحترموا أنفسهم!.. ماذا سمعت أنت. وأنت المختار من شباب قريتك، ألم يكن ردهم إهانة لك ولهم وللقرية؟.

المختار: بلى.. وكان إهانة حتى لموتى هذه القرية وتاريخها.. ولكن هل تكون مواقفنا مجرد رد انفعالي على مواقف الجهال وأقوالهم، أنترك جاهلاً فيها وضع قدمه حيث كان ينبغي أن يضع فمه؟ أهذا هو الرد الذي نقدمه على صفاقة الغرباء وعطرستهم؟! إذا كان هذا هو ردنا.. فإننا بذلك نقدم أكبر خدمةلأبي داود وجماعته.. ونهيء لهم الظروف المناسبة ليأخذوا المكان الذي نحن فيه.. لا.. لا أريد أن أصدق يا يوسف أن هذه هي الحصيلة التي عدت بها من نفيك ومعاشرتك الناس بعيداً عنا وعن تجربتك في محنة قريتك؟! دعني لاأصدق ذلك.. لا تخذلني يا يوسف.. أريد أحداً يقف معي.. وعندما نصبح اثنين نطمح إلى أن نصبح ثلاثة ونطمح إلى أن نصبح القرية كلها لا.. لا تدفعني لأن أفقد الأمل "صمت" أجبني يا يوسف.. قل كلمة.

يوسف: ماذا أقول يامختار؟.

المختار: لا أريد أن أملي عليك رأياً ولا موقفاً.. فكر كما تشاء وتصرف كما تشاء.. إنني أثق بأصلك.. وأعرف أهلك كلهم.. " تمر فترة صمت.. يظهر خلالها الانفعال الشديد على يوسف.. ويتناول قطعة خشب أو قضيب أو أي شيء يمكن أن يكون على الأرض ويضغط عليه حتى يكسره.. ثم يلقيه بعيداً.. ويعود للمختار.. وقد بدا عليه التأثر الشديد".

يوسف: أنا معك يا مختار.. أتصرف كما تريد.. لن أرحل ولن أتخلى.. أعذرني، لم أستطع السكوت بعد أن رأيت كل الركود يخيم على القرية بعد ما حل بنا، إنني أخجل من ذلك يا مختار.. أخجل منكم.. ومن نفسي.. ولا أجرؤ على مقابلة الناس بوجه مغلوب يجلله الخزي والعار.. لقد هربت من الأماكن التي كنت فيها لأتجنب وجوههم وأسئلتهم ونظراتهم التي كانت تضع مخرزاً في عيني وتقول لي: جبان.. ضعيف، لا نريد رحمة العالم يا مختار بل نريد احترامه.. والاحترام يفرض ولا يستجدى. "يركع عند قدمي المختار" افهمني يامختار.. بقي كل شيء يخصني في حارتنا كما هو.. وأشعر أنني مدفون هناك.. لقد أخذ الغرباء داري وأسراري وذكريات صباي وتاريخ أبي وأهلي وبؤت فوق ذلك بعداوتكم، وكره واحتقار بعضكم لي.. كيف تريد أن أكون بعد ذلك يامختار.. أليس رحمة وفضلاً كبيراً أنني أعيش.. وأنني عاقل، وأنني تحت تصرفكم الآن لأقدم لقريتي ولأهلها حياتي ودمي. أطلب مني ما تريد.. إن أبي وجدي وأهلي لم يبخلوا على القرية بشيء.. وأنت تعرفهم.. لن أوسخ اسمهم ولا صورتهم لديك.. لن أصمهم بالعار. قل لي ماذا أفعل.. ولا تتركني هكذا.. يأكلني الانتظار..

المختار: "يربت على كتفه بيده".

بلادي وإن جارت علي عزيزة

 

وأهلي وإن ضنوا علي كرام

أليس من أهلك ذاك الذي قال هذا القول "يربت على كتفه" سلمت يا يوسف لم أكن أتوقع منك إلا ما أنت عليه الآن. وكل أهل القرية مثلك  ولا تغرنك القشرة التي تسترهم.. إخواننا وأقاربنا.. نعرفهم جيداً.. عشنا معهم العمر ولنا معاً تاريخ ومواقع وآلام وأفراح.. فكيف يمكن أن يتغيروا.. إنني أعرف جذورهم، جذور كريمة. وعندما نهزها من الداخل نعرف تماسك وقوة ومعدن الشجرة التي نحن منها.. لنبحث عن الجذور ولنهزها بعنف وسترى الحقيقة..

يوسف: أواثق أنت يامختار..

المختار: كل الثقة.. فلنتفق على البداية..

يوسف: نحن متفقان.

المختار: يدك "يمد يوسف يده للمختار.. فينهض وهو زال يمسك بيد يوسف" إنني أعتمد على ذراعك لأنهض.

يوسف: وأنا أشعر بأن قبضتك تبعث في القوة.

المختار: الآن.. نستطيع أن تمر على تجمعات الناس في أحياء القرية جماعة جماعة ونطرق الأبواب باباً باباً إذا استدعى الأمر.

يوسف: إننا نختلف في الوسيلة.

المختار: ماذا ترى؟.

يوسف: اتفقنا على أن نتجه إلى جذور الشجرة فنهزها هزاً عنيفاً.. والأجدى أن نقصد الجذور بعمل قوي.. أما إذا دخلنا في جدل مع مخاتير الحارات فلن نصل إلى نتيجة..
المختار: لم أفهم قصدك بعد..

يوسف: صوت الرصاص أقوى وأبلغ تأثيراً من الكلام.. أليس من حارتكم ذاك الذي قال:

السيف أصدق أنباء من الكتب

"المختار بصمت" ما بك؟.

المختار: لن يكون مثل هذا العمل لعبة هذه المرة..والناس لا يحتملون غصة جديدة. ألم تقل ذلك أنت؟ لا مجال للعبث مطلقاً.

يوسف: ومن قال لك إنني أريد أن أعبث.

المختار: جماعة أبي داود قوة يحسب حسابها وقد تركوا في الناس أثراً مرعباً.

يوسف: أعرف ذلك.

المختار: ولهم من يساعدهم في قرى أخرى.. ومخفر المنطقة يقدم لهم المساعدة ويقف..

يوسف: "يقاطعه" كل هذا أعرفه جيداً..

المختار: من هذه الاعتبارات يجب أن نتحرك.. ولذا فنحن بحاجة لقوة القرية وتضامنها قبل القيام بأي عمل حتى تضمن النتائج.

يوسف: لن ندخل في حكاية البيضة والدجاجة يامختار.. فلنقم بعمل قوي جاد ضد الغرباء ولنفجر عند جذع شجرتنا المباركة الدم والبارود.. عندئذ تهتز وتنتعش في آن معاً "صمت" مالك لا تجيب؟.

المختار: أخشى أن نقدم ضحايانا عبثاً.

يوسف: "بحدة" مختار.. لا تلعب بي.. هذا ما طلبته أنت أعرضه عليك.. حتى إذا عرضته أنا رفضته.. إنك تحيرني. كأنك لست واثقاً من أهل القرية.

المختار: "يبدو عليه شيء من الارتباك" لم أقصد يا يوسف.

يوسف: ماذا يا مختار.. أوضح لأفهمك جيداً.. إنني لا أكاد أتبينك الآن.

المختار: أخشى أن يتحركوا بعد فوات الأوان ونخسر هذه المرة.. وإذا خسرنا فقد نضيع الأمل في أن نكسب يوماً من الأيام.. الموقف دقيق.

يوسف: نهيء لعملنا كل الأسباب الممكنة النجاح.. أما التردد فداء مهلك.

المختار: ولكن.. "يفرط يديه" لا أدري ماذا أقول..

يوسف: لا تدفعني إلى أن أفقد ثقتي بك يا مختار..

المختار:؛ وكيف ترى أن نتصرف؟.

يوسف: نستعد لهم ونضرب ضربتنا.. فقد نسترد الساحة الأخيرة على الأقل إذا لم ننجح في استرداد الحارة كلها..

المختار: وقد لا ننجح في إحراز شيء.

يوسف: ليكن.. المهم أن نحاول ونفتح الطريق للمحاولة..

المختار: وما الفائدة إذا لم ننجح، لم المحاولة؟.

يوسف: إذا لم نحقق نجاحاً فقد نهز جذور الشجرة بعنف من الأعماق.. وهذا بحد ذاته هدف كبير.. ألسنا بأمس الحاجة إلى ذلك؟.

المختار: نعم.. ولكننا بحاجة لكل الدعم منذ البداية حتى نضمن تحقيق شيء إيجابي، نريد قوة القرية كلها.. ودون القرية لا نستطيع شيئاً.. التجارب الأليمة الماضية تكفي.

يوسف: هذا ما كنت تتحدث فيه منذ زمن.. ولكنك تدرك أن القرية ليست في يدك.

المختار: لابد أن تتركز محاولتنا الآن على جمعها.

يوسف: سندخل في الدوامة من جديد؟ أرجوك.. فلنقم بعمل ومن يرغب بالمشاركة ويهتم فعلاً بشؤون القرية فسوف يلحق بنا.. واذا كانت جذور شجرتك أصيلة وسليمة فسوف تتحرك كلها.

المختار: أخشى أن..

يوسف: "يقاطعه" أرأيت.. أنت لست واثقاً من أهل القرية.

المختار: لا.. لا..

يوسف: قل بلى يا مختار.. إن المحك الحقيقي لهم هو القيام بعمل.. ومن خلال العمل ينكشف كل شيء.. "يصمت المختار" إذا هززنا جذور الشجرة من الأعماق وأزلنا الصدأ عن الجوهر.. فهذا كاف في المرحلة الحالية. لا تترد يامختار..  "المختار ينهض دون أن يقول كلمة" لنذهب الآن ونهيء أبناء حارتنا.

المختار: هيا بنا.

يوسف: وافقت يامختار؟! "بفرح" وافقت "المختار لا يجيب.. ولكن يسير ويتبعه يوسف.. نراهما يتجهان إلى مجموعة من الناس يختفي الضوء عنهما بينما يتركز على مجموعة من اهل القرية يجلسون على الأرض والكآبة واضحة على مظهرهم العام. بعض الابتسامات الواهنة على الوجوه. نرى سعيداً وحوله مجموعة من الشباب يتحدث إليهم".

سعيد: "وكأنما يتابع كلاماً سابقاً" لماذا نبقى هكذا ننتظر رحمة الله والناس. إذا لم نتحرك فلن يتحرك أحد بدلاً عنا.. وبقاؤنا هنا على هذا الشكل مأساة..

رافع: وما الفائدة.. غلبونا في المرة الأولى والثانية والثالثة.. وكل من يقترب منهم يأخذ نصيبه ويعود.

سعيد: "بانفعال واضح" وما هو الحل غير أن نقوم بعمل؟! هل نتركهم؟.

رافع: "بسخرية" إن ما يريحك أنت هو أن نلحق بركب الأموات سريعاً أو نرحل عن هذا المكان أيضاً.. أليس كذلك؟.

سعيد: عيب.. هذا الكلام معيب يا رافع.

رافع: عيب؟؟ لماذا؟ الذي يقول الحق يرتكب خطأ، وبعد عمله عيباً هذه الأيام. هذا هو الواقع.

سعيد: إذا كان هذا هو الواقع بنظرك.. فلابد أن نغيره.. ولا يمكن أن يتغير من ذاته.. لابد أن نغيره نحن وبعمل نقوم به.

رافع: كفى يا أخي.. نفختمونا بهذه الأقوال. اتخمنا.. صدق الله اتخمنا.

سعيد: "للجميع" ما رأيكم؟.

"يرد بعض الرجال ونسمع بعض الجمل والكلمات مثل: معه حق- حتى تصبح الأمور جدية تقول رأينا- كله ضحك على الذقون- جماعة أبي داود لا تقهر.. نقاتلهم بالسيف والترس.. في هذه الأثناء يصل المختار ويوسف إلى الجماعة. ويبادر المختار بالقاء التحية".

المختار: السلام عليكم.

الجميع: وعليكم السلام.

رافع: تفضل يا مختار "ينهض سعيد ويستدير مبتعداً عن الجماعة ويتبعه بعض الشباب".

المختار: إلى أين يا سعيدظ.

سعيد: لدي عمل يا مختار.

المختار: أهو عمل مهم؟.

سعيد: بالنسبة لي مهم يا مختار.

المختار: لا يوجد ما هو أهم من وضع القرية الآن يا سعيد.

سعيد: "يشعر سعيد بالحرج أمام الجميع وكأنما وجهت إليه الاهانة وحده.. فيرد على المختار بعصبية وصوته متهدج يكاد يخنقه الانفعال" أنت لا تكف عن إهانتي واتهامي يامختار.. وتكلمني كأنني السبب في كل ما حل القرية. كأنني أنا الذي سمح لأبي داود وجماعته بأن يدخوا القرية ويأخذوا الحارة ثم يمنعوا أهلها  من الدخول إليها.. ثم يطردونا من ساحات القرية ساحة بعد ساحة.. إنك تحملني مسؤولية كل ما حدث.

المختار: لا يا سعيد ليست وحدك المسؤول، ولكنك شريك في المسؤولية.

سعيد: لقد طردتني أنت.. ابعدتني عنك في الساحة لأنني لم أذهب مع ماهر. ألم تطلب مني أن أبتعد عنك؟.

المختار: "وقد عاد إليه الغم" نعم.. حدث هذا..

سعيد: لست وحدي المسؤول.. ولا أستطيع أن أبقى طويلاً على هذه الحالة.. لا أستطيع أن أحتمل فكرة أنني مسؤول ومنبوذ. ماهر مات يامختار مع كثير من الشباب، وعلي مات قبله.. وقبل الجميع مات مصطفى.. لم يعد أحد من أصدقائي حياً سواي.. والساحة التي كنا نلعب فيها راحت.. وعبثاً أحاول سواي.. والساحة التي كنا نلعب فيها راحت.. وعبثاً أحاول تلمس ذكرياتنا فيها.وعبثاً أقنع نفسي بأنها ذهبت.. عندما أستعيد كل ذلك أشعر كأنما تمتد بد لتنتزع قلبي من مكانه..أتفهم وضعي يامختار؟.

المختار: لماذا نفتق هذه الجروح في قلوبنا؟. أهناك شيء جديد يستحق فتح باب الحديث في هذا الأمر؟.

سعيد: "وقد قرر شيئاً" كنت تتهمني بالجبن يامختار.. فهل ما زلت تراني جباناً؟!.

المختار: "تلتمع في رأسه فكرة.. وهومطرق ثم يرفع نظره إلى يوسف ثم إلى سعيد" ما الذي فعلته ليغير تلك الصورة؟.

سعيد: عندما كنت بجانب الجدار، أخذونا غدراً ولم تتح لي الفرصه، أنت تعرف ذلك "ينظر إلى المختار الذي لا يبادله النظر" إنك لا تحترمني يامختار.. إنك لا ترد علي. الظروف كلها تسير ضدي..

يوسف: "يربت على كتفه" اهدأ.. اهدأ وتكلم..

سعيد: لو يمنحني الثقة فقط.. لو يمنحني الثقة ويسمح لي بالمبادرة "يركع عند قد المختار" إن دم رفاقي غال علي.. وأشعر أنني كلما واجهت الغرباء في موقعة غدر أوضع أمامهم وكأنني ضحية.. قربان يأخذونه ليتركوا الباقي.. بدأت أكره هذا الوضع وأحملك مسؤوليته. وأكره نفسي كذلك.. أرجوك.. دع المبادرة لنا ودعنا نتحكم بالظروف مرة واحدة ونحن نسيرها لصالحنا.. إنني أثق بك والناس يثقون بك ولذلك بقيت مختارنا.. فثق بي أثق بك. "ينظر إلى سعيد نظرة طويلة فيغضي سعيد وهو يتكلم" إنك تحملني المسؤولية فقط دون أن تترك لي حرية التصرف.. هذا ليس عدلاً.

المختار: كيف ترى أن تسير الأمور يا سعيد؟.

سعيد: أتثق بي؟.

المختار: دعني أسمع ما تفكر به.

سعيد: كنت أتحدث قبل مجيئك مع زملائي.. عن أمر هام.

المختار: ما هو.. اشرح لي.. لا تخش شيئاً.. إذا كنت أنا العقبة فإنني أتكفل بإزالتها من طريقكم.

سعيد: لا.. إنما فكرنا في أن نباغت الغرباء.. ونهاجمهم قبل أن يهاجمونا.

المختار: "ينظر إليه" أتجرؤون على ذلك؟.

سعيد: لدينا استعداد للقيام بالعمل.

المختار: أفكرتم بالثمن.. والنتائح؟.

سعيد: لم نفكر بذلك كثيراً.. لنبدأ مرة واحدة على الأقل وليكن ما يكون. عندما يباغتونا نشعر كأن أيدينا لا تستطيع الحركة بملء طاقتها.. كأنما هناك شيء يشل قدرتها.. دعها تبادر مرة.. لنفك قيدها مرة.. وليكن ما يكون.

المختار: ومن الذي سيهاجم؟ من أنتم؟.

سعيد: أنا وبعض زملائي "صمت من الأخرين".

المختار: إنك تفكر بعمل تقوم به من جانب واحد لتبعد فيه تهمة الجبن عن نفسك، وليس هذا هو المطلوب يا سعيد، إن ما ينبغي أن تفكر فيه هو عمل يزيل العار عن القرية بأسرها. عن كل أهل القرية بمن فيهم أنت..

سعيد: ما هو العمل! وكيف؟ إنني مستعد.. قل لنا ونحن ننقذ.. لا تتهمنا فقط..

المختار: اجمعوا أهل القرية على هذا الرأي .

سعيد: أهل القرية لا يجتمعون على رأي.. وبينهم خصومات كثيرة ودماء.. ولكل مختار فيها طموحه وغاياته.. فكيف يجتمعون؟ إنك تكلفنا بمهمة مستحيلة يامختار.

المختار: ليست مستحيلة وليس لنا خيار بالأمر.. فنحن لا نستطيع مواجهة الغرباء وحدنا من دون القرية.

سعيد: الغرباء أقل عدداً منا.. المهم هوالمباغتة يامختار.

المختار: هناك قرى عديدة تدعمهم.. بالمال والرجال.. يجب ألا ننسى هذا أبداً.

سعيد: كأنني لا أعرفك يامختار! لقد غضبت لأنني لم أذهب مع ماهر لاجتياز الساحة، وكان عددنا جميعاً يومها أربعة أشخاص. لقد بعث موقفك فيَّ الخجل ذلك اليوم ولم يفارقني الخجل حتى هذه اللحظة. وحين مات ماهر بين يدي أحسست بالعار يجللني. واستجمعت كل قواي للثأر له، وجمعت حولي بعض أبناء الحارة، وها نحن نعرض عليك رغبتنا، وتوقعت أن نبعث في نفسك السرور.. وها أنت تقابلنا هذه  المقابلة وتثبط هممنا أهذا أنت.. الرجل الذي احترمناه وأحببناه؟!.

المختا: موقفكم يسرني ولكن ليس من الضروري أن أدفعكم إلى الموت المجاني. يجب أن يحقق موتكم- إذا لزم أن تموتوا- غايتكم وغاية القرية.

لا تذكر الموت يا مختار، فقد أبعدنا شبحه عنا بصعوبة نحن نعرف غدر الغرباء وقوتهم، نحن خائفون.. نعم.. نحن نرتعد من الخوف.. ولكن هل نستطيع أن نتحمل العار أكثر مما نتحمل الخوف؟! لا تتصور أننا قطعنا من صخر. نحن بشر ولنا ما لكل أبناء البشر من مشاعر.. عندما أتصور زملائي يطالبونني بالثأر لهم وأسمع أصواتهم تناديني من أرض الساحة.. أشعر بشيء لا يوصف ولا أتمكن من التعبير عنه، وفوق ذلك تواجهني بنظرات الاحتقار أنت. هذا لا يطاق يا مختار. وما دام لابد من الموت فلنمت بشرف. اتركونا نذهب ونمت أفضل من بقائنا على هذه الحال بانتظار المةت "صمت.. المختار يطرق صامتاً" تكلم.. قل شيئاً يا مختار..

المختار: "ينظر إلى يوسف" ما رأيك يا يوسف؟.

يوسف: هذه حماسة ظاهرة يفيض بها المرء ما دام بعيداً عن المواقف الجادة.. المهم أن يتوفر الاندفاع والحماسة في أثناء القيام بالعمل.

سعيد: لدينا الحماسة.. نعم لدينا الحماسة.

يوسف: كنت تتكلم عن الخوف.

سعيد: نعم.. ولدينا أيضاً احساس رهيب بالخوف.. الخوف من الموت المجاني كما ذكر المختار.. لدينا ما يشبه العقدة من ذلك كله.. فقد طردنا عدة مرات وأخذوا حارتنا وساحات القرية وبيوتاً عديدة وقتلوا منا الكثير، ذهبوا ضحايا.. لا شهداء، وفي كل مرة لا نلقاهم وإنما نفر منهم.. لم نجرؤ على رفع أيدينا عليهم مرة واحدة، لا ذنب لنا إذن في أن نشعر كأننا نذرنا للذبح وأننا إنما نعيش بانتظار سكاكينهم، ولكن لسنا جبناء.. لدينا هذا الاحساس، ولكن لسنا جبناء.

يوسف: لِمَ هذا الإحساسظ.

سعيد: أليس لديك مثل هذا الاحساس أنت.. كن صادقاً.. ألا تشعر به!! نحن.. أنا لدي هذا الاحساس.. ولكن لدي إلى جانبه أيضاً الحماسة والرغبة في الموت كي أزيله وأبعده عني.

المختار: "متدخلاً" تريد إذن إبعاد العار عن نفسك؟.

سعيد: ماذا تقصد يا مختار؟. إن إبعاد العار عني هو إبعاد له عن القرية..

المختار: ولكنك لا تستطيع ذلك ما لم تقف كل القرية إلى جانبك.. وينبغي أن يكون هدفنا إذن هو جمع القية على هذا الأمر حتى نضمن النتيجة وحتى نأمن الخوف. إذا تجمع أهل القرية أصبحوا قوة.

يوسف: ماذا يا مختار؟. أنعود لنقطة البدء؟. ألم نتفق؟ "لحظة قصيرة من الصمت المختار ينظر إلى يوسف".

المختار: اعذرني يا يوسف.. إنني.. إنني أستمع للشباب.. و..

سعيد: الغرباء لا يحسبون لنا حساباً الآن.. ويقولون إنهم يخرجون إلى قتالنا كما يخرجون إلى النزهة. وهذا أمر مخز بالنسبة لنا.. فلنجرب أن نضربهم ولو مرة واحدة.. وإذا كان لابد من الموت فلنمت مقبلين مهاجمين "صمت" قل يا مختار.. مرنا بشيء.. إن الجلوس على الأرض واجترار المرارة مع الذكريات وتحقيق انتصارات وهمية من خلال أحلام اليقظة.. كل ذلك أكلنا أكلاً.. فتّت أعماقنا. لا يمكن الصبر على وضع كهذا.. إنه الموت.. بل أسوأ من الموت بكثير.. الميت لا يشعر بشيء. أما نحن فأحياء أموات يلاحقنا رعب الموت.. وضعنا مؤلم.. "تمر فترة صمت.. المختار ينظر إلى يوسف الذي يبادله نظرة مشجعة".

يوسف: لتبارك حماستهم يامختار "صمت" لتبارك حماستهم.

المختار: فليكن.. وأرجو أن تكون النتائج طيبة.. "للشباب، من جماعة راع" وأنتم ألا تشاركونهم موقفهم "الجميع ينظرون إلى رافع الذي ينهض".

رافع: كنا نتحدث مع سعيد قبل قليل.. "يبدو عليه شيء من الإتباك" الموضوع..

سعيد: "يقاطعه" إنهم لا يشاركوننا الرأي.

المختار: هل لكم رأي آخر..

رافع: نحن.. "ينظر إلى الشباب الآخرين من جماعته ويوجه كلامه إليهم". تكلموا.. ما رأيكم "نظرات متبادلة بين رافع وبقية الشباب. يشعر المختار ويوسف بحرج الموقف فيتدخل يوسف".

يوسف: هل هناك موقف غير القتال لاسترداد بيوتنا؟!

رافع: لا.. ولكن كيف ستكون النتائج.. هل يمكن أن نصمد لهم؟؟!.

يوسف: نحن نطمح إلى أن نقلب تساؤلك على الشكل التالي: هل سيصمدون لنا؟!.

رافع: "ينظر إليه وكأنه  لا يفهم شيئاً" عفواً.. لم أفهم ما تقول.

يوسف: لقد فهمت. ولكن ليس لديك الثقة بما أقول.

رافع: في الواقع.. ليس لدي ثقة.

يوسف: لا خيار لنا.. إما أن نموت متقدمين نحوهم، أو هاربين منهم. أو نرحل لنموت في أرض غريبة. فماذا تختاروت؟.

رافع: ما دمنا سنموت آخر الأمر.. فالأفضل أن نقضي ما بقي لنا من عمر مرفوعي الرأس "ينظر إلى سعيد بغيظ واضح" أهو مزاد الأرواح؟ أم تفاخر قبل اللقاء؟! إذا كان الأمر يتعلق بالأقدام والشجاعة فأنا لم أخسر معهم في لقاء.

سعيد: "وهو يرد الاهانة" لأنك لم تلتق معهم قط.. وأشك في أن تجرؤ على ذلك.

المختار: لن يخدمنا هذا الموقف منكما.

رافع: أنا على استعداد لمواجهتهم فوراً.. ولنر في الساح من هو الرجل "يندفع بعض الشباب من جماعة رافع".

أصوات: كلنا على استعداد.

المختار: شعور جيد.. ولكن لا أريد أن تنظروا إلى الأمر على أنه منافسة لابراز العضلات. القضية أكثر جدية من ذلك. وليس المهم عندي أن تموتوا، إنما المهم أن تحرزوا نصراً، وأن يكون لموت من يموت منكم قيمة ونتائج حسنة من خلال تحقيق هدف نبيل، فإذا كان لديكم الاستعداد الطيب للقتال فهواستعداد يجب أن يسبقه الحب المخلص لبعضكم ولأهلكم ولقريتكم، وبعدها افعلوا ما شئتم وتنافسوا في تحقيق هذه الأهداف.. "ينظر إليهم.. تمر لحظات بسيطة".

سعيد: نحن على استعداد يا مختار.

رافع: ونحن أيضاً.

المختار: تصافحا.. "يتعانق سعيد ورافع بعد المصافحة" خذوا أماكنكم جميعاً بمواجهة عدوكم واستعدوا له.. تقاسموا المهمات.

"تمر لحظة صمت ثقيلة قبل أن يتحرك الرجال.. ويبدو واضحاً أنهم فوجئوا بقرار المختار السريع والحازم.. ثم يندفعون بعدها لأخذ أماكنهم بمواجهة الغرباء- جماعة أبي داود- يبقى يوسف إلى جانب المختار وعلى ثغره ابتسامة قلقة، يضغط على كتف المختار وكأنما يهنئه على القرار ويشجعه. المختار يلتفت إلى يوسف وهو يبتسم" كيف تراهم؟!.

يوسف: "ينظر إليه" يبعثون في نفسي الثقة.

المختار: "يبتسم.. تمر لحظة" أتظن أن أهل القرية سيشاركون؟.

يوسف: اترك هذا الأمر الآن.. ولنهتم بعملنا.. "يقترب سعيد من المختار".

سعيد: أخذنا مواقع جيدة ونحن على استعداد..

المختار: ورافع؟.

سعيد: كلنا..

المختار: اذهب أنت إلى التل المشرف على الحارة.. خذ معك رفاقك.

سعيد: سأفعل.

المختار: نريد أن نسمع أخباراً طيبة..

سعيد: "الدموع في عينيه" إن شاء الله "يقف دون حراك".

المختار: ما بك؟.

سعيد: أتثق بي يا مختار؟.

المختار: اذهب يا سعيد.. وقل لرافع أن يكون حذراً هو ورفاقه.. نريد نتائج جيدة.

سعيد: سأبلغه أوامرك.

المختار: رافقتك السلامة.

"يذهب سعيد.. يجلس يوسف إلى جانب المختار".

يوسف: ألا نقول لهم أن يبدأوا؟.

المختار: انتظر "يبتعد المختار عن يوسف".

يوسف: ليس هذا بالرأي السديد.. ليس الآن.

المختار: لماذا؟. لابد أن يكون له علم بالأمر.

يوسف: ليس الآن يامختار..

المختار: متى إذن؟! إن أمر القرية يهمهم أيضاً.. إنهم مواطنون فيها.. إذا حدث بشيء فسيحدث على الجميع.

يوسف: إذا أخذنا برأيك فيجب أن نخبر كل أهالي القرية.. أن تعلن نوايانا ويضيع هدفنا في مباغته الغرباء.

المختار: لن أتأخر.. وسنأمرهم بالعمل فور عودتي إليك. لن يتاح للخبر أن ينتشر سأعود حالاً وسنبدأ حالاً.. "ينصرف مسرعاً" .

يوسف: يا مختار.. "لوحده" لا يستطيع إلا أن يخبر الناس بما يريد لا يستطيع أن يكتم سراً.. سيفتضح أمرنا..

"يقع ضوء على تجمع صغير في خلفية المسرح.. وفي الوقت الذي يتعثر فيه الضوء وتفتح المجموعة ترى المختار وقد انصرف وبظلم المسرح في المنطقة التي بها يوسف ويغيب المختار في الظلام.. أفراد المجموعة ينظرون بالاتجاه الذي ذهب منه المختار.. تمر فترة صمت.. ينظرون إلى بعضهم ثم يعودون إلى التحديق في الظلام بالاتجاه الذي خرج منه المختار.. تلتقي عيونهم ثانية.. فتتحرك شفاه رجل منهم.. ولا نسمع صوته.. الآخرون ينظرون إليه وقد ظهرت الدهشة على وجوههم.. ثم نسمع صوت الرجل يقول".

صادق: أتظنون أنهم جادون؟ أيمكن أن يفعلوا ذلكظ.

عياش: كلام.. لا يجيدون إلا الكلام..

صادق: وإذا كانوا جادين فعلاً؟.

عياش: هذه أمور لا تخفى ولا تخبأ.

"تسمع أصوات طلقات لأسلحة مختلفة. ودوي انفجارات مع خلفية موسيقية. والجهة المظلمة التي غاب فيها المختار، تضيء بلمع ضوء الانفجارات كأنها البرق ويزداد وهج الضوء مع ازدياد استمرار أصوات الانفجارات وطلقات الأسلحة.. وعلى صوت الانفجارات وأضوائها يدور الحوار التالي":

صادق: انظروا!.

عياش: اسمعوا!.

صادق: الأمر على ما يبدو جد هذه المرة.

عياش: لا تحكم مسبقاً.. كثيراً ما سمعنا مثل هذه القرقعة.

صادق: ولكن من يدري ماذا ستكون النتيجة.

عياش: كالمرات السابقة.. كأنني أراها منذ الآن.. إنهم لا يجيدون إلا الكلام.

صادق: إذا استمروا بالعمل وبقينا نحن نرص الكلمات من بعيد.. فمن غير المستبعد أن تكون النتيجة كالمرات السابقة. "يشتد صوت الانفجارات وتمر فترة صمت حرجة ثم يسمع من بعيد صوت المختار".

صوت المختار: يا أهل القرية.. اليوم تظهر محبتكم لقريتكم وقدرتكم على حمايتها.. تعالوا معنا يا إخواتنا.. إننا بحاجة إليكم.. يا أهل القرية.

صادق: يجدر بنا أن نشارك بغير الكلام الآن.. إنهم بحاجة إلينا.. ألا يهمنا أمر القرية كما يهمهم؟. أليس الغرباء أعداء للجميع؟. يجب أن نتحرك..

عياش: أجاد أنت فيما تقول؟.

صادق: كل الجد.. ولم لا؟ أو نرضى لأنفسنا دور الضفادع في برك القرية.. لقد دعونا فلماذا نتفرج عليهم.. ونكتفي بالنقيق؟! هذا مخجل "صمت" لم تصمتون "لعياش" تكلم.. قل ما رأيك؟.

عياش: أنا.."لجماعته" ما رأيكم "صمت".

صادق: لا موجب للتردد. هل تخافون؟.

عياش: تعرف أننا لا نخاف.

صادق: لم الوقوف إذن؟ إنهم ليسوا بحاجة إلينا بعد فوات الأوان.. وهذا ما حدث في مرات سابقة.. فلنشارك.. ولنسرع إلى نجدتهم..

صوت المختار: يا أهل القرية.. دم إخوتكم يناديكم.

صادق: أتسمعون.. "بحماسة أكثر" أتسمعون.. دم أهلنا ينادينا.. إن لم نسرع إليهم اليوم فإن العار لنا ما عشنا.. لا تقفوا هكذا.. "لعياش" أيحتاج الأمر إلى التفكير..

عياش: لا تصرخ.. لا تصرخ "للجميع" فلنسرع إليهم "يتحركون باتجاه هوة الظلام المشتعلة وصوتهم يعلو" الله أكبر.. الله أكبر..

"ينتشر الضوء على المجموعات الأخرى المتفرقة في المكان فتظهر للمشاهد وقد بدأت واحدة إثر أخرى تردد الصوت نفسه وتتحرك.. والصوت يتعالى ويشتد تدريجياً.. ثم تنتظم المجموعات في خطوط متحركة تتجه كلها باتجاه هوة الظلام المشتعلة حيث تلتمع أضواء الانفجارات.. يتركز الانتباه بواسطة النور شدة وخفوتاً فنرى عبر حاجز الظلام المشتعلة حيث تلتمع أضواء الانفجارات.. يتركز الانتباه بواسطة النور شدة وخفوتاً فنرى عبر حاجز الظلام المشتعل قتالاً ضارياً ويوسف فتراهما يراقبان ما يجري بقلق شديد.. في هذه اللحظة يصل إليهما عبر الحاجز شاب يركض نحوهما وهو يصرخ":

الشاب: يا مختار.. يا مختار..

المختار: ماذا يا بني.. ما الأخبار؟!.

الشاب: سيطر سعيد على تل القرية.. ورفاقنا يتقدمون نحو الساحة.. الأمور تير لصالحنا.

يوسف: أحقّ ما تقوله؟.

الشاب: وطئت قدمي هذا تراب ساحتنا.. أتصدقون؟.

المختار: الحمد لله. الحمد لله.

الشاب: الرجال يشتعلون حماسة.. اكتشفنا شيئاً جديداً فينا يا مختار.. إننا نستطيع أن نصمد لهم وإنهم يهربون أمامنا.. أتصدق يا مختار؟ لقدى رأيتهم بعيني يهربون أمامنا كالفئران المذعورة.. لم نعد نشعر بالخوف منهم.. قهرناهم وقهرنا خوفنا خبِّر أهلنا بذلك يا مختار "يبكي" لم نعد نشعر بالخوف منهم..

المختار: لِمَ الدموع يا بني؟.

الشاب: أشعر بشيء لا يوصف يا مختار.. كما لو أنني أغتسلت من عاري اليوم.. اغتسلنا جميعاً من عارنا.. العار الذي لازم أبناء القرية سنين طويلة.. سكبنا عليه الدم وبدأنا نزيله عن جباهنا وعن ترابنا.. أتذكر أعشاب الساحة وحجارتها.. كلها اغتسلت اليوم بالدم "المختار ينظر إليه دهشاً سعيداً بما يسمع وكأنه ينظر إلى أعجوبة..يتقدم ليلمسه" حروب التحرير تغسل الشعوب من عارها.. لقد شعرت بهذا اليوم..

المختار: دعني ألمسك يا بني.. دعني أصابح يدك التي لمست تراب الساحة وحجارتها وفجرت فوقها الدم وقاومت الغرباء.. أنا تكلمت أما أنت ففعلت.. أنت أفضل مني.. أفضل مني.. أفضل مني "ينفعل المختار حتى ليكاد يسقط ولكنه يتمسك بذراع الشاب فيئن" ما بك يا بني؟

الشاب: لا شيء.. لا يوجد شيء.. "يتقدم يوسف من الشاب".

يوسف: هل أنت جريح؟

الشاب: لا.. شيء بسيط.

المختار: تعال هنا.. تعال اجلس..

الشاب: لا.. أريد أن أعود إلى رفاقي.. أتيت لأخبركم فقط.. وسأعود الآن "يضغط على ذراعه".

يوسف: ولكنك جريح.

الشاب: لا أشعر بشيء.. ولا أريد أن يفوتني الفرح.. فمنذ زمن لم يدخل الفرح قلبي والفرح هناك وليس هنا. الفرح هناك بينهم وأشعر أنني خارج الفرح الآن.. أنا عائد إليهم يامختار.. عائد إلى تل القرية.. خبر أهلنا بذلك "يعود مسرعاً من حيث أتى".

المختار: ولكن.. "الشاب يسرع" قل لهم أن يستمروا.. وإننا فخورون بكم، ليكن الله معكم.. الله معكم.. الله معكم.. الله معكم.. "يرتفع صوت "الله أكبر" في جنبات المكان".

"تبدأ حركة المجموعات تظهر بوضوح أكثر وهي تتقدم باتجاههما".

يوسف: النصر.. يامختار.. النصر.

المختار: ما زال الموقف حرجاً..

يوسف: النصر يامختار: "يسمع صوت قصف شديد" أتسمع؟. "صمت" "يستمر القصف.. ويسمع من خلال الهوة المظلمة صوت مجروح".

صوت سعيد: ياأهل القرية.. يا مختار.. يا يوسف.. درك المنطقة ضدنا مع الغرباء جميع درك المنطقة بأسلحتهم يا مختار.. يا أهل القرية.. ياناس.. يا عالم.. مخفر المنطقة.. يساعد الغرباء..

المختار: أتسمع؟

يوسف: شيء متوقع. لا نستطيع أن نقاوم الغرباء ودرك المنطقة.

المختار: ولكنها.

"يتعالى صوت المجموعات المتقدمة من أهالي القرية.. باتجاه هوة الظلام المشتعلة قوة ووضوحاً. "الله أكبر.. الله أكبر".

يوسف: أتسمع يا مختار؟.

المختار: نعم.. الدوي شديد..

يوسف: لا.. يا مختار.. اسمع الصوت الآخر.

"يرى يوسف حركات المجموعات تتقدم وبعضها تجاوزهم باتجاه حاجز الظلام" القرية أقبلت.. انظر.. انظر.. يامختار لن يستطيع الغرباء أن يصمدوا في وجه القرية.

المختار: القرية.. أخيراً.

يوسف: نعم يا مختار.. أقبلت.. لن يستطيع الغرباء أن يصمدوا في وجه القرية ولن يدعمهم مخفر المنطقة ضدنا إلى الأبد.. لن يصمدوا في وجه القرية بكاملها.. انظر يامختار انظر.

"المختار ينظر حيث أشار يوسف ويبدو على وجهه انفعال شديد. يوسف يلوح بيديه للجموع التي تتجاوزهما مسرعة باتجاه هوة الظلام المشتعلة" انظر يامختار.. شيء لا يصدق يا مختار.. القرية.. أهل القرية كلهم يتحركون للمشاركة.. الدعم يتوالى علينا يا مختار.. "المختار يضع رأسه بين يديه ولا ينطق بكلمة. يتنبه يوسف إلى أن المختار لم يجبه أبداً فيصاب بالهلع ويقترب منه ويهزه بيده" مالك يا مختار؟ مالك يامختار؟ هل أصابك شيء!..

المختار: "يرفع رأسه شيئاً فشيئاً إلى يوسف وقد اخضلت عيناه بالدموع".

يوسف: إنهم يأتون.. كلهم يأتون يا مختار. "المجموعات ما زالت تتحرك أمامهما".

المختار: إنني أرى.. أرى وأسمع يا يوسف.. أرى وأسمع "يغلبه الدمع فيبكي".

يوسف: أتبكي يا مختار؟.

المختار: إنهم.. هم يا يوسف.. أهل القرية الذين أعرفهم.. أهلي وأهلك، أهل القرية.. إنهم يأتون جميعاً.. ألم أقل لك إنها شجرة طيبة وما عليك إلا أن تهزها من جذورها لتعرف مقدار صلابتها وتماسكها.. إنهم يأتون.. يأتون "يبكي".

يوسف: لا تبك يامختار..

المختار: أنا لا أبكي.. لا أريد أن أبكي.. إن دموعي هي التي تنساب من عيني. أبكي بدموعهم يا يوسف.. دموعهم هي التي تسيل من عيني.. أحسست بهزة عنيفة في كياني.. كأن تسيل من عيني.. أحسست بهزة عنيفة في كياني.. كأن دمائهم صبت في عروقي، وضاقت العروق بالدم فانسكب دمعاً.. تيار غامر يجتاحني، جسمي يرتعش.. تدفقت الحياة فيّ من جديد.. الشجرة تعود إلى الحياة وتزهر.. يا الله يا الله.. إنني أحسهم الآن في دمي.. أراهم أمام ناظري.. يتحركون في الساحة.. أهم الأحفاد أم الأجداد؟ إنهم شيء واحد.. هاهم يجتاحون السهول  وسلاحهم يتعانق في الساحة و"الله أكبر" على ألسنتهم جميعاً.. نداؤهم يغشى البر والبحر ويهز الأرض حتى لتكاد تميد. الله أكبر.. أشعر بهم الآن كالأمواج يتدافعون على الطريق إلى الساحة، إلى حارتنا القديمة.. كأنهم ما غابوا عن الساحة أبداً.. وكأن أحداً منهم لم يمت.. والماضي صفحة كتاب حية نشرت.. الله أكبر.. الله أكبر!.

"ينهض المختار ومعه يوسف ويتابع السير وهو يردد: الله أكبر.. الله أكبر.. ويتقدم حتى يغيب في حاجز الظلام المشتعل بالقذائف.. وصوت الجميع يمتزج مع صوته".

الله أكبر.. الله أكبر..

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

face="Traditional Arabic" "2">جميع الحقوق محفوظة