رضا قيصر  مسرحية في ثلاثة فصول تأليف علي عقلة عرسان  من منشورات وزارة الثقافة  دمشق - 1975

رضا قيصر

مسرحية في ثلاثة فصول

الشخصيات

1- الطفيلي.

2- بلاوتوس.

3- باكخيس.

4- قيصر.

5- بوبيليوس.

6- ماركوس.

7- العبد.

8- الوالي.

9- الجندي.

10- أندريا.

- عدد قليل جدا من الماثلين  "كومبارس" كجنود وعمال.

ملاحظة:

ليست هذه المسرحية مسرحية تاريخية رغم أن أحد شخوصها وهو بلاوتوس كاتب مسرحي روماني معروف، فهي لا تتعرض لسيرته، وما مر فيها من أحداث ليس له وجود في حياة بلاوتوس.. ولم يحدث أصلا.

 

الفصل الأول:

المنظر

على المسرح بني مسرح روماني قديم تظهر منه الأعمدة المحيطة بخشبة المسرح وكذلك المداخل.. وجزء بسيط من الخشبة.. وبمقابلها الحلبة، ومقاعد الجمهور صف بعضها وأتم التدرج بالرسمليوحي بالمسرح والمتفرجين، وأمام هذه الأعمدة مساحة من المسرح تشكل الجزء الذي يتبقى لحركة الممثلين خلف الخشبة "كواليس" عند فتح الستار نرى الطفيلي وهو رجل في العقد الرابع مربوع القامة يميل إلى البدانة، ويرتدي ملابس غريبة بعض الشيء نراه فوق خشبة المسرح المبني وهو يتدرب على دوره استعدادا لتقديم عرض مسرحي.

الطفيلي: أنا مضحك المضحكين.. وسيد الماكرين، طفيلي جائع يشتهي رائحة الطعام ولا طعام.. فقد اقفرت هذه الديار من فاعل خير، ولم يعد بها غذاء لطير مغرد مثلي.. ووجدت نفسي على قارعة الطريق لا أستطيع أن أملأ معدتي حتى بفتات الموائد.. فالناس في هذه الأيام لا يدعونك إلى موائد لغلاء الأسعار.. وقد فطن لهذا الأمر حتى أغنياء التجار فبالغوا بالادخار.. وما عليَّ في مثل هذه الظروف إلا أن أعلن عن بيع نفسي لمن يملأ معدتي.. "يرفع صوته" للبيع.. طفيلي للبيع.. إنسان جائع يبيع نفسه بطعام يومه.. ألا يوجد من يشتري.؟! للبيع.. تخفيضات عامة بسبب غلاء الأسعار وفقدان حفلات الشرب ونظرا للخسائر الفادحة من جراء النفقات اليومية.. من قال اشتريت.؟! للبيع.. تصفية إجبارية.. نرجوكم الاشتراك.. فرصة هائلة لاقتناء طفيلي جوفه خاو معد لخزن فتات الطعام.. للبيع.. لا مفر لكم من الشراء.. هيا أقبلوا.. طفيلي للبيع.. "يسمع وقع خطوات يقترب منه فيترك التمثيل".

أسمع أصواتا.. لابد أن أحدا سيصل إلى هنا.. ولذا يجب أن أستغل مهارتي إلى أقصى الحدود لأحصل منه على طعام.. يحب أن آكل عنده بأية وسيلة "تقترب الخطوات منه أكثر" فلأتهيأ الآن لاستقباله.. إلي يا شطارتي وكل ظرفي إليّ.. إليّ.. "يأخذ الطفيلي وضعا متحفزا في الوقت الذي يظهر فيه شخص من جانب المسرح.. ينظر الشخص إلى الطفيلي فيسير الطفيلي باتجاهه خطوة فيهرب الشخص من حيث أتى ويقف الطفيلي حائرا"، ما له هرب قبل أن أكلمه.. إنني لست مسؤولا يسرق الكحل من العين.. ولا من حملة النبال أولئك الذين يصوبون على الطير فيردونه قتيلا، حتى يولي هاربا لمجرد رؤيتي."تسمع ضجة قادمة من بعيد" عجبا.. لقد جمع الناس علي.. يا لجسمي المسكين سوف يذوب من الضرب بعدما ذاب من الجوع.. لابد أن أهرب.. "يتحرك حركات مضطربة يظهر فيها التخبط". ولكن إلى أين؟.. إنهم يحيطون بي من كل جانب.. "يصرخ فجأة". أين ذهب السيد الذي أتى بي إلى هنا.. ثم تركني "ينادي" يا سيد بلاوتوس.. يا سيد بلاوتوس.. هذا هو طبع السادة المؤلفين، يضعون شخصياتهم في ورطة ثم ينسحبون ويتركونها تقاسي وحدها، "يصرخ"، يا سيد بلاوتوس، إن لم تأت في الحال فسوق أموت.. أتجدني يا سيدي.. يا سيد بلاوتوس.. "يدخل بلاوتوس إلى المسرح وهو رجل طويل أميل إلى البدانة.. بيده سوط ويظهر على وجهه الإرهاق".

بلاوتوس: لم تصرخ أيها اللعين.. "الطفيلي يمثل على بلاوتوس".

الطفيلي: آه.. أخيراً يا سيد بلاوتوس.. أخيراً ظهرت للعيان.. أين ذهبت وتركتني يا سيدي؟! لقد كدت أموت.. هاجمتني ثلة قذرة وتركتني يا سيدي؟! لقد كدت أموت.. هاجمتني ثلة قذرة من حملة السيوف.. وأقبل خلفهم الفرسان. فتراجعت لأستجمع قواي وأهيىء كتائبي ثم أسعى للقائهم.. وأحببت أن أخبرك بالأمر لتعلم جنود روما بمفاخري.

بلاوتوس: أخزاك الله... ومتى كنت تقوى على مواجهة ذبابة؟! من أسند لك هذا الدور؟

الطفيلي: "يخرج من شخصيته التي يمثلها" لا أحد يا سيدي.. أحببت فقط أن أمثل دور الجندي الشجاع في مسرحك.

بلاوتوس: ولكن أحدا لم يطلب منك أن تلعب هذا الدور.. تمرن على دورك كطفيلي ولا تزعجني.. إنني أهيء الممثلين الآخرين.. وقد أدركنا الوقت. "يحاول أن يخرج".

الطفيلي: ولكن.. ولكن ماذا أفعل إذا هاجمني أولئك القوم مرة أخرى؟!.

بلاوتوس: من الذي سيهاجمك؟!.

الطفيلي: إنني لا أمزح يا سيدي.. هناك رجال هاجموني وأنا على المسرح.

بلاوتوس: لقد أخذنا السماح بالعمل، ووافقت السلطات على مسرحيتنا، ونحن نتمرن على مسرحنا، وما نقدمه لايمس أحدا، فمن الذي سيهاجمك يا قليل القيمة؟!.

الطفيلي: أناس يا سيدي.. أقسم لك إنني..

بلاوتوس: "يقاطعه" كفى.. كفى سخفا وعد إلى عملك.. هيا.. تمرن أنت وباكخيس "ينادي" باكخيس، باكخيس "يكف عن المناداة" لابد أنها عادت إلى أحضان ذلك الفتى المغرور.. لعنة الله عليها.. لا تكف عن استغلال قلوب هؤلاء المساكين.. وما أكثرهم، "ينادي" باكخيس..

الطفيلي: أسرع وانتشلها من بحر الهوى يا سيدي، قبل أن تغرق.

بلاوتوس: "وقد ظهر عليه الغضب" باكخيس.

باكخيس: "من خارج المسرح" من الذي يوقظني من حلمي اللذيذ؟!.

بلاوتوس: باكخيس.. تعال هنا..

باكخيس: "وقد اقتربت خطواتها مدخل المسرح" قادمة.. قادمة يا سيدي.. ولكن قل لحبيبي أن يتركني.. إنه متيم بي.. "تظهر من الكواليس وقد تعلق بيدها شاب، يتمسك ويقبليديها، باكخيس تخاطب الشاب" اتركني.. اتركني.. لم أعد لك.. افتح كيس نقودك إذا أردت أن أضيع معك ساعة أخرى "تنتزع يدها من الشاب الذي ينظر إليها بذل وحسرة ثم يتراجع خارجا من الكواليس". دائما تقع على رأسي هذه المصائب، لا يطرق بابي إلا متيم مفلس.. أنت السبب في ذلك يا سيد بلاوتوس، كل من عرضته عليّ من العشاق، مطرود من بيت أبيه.. كثيرالحب.. قليل المال.

بلاوتوس: كفي عن الكلام الآن ودعيني أتكلم أنا.

باكخيس: "بدلع زائد" أمرك يا مولاي..

بلاوتوس: تمالكي نفسك.

باكخيس: "تضحك بميوعة" وهل تركت لي نفسها لأتمالكها يا سيدي.. إن نفسي مسفوحة في الطريق.. هيا.. لمَّ الماء المسفوح معي.. لم "تقوم بحركة كمن يجمع شيئا.. يضحك الطفيلي".

بلاوتوس: "زاجرا وهو في حالة غضب" باكخيس.. "لنفسه" لعنةالله على هذا الزمن الذي ابتليت فيه بالتعامل مع هذه النماذج الردئية الناقصة من الناس. "باكخيس والطفيلي ينظران إلى بلاوتوس".

باكخيس: كلمنا يا سيدي.. ماذا تقول؟!.

بلاوتوس: لقد كلمت أمثالك كثيرا..

باكخيس: "مهاجمة بلاوتوس بدلال واضح" عجبا.. أو تخونني يا سيد بلاوتوس؟!.

بلاوتوس: "متمالكا نفسه" ألا تعرفين إلا هذه الكلمات؟!.

باكخيس: وهل تركت لي غير هذه العملة أتعامل بها مع الناس وأكسب بها قوت يومي؟! أنت زودتني بكل شيء.. وأنا راضية بذلك.

بلاوتوس: أنت نتاج شوارع أثينا ومواخيرها.

باكخيس: هس.. اسكت.. سوف يسمعك المتحمسون لروما، ويعاقبونك على ذلك، أتذكر الاتهام السابق.. حين قالوا إنك لا تكف عن إحياء التفاهات اليونانية، وإنك أفسدت شباب روما وخربت ذوقهم؟!.

بلاوتوس: هذه آراء السخفاء الذين لا يعرفون اليونانية، ولا تسمو مداركهم إلى آفاق تلك الثقافة النبيلة.

الطفيلي: أرجوك يا سيد بلاوتوس.. أحس بسكاكين الجوع تمزق معدتي.. وفوق هذا تمزقان قلبي بهذ الحديث عن الثقافة النبيلة.. اعمل شيئا يا سيدي من وحي تلك الثقافة بدل أن تتحدث عنها.. فلتمتد يدك الرحيمة مثلا لتقودني إلى مكان فيه طعام.

بلاوتوس: ابشر أيها الأكول.. سوف تمتد يدي إلى السوط لأشوي جلدك الخشن "الطفيلي يصرخ ويركض ويتألم بينما بلاوتوس يلاحقه ويضربه بالسوط" خذ.. خذ..

الطفيلي: باكخيس أيها الرقيقة.. انقذيني من سوط هذا المثقف.. إنني أقبل قدميك.

بلاوتوس: طالما تقت لتقبيل قدمين كقدميها أيها الوغد.

باكخيس: "تضحك" أرجوك يا سيد بلاوتوس.. سامحه هذه المرة.

بلاوتوس: من الواضح أنك تتآمرين عليّ.. هذا متوقع، عصبة من الممثلين تقفون إلى جانب بعضكم وتتعاضدون، لقد أصاب مجلس الشيوخ في روما عندما حرم الممثلين من الحقوق السياسية ومن حق الشهادة أمام المحاكم.. وأعتبرهم أقل من غيرهم.

باكخيس: أنت تقول هذا الكلام؟!.

بلاوتوس: ولم لا؟!.

باكخيس: ألست ممثلا؟ ألم تكن واحدا  منهم؟!.

بلاوتوس: تلك هي المصيبة..إنني واحد منكم، "بصورة مفاجئة" ولكنني على أية حال واحد من الرجال.. ولست واحدا من النساء، وهذا يخفف من وقع المصيبة.

باكخيس: "بدلال وثقة بالنفس" أييه.. إن هذا العداء الذي تظهره لنا نحن النساء مظهري وتافه ولا يلبث أن يتحول إلى رقة في آخر الليل.. تقليد ياسيد بلاوتوس تقليد.

بلاوتوس: تقليد؟! ماذا تعنين بذلك؟ إنني لا أقلد أحدا.. على الخصوص في تصرفاتي.

باكخيس: أما في مسرحك فنعم.

بلاوتوس: "وقد خنقه الغيظ" كيف فرض علي أن أتعامل مع هذه الخسة؟!.

باكخيس: لم يفرض عليك أحد ذلك يا سيدي.. أنت رغبت فيه.. وركضت إلى اليونان لتستعيرنا منهم.

بلاوتوس: إلى اليونان؟! أنت أيضا؟! وما لهم اليونان.. إنهم أعمق فكرا وأرق إحساسا.. ما لهم اليونان؟! كثيرون في روا يتعصبون ضدهم لأنهم لا يفهمونهم.

باكخيس: لابما "تضحك" ولكنهم يفهمونني أنا جدا.

بلاوتوس: "بغبط" آه.. يا لك من مخلوقة.. كيف أسهمت أنا باظهارك أمام الناس؟.

الطفيلي: "يصفق مرحا" آه.. لقد غلبتك يا سيدي.. إنك ماهر في كل شيء إلا في الرد على هذه المرأة.

بلاوتوس: "بعصبية" إنه سيء جنس المرأة.. وهي من أسوأ فرع في هذا الجنس.

باكخيس: تقليد يا سيد بلاوتوس.. تظاهر وتقليد.

بلاوتوس: أيتها المرأة إن دمي كله يتجمع في رأسي.

الطفيلي: "يضحك ويصفق" مات قلبك إذن يا سيدي.. مات قلبك.

بلاوتوس: اخرس أنت "لباكخيس" إن لم تكفي لسانك عني، وتلتفتي إلى عملك فسأستعمل معك الضرب.

باكخيس: إن ضربك لا يؤذيني يا سيدي.. تعودت عليه.. كل النساء يضربن في ربما ثم لماذا تنكر أن عداوتك للمرأة أخذتها عن اليوناني يوربيدس.

بلاوتوس: أو لا تظنين أنني استعرت من اليونان دمي واسمي أيضا؟! يا لك من حمقاء كسائر الحمقى وما أكثرهم في روما!! أنا بلاوتوس أيتها الحمقاء.. بلاوتوس لقد وضعت من نفسي ومن روما فيما كتبت بقدر ما أخذت من اليونان، هذه حقيقة، صحيح أنني أخذت الموضوع والشخصيات.

باكخيس: "تكمل" والأسماء والأماكن والملابس.. ماذا بقي لك أنت لم تأخذه من اليونان بعد؟!

بلاوتوس: إن الرومانيين يتكلمون في إطار اليونان هذا الذي آخذه.. إنني أطلب رضا قيصر ولذا لا أقترب مما يغيظه.. ومن ثم فأنا أصلح مجتمعي من خلال هذه الشخوص.

الطفيلي: أنا يا سيدي منصف بعض الشيء.. ولذلك أحب أن أقول: إنك وضعت شيئا هاما من روما في مسرحياتك.

بلاوتوس: "وقد غزا وجهه شيء من الرضا" هه.. ويقولون إن الطفيلي لا يفيد شيئا.. ها أنت ذا توشك أن تفعل خيرا.. قل يا هذا.

الطفيلي: سوف أقول.. ولكن هل تطعمني يا سيدي؟!.

بلاوتوس: إنه.. لا يكف عن طبعه اللئيم.. قل أو انصرف من أمامي.. لقد أضعنا الوقت.

الطفيلي: لا..لا.. تغضب سوف أقول: "بسخرية" إنك فعلا باكخيس وعشاقها.. وأنا الطفيلي وأمثالي، وعبيدك الماكرين الذين يقفون هناك بانتظاري ليسلقوا جلدي بالسياط بعد أن تسمع كلامي..

بلاوتوس: إنك توشك أن تقول كلاما بذئيا.. إياك والسوط "يحرك السوط في الهواء".

الطفيلي: اسمع صوت سوطك.. وأراه.. وما زال طعمه على لساني.. ولكنني مثلك يا سيدي.. عندما تحكمني النكتة أقولها ولو أدى في ذلك إلى الجوع.. أرجوك، اسمح لي بالكلام.

باكخيس: قل.. قل ولا تخش شيئا، أنا أحميك منه.

بلاوتوس: أنت؟!.

باكخيس: "بدلال" بعد موافقتك يا سيدي الطيب "للطفيلي" قل ولا تخف.

الطفيلي: بعد أن خلقت هذه النماذج يا سيدي ازدهرت روما.. ارتفعت الأسعار إلى حد غير معقول فبلغ ثمن زق من النبيذ مائة آس.. وإناء من السمك أربعمائة آس أما من يفكر بإطعام أولاده لحما فعليه أن يبيع واحدا منهم ليشتري بثمنه وجبة لحم.. هذا إذا وجد من يشتريه بثمن ملائم، أما زيارة غانية كباكخيس هذه فقد تكلف الإنسان حريته.. إذ يفلس فيباع في الأسواق لسداد الدين.

بلاوتوس: أيها النذل الجبان. "يفرقع بالسوط".

الطفيلي: "يشرق" باكخيس.. احمني من ثورته.

بلاوتوس: سأكون أرحم بك من رجال قيصر لو سمعوك تقول هذا.. تعال هنا.

الطفيلي: "يلوذ خلف باكخيس وهو يرتجف" إنني.. إنني أحتمي بجبل، ومع ذلك أرتجف من سوط الظلم.

باكخيس: ألا ترى يا سيد بلاوتوس أنني قادرة على حماية فيلق من مثل هذه المخلوقات.؟!

الطفيلي: نعم.. نعم.. خاصة من رجال قيصر. "يهمس لبلاوتوس وكأنه يلقنه الاجابة" أرى ذلك.. أرى ذلك.. هيا قلها وإلا نالك العقاب.. إنها مسموعة الكلمة في روما أيها الغبي.. حاذر من سوء العاقبة."في هذه الأثناء بكون بلاوتوس قد لف سوطه على يده. وانسحب قليلا".

بلاوتوس: حاذر من العودة لهذا الأمر.. سأحضر الآخرين لقد ذهب الوقت المخصص للتدريب.. هيه.. أنتم.. تعالوا هنا جميعا.. "يبدأ بعض الأشخاص في الدخول من الكواليس وينتشرون في المسرح ولغطهم واضح.. كل منهم يهتم بنفسه وبملابسه.. أو يسأل عن ذلك.." اسمعوا الآن جميعا والزموا الهدوء.. "يقتربون منه وقد بدأ لغطهم يخف" الحفل الذي سنقدمه اليوم له ميزة خاصة ليس لأننا سنقدم فيه مسرحية لبلاوتوس.

الطفيلي:"بنوع من المزاودة" أعظم كتاب الملهاة في روما.

بلاوتوس: أتهرج أيها المنحوس؟!.

الطفيلي: وحق الآلهة أقول الحق."يركض ليحتمي بباكخيس".

بلاوتوس: أمرت بألا يتكلم أحد حتى أنهي كلامي.

الطفيلي: حسنا.. سكت..سكت.. لن أتكلم "يهم بلاوتوس بالكلام. أنا ساكت.. ساكت.

بلاوتوس: حسنا.. اخرس.

الطفيلي: أرجوك.. كلمة.

بلاوتوس: ألم أقل..

الطفيلي: أرجوك يا سيد بلاوتوس.. كلمة فقط..

بلاوتوس: تكلم.

الطفيلي: أنا تعلمت قولا جميلا سأقوله للجميع ليستفيدوا منه في هذا الاجتماع الهام والزمن الوضيع "بصوت خطابي" أيها الزملاء، يقول الشارع ماركيوس: كن آخر من يتكلم وأول من يصمت. ولذلك سأصمت ، "ضحك من الجميع".

بلاوتوس: كفى.. كفى.. اسمع أيها الطفيلي.. إذا لم تستفد جيدا مما قلت فسوف أجعلك تندم على أن أمك ولدتك، مفهوم.

الطفيلي: هم.. همم..هـ..هم.."يقولها بمعنى نعم دون أن يقول كلمة مفهومة وقد أغلق فمه بيده مخافة أن تغلب عليه الرغبة في الكلام".

بلاوتوس: "للمثلين" لقد تكبدنا الكثير من المشاق حتى وجدنا مسرحا يمكن أن نعمل عليه.. وها نحن هنا نستعد لإقامة حفلة للقيصر الذي سيشرفنا بالحضور الليلة.. وربما قال كلمات مهمة عن مهمتنا.. فلنسع لكسب رضاه باتقاننا لفننا.

باكخيس: إننا نتقنه أحسن إتقان، كل واحد منا يمثل الدور نفسه في كل مسرحية من مسرحياتك منذ سنوات.. لا شيء جديد.."غانية شابة من بنات الهوى، ثم رحل أو امرأة عجوز تبيعها.. ثم فتى حدث يشتريها فيسيء معاملتها أو يعشقها فتستغله حتى آخر قرش" ([i]) أضف إلى هؤلاء طفيليا كهذا.. وجنديا جبانا كذاك.. وكومة عبيد، تكمل مسرحياتك يا سيدي.

بلاوتوس: "يصرخ" اللعنة على الساعة التي تعاملت فيها معكم.. ألا تفهمون أن هذا هو الأفضل والأمثل لكم أنتم على الخصوص.. ماذا تريدون مني أن أفعل؟! هل أعيد لكم قصة الشاعر نايفيوس فأنتقد الساسة والنبلاء.. ثم أطرد من روما أو أسجن؟! ومن الذي سيشفع لي عندما أدخل السجن؟! سيبحث كل مخلوق منكم عن جحر يختفي فيه أو شخص يستزلم له ولن يذكرني أحد أبدا.

الطفيلي: "بشيء من الجدية والتعالم" ولكن نايفيوس يا سيدي.

بلاوتوس: ماذا تعرف عن نايفيوس أنت أيها الأكول؟ إن مقدرة نايفيوس الكوميدية أوقته في المتاعب.. فقذفه الذي لا ينقطع في رجال يحتلون أعلى المناصب قاده إلى السجن فهل تريدون مني أن أفعل ذلك.

باكخيس: "تتغنى ملحمة لبلاوتوس" "لقد سمعت أن شاعرا رومانيا اضطر إلى أن يسند رأسه إلى يده.. بينما يقوم زوجان من الأغلال على حراسته طوال الوقت في سجنه" ([ii]). "تضحك وهي تنظر إلى بلاوتوس الذي عراه الاضطراب".

بلاوتوس: "بحزم" لا ترددي هذا الكلام مرة أخرى.

باكخيس: ولم..؟! إنه جميل.

بلاوتوس: إذا سمعه أحد منك، أخذه على محمل الجد، فيوقعني ذلك في المتاعب.

باكخيس: ولكن جنديك الشجاع يقوله. "وهي تشير إلى رجل بين المجموعة".

بلاوتوس" إن جنديي يقوله لأنه ليس شجاعا.. ولأنه كثير الادعاء.. أما أنت فلا أحب أن تقوليه.

باكخيس: ألم تقل هذا أنت.. وكنت تقصد نايفيوس.. فلم لا يعرف ذلك عنك؟.

بلاوتوس: بلى: ولكنني قلته تلميحا..

باكخيس: ولم  لا تكتب مسرحية تعبر فيها عن أرائك صراحة مثلما فعل نايفيوس ونغير نحن جلودنا وأدوارنا..

الطفيلي: "بسخرية" مثل نايفيوس؟!.. وأين نصبح نحن يا جميلتي بعد ذلك.

بلاوتوس: لتترك هذا الآن.. لتترك كل هذا.. لقد أدركنا الوقت وسيبدأ الجمهور بالدخول.. سأذهب أنا لأهيىء المناظر.. هيئوا أنفسكم.. هيا بسرعة. "يخرج بلاوتوس".

"الطفيلي يأخذ باكخيس من يدها وينتحي بها جانبا بينما يتشاغل الممثلون مع بعضهم في أطراف المسرح، وقد يخرج بعضهم لاتمام إعداد نفسه".

الطفيلي: اسمعي يا باكخيس.. إن بلاوتوس هذا يسخر منا ويضحك علينا الناس ليجني الأرباح على ظهورنا.. وقد أثرى على حسابنا.. فما رأيك في أن..

باكخيس: "تقاطعه" من قال لك إنه أثرى.. لقد أنفق كل شيء على الملابس والمناظر.

الطفيلي: لا..لا.. إنه يخبىء الكثير.

باكخيس: ماذا تريد أن تفعل به؟

الطفيلي: إنه دائما يضع في مسرحياته نوعا من العبيد المخادعين الماكرين الذين يسرقون المال من جيوب أعتى البخلاء، فلنأخذ واحدا منهم ونتفق معه حتى نحتال على بلاوتوس ونأخذ منه مالا نحضّر به وجبة شهية.. ونأكل..نعم..نأكل حتى نشبع غير آبهين بغلاء الأسعار هذا الذي حرمنا من تذوق اللحوم.. وحتى سائر المأكولات والذي سيشعل في أحشائي ثورة.. لا أعرف نهايتها.. هه.. ما رأيك؟!.

باكخيس: لابد من رسم الخطة.

يتبــــع

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

face="Traditional Arabic" "2">جميع الحقوق محفوظة