تحوّلات عازف النّاي مسرحية تأليف علي عقلة عرسان منشورات اتحاد الكتاب العرب 1993

الفصل الثاني

ساحة المدينة

المنظر:

" مفترق رباعي لتلاقي شوارع رئيسة من شوارع مدينة. على كل من الزوايا الأربع تظهر امتدادات الشوارع والأبنية الضخمة، والمحلات والأرصفة النظيفة. الأضواء تسطع بألوان عدة، لوحات اعلانات متحركة النور، ولافتات رئيسة، وواجهات مخازن... الخ. في الجهة اليسارية بالنسبة للمتفرج، أقرب إلى العمق، تنتصب واجهة زجاجية ضخمة تحدد الطبقة الثانية من بناء، مضاءة بالألوان البرتقالية والحمراء. تبدو في عمق المكان أجسام راقصين وراقصات، يؤدون برنامجاً فنياً بصخب، يطغى أحياناً على كل ما عداه ويسرق المشهد بصخبه وموسيقته. أحياناً يتجمد المشهد في أوضاع تظهر البشر كأنما هم أقرب إلى الأشباح أو الصور المتحركة أو الأشخاص الآليين.

في الجهة المقابلة لذلك ابنية حكومية، وتبدو أكواخ الحراسة في بعض امتدادات المنظر. عن يمين المشاهد يبدو بناء قاس قاتم في شبه الظل، كتيم.. تظهر من بعض منافذه الغريبة رؤوس آدمية تخالها معلقة في فضاء المكان، وتبرز ما يشبه أحداقاً واسعة لحرس. الرصيف من حوله محاطاً بأعمدة وسلاسل حديدية ذات ثلاثة صفوف من الزرد الأسود. وهناك في قسم من المنظر زاوية حديقة عامة يظهر منها مقعد وبعض الأشجار وجانب من السياج.

يمكن أن يتداخل في امتداد الشارع الواحد، البناء القديم والحديث، مما يوحي بشيء من انعدام التناسق ، سواء في المادة أو في التكوين أو في المظهر العام. يرى بعض المارة في حركة دائبة، ولكنها ليست حركة الصخب المديني الأدنى.

العازف يمشي مع الرجل في الشوارع ذات التكوين المتداخل ، والرجل يبدو مأخوذا.. فيه الخوف والاستغراب والرغبة في الاطلاع، والتوق للاندماج فيما يرى براحة واستسلام على أرضية من الحنين تتلامح من آن لآخر بأشكال مختلفة."

العازف:

أترى الفرق بين الصخب هنا والهدوء هناك؟!

الرجل:

مدهش.. مدهش.. لا أكاد أصدق أنهما يتجاوران.

العازف:

هنا يضيع الانسان.. هناك يشعر بوجوده. " يقطعان الشارع باتجاه الرصيف الآخر."

من" شخص على مقربة من مدخل الشارع، على الرصيف، يشير اليهما اشارة خفيفة."

الحارس:

هذا الرصيف ممنوع ." يتوقفان قليلاً."

بسرعة." يتجهان نحو الرصيف قليلاً."

بسرعة." يتجهان نحو الرصيف المقابل، فيشير اليهما شخص آخر يقف هناك أن يسلكا الطريق الأخرى. يتجهان إلى حيث اشار لهما. عند زاوية الرصيف الآخر يلحق بهما شخص لطيف المظهر، يحاذيهما."

الشخص:

أتريدان خدمة؟!

العازف:

خدمة؟! أي خدمة؟!

الشخص:

كل ما تطلبه موجود.

العا زف:

ما أطلبه؟!

الشخص:

تفهمني فيما أظن. أنت غريب أليس كذلك؟! والآخر أيضاً.

العازف:

كما ترى.. أو كما تريد.

الشخص:

غريب كما قدّرت طلبك عندي.

العازف:

وما هو طلبي؟!

الشخص:

تبحث عن فندق.." يضحك ضحكة خفيفة ويغمز بعينه."

العازف:

لا.

الشخص:

عن.. عن تسلية؟!

العازف:

مثل ماذا؟!

الشخص:

" يتشجع قليلاً." نساء.

العازف:

لا.

الشخص:

" بجدية عالية" لا تخف.. أنا في خدمتك فعلاً.. المكان قريب.. هنا.

العازف:

أي مكان؟!

الشخص:

المكان الذي ترتاح فيه. يمكنك أن تثق بي، وبذوقي أيضاً. يوجد امكانية واسعة للاختيار.

العازف:

للاختيار ؟! أي اختيار؟!

الشخص:

يوجد الكثيرات.. من كل لون. هذا الحيّ .." يشير إلى امتداد الشارع" يكاد يكون مختصاً.

 

العازف:

مختصاً بماذا؟!

الشخص:

" بابتسامة ماكرة" أهييه.. ماذا بنا؟ أهي شطارة أم عدم ثقة أم دلال..؟!

العازف:

يبدو.. يبدو.." ينظر إلى الرجل" يبدو أننا انحدرنا كثيراً.

الرجل:

جدا.. أكاد لا أعرف أين أنا.

العازف:

" للشخص" لقد أخطأت... أخطأت بالتأكيد ... نحن...

الشخص:

الخطأ هنا لايحدث.." مستدركاً" نادرا ما يحدث.

العازف:

ولكنه حدث الآن.

الشخص:

من يدخل هذا الحيّ.. لابد أن يكون عارفاً لما يريد.

العازف:

اننا نتجول في المدينة. نحن لانريد شيئاً.. لانريد شيئاً." يتوقف الشخص قليلاً.. يظهر عليه ارتباك بعض الشيء، ثم ينصرف. الرجل والعازف يتوقفان قليلاً.. ينظران اليه ثم يتبادلان النظرات."

الرجل:

أكاد أنكر مدينتي.

العازف:

وأنا أكاد أنكر الحيّ الأقرب لي فيها. " يتابعان طريقهما بصمت." أنظر هناك.. انظر.. أترى الكوخ الخشبي هناك..

الرجل:

أين؟!

العازف:

هناك.. على بعد أمتار منا.. هناك.

الرجل: نعم .. أراه.

العازف:

تمعّن في الرحس الغلاظ الشداد.. أنه مركز الحراسة الأول. في الطرف الآخر من الشارع يوجد مركز الأمن. وهناك مركز الشرطة.

" أحد الحراس يلاحظ الشخصين ويدقق في اشاراتهما فيتوجه نحوهما." لاحظ أن الشرطة غير الأمن، ولكل واحد منهما مركز واختصاص مختلف عن الآخر." يصل الحارس الثاني اليهما."

الحارس2:

من أنتما.. ماذا تريدان؟!"الرجل يرتبك وكأنما يحاول الهرب."

العازف:

غريبان .. غريبان عابران في المدينة.

الحارس2:

عم تبحثان؟!

العازف:

نحاول أن نتعرف على الأمكنة.. والمعالم العامة...

الحارس2:

" يقاطعه" كنت تشير إلى هنا .. ثم إلى هناك.. ماذا تريد؟!

العازف:

كنت أري زميلي أم المعالم في الشوارع

الحارس2:

" ينظر اليه بتدقيق" ألا يراها وحده؟!

العازف:

كنت أشرح له.

الحارس2:

أنت دليلة؟! تعرف ما في الشارع اذن؟!

العازف:

" يرتبك" لا.. أبداً.. كنت أقول له أننا مررنا من هنا.. وأننا..

الحارس2:

 المرور من هذا الشارع ممنوع.. فكيف مررتما من هنا؟! ومتى كان ذلك؟!

العازف:

" وقد تعرق وجهه" كنا نظن أننا مررنا من هنا، لا أكثر. نحن غريبان.

الحارس2:

" ينظر اليهما ويهز رأسه" هيا انصرفا.. انصرفا بسرعة." يتحركان بارتباك" من هذا الاتجاه .. الوقوف هنا ممنوع." ينصرفان ويبقى الحارس يتابعهما." ويؤشر لشخص مدني على زاوية مقابلة كان ينظر اليه، يشير له بأن يتابعهما فيفعل.

الرجل:

كل الاتجاهات هنا ممنوعة.. عدا اتجاه ذلك الشخص الذي عرض بضاعته.

العازف:

" ينظر اليه بشيء من الخجل" لا تؤاخذني.. أنا السبب، ربما أخطأت التوجه، في الحقيقة ليست كلها مغلقة. هناك اتجاهات سالكة ولكنها...ربما.. أعني ربما.. كانت قليلة. هيا بنا.. أسرع قليلاً.." يسيران بسرعة." اختلطت الأمور علي. كان ينغي أن نتجه مباشرة إلى البيت، ولكنني أحببت أن أريك المدينة ثم نذهب إلى البيت.

العازف:

أنا لا ألومك أبداً.. بل أشكرك." تمر لحظة" ألا تعرف الأمكنة جيدا؟!

الرجل:

أعرف معظمها.. وأحياناً أتوه... حتى أنني أنسى طريق بيتي.. هناك ما يتغير بسرعة نعجز معها عن استيعابه بمرونة.. أننا نتحجر أحياناً!؟!

" يسيران قليلاً بصمت. يمران من جانب مقهى ينشر بعض الكراسي على الرصيف.ط

الرجل:

لونجلس قليلاً.

العازف:

نجلس في البيت.. ونرتاح.

الرجل:

في الأماكن المغلقة أشعر بالاختناق. شيء ما يجثم على صدري. دعنا نتجول قليلاً في مكان غير ممنوع، اذا كنت لاتريدنا أن نجلس.

العازف:

كنت تريد أن تجلس هنا.

الرجل:

قلت: لو نجلس هنا في الهواء الطلق، نرى تداخل الحياة، ولكن.. لايوجد نقود.. لابد من النقود.

العازف:

معي قليل منها.

الرجل:

هذا ما لك أنت.. لك أنت.

العازف:

فلنجلس.. يمكنني أن أسقيك شيئاً.

الرجل:

ليس ضورياً.. نتجول.

العازف:

" يشده من يده" تعال.. اجلس. هذا المكان مناسب جداً، من هنا نرى الساحة وامتداد بعض الشوارع.. ونجرب قدرتنا على التلاؤم والاستيعاب.

الرجل:

ولكنها رغبة مكلفة.

العازف:

لاتقل ذلك." يجلسان.. تمر فترة صمت بلاحظان خلالها المكان وبعض المارة، والجالسين على مقربة منهما، يتقدم خادم المقهى منهما بلطف."

النادل:

قهوة.. شاي.. عصير.. بارد.. طعام سريع؟!

العازف:

" ينظر إلى الرجل وكأنما يسأله رغبته." أتأكل؟!

الرجل:

لا.. أشرب شاي فقط.

العازف:

" للنادل" وأنا أيضا." ينصرف النادل، الشارع مضيء." انظر هناك.. انظر بعينيك دون اشارات. انظر هناك في زاوية الشارع إلى الأعلى قليلاً. أترى صور النساء..

" يشير برأسه" هناك مرقص. المراقص هنا كثيرة.. وكذلك المواخير.. هناك لاينامون الليل." الرجل ينظر صامتا."

الرجل:

" مشيرا بعينيه اشارة واضحة نحو الحرس البعيد." وهنا لاينامون الليل." يتبادلان النظر بصمت. تمر عند الزاوية امرأة غريبة المظهر، يبدو عليها الحزن والفقر. تنظر في الوجوه، كأنما اكتسبت فراسة خاصة نتيجة التدقيق المستمر. يلاحقانها بنظرهما. النادل الذي يأتي بالشاي ويضعه على المنضدة أمامهما يلاحظ المرأة وهي تقترب. يتوقف بانتظار وصولها. تنظر الى الرجل والعازف."

النادل:

هيا انصرفي." كأنها لا تسمعه، تمعن النزر في الرجل." انصرفي من هنا.." يشدها من يدها، فتنصرف ببطئ وهي تنظر وراءها." لاتتعب ابداً.. تموتين في السجن " يمد صوته وراءها" تموتين.

المرأة:

لا..لا.. لا.. السجن.. لا. " تهرب بذعر شديد" السجن.. لا.

النادل:

" يضحك ضحكة خفيفة." لا يوجد طريقة أخرى بجعلها تنصرف.

الرجل:

تخاف من الشرطي؟

النادل:

" يضحك" ومن السجن أكثر، هذا دواؤها.

" يطمئنهما" لن تعود، اطمئنا" يدخل إلى المقهى، تمر لحظة فنلاحظ المرأة وهي تعود بخوف تسير إلى جانب الجدار.. تركز نظرها من بعيد على الرجل.. تقترب خطوة وتقف قلبلاً .. ثم تقترب.. حتى تصبح على مقربة منه.  تجمد في مكانها وهي تركز نظرها على الرجل."

العازف:

" للرجل" انها تطيل النظر اليك. كأنها تعرفك." الرجل يهز رأسه نافيا. النادل يعود مرة أخرى.. تراه ولا يراها، ولكنها لاترتبك ولا تهرب . وحين تقع عينه عليها ينهرها فتبتعد ببطء كأنما سمّرت إلى الأرض." هذه أول مرة تعود فيها إلى هنا بعد التهديد بالسجن.. هذا غريب.. غريب جداً" يسير وراءها قليلاً ثم يعود، المرأة تختفي في المكان حيث ترى ولا يراها أحد. يتعالى صوت الموسيقا من مكان قريب، يزداد الضجيج ويبدأ شيء في الظلام الذي يحل عليه، ونرى مشاهد استعراضية راقصة. يمر وقت عامر بالتسلية. النادل يقترب من العازف ويمسح الطاولة بعد أن يجمع الكوبين."

النادل:

الحساب" العازف يدفع له."

شكرا.. اية خدمة أخرى.

العازف:

" بشك" خدمة مثل ماذا؟!

النادل:

أتريدان شيئاً آخر.. طعام مثلاً." يغمز بعينه".

العازف:

" بمهانة داخلية مشوبة بالخجل" لا.. شكرا " يتمتم" بعض الأطعمة كثيرة في المدينة.

النادل:

لاتحتاجان إلى أي شيء.

العازف:

ابداً.. ابداً.

النادل:

غرباء؟!

العازف:

تقريباً.

النادل:

تقريباً.. تقريباً كيف؟! إما غرباء وإما لا؟!

العازف:

" يحدق اليه لحظة" لسنا من هذا الحيّ.. ولسنا...

النادل:

معقول .. معقول. تبحثان عن أحد، عن مكان، عن شيء ما.. ؟! تغتربان في المدينة. ممتعة لعبة التغرب في المدينة.. يبتعد الانسان عن معارفه ويفعل ما يريد.

العازف:

" بصبر شديد" لا.. لا.. نتفرج.. نتفرج فقط..

النادل:

حان وقت الاغلاق. يمكنكما الذهاب إلى هناك" يشير إلى المرقص." الوقت مفتوح هناك والمتعة أكبر.

العازف: ينظر اليه." هي دعوة للانصراف، أم دعوة من هناك للدخول؟!؟

النادل:

" ضاحكاً" لا هذه ولا تلك. لقد حان وقت الاغلاق.. لا أكثر.

العازف:

" للرجل" هيا بنا " ينهضان ويغيبان بعيدا في شبه الظل والنادل يراقبهما. يدخل إلى المقهى." شيء لايحتمل.. فسد كل شيء، الكل يتدهور وينحدر بسرعة.. بسرعة شديدة." صمت" أصبح الانسان يخشى ظله.." للرجل." أسرع.. أسرع.

النادل:

" وقد ظهر على الرصيف أمام المقهى مرة ثانية." ليس عاديا.. تصرفات غريبة.. وجوه.. وجوه.. وجوه ليست هي الوجوه. " يفكر قليلاً" أمر لا يسكت عليه.. لا يسكت عليه.. لابد من الابلاغ عنه." ينظر في الاتجاه الذي ذهبنا فيه، ولا يلبث أن يقف إلى جانبه الشخص الذي أمره الحارس2 بملاحقتهما .. ينظر كل منهما إلى الآخر. ويتلاشى الضوء ليظهر على الرجل والعازف، وقد أصبحا في الحديقة على مقربة من شجرة تظلل مقعداً."

العازف:

" للرجل" في هذه العمارات الشاهقة  مكاتب لتبادل الفساد.

الرجل:

تبادل الفساد؟!

العازف:

ما الغرابة في ذلك؟!

الرجل:

أنا أشعر بالغرابة.

العازف:

لاتكن حساساً إلى هذه الدرجة ، نحن لانعيش في الحلم المثالي ولا في الوهم. هنا قسوة المدينة وقسوة الواقع وقسوة الفساد. هناك يتبادلون الفساد كما يتبادلون السلع. كل ما يحتاجون اليه سوق للرعض، سوق متجددة للعرض، وكل شيء معروض للبيع.. كل شيء. هناك من يبيع نفسه ، وهناك من يبيع غيره، ومن يبيع معارفه واقاربه، ومستقبله، ووطنه، وروحه، و!؟! سوق.. سوق . للناس سوق، وللحاجات سوق، وللأخلاق سوق..!؟

الرجل:

وتعرف ذلك منذ زمن؟!

العازف:

أزداد معرفة بذلك مع الزمن، أعرف اليوم ما لم أكن أعرفه أمس.

الرجل:

وتطيقه؟!

العازف:

أتحمله.. أنهار تحته.. أختنق برائحته.. أهرب.. أشرد في البرية.. أغني.." بغضب مكتوم" ولكن ليس هذا هو المهم؟!

الرجل:

ما المهم اذن؟!

العازف:

ماذا أفعل، أين أذهب.. كيف أتخلص أتخلص من ترسبات ذلك في روحي وضميري .. انني أختنق.. أختنق. والناس.... الناس.. الناس ضرورة.. لابد من العيش مع الناس.. الناس ضرورة.

الرجل:

أجل.. أجل.. الناس ضرورة" صمت." ولكن.. غريب .. غريب!؟!

العازف:

ما هو الغريب؟!

الرجل:

كأنما مجرد اللعب لم يعد برئئاً في مثل هذه الأماكن.

العازف:

اللعب؟! ماذا تعني باللعب ؟!

الرجل:

اللعب .! ألا تعرف اللعب ؟!

العازف:

إياك أن تقول أنك تقصد اللعب البريء الذي يعشقه الأطفال!؟ أي .. اللعب.. اللعب!!!

الرجل:

أقصد لعب الكبار البريء!؟!

العازف:

وهل يوجد لعب كبار بريء؟! أنك تذهلني بغربتك وغرابتك.

الرجل:

ماذا؟!

العازف:

لايوجد لعب بريء هنا.. اللعب مزاج ثقيل يكلفك حياتك أو مالك أو مستقبلك أو..

الرجل:

ماذا تقول؟! وكيف انقلبت هنا شخصاً آخر غير ذاك العازف الرقيق الذي يكاد يجهل كل شي غير الموسيقا؟!

العازف:

أنا هنا.. أتكلم لغة المكان. أنا هنا أعيش.. وهناك أهرب من حياتي." لنفسه" اللعب؟! أنهم يبيعون اللعب ذاته بأثمان فادحة، والفرح هنا أيضاً يباع.. وزنة الفرح بحياة شخص.

الرجل:

حياة شخص؟!

العازف:

" يلتفت وراءه" حياة شخص، أو أشخاص، أو حياة شعب.. ما الفرق؟! ما دام لايدفع البائع من جيبه وانما يدخل إلى جيبه؟! من الذي يخسر، أو يشعر بالآخر الذي يخسر؟! ومن الذي يحمل بضاعته علىظهره أو يعرضها جهاراً على الناس؟! التجارة هنا وردية ياصاحبي.. وردية وناعمة.. وعبقة الأجواء .. تتم على الورق.. ولا تحتاج أحياناً حت الى الورق. تكفي المشافهة.. والتحويل غير المباشر يتم الى الحسابات في المصارف. من يملك روحلً حياً.. يضيع.. يختنق.. يحترق.. يدفن نفسه حيا.. يموت.. لا يجديه الهرب خارج القفص.. فالمناخ كله مشبع بالتلوث.. يهرب .. يهرب.. ولكن الى أين؟! خارج الانسانية أم خارج الحياة؟!

الرجل:

الى أين؟! فعلاً الى أين؟! ياللشدة!؟ ماذا تفعل الأرواح الطيبة؟! ملاعبها في هذا العالم؟!

العازف:

" ساخراً" مرعب الأرواح الطيبة!؟! لم يعد لدينا أرواح طيبة ولا أخرى شريرة.. سديم سدوم وعمورة.. هنا خليط عجيب يشكل ضاباً ودخاناً يتكون منه المناخ العام.. والخليط يزدهي في ضوء ملون ساحر، وكله معروض في المزاد." ضاحكاً بمرارة" لقد بعنا كل شيء في المزاد." يتلفّت وراءه بحذر شديد." بعنا كل شيء.. كل شيء.

" الرجل يتلفّت وراءه هو الآخر ويستذكر تحذيرا، قديماً مما يأتيه من الخلف.. يلمح شبحاً من بعيد، أنه الشخص الذي يتبعهما يتلطى في ظل السياج. ومن جهة ثانية تظهر المرأة دون أن تلفت نظر أحد. وقبل أن يدرك ذلك جيدا يشده كلام العازف." أصبح لدينا أجساد تدب على الأرض، دواب تتحرك وتتزاحم ويأكل بعضها بعضاً، تنام وتأكل وتستمتع وتصيح، تفرغ بطونها في العراء... وتتقاتل كالدببة.. وفي آخر الليل تتراكض لتنحشر في ثقوب الظلام وجيوبه. وتسمعها في أعماق الظلام تئن وتتهارش وتستنجد في نومها من ثقل الكوابيس!! ولكن.. من ينقذ من؟! من ينقذ من، من ينقذ من؟!" يضحك ضحكة أقرب إلى الهستيريا فيشده الرجل من يده منبهاً، ويتلفت مرة أخرى وراءه.. يدقق قليلاً، الشبح لايرى يعود العازف إلى الكلام بشيء من الهدوء." في الصباح تتلمّع.. وتلبس أقنعتها، وتتعطر، وتنخفّى في ثياب. وأي ثياب؟! شيء يصنع منها زهواً يسعى، تأتي من بعيد.. من جداً.. وتتجول بمقامع الغطرسة والكبرياء.. أنها تتخفى برشاقة، وتخفي أسلحتها بمهارة. كل مكان من الجسد يمكن أن يكون فيه سلاح، كل مكان. أنها اذ تتخفّى تخرج الى السوق.. وهناك تسيل في كل الاتجاهات، وتمارس لعبها الكريه" يضع يده على أنفه ويدور في المكان كأنما يهرب ولا مهرب.. ثم يرتخي ويسقط في المكان لاهثاً. الرجل يقترب منه ويمسك ذراعه ليرفعه عن الأرض، فيحدق فيه." انها تكرر ذلك كل يوم.. كل يوم!؟! أين يذهب الانسان ليستنشق الهواء ويرى النور ويستعيد مبررا ليوم آخر يعيشه؟! " بصوت مخنوق " إنني  كالمجنون.. أهيم.. وأهيم.. وأختنق. أركض في الفجر لأرى الشمس من قمة الجبل قبل أن تتلوث..

أركض.. أهرب.. ثم أعود.. أعود..

نعم أعود، الناس ضرورة. " الرجل يشده من ذراعه ، ويتأبطه ليسير معه." هل أدركت الآن بعض ما في المدينة التي أحبها وأخشاها؟! بعض ما فيها مني، وما فيّ منها؟! هل أدركت الآن شيئاً في لحني منها؟!

الرجل:

نعم.. نعم..

العازف:

أتحبها أم تخشاها؟! قل لي الآن: أتحبها أم تخشاها؟! قل.. قل...

الرجل:

ألا يحق لي أن أخشاها وفيها كل ذلك الذي فيك منها؟! انك تحترق.

العازف:

" يهز رأسه" نعم.. نعم.. ولا." ينظر الرجل اليه مستغرباً." نعم.. ولا.

الرجل:

كيف؟!

العازف:

اذا كنت محصنا فلا تخش شيئاً.!

الرجل:

ومن أين تأتي الحصانة في هذا المناخ؟! أنت تتكلم عن وباء.

العازف:

لا.. لا.. ليس كل ما فيها وباء، والا فسدت كليا؟! هناك شيء في الأعماق.. في عيون بعض الناس.. في أعماق عيونهم.. في عمق الأعماق منها.. وفي خضرة بعض الأشجار، وفي أحاديث الزوايا، هناك ما ينعش فيك شيئاً ما.. ويشدك إلى أمل ما.. إلى فعل ما.

الرجل:

ما قدمته لي صورة من وباء.. وباء..

العازف:

وكيف نصاب بالوباء؟! ألا ننشدّ إلى حيث يكون في ما، فينتشر بنا؟! هناك اغراء..

اغراء..

الرجل:

اغراء للجسد أم للروح؟!

العازف:

لا أعرف تمام.. لا أعرف. أنا ايضاً لدي أسئلة أبحث عن أجوبتها. لست أنت وحدك الذي يبحث عن تلاؤم، وعن مصالحة مع نفسه لست وحدك!؟!

الرجل:

فيّ وفيك.. شيء من مرض العشق.

العازف:

مرض؟!

الرجل:

لقد قدمت لي الوباء ورباطك المقدس معه.

العازف:

قدمت لك رؤية عيني وصورة نفسي.. وأنا، كما يقولون عني، غريب.. يقولون عني غريب " مستدركاً " ليس غريباً بمعنى الكلمة، بل غريب الأطوار.

الرجل:

لقد قدمت لي الوباء ورباطك المقدس معه.

العازف:

قدمت لك رؤية عيني وصورة.. ,انا، كما يقولون عني، غريب.. يقولون عني غريب " مستدركاً" ليس غريباً بمعنى الكلمة، بل غريب الأطوار.

الرجل:

فهمت.. فهمت.. يبدو أن أطواري غريبة كأطوارك.

العازف:

لقد قلت لك ذلك فلم تنتبه لكلامي. أنا وأنت نلتقي في أشياء.. منها الضيق بالازدحام.. " صمت" ألم تكن أنت في المدينة؟!

الرجل:

" يفكر قليلاً" كنت في الازدحام. لا أعرف اذا كان ذلك مدينة أم لا.. ولكنه الازدحام كما قلت أنت." صمت" أحياناً أجد المدينةكلها في ذاكرتي، وأحياناً لا أعرف منها شيئاً.

أنا الغريب أليس كذلك؟! أقصد غريب الأطوار أيضاً.. أليس كذلك؟! أقصد الأطوار أيضاً.. أليس كذلك؟!

العازف:

ربما.. ربما.. أنت تحيرني منذ لقيتك وتغريني صحبتك منذ لقيتك، وتغريني فيك أشياء غامضة أخرى..؟!

الرجل:

مثل ماذا؟!

العازف:

أنت غريب .. وطيب.. وملغز..

الرجل:

ملغز؟!

العازف:

ملغز نعم!.. أقصد: شديد الغموض.

الرجل:

وهل هذه أشياء تسرك؟!

العازف:

تثيرني.. تثيرني اذا أردت الدقة. أنت لا تطيل النظر في صفحة بيضاء أليس كذلك؟!" يشير الرجل برأسه أن نعم " لقد ارتحت لك على كل حال. يوجد ما يجمعنا ويشجعنا.

" تمر لحظة صمت. كل منهما يفكر منفرداً وهما يسيران في المكان ويكتشفان بعض الزوايا فيه." أتذهب الآن الي بيتي؟!

الرجل:

" ينظر اليه" ألك زوج؟!" العازف لا يجيب فيشعر الرجل بالحرج." آسف.. آسف.. ما كان ينبغي أن أسألك هذا السؤوال.

العازف:

" ينظر ملياً إلى الرجل." لابأس عيلك. اسأل ما شئت.

الرجل:

يبدو أن سؤالي ثقيل.

العازف:

ربما كان الجواب ثقيلاً علي.

الرجل:

أرجوك.. لاتجب، لاتجب. أسحب سؤالي.. أسحبه.

العازف:

" بمرارة." قلت لابأس. جوابي فيه غموض غير مستحب : نعم ولا.

الرجل:

" يصمت، وكأنما يجبر نفسه على قبول الجواب، ويحاول أن يسوغه." ممكن.

العازف:

" يضحك ضحكة خفيفة بمرارة" ممكن ..؟! كيف؟! بدأت تقبل نفاقي؟!

الرجل:

" وقد فاجأه الجواب" عفواً.. عفواً.

العازف:

نعم.. ولا. جواب لايستقيم الا ضمن تفسير أليس كذلك؟!" الرجل يصمت." لم تصمت؟!

الرجل:

ماذا أقول لك؟! لا أملك.. ليس لي..

العازف:

تملك.. ولك وليس لك" ينظر اليه" كيف نصبح صديقين ولا يملك أحدنا الحق في أن يسأل الآخر سؤالاً، ويبيّن له رأيه في الجواب؟!

الرجل:

أنت على حق.

العازف:

اذن .. لاتصنع مني أحمق.. ولا تنظر لي كأبله.

الرجل:

لم أقصد ذلك مطلقاً." صمت." سوغ لي جوابك عن زوجك.

العازف:

لي زوج.. لاتشاركني جوهر حياتي.

الرجل:

كيف؟‍!

العازف:

جسدها في البيت.. وروحها في مكان آخر.

لاجسدها لي ولا روحها معي." صمت" شيء من النفي والغربة.

الرجل:

" وقد تجرأ قليلاً." هلى في ذلك عذاب؟!

العازف:

نعم.. ولا..

الرجل:

" يبتسم" كيف؟!

العازف:

نعم اذا عشت الحالة بتفاصيلها وفصّلت نفسك لها. ولا .. اذا انشغلت عنها، وفصلتها عن نفسك." صمت قصير."

الرجل:

في داخلك نار.

العازف:

وفي المدينة نار أيضاً.

الرجل:

شيء لايطاق.. أنت تنضج على نارين.

العازف:

لقد تجاوزت الاحساس بالاحتراق. أنا أغني الحالة في الخضرة والشمس. وفي الليل أيضاً أسكب عليها ضوء النجوم.. رائع ياصاحبي شعاع يهتك الظلام." تكاد الدمعة تطفر من عين العازف. ولكن الابتسامة العريضة تخفي ملامح الوجه الباكي." قل لي.. ألا تذهب معي إلى بيتي.

الرجل:

لقد حبّبت الي الليل، وأنا لا أحب الأماكن المغلقة.. أرتاح في الهواء الطلق.. ألا تعفيني من الذهاب؟!

العازف:

ألأنك عرفت عنه شيئاً؟!

الرجل:

لا..لا.. صدقني.

العازف:

وكيف لا أصدقك، وقد فتحنا معاً نافذة في الليل؟!

الرجل:

أجدني متعباً.. وبدأت أضيق بازدحام العمران، كل شيء يضغط علي، كأنما يتراكم فوقي.

العازف:

طالما راودني هذا الشعور.

الرجل:

ولكنه.. عندما يطاردك ينفي الراحة عنك.

العازف:

أعرف أنك تحتاج إلى الراحة أكثر مني.. بعض العمران حصار ، وبعضه فرج للنفس..

المدينة تركت عندي وعندك حالة من الاختناق. ولا أعرف ما قد يتركه بيتي في نفسك ونفسي .. أعتقد أنه يمكنك أن تجد عندي ما ترتاح اليه. هناك فسحة في الدار وهناك شرفة أيضاً .. و..

الرجل:

وهناك أناس، وبيوت، وشارع مكتظة بالمارة، وعيون تثقب الجدران، وأسئلة خبيثة، وممنوعات، ,اشخاص يتلطون في الزوايا، ويلاحقونك من الخلف.. و..؟!

العازف:

مهلاً.. مهلاً.. أنك تخيفيني.. أنك تنبهني الى أشياء تثير فيّ الذعر، ولم أكن أتنبه لها من قبل. دع لي قوة ورغبة في الدخول إلى بيتي، والبقاء فيه أثناء اليل.. أرجوك.

الرجل:

أنا آسف.. آسف ياصاحبي.. لم أقصد أبداً. اذهب أنت ودعني.

العازف:

لم تقصد..؟! ولكنك وصلت بي الى ما أخشاه.. لم يعد البيت راحة وأمناً الآن.. صار أشبه بالمصيدة.. بالمحنة.. خيمت فيه ظلال أخرى.

الرجل:

اعذرني.. انني شديد الأسف. لم أقصد أبداً.

العازف:

أعرف. أعرف أنك لم تقصد. المهم النتيجة. " صمت" هيا بنا.

الرجل:

الى أين؟!

العازف: لم أعد راغباً في الدخول الى بيتي.. هيا بنا..

الرجل:

ابق أنت.. لقد جئت إلى بيتك.

العازف:

لا.. سأوصلك أولاً.. وقد أعود.. اشتقت الى ذلك المكان الفريد.. هدوء.. وتفرد وسحر.. كأنما لم تصنعه يد بشر، وكأنه لايمت إلى الواقع بصلة.

الرجل:

أصبت.. اصبت.. كأنما ابداعته أرواح ذات مزاج خاص.. لابد أن حظاً طيباً ألقاني فيه. هيا بنا.

" يخرجان مسرعين، يرافقهما ظلام متدرج نرى فيه المرأة تركض خلفهما عن بعد، وشخصاً يتبعهم دون أن تؤاه، وشخصاً يتبع الشخص ولا تبين ملامحه تماماً."

-ظلام-

" على زاوية الشارع الذي يقع عنده المحرس، وعلى الرصيف لعريض نسبياً، يقف رجلان أحدهما نادل المقهى، الحارس الثاني يبدو من بعيد يراقب المكان تحت اضاءة خفيفة."

النادل:

أتظن أن سينجح في تعقبهما؟!

عادل:

حسن من عناصرنا الذكية والنشطة. أنا واثق من أنه سيحقق نتيجة طيبة.

النادل:

ولكن.. قد تضلله المرأة.

عادل:

قلت أنها أقرب إلى البله.

النادل:

كانت تبدو لي كذلك دائماً، ولكن تركيزها على الرجلين اليوم، وعودتها بعد تهديدي لها بالشرطة والسجن، جعلني أغير رأيي فيها. ربما كانت تتباله وتتغابى.

عادل:

طول كل ذلك الوقت؟!

النادل:

وهذا هو الغريب في أمرها.

عادل:

" عادل يفكر قليلاً وهو يتمشى مع النادل على الرصيف" قل لي هل كنت تراها في مواعيد ثابتة.

النادل:

لا.. ليس لها موعد ثابت.. تمضي أيام أحياناً ولاتمر من أمام المقهى. وأحياناً تمر مرتين وثلاثاً، وأحياناً ترابط أمام المكان ولا أتخلص منها الا بالتهديد ولكن عندما أهددها تهرب ولا تعود.

عادل:

إلا عندما تنسى.

النادل:

تنسى ماذا؟!

عادل:

التهديد.. أو تأثيره عليها.

النادل:

ربما..

عادل:

أنا أميل الى الظن بأنها ليست غبية.

النادل:

في هذه الحالة سوف تضلل من يتبعها.

عادل:

هذا اذا اكتشفت أنه يتبعها، من هذه الجهة أنا مطمئن إلى قدرة حسن. ولكن السؤال هو هل ستتمكن من تتبع أثرهما؟! وهل لها علاقة بهما فعلاً؟! وفي حال عدم توفر ذلك.. نكون قد فقدنا أثرهما.

النادل:

فعلاً.. فعلاً." بحماسة مفاجئة." هل تريد أن أتبعهما أنا؟! انني حفظ ملامحهما جيداً.

عادل:

لا..لا." لحظة صمت" ربما كانا غير مهمين اصلاً.

النادل:

لا أعرف لما اصر على الاشتباه بهما.

عادل:

أنت موضع ثقة، ويمكنك أن تلاحقهما اذا شئت.

النادل:

أرغب في ذلك.. ولكن لا أحب أن أكون وحدي.

عادل:

هل أنت خائف..

النادل:

لا.. أنما أخشى أن أفقدهما اذا وجدتهما وحدي.

عادل:

هو نوع من الخوف على أية حال." يتبادلان الابتسام." سأكلف أحداً ليكون معك. تابعا الشخص الذي سبقكما.

النادل:

حسن؟!

عادل:

نعم..

النادل:

أفضل أن يتابع هو المرأة.. ونحن نأخذ اتجاها آخر في البحث، واذا كان معنا قصّاص للأثر يكون ذلك أفضل؟!

عادل:

ولكن لايوجد شيء ما يعتمد عليه قصّاص الأثر.

النادل:

لقد جلسا في المقهى، وشربا وبقيا وقتا هناك

عادل:

وهل هذا يكفي لترك أثر مفيد؟!

النادل:

نسأل.. ونحاول!!

عادل:

حسناً.. تعال." يتجهان نحو المبنى الذي يوجد أمامه المحرس."

-ظلام-

يتبــــع

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

face="Traditional Arabic" "2">جميع الحقوق محفوظة