الشخصيات
1-
الرجل: خالد حسين.
2-
العازف.
3-
المرأة: انعام وهي تدخل في أشكال التخييل المختلفة وتلبس لكل حالة لبوسها لتؤدي
شخصيات عدة.
4-
الفتاة 1.
5-
الفتاة 2.
6-
الحارس.
7-
النادل.
8-
عادل.
9-
شبه المحقق.
10-
صوت الأب.
11-
رئيس المنصة.
12-
ماثلون" كومبارس": فتيات_ جنود_ مساعداً رئيس المنصة+ حراس.. الخ..
ملاحظات
1-
شخصية انعام والفتيات اللائي يظهرن في الفصل الأول على الخصوص، يتمتعن بشفافية
إيحائية_ ويحملن كثافة دلالية، يستحسن أن تراعي بشكل جيد.
وانعام في أطوار المرأة_ الرمز، والمرأة_ الواقع، والزواج التي تعيش وتعاني مع
زوجها تحمل أبعادا مختلفة لشخصيات في شخصية واحدة، يلونها أو يعطيها بعض أبعادها
ذهن الرجل" خالد حسين" من خلال الأطوار والمعاناة واسترجاع الذات، التي يمر بها.
ويستحسن أخذ ذلك بالاعتبار.
2-
بعض المناظر، لاسيما النافورة وما حولها، وقمة الجبل التي يرى منها شروق الشمس،
تحمل دلالات إيحائية حبذا لو يدخل صنعها وتصميمها ما يجعلها تعطي ذلك التداخل
الموحي، بين الحلم والواقع، والذاتي
والموضوعي. ويحسن أن يكون جامعا للنافورة وسفح الجبل تحت القمة التي يتنتقل إليها
الفعل المسرحي.
3-
موسيقا الناي، من الموسيقا التأثيرية الخاصة في هذه المسرحية، تلعب دوراً مؤثرا
ومعبراً، ويكاد " شخصية" فاعلة في الحدث وفي تطور أبعاد الشخصيات ونموها وتحركها
على مسار الحدث. ولهذا ينبغي العناية بها واعطاؤها هذا البعد في النص والأداء
والعرض.
4-
المناظر المعبرة المرافقة، سواء كانت عن طريق شرائح مصورة" سلايدز" أو شريط مصور "
فيلم" أو إيحاءات ضوء وصوت ومناظر عن طريق عاكس ضوئي " بروجكتور" فانها ذات أهمية
في الحدث ودلالات الكلام، واعطاء المشهد بعده الحيوي والدرامي. ولذلك يحسن أن توظف
توظيفاً دقيقاً وملائماً ومتقنا، وأن تكون المادة معبرة ومستوحاة من النص الذي
تواكبه وتعبر عنه ولا بأس في أن يكون بعضها مأخوذاً من مادة ذات طبيعة وثائقية، أو
من مادة مؤسسة على تخييل مدروس في ضوء معطيات علمية. ما يتعلق منها بالطوفان مثلاً
أو بسواه.
الفصل الأول
المكان : النافورة في سفح جبل
"
المنظر"
"
سفح جبل أخضر يشكل مع القمة ونافورة في بداية السفح وحدة متناسقة."
المسرح غارق في الظلام، الستارة تتلاشى مع تداخل وهج متقطع لألسنة لهب ودخان كثيف
بعيد. صخب وضجيج ملاحقة تتداخل فيها أصوات كلاب الأثر، وصرخات الرجال، واطلاق
الرصاص. وتخترق ذلك من آن لآخر أصوات حشرجات جرحى على شفا الموت، ومعذبين على وشك
الاغماء، ولهاث هاربين وانذارات سيارات ملاحقة أو اسعاف، وبعض الضواء الكاشفة
البعيد.
صخب
المدينة يتداخل مع تلك الأصوات ومع موسيقا حديثة ، وعصف ريح. نداءات متداخلة من
مثل: توقف_ ارفع يديك_
سلم
نفسك_ انت محاصر_ تتباعد شيئاً فشيئاً.. ويحل الهدوء تدريجياً.
يدخل رجل لاهثاً شاحباً معفر الهيئة، ويرتمي على مقربة من المكان الذي تأخذ ملامحه
بالظهور حيث يتراخى المساء على أرضية لازوردية يشكلها الغسق، وتترامى حزم من الضوء
على انسكاب الماء من نافورة ذات ثلاث طبقات متناسقة ، تشكل مع الفسحة المكانية واحة
للروح تتماوج فيها الرؤى وتتشمرخ الأحلام. في خلفية المشهد من بعيد تتراءى معالم
المدينة التي يلفها الظلام، وتتلامح جزرها في نبض الضوء وانتشاره.
يبرز في عمق المكان الرجل الذي دخل، وهو طويل القامة، يداه معروقتان، يشبه هيكلا
يسعى في محاولة منه لاكتساب الحياة.
ملابسه، ونراه يتهالك علىالأرض ثم تتنامى قامته صعوداً وهو يقترب من النافورة.
ويترامى ظله على أرضية من شبه الظلام الذي يتساكب وينمو، وتبقى على الماء ملامح نور
تظهره في حركة تموج رقيق، وتمنحه سحراً خاصاً."
الرجل:
أعطوني شمعة وشربة ماء لعلي أستعيد دربي وصورتي وصوتي، فقد ضاع مني كل شيء حتى
ذاتي. أعطوني شيئاً أبصر به، فقد غاض كل فيض الرؤية في أعماقي.
"
يسعل سعلة جافة ثم يتراخى على الأرض."
لقد
جف حلقي تماماً، ويكاد الدم يترسب رماداً في عروقي." يصرخ بصوت مخنوق"
ماء.. ماء. الماء قبل النور.. هكذا هو عندي في هذا الأوان. ماء.. ماء.. ماء." يشد
رأسه وجذعه نحو الأعلى ويصرخ ، لكن صوته مكتوم." ماء.. شربة ماء." يتهاوى على الأرض
وتسكن حركته لفترة ، ثم ترتفع نأمة صوته وهو يتفحص المكان موحوله ولا يجد أحداً
فيه." لا أحد يقدم لي شيئاً، وحتى أنني لا أرى أحداً.. وربما قضيت هنا دون أن يعلم
بي أحد. فراغ.. فراغ. الفراغ المرعب مرة أخرى.." يصغي قليلاً، وكمن ينتعش فيه شيء
يتنامى صوته وحركته." الماء.. موسيقا الماء. انني أسمع موسيقا الما، وأتخيله
رقراقاً عذباً.. آه .. اين أجده؟! ان موسيقاه تشرع الأفق الحزين أمامي إلى آخر مدى
الحرمان منه، أيها العذب.. يالحياة.. دعنا نتواصل. مالذي يمنع التقاء جسد بأحد
أصوله؟! دعنا نتواصل .. اقترب.. اقترب.. اقترب." ينظر إلى الماء الذي ينسكب من
النافورة وقد بدأ يتضح له." انني أرى ماء في الضوء أهو لمع سراب، أم ماء يشتفي به
من الظمأ؟!" يمشي نحو الماء، ولكن النافورة تهرب منه أو يتراءى له أنها تهرب،
وترتسم مع حركته في خط شبه دائري، وكلما كاد يلمس الماء يبتعد الماء عنه، وتتسارع
الحركة إلى أن يهوي على الأرض.
تمر
فترة نسمع خلالها لهاثه وما يشبه الحشرجة في حلقه، ثم يمد يده باتجاه الماء فلا
يطاله، ولكن اليد تدخل دائرة الضوء، ونراها على مقربة تامة من الماء المنسكب، نرى
ساعدين واصابع في الضوء، ساعد وأصابع، تتداخل أو تكاد." هذا ماء لايدرك؟! ليس
سراباً،ولكنه بعيد المنال شأن السراب. وأنا الباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو
ببالغه؟!؟
ما
هي نهاية أمري معه؟!" يستنهض همته ويتحرك نحو الماء دون جدوى." ولكنني أسعى.. أسعى
وأقبض.. أقبض.. أقبض" بيأس".. ملء يدي الريح، وكل ما لدي عزم خائر يطلب الماء..
ولاماء. آه يالشأني.. صغر حتى عن ادراك قطرة ماء.. ولهاثي يفضح أمري.. حتى لينطبق
علي مثل الكلب:
ان
تركته يلهث وان حملت عليه يلهث، أهكذا أصبحت بعدما.. كنت؟!؟ عجيب شأن الانسان..
وأعجب منه عندي شأن هذا الماء وشأني" صمت" أشعر بدمي يتثفل في عروقي
..
سيل ملح ناري يتلكأ في زوايا الرأس وأسفل القلب، ويتثاقل حتى لتنوء بحمله العروق.
الأشياء تتراقص وتتشامخ أمامي، تمر فيما يشبه مرآة تمسخ الأشكال ثم تمحوها، يكاد
جسم الشيء يتكسر ويتطاير شظايا..
لابل هو يمحي تماماً.. انه المحو.. المحو ثم التماسك.. نعم.. لايلبث الشيء أن
يتماسك ثم يعود سريعاً إلى الامحاء.. محو.. فاثبات.. فمحوا!! لغز!؟ شيء زئبقي
يترجرج في المدى ثم يشتته المدى.!! ما هذا؟! أفي داخلي يحدث هذا أم فيما حولي؟! أهو
أنا الذي يترجرج أم كل ما عداي؟! كأنما هي صور.. صور الأعماق تعرض أمامي!؟ ولكنها
ليست مجرد صور ... ان لها طعم الوقائع، أنها ليست بعيدة على الاطلاق، هي مضخمة
بدمي، فيها رائحة عروقي ووجعي، تدرج على نسج مشاعري.. إخالها تقفز من أعماق ذاكرتي
أحياناً. شيء ينبثق من نفق لاحدود له يقترب ويغيب ولا تلبث أن تجده أمامك حيا.. ثم
يتراقص ويتراقص.. وينوس.. ويموت. وعندما تنطلق من أسارك وتتجلى له .. يرتعش يشء
فيك.. في الأعماق منك.. ثم يندفع إلى دوامة المدى.. يدوّم فيه ويتسع، يعلو ويتسع..
ويتمدد هناك فوق بحار الغيم ثم إلى الأعلى.. فالأعلى.. ويمتصه المدى. " صمت" أحس أن
شمعة روحه تذبل.. لابد من الماء.. إنّه الظمأ الأسود يقودني إلى أحلام سوداء.. آه
لابد من الماء" يمد يده ويزحف باتجاه الماء، ويشد نفسه نحو النافورة بقوة، في لحظة
ما تلامس أصابعه الماء فيضعها في فمه." الماء.. الماء.. لست في قبضة السراب إذن بل
في قبضة الواقع المر. ماء.. ولا أشتفاء. ولايأس من بلوغه مع ذلك، انه يتقافز أمامك
ويغريك، يبتعد عنك ويناديك، لاتصل إليه ولا يصل إليك.. ورمضاء الجسد تشوي الروح،
أليست هذه قمة المحنة؟!
"
تمر فترة صمت قصيرة، يشعر الرجل فيها كأنما هو في دوار شديد. ويترى شريط من الصور
على ذاكرته."
الصحراء تعود، الرمل والنار والرعب.." يغطي وجهه قليلاً" الجثث.. الجثث.. ويحمرّ
الرمل رويداً رويداً.." يصرخ برعب"لا..لا.. لا.." يتنبه إلى أنه يصرخ فيكتم صوته،
ويتلاوذ بظل ينتشر في المكان.. يزحف ببطء شديد وينكمش على نفسه ويكتم أنفاسه.
يترامى إليه نباح كلاب الأثر، كأنما يستعيده من ذاكرته ولكنه يشعر بالخوف منه،
يزداد الصوت وضوحاً وقرباً، ويتضح لهاث الكلاب وحركة الرجال التي ترافقها، فيتلمس
كصبي رجليه ويلملم ثيابه كأنما هو يتخلص من الأنياب والمخالب التي تلاحقه. يتناوبه
الظمأ والرعب، وعندما يقترب صوت الكلاب والجلبة المرافقة أكثر فأكثر .. يكاد يغمى
عليه تماماً. وتسكن حركته لفترة. يبتعد الصوت فيرفع رأسه ويمسح بيده على حنجرته
الجافة ثم يزحف باتجاه الماء. بينه وبين الماء ينتصب شبح بندقية مصوبة إليه وكلب
يتطوح في الهواء منقضاً عليه يريد أن ينشب أظافره في وجهه، فيصرخ صرخة مكتومة
ويتراجع."
الكلاب في الماء.. بيني وبين الماء.. الرصاص والكلاب بيني وبين الماء." يلهث" في
الحياة رعب الموت، في الماء موت.." لحظة صمت" وفيه حياة.. بل هو الحياة." يضع رأسه
بين راحتيه." أين أذهب مما يلاحقني.. أين أذهب من نفسي؟!؟ لابد أن أستجمع أمري
قبل أن يصلوا والا انتهيت.. هلكت من العطش.
"
يمد جسمه ويزحف باتجاه الماء، والنافورة تبتعد باستمرار حتى تنهك قواه. وواقع الأمر
أنه لا يقصدها تماما وانما يخيل إليه أنه يفعل ذلك. يسقط رأسه على مقربة من انسكاب
الماء سبه فاقد الوعي. حول النافورة ينبثق سرب فتيات، بأيديهن جرار جميلة، شعورهن
طويلة وملابسهن كذلك، وينساب من موكبهن سحر خاص بشفافية موحية، ويظهرن في الضوء
كأطياف تأتي من عمق الماضي، يقتربن من النافورة ترافقهن أغنية ريفية بعيدة ومألوفة،
وفي حركتهن هفيف شفاف وبعض الايقاع الجميل. يملأن جرارهن قليل من الماء فيتناثر على
وجه الرجل الذي يفتح عينيه ويرفع رأسه. وبعد نظرة تائهة يتمتم ببطء." ماء.. ماء..
ماء وضياء وحياة.. ولا أيلغ من كل ذلك شيئاً؟! ربي لم حرمتني؟!" تقترب واحدة من
الفتيات إلى حيث الرجل."
الفتاة1:
انظرن هناك.. أنه رجل." يقتربن منه قليلاً."
الرجل:
ماء.. شربة ماء." تتقدم احداهن وتعطيه جرتها، يحاول أن يشرب ولكن الجرة تبدو فارغة
تماما. يضعها الرجل على الأرض بيأس." أريد ماء.. ماء لا وعاء ماء. أيتها المرأة بحق
جنسك، أعطني ماء، فقد تفحم قلبي.. أموت عطشاً والماء أمامي؟! وحين أستنجد بك تعبثين
بي وتسخرين من ألمي؟!!
الفتاة1:
"
مرتبكة" لقد ملأتها الآن، الجرة ملأتها الآن. أظنها كانت ملأ تماما.." تسأل
زميلاتها" ألم ترينني أملؤها يابنات؟!" تذهب الفتاة لتملأ جرتها مرة أخرى وقد شدهت
ما حدث، بينما تتقدم أخرى من الرجل.
الفتاة 2:
خذ،
جرتي ملأى.. انظر.." تسكب قليلاً من الماء من الجرة قبل أن تعطيه إياها. يأخذ الرجل
الجرةويردها إلى فمه، ولايلبث أن يعيدها إلى الفتاة بأسى شديد."
الرجل:
حتى
هذا الوضع الذي أنا فيه يدخل في اللعبة القذرة، لعبة الزحف على اليدين والرجلين
ورموش العين، من أجل الوصول إلى غرض، والحصول على سلعة تبعد شبح الموت؟! أأكون على
شفا الموت ظمأ.. والانسان.. الانسان الرقيق أمامي وبيده الماء، يدلقه على الأرض
ويعطيني وعاءه فارغاً ليرمض قلبي ويدفعني إلى الاستجداء؟! يعبث.. يعبث.. يعبث لكي
أصرخ وأصرخ وأرصخ!! مافائدة أن يتضور أحدنا أمام الآخر ويستجدي، ما دام سيصلنا
الدور جميعاً؟! أية انتصارات واية هزائم، واية بطولات!؟!" صمت" ولكن.. ماذا؟! هل
بقي مالا يمكن أن يحدث بعد كل الذي رايت والذي حدث ؟! لايمكن استبعاد شيء، كل ما
يخطر ببال يمكن أن يحدث، وكل ما لايتوقعه المرء يمكن أن يجيء، وكل ما يثير اشمئزازه
يمكن أن يسجر به حتى الامتلاء.. كل شيء يمكن أن يحدث، بعيداً عن القداسة والابتذال،
والأحكام الأخلاقية من أي نوع. لم يعد أي كائن أو رغبة يحظى بالاحترام.. حتى حاجة
الروح تداس بالأقدام." للفتيات بعد صمت قصير"
دلقت الماء ثم أعطتني الوعاء!.
وماذا أفعل بوعاء وأنا في هذه الحال؟!" صمت.. ثم ينفجر صارخاً بقهر" بحق الله أريد
ماء.. كرمى لله.. ماء، ياخلق الله.. ماء.. ماء..
"
تصاب الفتاة الثانية بمثل ما أصيبت به الأولى من دهشة، ويترامى بمثل ما اصيبت به
الأولى من دهشة، ويترامى الرجل من الاعياء على مقربة من النافورة. تقترب الفتاة
الثالثة من النافورة وتتأكد من امتلاء جرتها وذلك بأن تضعها تحت الماء حتى ينسكب من
حوافها، ثم تقترب منه قليلاً، ولا تلبث أن تتراجع.
الرجل يستجدي الفتيات حيارى. ونقرأ في وجوههن الرغبة في عدم التراجع، انهن يقاومن
شيئاً من الخوف.
من
بعيد تنبعث موسيقا غريبة، وعلى وقعها تخرج من جوف الظلام امرأة رائعة الجمال، يبدو
أنه قد انبثق عنها المكان ذاته الذي ظهر منه الرجل. تتهادى المرأة عبر هالة من
النور، وعلى ثغرها ابتسامة ساحرة، وتتبعها فتاتان ظهرتا معها، تنظر المرأة إلى
الرجل الجاحظة وعيناه.. ثم تغرف بكفيها ماء من النافورة وتتقدم منه وتسقيه."
المرأة:
خذ.. إنائي يفيض ماء وحياة." يتردد قليلاً" خذ.." يرفع الرجل رأسه وهو متردد."
ساعديني لنسقيه." ترفع احدى الفتاتين رأس الرجل فيشرب، ونرى الماء ينسكب على عنقه
ويديه.. ينظر إليها غير مصدق لما يرى، وتبدأ ملامح المرأة تتوضح له شيئاً فشيئاً،
ويستعيد الحياة ويشمله بعض النور الذي يفيض منها.".
الرجل:
جزاك الله عني خيرا." يمد يده باتجاه الماء ثم يسحبها خوفاً من أن يتكرر ما كان
يحدث معه.".
المرأة:
"
تمسك يده وتدنيها من الماء الذي ينسكب."
لاتخف من شيء.. الحياة معك مادمت أنا معك، مد يدك ولامس الماء." يشد يده بعيدا
ولكنها تشدها وتغمسها في الماء، فيرتاح الرجل لحدوث ذلك، وتبدو عليه النشوة ثم يضع
الماء على وجهه وعلى رأسه.. ومن ثم يضع الماء على وجهه وعلى رأسه.. ومن ثم يقترب
منه ويشرب وحده. ويرجع نظره بين الماء والمرأة وسط دهشة الفتيات اللواتي أخذن
يبتعدن." هل أنت على ما يرام الآن؟! اطلب مني كل ما تريد، فسأحققه لك.
الرجل:
لا
أريد أكثر مما حصلت عليه.
المرأة: كنت فيما مضى لاتكف عن الاستزادة.
"
تبتسم باغراء واستدراج واضحين."
الرجل:
فيما مضى؟! متى؟ واين؟! والاستزادة من أي شيء؟!
المرأة:
من
كل شيء.. ألا تذكر ؟!" تضحك وتربت على يده. الرجل يجهد نفسه، ويضغط راسه بيديه
مستذكرا.. فلا يفلح في تذكر شيء." لاتذكر شيئاً، أم لاتريد أن تتذكر شيئاً؟! "
تضحك" هذا أمر عادي جداً مع رجل يريد أن ينسى.
الرجل:
أنسى؟! أنسى ماذا وأذكر ؟! أنا أريد أن أتذكر لا أن أنسى، أريد أ، أتذكر التفاصيل
الدقيقة كلها.. أريد أن أعرف كل شيء..
ولكن.." مشيراً إلى راسه" هنا شيء لايسعفني.. أرجوك.
المرأة:
لا
أستطيع العمل من رأسك. عليك أن تفعل ذلك أنت، افعله من أجلي.. ألا أعني لك شيئاً؟!
انظر " تدور أمامه مثل فراشة ثم تعود اليه." ألا أعني لك شيئاً.؟!
الرجل :
بل
كل شيء.. فقد أعدت لي الحياة.
المرأة:
لا
أقصد الآن.. أعني.. ألا أنعش ذاكرتك؟! ألا أحرك فيها شيئاً؟!" الرجل يصمت " صبعاً
الرجل ينسى.. لاسيما اذا كان الموضوع يتصل بامرأة.
الرجل:
من
أنت بحق الله.. كان الماء لايصل الي وأسقتنيه كفاك، من أنت؟!
المرأة:
لقد
كان الماء بقربك، فلم لم تشرب منه وحدك؟!
الرجل:
كان
وهما.. صدقيني.. كان وهما، كأنما أصل الحياة وفوعها وهم" للمرأة" كان وهما وحرقة
على مقربة مني، ولكن .. هل كان بقربي فعلاً.. أم أنني كنت أتوهم ذلك؟! وهل كنت لأصل
اليه من دونك " لحظة" لقد كان موجودا.. لامسته اصبعي فعلاً.. ولكني لم أدركه ، حتى
كفي لم تصل إليه، كان يهرب مني.. يهرب.. هل تصدقين؟! حاول غيرك أن تساعدني ولم
ينجح!! امرأة أيضاً ولم تنجح!!
المرأة:
كيف؟! الماء موجود، والنافورة هنا ما تغير مكانها، وهذا هو الماء قد ملأت منه كفي
وأسقيتك.. فكيف كان الماء يهرب منك وهو الآن يدنو اليك؟! ومن غيري الذي ساعدك ولم
يفلح؟!
الرجل:
ألا
تصدقين ذلك؟!" يتلفت حوله" أين هن؟! " يبحث دهشاً" أين هن؟!
المرأة:
من
هن؟!
الرجل:
كن
هنا.. حاولن أن يعطينني الماء.و.. أين هن؟! لقد كن هنا وكلمتهن." صمت، كأنما هو يشك
فيما حدث." فعلاً الماء موجود..و.." ينظر إلأى المرأة" وأنت موجودة.. وهن.. هن!؟!
أين هن؟! " صمت قصير" هناك سر.. لابد أن هنالك سراً ما" بخوف" هل كنت أتوهم كل
ذلك؟! هل هن وهم، وأ،ت وهم، والماء وهم؟! " يحاول أن يمد يده إلى الماء ثم يسحبها."
المرأة:
لم
لا تمد يدك؟!
الرجل:
أخشى أن تتكرر المأساة، لقد أصبحت الجرة التي أمسكتها فارغة بيدي، وكانت بيدها ملأى
بالماء، أنا أريد الماء ولا غنى لي عنه.. لا أريد أن يهرب مني.. ولا أريد أن أستعجل
المصيبة.
المرأة:
مد
يديك اليه ولا تخش شيئاً.. مد يدك.
"
يمد الرجل يده ويغرف من الماء ويشرب، ثم يغسل وجهه. المرأة ترشقه بقليل من الماء."
هاهو الماء يفيض عليك.
الرجل:
"
ينظر إليها والى الماء." تبارك الله.. نور على نور.
المرأة:
اغرق من الماء" يفعل" أترى؟! ربما وهمت أنه يبتعد عنك، ربما كنت أنت الذي يبتعد
عنه، أو ربما بقيت في مكانك وظننت أنك تقترب منه. لقد كنت ظامئاً ومتعباً.. ربما
زاغ بصرك عنه ولم تتمالك نفسك لتوجه قواك نحوه.. ولذا لم تصل اليه؟! لابد أنك وهمت
فقط، هذا كل مافي الأمر. مد يدك وتثبت من أنه بمتناولك.. انه عذب، بارد وعذب كالفرح
وأحلى." يمد الرجل يده إلى الماء، ويفرح فرحاً شديداً عندما يلامس أصابعه للمرة
الثانية، ثم ينهض ويغسل وجهه ، فيشعر بنشوة غامرة."
الرجل:
الماء .. الماء.. أشعر بالحياة تعود الي.. شكرا لك" يحرك يده في الماء، ويصبه من كف
إلى كف." ماء.. واصل اليه، لست كف إلأى كف." ماء.. وأصل اليه، لست الباسط كفيه اليه
إذن، بل المالئ كفيه منه. " للمرأة" وأنت على حق.. ربما وهمت، يبدو لي أنني وهمت في
أشياء أخرى.. الوهم يبعد المرء عن المعرفة وعن نور الله." يعود إلى العبث بالماء."
الماء.. النور والماء وال.. " ينظر إلى المرأة" لقد اقترنت فيك الأشياء.. وتباركت..
النور والماء والحياة وال...
المرأة:
"
ضاحكة" والجمال..
الرجل: ليكن.. هلى حرّم عليّ أن أتلفظ بالكلمة؟! الماء والنور والحياة والجمال..
أنت. وإخاك أنني أدخل الدنيا على يديك للمرة الأولى,, وبوعي تام بها. شعور لم أعرفه
من قبل." يشرد قليلاً." وهل كان لي أصلا" قبل "؟! إنها المرة الأولى..
المرأة:
"
تضحك ثانية" المرة الأولى؟!
الرجل: نعم" تضحك ثانية" لم تضحكين؟!
المرأة:
دائماً تكون المرة الأولى... أهو حب النسيان وتهالك عليه.. أم هروب .. أم ماذا؟!
الرجل:
عن
أي شيء تتكلمين؟!
المرأة:
عن
شيء لاتريد أن تراه.. أو لا تجرؤ على أن تستعيده.
الرجل:
أنني أحب أن أرى كل شيء، وأجرؤ على مواجهة كل شيء، انني أتعلق بحياتي، بكل تفاصيل
حياتي.. وأريد أن أمتلكها بدقة وثقة، إنها الشيء الذي يبقيني متماسكا..
ولكن.. ولكن.." فجأة" عن أي شيء تتكلمين؟!
المرأة:
"
ضاحكة" لاتفسد لحظة من عمرك بتذكر شيء يغيب كلما اقترب. هناك ما هو أهم!!
الرجل:
ماذا؟! ماهو.؟!
المرأة:
لحظتك التي أنت فيها الآن. الحياة الآن..
الرجل:
الحياة شيء ثمين، لايقدر قيمتها الا من حرم زهوها.. احساس غريب يخالجني" صمت"
الغريب.. أن كل ما أشعر به وما أحسه..
أجده حقيقة تحت حواسي، بيني وبينه حاجز كثيف رجراج. شيء ما كان يحدث لي.. شيء
غريب." يشرد قليلاً".
المرأة:
ما
بك؟!
الرجل: أين أنا، وما هذا المكان، ومن أولئك الفتيات اللائي كن هنا، ومن بحق الله؟!
لقد اقترن احساسي بالأشياء بك، بوجودك معي، وينهض في داخلي شيء ما.. احساس ما بأنه
كانت أي علاقة بالأشياء.. وربما من خلالك أنت، ربما بك ، يخيل اليّ أنني رأيتك من
قبل.. بل أنني أعرفك منذ أمد بعيد.. منذ بدء الزمن." يشرد قليلاً" أين أنا بحق
الله؟!
المرأة:
أنت
على سفح تلة خضراء، قرب عين ماء تنضح من نبع صاف، يشرب منه خلق الله، ويعيشون في
أرض الله.
الرجل:
ومن
أنت؟!
المرأة:
من
سكان المكان الذي في حضن السفح.
الرجل:
"
يتأمل المكان من حوله." لا أعرف ما إذا كنت غريباً عن هذا المكان أم لا ؟! أشعر
بأنني أتعرف على الأرض كلها للمرة الأولى.. وأجد هنا خضرة أعمق من الخضرة، وألواناً
ليست كالألوان.. وأحس بوخز الألغاز، وأجدني غريباً حتى عن نفسي." صمت " لقد مشيت
طويلاً في الظلام.. في الحر والضيق والظلام.. مشيت في سديم متشابه، لاضوء ولا ماء
ولا أمل، ولا شعور بحياة أوبأحياء... مجرد انسكاب للتعب واللهب والمرارة في حاقي،
حتى كدت أجف، والكلاب تلاحقني وتلاحقني.. وتراءى أي هذا الماء.. الرصاص والكلاب ..
ثم ها أنت.. وها أنا.. و..
المرأة:
وها
هو الماء. الماء ذاته لاسراب الماء."ترشه بقليل من الماء مداعبة إياه." وحواء ياآدم
هنا على هذه الأرض بعطر ورغبة. هنا عند سفح جبل أخضر في مقلة الغروب، على عين
متدفقة وشهوة متألقة، تجمدها أسئلة لاتنضب: من أنت.. ومن أين؟! كأنك تهرب بالسؤال
من الاستجابة عن عالم غير الذي أنت فيه.
الرجل:
"
كأنما يتابع تأمله مستغرقاً فيه".. نعم.. أنت وأنا.!؟ من أين والى أين؟!
المرأة:
من
ألق الخضرة وإليه.
الرجل:
ليس
هذا مهما.. المهم ماذا نريد.. وإلى أين يمضي بنا ما نريد.. وكيف ؟! أين أذهب ، ومن
أين أتيت.؟!
المرأة:
لاينفصل هذا عن ذاك. حتى تعرف ما تريد لابد أن تعرف أولا من أنت. ولا أنت بلا أنا.
هذا البدء ثم تعرف الباقي. ولا تعرف من أنت الا بأنا." الرجل يتأملها."
الرجل:
صدقت.. وجه مشرق يحمل الحياة في إناء، ويقدمها اليّ مع ابتسامة، ويدلني على طريق
الخلاص بكلمة.. مثل هذا لابد أن يكون وجها ملائكياً.. فماذا أريد أكثر من هذا ؟!؟
وعم أبحث؟! لا اريد أن أتذكر.. لا أريد أن أبحث بل أريد أن أكون معك، وأن أتعرف
عليك.
المرأة:
مرة
ثانية؟!
الرجل: ماذا تقصدين؟!
المرأة:
انك
تريد أن تفسد ما أنت فيه. انك لن تصل اليّ الا اذا استعدتني، لا في صورة الملاك
ولكن في صورة البشر، ليس في صورة الوهم .. بل في صورة الحقيقة.
الرجل:
أريد ذلك. ولكن كيف؟ّ ساعديني .لا أنكر فضلك الآن علي. من يدك شربت الماء، وعلى يدك
تصالحت معه." صمت" أشعر بأنه لابد من الاجابة عن الأسئلة.!! لابد من أن أبني على
معرفة!؟ معك الحق، ربما ضاع ما ضاع مني بسبب البناء دون أساس واضح.. ولا أجد الآن
في ركام البناء مخرجاً ولا طريقاً إلى الأساس.. دهاليز الخلد تصنع المتاهة.. لابد
من الاجابة على الأسئلة ليكون بناء. ولكي أجيب لابد لي من وقت، ومن مساءلة.
المرأة:
مساءلة؟! مساءلة من؟!
الرجل:
مساءلتي أنا.. نعم المساءلة لي أنا أولاً. لي أنا ومن الأعماق وفي الأعماق أيضاً.
لا أستطيع مساءلة أحد قبل ذاتي.
المرأة:
هنالك مفازات مظلمة وقاسية إذن.. ما زال عليك أن تواجه صعوباتها وحدك، وأنا لن
أنفعك فيها.. يخنقني الظلام هنا، عليّ أن أعود. وعندما..." تنصرف مسرعة."
الرجل:
إلى
أين؟!
المرأة
الى
حيث لايراني من لايرى الانفسه.
بعيداً عن انسان قلق لم يمكنّه وجودي من الرؤية والاستقرار والراحة. فأنا مولعة
بالاستقرار والرحاة مثلما أنا مولعة بالنور.
الرجل:
انني ما شعرت بالحياة الا بوجودك. وما تبع ذلك كله كان شيئاً منك أو بسببك، ألا
تشعرين بذلك؟!
المرأة:
كلام رقيق.. ولكن لابد من تذكر حقيقة أنه ما زال لديك ما تبحث عنه لتقرر، هذا ما
قلته أنت، وإلى أن يتم ذلك، فلك ما شئت.. ولي أ،ا أيضاً التخيلات والصور عني.
"
تغيب المرأة كما ظهرت."
الرجل:
"
يمد يده باحثاً عنها وكأنما يتلمس إليها طريقاً." لاتتركيني.." بخوف" ان بهجة النور
تتراجع، وأخشى أن تخاصمني الحياة ويجفوني الماء، ذاك الذي عاد الي بعودتك. ابهذه
السرعة تغيبين!؟ لاتفعلي بحق الله..
ان
كل شيء يضمحل.. ويتلاشى." يتراجع النور مع اسحاب المرأة، ويكتسي الماء لوناً
لازورديا مائلاً إلى الزرقة القاتمة." لقد كانت هنا الآن... كانت هنا بكل حيوية
الحياة فيها. وكانت فيّ ومن حولي الحياة. الظلام يسقط في قلبي من جديد." تأخذ الرجل
وحشة، ويدور في المكان قليلاً.. ثم تتباطأ حركته." يسقط بثقله مرة أخرى ومعه
الوحشة.. كل درجات الوحشة!؟ ما الذي لم أره موحشا قبل هذه اللحظات التي مرت
سريعاً؟! كل شيء مرّ بي كان موحشاً..
غير
واثقة من ثباته ومن امكان ادراكه." الماء لم يغب معها، لقد تركته لي، تركته بركة أو
ذكرى.. ولكن كيف.. كيف تملك الماء. كيف تملك أن يكون أو لايكون؟! هل حقاً بقي لي..
أم .." يغمس يده في الماء." إنه في مكانه مني.. وأنا في مكاني منه!! هذه أول مقاربة
ثابتة بيني وبين شيء!! لقد تركت لي ما يكرني بها: الماء." يمشي قليلاً متلمساً بعض
الأشياء متثبتا من حضورها." إنني أرى النافورة، وأرى الماء وألمسه بيدي.
"
يغرق منه ويشرب." وأشرب منه. الآن أتيقن من جسمي ومن شيء خارج جسمي، ويتم بيننا
التقاء وافتراق.. أفارقة ويفارقني.. ولقد فارقتني هي بعد أو وصلتنا أنا تستقل من
دوني ومن دون الماء وتعيش. تملك النور والبهجة والحياة وتعيش.. كيف لا أملك ما تملك
ولا أقدر على ما تقدر هي عليه؟!
المفارق أقدر من المتروك.. وأنا المتروك.. أنا والماء.. وهي المفارق." يتأمل" هناك
المفارق القادر، والمتروك الضعيف لذي يبقى في حالة توق إلى اللقاء والاتصال."
بلهفة" أين نورك الذي أحتاج إليه لأرى ذاتي والماء والأشياء.. لم يبق في شبه الظلام
هذت سواي... أنا والماء.. الماء.. وأنا." صمت" أنا؟! أنا .. أنا.. كانت في عمق
الصمت لاتمايز لها أبداً، والآن.. الآن.. هناك شيء من الوضوح." أنا؟!؟ ماذا تعني
تماماً.. ماهي حدودها، وعلى أي شيء تدل بالنسبة للجالس هنا على كتلة الظلام الكثيف
هذه التي يسمونها سفح جبل؟! لابد من ذاكرة مضيئة ونظيفة تقدم معطيات معينة ليتم
الوصول إلى شيء محدد يبنى عليه شيء محدد!؟!" صمت.. ينظر فيما حوله" أذكر أنني كتلة
لحم مغموسة بالمرارة والجهل حتى الموت، تقطر ملحا ونارا في العروق، وتنز بالنزوات،
وتماد لاترى الماء أو تلامسه.
وأكر أنني.." صمت" بدأت" أنا" من الماء. من النور والماء ثم من الحاجة إلى النور
والماء. ثم من المرأة، بل لم يتضح النور والماء الا بالمرأة. النور والماء والمرأة..
نعم.. نعم.. بل ان ألأشياء لم تتواصل تماماً الا بوجود المرأة، وكان في ذلك شيء من
روعة وجمال. وقبل ذلك ها وجد شيء؟! هل كان هناك شيء ؟! واين كنت أنا وتلك الأشياء
التي كوّنت وجودي واحساسي بالوجود وبالموجودات؟! لابد من أن ينتعش شيء ما في داخلي
لتحدث حركة ما، ولابد من نبض حي يتصاعد حت يغدو ارتعاشاً.. ألقاً.. وتواصلاً.. و.."
صمت" ولكن ما فائدة هذه الأسئلة الكبيرة؟ ولم تلاحقني قبل أن تتضح لي أجوبة أسئلة
أصغر؟! لابد من تماسك علاقات وحوادث وذكريات، تماسك عالم ما أحدده ويحددني!؟!
أذكر... أذكر أنني ألقيت هنا..." " صمت" هنا أين؟! لابد من تحديد هناك ليتحدد هنا
ويكون!! ألقيت هنا أم وصلت إلى هنا؟!هذا فهم أيضاً. " ينهض ويمشي قليلاً حول
النافورة، ثم يجلس وقد شعر بالانهاك." لا أقوى على فعل شيء.. حتى ولا على التذكر."
صمت.. ينبعث من بعيد صوت ناي رقيق، فيصغي الرجل باهتمام، ثم ينساب مع اللحن."
في
العتمة ينبعث ضوء الانسان وفيها يتدفق، ومنها ينطلق صوته حلواً وحزيناً، في ترانيم
تنسكب من جسم الخشب.
كل
منهما يرثي الآخر.. الانسان والخشب كل منهما يسامر الآخر,, يشكو له.. ويشكو عبره..
والهواء يحمل لغوهما وحزنهما وينثره في الكون..
يبلغه لكل الآذان.
والانسان والخشب يتآكلان .. ويتهافتان.
فوق
كتلة ظلام تكثفت سفحاً لجبل أخضر..
ينسكب دمع الكون ماءً، يحيا به الخشب والانسان!!
يارشارب الدمع بماذا تجود يداك ومقلتاك؟!
وهل سوى المعاناة والشكوى من بوح؟!
وهل
هناك غير التهافت حيث تنطفئ نار الخشب والانسان فوق كتلة الظلام الكثيف التي غدت
أرضاً تأكل وتبكي؟!
وفي
جوف الظلام الذي يتكاثف..
يتهالك الانسان.. ويفنى
ويتفتت الخشب في التربة والماء
ويصبحان لغة الشكوى والاثم.. نعم الشكوى والاثم.
والكون الرحب يسمع ويعيد ويمضي سرمدياً، وبينما يشرب الخشب الانسان.. يشرب الانسان
الخشب يشربان ويتفانيان..
على
امتداد الزمان.
يتساقيان ويتفانيان..
"
صوت الناي يقترب قلبلاً قليلاً، والرجل يشعر بذلك فيتحاشى وضوح الضوء المنسكب على
الماء، ويجلس بعيدا في العتمة. يقترب العازف: على كتفه قطعة من جلد خروف، ويحمل"
جوداً"- وهو وعاء من جلد الماعز الصغير يوضع فيه الماء.- فارغاً. يضع الجلد على
الأرض وكذلك الجود، ويغسل يديه ووجهه، ثم يفتح الجود ليملأه ماء، فتسقط الشبابة
محدثة صوتاً، وتتدحرج إلى مقربة من الرجل الذي يتأملها، دون حراك. لحظة قصيرة تمر،
يملأ العازف وعاءه ثم يربطه ويضعه جانباً، ويتقدم ليأخذ" القصبة- الشبابة" ليفاجأ
بالرجل.. فيتراجع ، وبصورة غريزية يستل خنجره من حزامه. الرجل لا يتحرك ولكنه يرتجف
رعباً. يقترب الآخر منه."
العازف:
من
أنت؟!" ينهض الرجل ويحار ماذا يقول."
الرجل:
أنا.." يحرك يديه حركات لامعنى لها."
أنا..!!.. أنا.
العازف:
أنت
من؟!
الرجل:
"
صمت" أنا.. ماذا أقول لك؟! صعب عليّ تحديد ذلك الآن، ولكن تيقّن من شيء أعرفه جيدا،
وهو أنني لا أخيف.. ولا أريد شيئاً أنا هنا قرب الماء.. متروك أنا والماء.
"
يضع العازف خنجره في قرابه مستعيدا هدوءه، ويأخذ الشبابة ويتراجع قليلاً وعلى وجهه
علائم الخوف وعدم الاطمئنان. الرجل ينظر إلى العازف ويهز راسه قليلاً وهو يقول:"
كنت تحيي.. فصرت تميت.
العازف:
ماذا تقصد؟!" الرجل يصمت وهو يرتعد" ماذا تقصد؟!
الرجل:
"
مترددا" أنعشتني وأنت تعزف، ووضعتني بخنجرك على حافة القبر." يهز رأسه تأكيدا
للمعنى الذي ذكره."
العازف:
أ،ت
غريب.
الرجل:
من
منا ليس غريباً؟!
العازف:
وغريب الأطوار أيضاً.
الرجل:
ربما.
العازف:
من
أين؟!" يهز الرجل كتفيه."
الرجل:
هل
تعرف أين تبدأ؟!
العازف:
من؟! ماذا؟ من الذي يبدأ؟! من التي تبدأ؟!
الرجل:
اين
من اين تبدأ.. أين؟! لابد أن يكون هناك ليكون هنا، وايتحدد مكان، وتتمايز الأمكنة.
أنا لا أعرف حدود " الأين" التي تسألني عنها حت أجيب.. فاعذرني.
العازف:
كيف؟! من الشرق.. الغرب.. الشمال.. الجنوب؟!
الرجل:
"
مقاطعاً" تتداخل تماما، نسبية تماما. أنا هنا فوق هذا الكوم من العتمة الذي يسمى
سفح جبل، هو الآن كل الأمكنة والاتجاهات والأين!! الخوف يهتك المسافات ويزيلها، كل
شيء يتداخل.
العازف:
ولكن هذا مكان محدد. وأ،ت لست منه فيما أقدّر.
الرجل:
لا
أعرف.. فاعذرني. ولا تفسر كلامي تفسيراً لا يرضيك ولا يرضيني فيؤذيك ويؤذيني. أما
فاقد ومفقود.. أنا في حالة بحث... خوف وبحث.
العازف:
"
كأنما يخاطب نفسه" غريب فعلاً. حالة.. حالة تامة؟!. أنا نفسي أكتشف فيها جدود
الغرابة وأنا الذي يقال عني إنني غريب؟!" للرجل" لاتخف.. أنا أتنقل كثيراً، واعرف
المكان جيداً، أحياناً تصادفني الوحوش، وقد يتعرض المرء للغدر، والخناجر هنا لها
أعين، ولابد من أن يدافع المرء عن نفسه. شيء غريزي تماما. قبل أن أتبين ما أنت أو
من أنت.. أمسكت خنجري.. طبيعي أليس كذلك؟! الروح غالية، والانسان بشر على كل حال ،
فلا تؤاخذني، شيء غريزي أن يدافع الانسان عن فسه.
الرجل:
"
ينظر إلى العازف بتدقيق." وتقتل؟ أعني هل يمكنك أن تقتل فعلاً؟!
العازف:
نعم..
الرجل:
تقتل انسانا.؟!
العازف،
اذا
اضطررت.. نعم!!؟!
الرجل:
"
كأنما التقط شيئاً من نفسه" ربما ضيعني هذا..
العازف:
ماذا.. ما الذي ضيعك؟!" الرجل لايجيب.. ويبدو كأنه فقد الفكرة." ما لك؟!
الرجل:
لا
أدري.. كدت ألتقط شيئاً، ثم اختفي..
تلاشى..
العازف:
أي
شيء تعني؟!
الرجل:
اعذرني أرجوك. أحياناً تتداخل الأفكار والرؤى والكلمات عنديي.. فلا اتابع تماما عم
كنا نتحدث؟!
العازف:
كنت
تقول.. لابل أنا كنت أقول لك : إنني أقتل اذا اضطررت للقتل.
الرجل:
أما
أنا فأحب اليّ أن أكون القتيل من أكون القاتل.
"
ينظر العازف إلى الرجل بامعن، فيهز رأسه كأنما يستوعب أمرا كان يستعصي عليه
استيعابه." أ،ت تملك هذا.. وتلك أيضاً.
"
مشيراً إلى الخنجر والشبابة."
العازف:
نعم.
الرجل:
وتستعمل الأداتين عندما تشاء؟!
العازف: نعم.
الرجل:
بنفس السهولة؟!
العازف: بنفس السهولة.
الرجل:
على
ما بينهما من فرق وتناقض؟!
العازف:
نعم.
الرجل: ربما كان هذا هو الصواب.
العازف:
ماذا تعني؟!
الرجل:
أعني ما أقول تماماً. ربما كنت أنت على صواب . ولكنني لا أعرف كيف يمكن الجمع
بينهما فوق قلب واحد!!" ينهض ويحاول أن يغرق بعيداً في الظلام فيشده العازف من
كتفه." لقد رأيت بعيني.. رأيت" ينتبه إلى أنه يجب أن يسكت فيفعل.".
العازف:
لايوجد للمرء سوى واحد، وهو ذاته يتعرض لكل شيء، من الحزن والرعب والموت إلى الحب
والحياة والفرح.
الرجل:
"
يلتفت فجأة وقد صفعته الفكرة." أنت على حق.. ربما كنت أنت على حق. فلم يكون المرء
ضحية فقط؟!" صمت" ولكن أليس ذلك مخيفاً، بشعاً ومقيتاً، ويفسد القلب الذي ليس للمرء
سواه؟! بذلك يصبح القلب النظيف مزرعة للشر. من أين ينبت الخير اذن؟! ومن أي ينبعث
اللحن الجميل؟!
العازف:
"
يتراخى.. ويترك الرجل." لا أعرف.. لا أعرف. أدخلتني في الدوامة." صمت. الرجل يبتعد
بضع خطوات في الظلام."
تعال.. أرجوك. افهمني ولا تخش شيئاً من جانبي. تعال." يعود الرجل نحوه بخطوات
بطيئة." اجلس معي. اجلس.
"
يجلس الرجل دون أن يتكلم." معي زوادة .. هل نأكل معاً؟!" وقبل أن يسمع الجواب يفرد
زوادته- خبز وجبنة وبعض الخضار
-ويعرض على الرجل أن يأكل معه، ويأكل مطمئناً، فيمدالرجل يده ويأكل. صمت، تهب ريح
خفيفة.. رذاذ الماء يصل اليهما.." دخل الليل وأنت هنا بلا مأوى، هل تقبل أن تكون
ضيفي؟!" يتبادلان النظرات." أنت ضيفي.
الرجل:
أشكرك
العازف:
نذهب إلى البيت اذن. لي مكان متواضع آوي اليه، أرى منه القمر والنجوم، وتمتد أمامي
السماء.. سوف يتسع لنا.
الرجل:
أشعر بالتعب، ربما بعد أن أرتاح قليلاً.
العازف:
هل
تحب العزف؟! قلت لي إنك...
الرجل:
نعم
أحبه.
العازف:
اذن
نتسلى ونطرد الوحشة... بينما ترتاح.
"
يبدأ العزف على آلته البسيطة بعذوبة ظاهرة، والرجل يتأمل بعمق. سحر المكان
والموسيقا يلفان الاثنين، وتشكل موسيقا انسكاب الماء خلفية لموسيقا الآلة، فيصبح
المناخ أكثر إيحاء. ومع انتعاش الحالة التي تطغى عليهما تتبّدى، بالظل والضوء،
معالم لوحة، مقوماتها أقرب إلى التشكل الطبيعي، والمادة الطبيعية، ويوحي كل شيء
بتخييل كبير للحظة ومقوماتها، والأصوات والاضاءة.. الخ."
الرجل:
"
في حالة تأمل، يغرق نظره في السماء والليل." الزمن يتآكل!! أتراه الزمن؟ أم نحن
الذين نتآكل؟!
أغوص في مداه بعيداً لأستعيده، لأستعيد شيئاً منه، فلا أفلح، أركض أمامه لأكتشف
هدفه واستشف روحه .. فلا أفلح، وفي الآن الذي أنا فيه، لا أحس الا بمداه كلما أراد.
مستباح له قلبي... مشرعة ابواب روحي.
وكلما استنذني أتجدد له ويتجد لي.
من
أنا خارج الزمن؟! وما هو خارج رؤيتي له واحساسي به؟!
ألسنا نحتاج بعضنا إلى بعض؟! أم تراه لايأبه بي، غبت أم حضرت؟!
السؤال العتيق لارجع له، وسيظل يدوي طازجاً في جوف الزمن.
"
صمت.. اللحن يمتد حزينا."
اللحن الجميل يسوح في المدى
يمتطي صهوة الضوء، ويتموّج في الهواء..
في
كل الاتجاهات يممضي اللحن الجميل..
وأنا أتابع انتشاره وانتشاره..
يتسلق سفح العتمة التي تكثفت جبلاً، ويسرق من الماء عذوبته وتألقه وانسيابه.. ويمضي
بعيداً.. بعيداً..
على
قمم الغيوم التي تشكل أرضاً للسماء وسماء للأرض، هناك يعرّش كرومه.. ويمطر عناقيده.
وفي
مقل النجوم وابتسامات الآفاق.. يزرع ذته، ويمضي بعيداً فوق صهوة الزمن، خالدان
يتسابقان في المدى الآبد: اللحن والزمن..
وأنا أتآكل ببطء، وأتقطّع على سيف الوقت.
"
صمت.."
اللحن الجميل يتردد ويمضي..
يسافر على جناح الريح والضوء..
لا
أدري.. هل إلى الوراء أم إلى الأمام يمضي اللحن الجميل، فمدى الزمان بلا طرفٍ ولا
آن، وأنا المحدود بطرف ومكان وأفق وآن أحاول عبثاً أن أشكّل الزمن!! أن أكتشفه، أن
أضعه فيى قمقم يزين مجاهل ذاكرتي، ولكن.. محال. محال...
كأنما أحاول أن أعقل مهر الريح في زهو انطلاقه..
كأنما أحاول أن أسجن الحياة ذات الألف اعصار واعصار..
اضحك كما شئت ممن يريد أن يجمع البحر في إناء، والقدرة الكبرى في قاعدة وقانون ؟!
اضحك كما شئت ولا تفقد الأمل.
"
صمت"
اللحن يتحرك.. يمتطي القلب، ويدفع شيئاً في أعماقي إلى الحركة.
أنه
يمضي كالسهم.. وفي حركته يؤكد وجوده، حركته تؤكد وجوده، وأنا أتابع رقصة المنتصر
وهو يسجل ذاته على رقائق قلبي..
أنا
أيضاً أريد أن أكون!؟ أريد.. ولكن كيف .. وكلما كنت قطّعني سيف الزمان؟! الانسان
والخشب يتآكلان...
وتمضي " الآن" لتصبح.." كان"، " صار"و" كان" سدى الزمان، ولحمه " الآن". لحمة
الزمان: الآن.
ويستمر نهر الزمان... يستمر، يدور الفلك الآبد... فلك الوقت...
ونحن غذاء الوقت... غذاء الوهم... غذاء الآن.
ودون كلل يطرح الانسان أسئلة.. دون كلل يطرح أسئلة؟!
"
يتوقف العزف"
العازف:
هل
يعجبك هذا اللحن، أم أعزف لك غيره؟!
"
ينتزع الرجل الغريب من تأمله وشروده."
الرجل:
جميل.. كل ما تفعله جميل." يسأنف العازف، مختارا لحناً أكثر حزناً، ولا يلبث الرجل
أن يعود إلى الاستغراق في تأمله." من بعيد أتيت...
من
تخوم لا أعرف لها بداية...
في
الماضي السحيق تغيب بداياتي وبدايات الأشياء، وتختلط تماما.
الماضي الغارق في أعماق الصمت يصير بداية، وأذكر من ذلك نتف الريش الأغبر.. أذكر:
كان...
وأني ألقيت من الظلمات إلى الظلمات، كومة لحم شاحبة اللون والأحاسيبس..
في
جوف البرد ولذع وجود الأشياء.. سقطت، بعيدا عن شط الضوء، وشط الماء، وشط الأمن..
بعيداً.. في أعماق الصمت سقطت...
طفوت على وجه الغربة.. سرت..
وكان طريق الضوء.. طريق الماء..
عبرت.. وصلت.. وضعت في شط الماء، وشط الضوء نبتُّ، وعلى ضفة قلبي نبت الشوك، وفي أ‘ماق
الروح المأساة.
الحزن.. هنا مرساه.. هنا مجراه.
في
داخلي صفاقٌ بدأ يضطرب..
ينهض.. يرتفع.. ينمو فوق الماء..
ويبقر بطن الليل وبطن الوقت، ويحبو مني نحوي.. ونضطرب.. هبط الوعي جنيناً...
أشياء تجتاز سديم الذكرى.. تدخل شط الضوء...
وتغدو أوضح.. أوضح، أفصح.. أفصح!؟!
نحو
الماضي الأبعد يتجه شراع الوعي
يبحر ربّانٌ طفلٌ
ينشر أشرعة بيضاء.. بكل سماء..
يمضي..يسأل:
من
أنا قبل الجلد وقبل الفرقة؟!
وقبل تكوّم نفسي لحماً مرّاً في أكوام العتمة؟! تلك المتكاثفة الآن سفيح جبيل
أخضر؟!
"
صمت قصير.. اللحن يستمر"
هاهو الخشب الرقيق يستعير أجنحة، يتلوّى وهو يطير.. ويطير بعيداً..
يحملني على أجنحة شتى، ويعبر بي من بحر ظلام إلى بحر ظلام..
ولأن الليل بلا آخر...
ولأنني على متنه أحلم بالمعراج الأبهى..
برحلة كشف نحو بحار النور، وشمس الرؤية...
لأستظل هناك بسدرٍ فيه النور بداية.. فيه النور نهاية..
سأحلم حتى التخمة بسقوطٍ حرّ من عش الوهم..
بخلاص من سرّ الوهم...
يلقيني خلف جدار الخوف، وخلف جدار العتمة، لأسبح في ماء الطوفان وأنجو من شر لانسان
وأغرق في بحر الانسان
فالوقت الآن، بعيداً عن سر الأرض، الوقت ضياع.
ماء
الطوفان ثخين القلب، والرؤية تحتاج لماء أصفى من عين الديك بعش القلب، وأنا تمزقني
الأوهام.. وتأسرني الأحلام.. نتفاً أغدو...
حتى
الحلم الأخضر يغدو مزقاً مثلي..
أسقط في جوف الحوت وأنسى، أمضي .. يبلعني الطوفان وأنسى، وهناك بعيداً... فوق متون
الخوف الأسود أسحق.. أنسى.
"
صمت، الموسيقا تتعالى، واللوحة تنتشر معالمها الموحية ملء المكان، والماء يتلون."
هناك بعيداً...
فوق
متون الخوف، متون الريح... متون الحلم...
في
ليل الوحل الأسود، يصرخ رعد.. تندب ريح..
يمطر قلبي...
تجري كل سواقية من الأحداق..
ينخر مجراه الأعماق..
يمطر عمر الناس بقلبي.. أصرخ .. نصرخ.. أذكر حبل القنب مربوطاً إلى دسر الألواح
وأبي يخشى أن يسقط قلبه في جوف الحوت.. الماء,
أكذر أمي تبكي..
تقطع سرتها حواء..
وتضمّ طيوراً سبعة..
في
قفص من" كان" ومن أغصان البان، والكون يزمجر.. يسكب ماءً فوق الماء..
ونحن على ذات ألواح ودسر.. نطفوا.. غضب يرفعنا، وغضب يلقينا.. في الماء.. وآخر يدفع
ركب الخوف على مقل الأنواء إلى الإفناء.
أذكر... من فوقي الماء..
وأذكر.. من تحتي الماء..
وأذكر جذراً لي في الأرض عميقاً...
ابعد من ذاك الطوفان، وأبعد من أعماق الماء.
أذكر: يقتلني الأعياء..
وأذكر.. ألباب الأشياء.
لكنّ حبال الذكرى لاتتجاوز طوف الخوف ويبقى حلمي قيد الأسر
سجيناً في ذات ألواح ودسر
كانت.. أو ما زالت تطفو فوق الغضب النافث ناره.. ماءه.. ريحه.. موجاً قبل الطوفان
بألف زمان، وأنا.. من قبل.. ومن بعد.. كنت، وأنا الآن ألمّ خيوط الأمس لأبصر يومي..
ألم خيوط اليوم لأبصر يوم الغد الزاحف نحوي..
ويقطع سيف الوقت خيوطي...
فيضيع الأمس، يضيع الغدّ ، يضيع اليوم.. أضيع
أعود سديماً فوق العتمة..
تلك
الجاثمة سفحاً تحتي..
سقفاً فوق سقوفٍ فوقي..
أضيع...
وتترى: ضاع .. يضيع.. نضيع..
أشد
شروس الأمس الأقرب من أمس الطوفان لأعرف ماذا كنت.. وماذا كان.. لكن.. لا أذكر منه
الآن..
من
كتلة لحم كنته عبر هشيم من احساس، لا أذكر إلا صرخة ثكلى..
إثر
سقوط حرٍّ عبر العتمة..
تلك
المائجة الآن سفوحاً خضراً حولي. آه العتمة... زرقة موتٍ أم خضرة عيش حولي؟!
آه
العتمة...
آه
العتمة...
العازف:
"
وقد أنهى لحنه" الشبابة رفيقتي، في الليل والنهار، أشكو لها وتشكي لي. ومعهاأحس
بالوحدة أو بالخوف، أقتحم بها الصمت والعتمة والأسئلة المحيِّرة.
الرجل:
خير
رفيق.. وخير جناح.
العازف:
هل
تعزف؟!
الرجل:
لا
أعرف.
العازف:
المبدأ بسيط جدا. تنفخ في القصبة وتحرك أصابعك على الثقوب.. وهي تغني..
الرجل:
هذا
يشبه نكأ الجرح بالأظافر والكلمات.
العازف:
لا.
هو نفخٌ.. نفثٌ... نفخ.
الرجل:
في
نار القلب.. هذا هو المهم. النفخ سهل، وتحريك الأصابع سهل أيضاً. لكن أن تنفخ وتحرك
أصابعك بنظام يمليه القلب ويصير غناء.. يفتح صدر الوقت لأجنحة الروح ويبقى بعدك مثل
الوقت.. يبقى منك ويبقيك على الوقت.. فهذا هو الصعب.
العازف:
أتغني؟!
الرجل:
لا.
لا أعرف أيضاً.
العازف:
كل
مخلوق يغني.
الرجل:
صوتي." يشير إلى حنجرته."
العازف:
الشبابة لاتنكر الصوت.. ان صوتي ليس حسناً وحين أغني لاتنكرني.
الرجل:
وكيف يمكن أن تنكرك هي؟
العازف:
"
يضحك" ولاسستنكر ذلك من يسمعني اذا كنت برفقتها.
الرجل:
أنت
تعرف ما تريده منها، وهي لاتعرف ما تريده أنت.
العازف:
كلامك صعب، وفهمك عندي أصعب. هيا نذهب إلى بيتي.. لي مأوى في المكان الآهل بالناس،
ولا أرتاده الا قليلاً.
الرجل:
لماذا لاترتاده؟!
العازف:
المقام بينهم صعب. هناك تغدو الحياة متكلفة وثقيلة. كل شيء يفقد براءته وبساطته
وبهاءه، أشعر بالكآبة والمرارة هناك. لابد من المداورة والمناورة والكذب.. قناع فوق
قناع من الزيف والخوف، وفي النهاية إما أن يأكلوك أو تأكلهم؟! صراع البؤس على كتلة
البؤس.
لقد
فسد كل شيء هناك، ولم يعد للعيش ما يبرره بنظري. هذا يفسد معنى أن تكون موجوداً،
ومعنى أن تعمل لتكون، ومعنى الوجود ذاته.
الرجل:
لماذا نذهب إذن؟!
العازف:
لنرتاح هناك.
الرجل:
لنرتاح أم لنشقى؟!
العازف:
"
يبتسم ببلادة" أنت تسلخ عني قناعا. لكنها العادة أصبحت وجهاً.. صارت هي ذاتها راحة.
على كل حال يمكن أن نخلق مناخاً خاصاً بنا، نحن أيضاً جماعة .. أنا وأنت والشبابة..
سنكون معاً ولن نطيل البقاء هناك.. وربما لن نرى أحداً، نحاول أن نستفيد من وجود
مكان.. هيا.
الرجل:
أخشى أن أثقل عليك أو على أحد..
العازف:
لا.. لا أبداً. أنا أسعد كثيراً بالضيف، لاسيما اذا كان ضيفاً مثلك... بارعاً في
الاصغاء وفي الأداء.
الرجل:
أنا؟!
العازف:
أتظن أنني حين أعزف لا أرافق لحني إلى القلوب؟! هيا تعال معي.. سنمضي وقتاً طيباً..
وكما ترى أنا لست بخيلاً، رزق الله كثير، والأرض الواسعة كلها له، ونحن ضيوف.. كلنا
ضيوفه.
"ينهض الرجل ويمشي قليلاً وهو يتلفت باتجاه الماء، ثم يعود إلى النافورة ويأخذ حفنة
من الماء ويشرب، كأنما يتذوق الماء ويستطعمه، يعرّض وجهه للنسيم ثم يشرب مرة أخرى
بشعور غامر بالتلذذ."
الرجل: سأبقى هنا أيها الأخ، أشكرك على دعوتك، أنت متعب وأنا متعب، وقد علمتني
الغربة أن أرتاح وحيدا، وهذا الجو المنعش يغريني بالبقاء هنا. الماء عذب.. وكذلك
الهواء.. واشعر هنا بالانتماء إلى شيء، وباستعادة أشياء فقدتاه مع الأحياء.. سنلتقي
هنا اذا شئت... كلما شئت.
العازف:
ولكن.. هنا خطر عليك.. الوحوش والعراء وربما البرد في آخر الليل.. وهذا المكان
مطروق، فاذا بتّ هنا وحيدا قد يطمع بك أحد؟!
الرجل:
ليس
معي ما يطعم أحدا بي.
العازف:
الى
أن يتأكد الطامع من ذلك تكون أنت قد انتهيت. وأناس هذا الوقت يأكلهم الطمع.. فسد
فيهم شيء كثير.. يفعلون ثم يسألون.
الرجل:
قل
ما أصابكم...
العازف:
...
ولا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة..
الرجل:
سأكون حذرا .. وسأتحمل البرد اذا كان هنالك برد أقسى مما تعرضت له. أشعر بأنني لا
أتعرف علىشيء مني، فلعل عوامل الطبيعة، وظروف تعامل مختلفة مع الأشياء، تجعلني أعرف
من أنا وأستعيد صلتي بالحياة على نحو أفضل . اتركني أرجوك ..لعلي أتعرف على مايخصني
في هذا الهدوء، إن أهم ما أحتاج اليه هو الهدوء.. بعيدا عن الدويّ المتلاحق وصراخ
الرعب المتلاحق، داخل فسي وخارجها، في تفردها وتواصلها. ألا تشعر بدبيب الضجيج الذي
لاينتهي في نفس قتل فيها الحب والاحساس بالآخر، وفهم ما يزوبعه من قول وفعل، ويدمر
سواه؟! ألا تحس بهوج لسان لايشكمه ضمير، ورعونة يديسوسها شر ويحركها؟! كسف الرملد
الأسود تعلو نفسي، وأراها تغمر كل سمائي. دعني أرجوك فأنا أحيا المقت.
العازف:
"
حائراً" ماذا أقول لك؟ لم أفهم عنك جيداً، لاما تقول ولا ما تفعل.
الرجل:
"
صمت قصير" أنا مشوش الذهن قليلاً.. سامحني، اصمت أحياناً حتى لا أجد رغبة في
الكلام، وأندفع في الحديث أحياناً أخرى حتى لا أجد رغبة في السكوت. الآخر والضمير
والرغبة، وأشياء كثيرة أخرى.. تعني العالم عند الحيِّ، أشعر بها تستولي على تفكيري.
وحين يكتسحني ذوب الحب ورعب الموت، أجدني قد تمزقت تماما.. وتلقيني الحقائق القاسية
على ما يشبه الوهم... أضيع وابحث عن نفسي. بين أنا.. وأنا.. أجيال من أزمنة وأحياء
وأفعال. لا أنا أنا.. ولا الآخر أنا.. ولا أعرف أين طريق الذات.. ولا طريقي إلى
الذات. ثلج أسود يتراكم عتمة.. تذوب تحت قدميك لتتراكم وهما كثيفاً يبدو في الرؤية
ضواء وهو الثلج.. العتمة، الثلج.. العتمة؟ إذا أذنت لي بالبقاء هنا ايها الأخ يكون
ذلك فضلاً منك عليّ، ورحمة لي.
العازف:
كما
تحب.. كما تحب." يجلس الرجل قرب النبع فيلقي عليه العازف رداء كان يلبسه، ويترك له
الجلد الذي كان يلقيه على كتفه."
خذ
إذن . إحم نفسك من البرد، وسوف أعود اليك. لا أعرف متى.. ولكنني سأعود.
الرجل:
خذ
متاعك.. فقد تحتاج اليه.
العازف:
أنت
أحوج مني اليه.
الرجل:
أشكرك.
"
ينصرف العازف ومعه جود الماء والشبابة. ويأخذ الرجل جلد الخروف ويمهد له مكاناً قرب
النافورة، ويضع الرداء إلى جانبه ويجلس.
ينبعث من بعيد لحن العازف حزيناً. الرجل يتأمل الماء الذي غدا داكناً، والسماء وقد
ظهرت فيها النجوم وبرز القمر فوق السفح.
المنظر ساحر في غلالة وحشة مثيرة."
الهدوء والقمر والماء..ولحن يترامى في الليل.. ان لم أهتد الى نفسي في جو كهذا ففي
أي جو يمكن أن أهتدي اليها؟! الهدوء والقمر والماء.. كل ذلك يمت اليّ وأمت اليه
بصلات. أنا في السكون أقدر على معرفة نفسي، فلأحاول أن أقف عند نقطة أنطلق منها
بثبات.
أذكر أنني ألقيت هنا في العتمة، عتمة القلب وعتمة الدرب" يتحسس جسمه ويتألم." لم
أشعر بشيء مما هو لي أو مما هو حولي، كنت في غيبوبة عن كل جسمي قطعاً تكاد تتلاشى،
تكاد تذوب ولا تتواصل، وكل قطعة مسكونة بالألم ، ثم بدأ الألم يزداد ويتوصل.
أذكر... نعم.. استعيد الذكرى، كان الألم يمتد من قطعة إلى أخرى، بل يسيل من خلية
إلى خلية.. وأحسست بخيوطه تتشابك وتعم الجسم. مدقوقاً كنت، دفعني العطش إلى لحركة
أدت إلى مزيد من العطش.. ثم كان السراب الرهيب والرَّهق.. صحراء ونار وخوف.. خوف..
خوف ولهاث وراء يقين.. وراء شيء يستحق العناء.. ثم الوصول إلى هذا الماء. وعبر
العناء كان يهرب الماء، وتضطرب الرؤية ، كان الماء يهرب.. أنا ألوب وهو يهرب.. ألوب
ويهرب. ولكن" صمت" لكن قبل ذلك.. أين كنت؟! وماذا كنت، ومن الذي ألقاني هنا؟! وماذا
أريد من كل هذا اللهاث وراء يقين وسراب وماء؟! خواء.. خواء يكبر في داخلي وأنا ألهث
واسأل وأبحث.. خواء مميت يطرح أسئلة مميتة؟! على عتبة هذه الأسئلة أتوقف..هنا أنام
وأقوم وأبحث إلى أن يتسنى لي الوصول إلى جواب ، وعلى الأجوبة يتوقف أمر معرفتي
لذاتي ولأشياء كثيرة داخل ذاتي وخارجها. يتوقف معنى الفعل ومغزاه، بدايته ومنتهاه.
"
يتمدد متوسدا يديه، ويحدق في السماء، وآخر اللحن يترامى إلى مسامعه، والقمر يتدلى
من فوقه وقد اكتسى جمالاً وتناثرت من حوله النجوم وهي تتلألأ. تمر فترة صمت طويلة
نسبياً، خلالها يتوقف اللحن تماماً.. ونلمح شبحاً يتقدم مسرعاً نحو مكان الرجل الذي
أخذته شبه غفوة. يظهر الشبح في دائرة الضوء.. أنه العازف، بيده خنجره مشهراً،
ويتقدم من الرجل، يصل اليه ويقف عند رأسه، يفتح الرجل عينيه وقد شعر بحركة حوله،
فيفاجأ بالخنجر مشهراً عليه فيهب مذعوراً."
الرجل:
"
وقد رفع يده باستسلام واضطراب واضحين." من؟! لماذا!؟!
العازف:
"
يمد يده بالخنجر وقد أمسكه من مقدمة نصله الآن." خذه.. قد تحتاج اليه.
خشيت أن يفاجئك وحش أو شخص وليس معك ما تدافع به عن نفسك. خذه..
"
ينظر الرجل إلى صاحب الناي ذهلاً..
ثم
يستعيد هدوءه شيئاً فشيئاً. يضع يده على جبينه، ثم يمسح وجهه ويرخي يديه كأنما
سقطتا منه.
خذه.. لاتتردد، عدت مسرعاً اليك حين تذكرت أنك بلا سلاح، وقد خشيت عليك.
خذ.
الرجل:
"
ينظر إلى العازف مليا، وحين يطمئن اليه تماما يعود الى وجهه الهدوء." أشكرك.. أنا
لا أحتاج اليه.
لعازف:
ولكنك وحيد، وليس معك ما تدافع به عن نفسك !؟!
الرجل:
ولماذا أدافع عنها؟! وضد من ؟!" ابتسامة مرة ساخرة ترتسم على ثغره." أدافع الآن..
بعد أن تركت الذين كان يجب أن توجه اليهم القوة، وبعد أن بقي من نفسي ما لايدافع
عنه، بقي الشيء المزري الذي أهرب به وأهرب منه؟! يالها من سخرية تزداد ضخامة
ومرارة؟!
العازف:
ماذا تقول؟! إنني لا أفهمك.. كلامك غريب وتصرفاتك اشد غرابة. الحياة أثمن ما ندافع
عنه، حتى لو بقي منها رمق ضعيف اسود فيجب أن تدافع عنه.. وأنت حي. خذ .. خذ.
الرجل:
الحياة حياة الروح، وحياة المناخ الذي تنتعش فيه الروح، هي قيمة تقيمك فوق التراب
وتجعل لك لونا خاصا بك. وقد فشلت في الدفاع عن هذا، فشلت تماما. وترخيت.. تذرعت
بذرائع لاحصر لها حتى ضاع الجوهر.. مذا بقي غير اللحم والدم والهشيم وتكورات
التراب؟! ان ما يعطي لذلك كله معنى وقيمة قد ذهب.. ذهب ولن يعود.
العازف:
في
ندبك هذا سمٌ لروحك، في شعورك هذا قتل لنفسك.
الرجل:
"
ينظر اليه بحزن وسخرية" لقد أذيب السم في اللعاب والبلغم واستقر في الدم ونقى
العظام، فما يدخل الجوف الآن إلا سم أو حامل سم، فلتوفر قلقك..لقد انتشر السم
تماما، ولا أمل في النجاة. خذ خنجرك فلا يوجد ما أدافع به عنه. حافظ أنت على نفسك
مادام لك منها شيء، وما دام لديك ما تدافع عنه.
العازف:
ياصاحبي شرا تفعل بنفسك، شرا وهلاكاً واثما.
الرجل:
انني لا أفعل هذا الآن. ما كان كان، الزمن لايستعاد أبدا.
العازف:
ولكن القيمة تستعاد للاستفادة مما بقي لنا من الزمن؟!!
الرجل:
هذا
صحيح اذا لم تفسد القيمة ذاتها، ولا خير في استعادة قيمة فاسدة. لقد تركنا كل شيء
يفسد، ورائحة الفساد تلاحقني..ربما ضعت بضياع القيمة وفسادها. قلت لك أنني لم أدافع
حتى عن جوهر نفسي.. فما هي القيمة الباقية؟! وفي أي مناخ ستولد قيمة مستعادة؟!
لقد
رأيت الدم والحقد والعار كتلة واحدة سوداء تتدحرج وتكبر.. يدفعها وحش الجنون
ورائي.. وأنا أصرخ وأركض، وهي تأكل مني ما تأكله.. وأهرب.. أهرب.. أهرب.. من قال لك
إنني لم أصنع تلك الكتلة بالقدر الذي صنعها سواي ؟! ولم أجعلها تسرع ورائي بالقدر
الذي يدفعها الآخر ورائي؟!
شرايين الحياة تتداخل أحياناً كخيوط المؤولية. أدقق أحياناً لأجد ذاتي.. وأعرف مالي
وما لسواي.. لكن حتى هذا لا أصل اليه، الخوف والحيرة، الارتباك والانتهاك.. كل هذا
يحول دون ذلك. انها هوات متلاحقة تمنع الاتصال.
العازف:
انك
تقسو على نفسك، وأنا أحاول أن...
الرجل:
"
يقاطعه كأنما يستمر" من أنا دون أنت؟!
ومن
نحن دون مناخ يصنعنا ومعيار يراتبنا؟! ومن نكون وماذا نصير دون احتكام لخبرة
وحكمة؟! مرٌ ياصاحبي.. مرٌ ما تذكرني به، مرٌ وغير مجدٍ، وحين أقف على بابه أتوه،
يتملكني الغثيان وأتوه، ولا أعود أعرف شيئاً. اذا استطعت أن أنظم خيوط الذاكرة
وأعرف ذاتي ، وأعيد شيئاً من التماسك إلى أعماقي.. عند ذلك ربما أحرص عليها. أما في
هذا الضياع، فمن يتعرف على من، وم يدافع عن من؟! وما الذي يستحق أن تموت من أجله
مرتين أو عدة مرات؟! لقد نفذ السهم إلى العظم؟! شردت الحمامة وبقي العش، والعش من
دون معنى وعاطفة وروح، قش لاقيمة له.
العازف:
قد
تعود اليه.
الرجل:
هجرة.. هجرة أنها هجرة. ولم تعد للقش عندي قيمة وقد غادرته الروح.
العازف:
هل
يعيدك اللحن؟! الموسيقا تنعش الكثير..
هل
أعزف لك؟!
الرجل:
لقد
فعلت.. وكان جناحك ينقلني إلى بعيد.. وعندما انتهيت من العزف، عدت الى عمق خوائي
وتعاستي. انج بنفسك ياصاح.. لقد أنقذك اللحن ولم ينقذنِ.
العازف:
لا
أقبل.. لا أفهم.. لا أريد أن أسمع. أنت غريب.. غريب.. غريب في كل شيء، وتعيد إليّ
حالة من الغربة والغرابة أريد أن أنساها." ينهض ويبتعد وقد ألقى الخنجر إلى جانب
الرجل." سأعود اليك.
الرجل:
"ينظر إلى العازف وقد ابتعد عنه وابتلعه الظلام، ثم ينظر إلى الخنجر وقد جرِّد من
قرابه واستلقى على مقربة من جلد الخروف.. تتعلق عيناه بحده الرهيف، ويبقى جامدا
لفترة من الوقت. يمد يده باتجاه الخنجر ثم يسحبها بعيدا" الأفعى تغريك بسكونها،
وتتجمد في البرد ولكنها لا تفقد الحياة، ان الحرارة تجرها إلى الفعل، وعندما
تطاولها بيدك تنفث السم وتميت." ينظر إلى الخنجر الجامد.. ويبتعد عنه. يتحرك حول
النافورة قليلاً ثم يعود إلى حيث الخنجر، يمسكه.. يرفعه قليلاً ويحركه، ويندفع مع
حركته بخطوات سريعة متنقلاً في المكان، يطعن الهواء، ويشتد في ذلك وقد بدت عليه
حماسة ظاهرة. ينظر إلى الخنجر..” انه يشفي.. ولكنه يميت.. يميت." يلقيه بعيدا عنه،
ويتراجع في مكانه ثم ينكمش قليلاً.
اللحن يتعالى من بعيد.. أنه العازف يستأنف العزف، ويعطي لسكون الليل غنى ومعنى،
بينما يبتعد عن المكان ويغيب في جوف الليل. الرجل يتمشى قليلاً مع انسياب اللحن.
يتعثر بالخنجر فيرتعش ثم يدفعه بقدمه قليلاً.. يمشي.. يحدق إلى السماء ثم يقترب من
الماء ويملأ كفيه منه ويغسل وجهه.. يشرب قليلاً من الماء، ويعود إلى حيث الجلد
الممدود، يسحب الرداء ويتدثر به ويستلقي على ظهره ويمضي في تأمله."
كنت
أحاول الوقوف على عتبة جواب، والأجوبة تبنى مدماكا من معلومات ومشاعر وتجارب ، من
معرفة ومنطق.. الذاكرة تشيد من ذلك صرحاً ذا مهابة. ولكن أين هي لتقدم لي حجارة
أبني بها؟! لابد من شيء.. لابد من شيء.. من الامساك بشيء. " تمر فترة صمت تطول
قليلاً، ينتفض الرجل واقفاً كمن لدغ، يتحرك في جميع الاتجاهات حول النافورة، ثم
ينظر إلى المدى المظلم وقد اربدّ وجهه. يعود باتجاه الماء فيرى الخنجر على الأرض،
تمتد اليه يده دون تردد، ويمسكه كمن يريد أن يطعن به، تتشنج يده على المقبض ثم
تتراخى شيئاً فشيئاً.
يظهر العازف بهدوء من أحد جوانب المكان، وعندما يلاحظ الخنجر بيد الرجل يضطرب
قليلاً، ثم يتماسك ويقترب خطوة وهو يفاجئ الرجل بحضوره وكلامه."
العازف:
اقبض عليه جيدا ولا تخف.
الرجل:
"
يفاجأ ويسقط الخنجر من يده. ينظر كل منهما للخنجر في الأرض." هذا أنت؟!
العازف:
لم
أستطع الذهاب.. لن أتركك وحدك، لابد أن تأتي معي.
الرجل:
أرجوك.
العازف:
"
يتقدم ويأخذ الخنجر ثم يمسك بيد الرجل."
هيا
معي.
الرجل:
إنني مرتاح هنا.
العازف:
ان
لم ترتح هناك أعود معك إلى هنا. هيا بنا. أشعر أنه ينبغي أن نكون معا.
الرجل:
أرجوك.
العازف:
هيا." يتناول الجلد من على الأرض ويضعه على كتفه ثم يسحب الرجل من يده." هيا.. سترى
مدينة عجيبة.. قد تتحملها لحظات ، وقد تذوب فيها وتذوب فيك.. وقد تلعنها وتفارقها.
هيا بنا.
"
يخرج وهو يسحب الرجل خلفه."
-ظلام-
يتبــــع