الفصل الثالث
القسم الأوّل
المكان:
"
ينظر الأول عند النافورة، الوقت قبيل الفجر. القمر في السماء يميل إلىالغروب، الرجل
مستلقٍ قرب النافورة، مستيقظ، هادئ يحدق إلى الفراغ، وساعداه تحت رأسه، يمضي في
ترقب حدث يؤرقه، وفي استعادة أشياء في عمق الذاكرة."
الرجل:
ذهب
ولم يعد، ذهب بعيداً في البحث. لا أشتهي الطعام.. أنه يتشبث بأشياء قد تجر
المتاعب.. أخشى عليه وأخشى منه.. ربما رآه أحد وتبعه إلى هذا المكان.. سوف يفسد ذلك
كل شيء. أنني أرغب في الهدوء، تعبت من الركض والاختباء والبحث في ذاتيعن ذاتي، وفي
ما حولي من مخرج لما أنا فيه.
كل
ما في المدينة عرضني للمقت.. اغراني بالحياة وعرضني للمقت." صمت" المقت؟! ولكن من
يشعر بمن؟! المقت يعيش في أعماقنا ويطفر ويندلق على صور الأشياء والآخرين.. أنه شيء
في الداخل يضفي على الأشياء نوع حضورها." صمت" هل أخطأت في استعجال العودة؟! وهل
أخطأ هو أيضاً؟! " صمت" ربما.. ربما.. ولكن مشاهدة تلك الأشياء أصابتني بالرعب
والغثيان.. الغثيان.. أنه لم يرني الا ما أكره... وهو.. هو أيضاً لم يجتمل البقاء
هناك.. الناس هناك يفقدون شيئاً مهما يربط الناس بعضهم ببعض. لم يكن ذنبي فقط.. ولا
هو احساسي فقط. عندما شاهدت المركز.. والأقبية، والحراسات، والبنادق.. لم أستطع
البقاء لحظة واحدة.. أحسست بالرعب وبالاختناق.. لم أستطع.. لم أستطع." يصمت.. ثم
ينهض فجأة كمن لدغ.ط تذكرت.. تذكرت شيئاً هاماً.. في الماضي.. في الماضي الذي يحضر
الآن بقوة مذهلة، كان هناك من يجلدني.. نعم.. نعم.. أذكر ذلك الآن.. كأنما أعادني
الشارع الذي رأيته إلى حيوية القديم الذي سكنني وخبا بسكناه فيّ احساسي به!! نعم..
الشارع القديم يعود.. يخيّل اليّ أنني أستعيد صوت وقع السياط. كان هناك من يجلدني،
وعندما بلغ الجلد حدودا معينة أخذ ألم الجسد يطغى على ما عداه.." يتذكر." شخص أو
شخصان كانا يجلداني، وثالث كان ينظر اليّ.. أين كان ذلك تماماً؟! أين حدث؟! في
حجرة، أم في اتساع الرمال المحرقة، أم في قبو مظلم، أم في العراء أمام الناس؟! ان
ذلك كله يختلط، ويتداخل، ويسجل حضوره عبر الزمن في أعماقي. أهو تسلسل الرعب لقديم
في مورّثات دمي منذ القدم، أم هو انتهاك فاق الاحتمال فزاغ عنه الوعي حتى
استقرفيما وراءه ووصل إلى حد الاعتقاد الراسخ بقدمه وابديته وحتمية اسمراره؟!
أذكر العينين القاسيتين.. نعم.. عينا ذلك الرجل كانتا حجريتين.. وعلى وجهه ظلال
آدمية باهتة، وكان يعطي اشارة بلاستمرار لايدرك معناها سوى من تمرس بامساك السوط
وتنفيذ الأمر" لحظة صمت" اضرب.. فيضرب حتى الموت!؟ توقف.. فيمنحك الحياة والرحاة
بين أمرين" صمت" للأمر مفعول السحر.. أنه يغري ويقرر المصير. أمن أجل هذا يحبونه
حتى الذوبان فيه والموت بسببه؟! يالهم من قساة عشاق السلطة ؟! آه من ذلك الماسك
برقاب العباد وقلوب الخلائق.. سلطة الأمر وشهوة الأمر. مت فيموت ، عش فيعيش، كن
فيكون.. انه" الله" أو شخص في حكم الله.. ومن ترى لايغريه أن يعبد ويطاع؟! هناك شيء
في البشر يفوق قدرة البشر على الفهم.. أن يكون البشر يفوق قدرة البشر على الفهم.ز
أن يكون البشر في حكم الإله!! هل ذلك مما يقاوم، أو يفهم، أو يتوقف؟! مت فيموت.. عش
فيعيش.. اجلد فيجلد.. كن .. فيكون.. وقد كنت أنا من ضحايا الأمر.. اضرب.. ويضحك..
يتداخل ضحكه مع الصراخ المرعب.." يقلد الحالة وهو يستعيدهل " اضرب.." يضحك ثم يصرخ
ثم يضحك. ثم يصرخ.." اضرب .. باردة.. ونافذة.. ومستمرة.. دون رحمة أو اضطراب..
"
يتحسس جسمه، ثم يخلع قميصه ويتلمس ظهره وعنقه وصدره، ومع حركة التحسس تبرز آثار
السياط وتتوهج كمياسم النار، كأنما تعيد تجسيمها الذاكرة واستعادة الاحساس. وتجعلها
فنية الاضاءة واضحة ومؤثرة تماما."
نعم.. لقد كنت أجلد.. قد تقلد الضحية الجلاد، وقد تكرهه، وقد تضيع بين يديه..
والألم يختزن ويتحول ولكنه لاينسى. لقد كنت أجلد وهذه هي آثار السياط تؤكد ذلك. لم
يكن وهماً.. لم يكن الأمر وهما على الاطلاق، ان دليلي على جسدي.. فكيف غاب عني كل
تلك المدة؟! هاهي رائحة اللحم تعود.. تكاد تملأ رئتي.. لحم تحرقه السياط.." تمر
لحظة" أذكر الآن أنني كنت أصرخ، وارتفع صراخي واشتد ، فالتفتّ الى الذي كان يجلدني
وأمسكت السوط بيدي وجذبته نحوي فهوى على ركبتيه متشبثاً بالسوط، ورمقني بشواظ من
نار عينيه ثم استعاد نفسه وسوطه مني واستأنف عمله. كان يدافع عن نفسه فلو لم يجلدني
لجلدوه. لقد بدا في وجهه الخوف.. وشيء من الغضب.. وربما التحدي!؟! مسكينان أنا
وهو.. مسكينان تمام" صمت" الثلث هو الذي يرتاح على حساب شقائنا.. الثلث يصنع الوحش
والفريسة ويستثمر الاثنين.
"
مشهد حي يستعاد من الذاكرة ويعرض حيا بعد أن يصبح الرجل في الظل ، ويبدو مربوطاً
إلى مقعد خشبي خاص. وحوله شخصان يجلدانه، وقد توقفا في لحظة ظهورهما تماما في
الضوء. يتقدم شخص ثالث كان يجلس بعيدا. يقترب من الرجل بشاربيه الكثين ثم يبصق في
وجهه بحقد واحتقار ظاهرين، أنه شبه محقق، وشبه جندي، وشبه جلاد، وشبه عدو، وشبه
انسان. وهو يأمر الشخصين الآخرين.ط
شبه
المحقق:
يا
ابن الزانية.. هل تظن أنك أقوى منا جميعاً؟!
الرجل:
لا.. لا ابداً، فكما ترى.. أنني الأضعف.
شبه
المحقق:
"
يبصق في وجهه مرة ثانية" لم لا تتكلم اذن؟!
الرجل:
ماذا أقول؟!
شبه
المحقق:
تعترف بكل شيء.
الرجل:
لقد
قلت كل ما أعرف.
شبه
المحقق:
ولكنك لم تقل ما نعرفه نحن.
الرجل:
هذه
هي المشكلة.. تريدون مني أن أعرف ما تعرفون وأن أدعيه لنفسي. ما تعرفونه أنتم لا
أعرفه أنا، ولا أستطيع أن أزعمه لنفسي.
شبه
المحقق:
وهذه شطارة جديدة ياابن اللعينة؟؟! وعلى من تريد أن تمر ؟! عليّ أنا؟!
الرجل:
أنا
لا أفكر على نحو ما تتصور.
شبه
المحقق:
على
أي نحو إذن ؟! أتحفنا بذلك؟!
الرجل:
عفواً.. أنا انسان بسيط.. و..
شبه
المحقق:
كل
هذا سمعته وقرفت منه. أريد شيئاً جديداً.. شيئاً في صلب الموضوع.. أجوبة محددة عن
الأسئلة المحددة؟!
الرجل:
لم
أخف شيئاً عنك.. صدقني.. أجبت بكل ما أعرف، ولا جديد عندي. أقسم لك بـ..
"
يعالجه شبه المحقق بركلة شديدة.. ويشير إلى الشخصين بأن يضرباه. تدريجياً يزول
المشهد الحيّ، ونعود إلى الرجل وهو في وضعه.. وضع التذكر من خلال المعاناة، قرب
الماء."
وجه
الآمر يطل بشاربين كثيفين، كان وجها من رياء ودعارة، وجه قاتم لايعرف النور.. نعم..
نعم.. هاهو.." كأنكت ينظر اليه ويصفه" العينان مستنقع تتخابط فيه الأفاعي.. تراع
عندما تنظر في أعماقها.. كان ينظر الي ويضحك. نعم.. أنه يضحك بخبث" كأنما يراه على
صفحة الأفق يملأ الفضاء عليه ويهاجمه.. الصورة تقترب مكبرة، مرسومة في فضاء المكان،
وخلفيتها ظلام شديد." يضحك.. خبثه ذاته يضحك، وقد تخمّر في فمه منذ قابيل حتى آخر
شهقة مجّها زفيراً في وجهي مع كمية لعابه. ثم استدار إلى الشخصين المكلفين بضربي،
فغيرّرا مكاني، أخذت أنتفض على النبض ات المتوترة .." جسده يرتعش ويضطرب وهو
يتذكر.ط ثم.. ثم.. أخ.. أخ.." يصرخ ويغطي وجهه بيديه...ط ثم بدأ المشهد المرعب.."
يهز رأسه ويبكي بصوت مختنق ويتعرق بشدة وكأنما يستيقظ من كابوس." لا أعرف بعد ذلك
شيئاً.. لقد ضاع كل شيء" صمت" لاشيء ابداً.. لاشيء بين يدي.. الصحراء، والسراب،
واللهاث وراء اليقين، وغيمة كثيفة من الدخلن، والماء.. والهرب من كرة الحقد والنار
والعار التي كانت تتدحرج ورائي" صمت" هناك ثغرة .ز ثغرة في داخلي وقد تكون هوةة
ضخمة وسحيقة..لا أعرف كيف أتواصل وألتئم وأتماسك؟! لقد ضاع شيء لايدرك ولا يستعاد ،
شيء وحده الذي يجمع الأشياء والأشلاء كلها في كيان واحد. " يهدأ قليلاً ثم يجلس
ويتمدد." لو كان بوسعي أن أستعيد بعضاً مما كنته قبل حالة الانتهاك القصوى لجسمي
وروحي، بالسوط وبالكلام وبـ..." تضيع منه الكلمات وتبهت الصور، ويصفر وجهه حتى
ليكاد يغشى عليه.. في مدى الظلام يشرق لون وضوء، لايلبثان أن يتجليان في صورة
المرأة التي انشق عنهما المكان وأسقته الماء.. انها تركض في غلالة رقيقة، شعرها
يغمر جسمها، والريح تعبث بكل شيء فيها.. وراء المرأة أشباح لايتبيّن الرائي ملامحها
جيداً.. عيون وأعضاء متداخلة، ولا تلبث الأشباح أن تتكاثف وتتعملق حتى تحجب المشهد
وتخفي المرأة والضوء، ويتدرج المشهد من الظل إلى الظلام. الرجل يفتح عينيه، ويمد
يديه إلى المرأة التي أخذت تغيب، وينهض محاولاً الامساك بالصورة المتلاشية قبل أن
تخفيها الاشباح، ولكنه لايستطيع فتتراخى يداه وقسماته وينهار محبطاً." لو أن.. لو
أن.. لو أنني أمسك بشيء، لو أنقذ شيئاً، لو أحافظ على شيء.. لأمكن أن أربط خيطاً
بخيط، ولكن ذلك يتعذر علي.. يتعذر تماما. ان الانتهاك قديم.. انتهاك الجسم والروح
قديم، بشع وقديم، ولم يستطع أحد أن يغير من ذلك شيئاً، لماذا ألوم نفسي وأحمّلها كل
النتائج.. أنا واحد ممن اجتاحهم الانتهاك!! ولكن كيف يبقى أشخاص متماسكين رغم
الانتهاك وينهار أشخاص آخرون بسببه؟! ولماذا يقوم أشخاص من رمادهم، ويزيد حجم
الرماد أشخاصٌ آخرون؟! وأنا.ز أنا من أكون ، وممن أكون؟! من أي صنف؟! لماذا لا
أنسى؟! النسيان نعمة؟! ولكنني ولكنني لا أتذكر حتى أنسى، ربما كانت مشكلتي في أنني
لا أتذكر ما ينبغي تذكره، لأقيم بعد ذلك حجة من أجل النسيان. يبدو أنني أضيع بعد
ذلك حجة من أجل النسيان. يبدو أنني أضيع بين التذكر والنسيان!؟" صمت" عبثاً.. عبثاً
أحاول جمع قول على قول، فمنذ آدم بدأ تاريخ الانتهاك، والحبل يتواصل من خلالي، فما
الذي يغيّر الأمر؟! اذا عرفت متى ولماذا، فلربما أعرف كيف، واذا عرفت كيف.. أستطيع
أن أعالج الوضع كله؟؟! ولكن هل تتغير اقتناعات الخلايا وتكف عن حمل الارث الثقيل؟!
لماذا أدقق في أفعال فلان أو فلان، من المحقق للجلاد للعازف، لتلك النسوة.. كل شخص
يحمل هويته وما هيته عبر التاريخ، ويحمل أهميته ويقوم بدوره، وقد تتبادل الأدوار.
جلاد وضحية، ضحية وجلاد.. وامتداد ما يتلون بينهما ليغدو الطريق، وليكون التكوين
والمناخ. عبثاً أدقق في أخلاق ما، في قوام ما، في أقوال وفي أفعال ما. هذا الانسان
الغامض: يسرق.. يقتل.. ينهش لحم أخيه، يبيع ذويه، يؤجر عقله، قلبه.. عرضه.. روحه،
يظلم.. يصبح عش نفاق، عش خيانة. يذبح جاره باسم الحق، وباسم الربح، وباسم الرحص،
وباسم العدل، يلبس أقنعة للحكم، يلوّن وجهه.. قلبه، لكن.. خلف الفعل ستارة، وخلف
الستر قذارة." صمت" الشفّاف جريح دوماً، روح مسكين مثل شعاع لفجر، وريقة ورد، لكن
الريح تزوبع كل الورد وكل جراح الناس المحرومين من القسوة.
"
صمت" أغرق ذاتي في الأشياء، وفي الأحوال.. أعوِّض. قديما كان الظلم وكان القتل،
وكان التبرير.. قناع الزيف قديم.. قديم.. قديم.
"
يبدو عليه التعب ويتراخى كأنما ينام. يتعالى لحن الشبابة حزيناً، ويمتزج مع ضوء
القمر والماء في عينيه، فيأخذه سبات ظاهري، بينما أعماقه في انشغال وانتشار كثيف،
وحيويته الداخلية تشتد، ينتشي فيها الماضي السحيق، الذي تجسده في فضاء المكان صور
حية" سينمائية ان أمكن" مرافقة بمؤثرات ناعمة لاتطغى على صوته الذي ينبعث من وراء
حجب، ولكنه واضح مؤثر وفيه شجن عميق، أنه صوت من تتبدى أعماقه في الانشاد الذي يأتي
عبر فضاء المكان بأداء ساحر للطبيعة."
ما
قبل الماء الأول عتمة،
وسياط تلسع وجه الكون، وحريق في أحشاء الأرض، وأنا .. الماضي في آماد الصمت الأكبر.
يغرق.. يغرق.. يغرق.
نفخت رئة الكون وغدت حبلى بالأسرار وبالأعصار، سلخت صفاقين ودارت.. راقٌ يسبح داخل
راق أعظم منه، كثّف غضب النار وليل الحرق سديماً، يسبح عبر الماء ويبرد، يسبح ..
يبرد، يسبح.. يبرد.
والعتمة صارت سكيناً..
كسفاً تعلو كسفاً..
كسفاً تعلو كسفاً، تبرد، تكثق، تكمد...
نبت
الناس على ضفاف البرد قروناً.. في قلب المطر البكر، وجوهاً كانوا، مثل الفطر...
تعالت فوق هتون القطر..
وماجت في الماء، وفي النار، وفي الليل قروناً.
دفقت رعباً..
أكل
الحيُّ الحيَّ، وشق الليل الليل.. وظلت رحم بكر، تهدي الحيَّ بسيف الحيَّ، وظل
الرعب إلهاً يسعى بين النار وبين الماء قروناً، حمل النبت سياط الأرض الأم.. جراح
الأرض الأم.. وخوفاً بكراً..
ساد
اللطم وجوه الخلق.. قلوب الخلق، " وصار اللطم عبادة."
كنا
جرحاً ينزف ألماً.. عتمة صرنا جرحاً في الأكوان.. ونقمة يانفساً تاهت من نفسي:
خوفاً..كرهاً..
طمعاً.. تيهاً، هاتي يانفس شعاعاً من لطف الأمن، وهاتي بسمة، إن الليل كثيف... صار
سفوحاً خضراً... صار وجوهاً صفراً... صار قلوباً تسعى... صار وصار.. وصار التيه
عيوناً ترعى، حبَّ عيون الناس لكل الناس، وصار الخوف إلهاً يسعى. ذات صباح.. ذهلت
ذاتي عني... هربت ذاتي مني...
ضعت.. وضاع الآتي..
ضعت.. وضاع ال" كان" وصار" الآن" مرارة.
"
يتوقف الناي عن العزف في الوقت الذي يكون فيه ضوء القمر قد أخذ بالتلاشي، واشعة
الفجر بالظهور، والنور بالتنامي في الأفق وبالانسكاب على الماء. العازف يحمل آلته
ويقف على مقربة من الرجل الذي ما زال مستغرقً في نوم ظاهر."
العازف:
"
يهم بالانصراف، ثم يعود." الفجر جميل، ألا تحب أن نتسلق الجبل معاً لكي نستقبل
الشمس هناك؟! كل يوم أستقبلها في القمة، فأشعر برضاها طوال النهار، وبمتعة تجنبني
مرارة اليوم.
"
يتنبه إلى أنه يكلم نائماً فيأخذ شبابته ويجلس على حجر قريب من النبع ويعزف لحناً
رقيقاً. يستيقظ الرجل شيئاً فشيئاً على اللحن، ويكتشف أن الفجر قد احتضنه، ويرى
العازف منهمكاً بالعزف على مقربة منه، ونقرأ الارتياح على وجهه وفي ابتسامته
الرقيقة التي يحيي بها العازف".
الرجل:
صباح الخير.." يهز العازف رأسه ويستمر بالعزف وكأنما يرد التحية أنغاماً." الفجر
جميل، وانسكاب الماء مع انسكاب الضوء يجعلان معنى الحياة أكثر غنى، يجعلان فيها
متعة، لاسيما مع الطبيعة." يستمر العازف" عزفك.. عزفك.. على الخصوص يجعلني أرى في
الأشياء جمالاً ، وفي الجو شيئاً يعيش. أنه يتسلل مع الهواء إلى الأعماق، وينقل إلى
هناك حلاوة لم أتذوقها من قبل." ينهض الرجل ويتجه إلى الماء ويغسل وجهه بنشاط. فجأة
يتوقف ويلتفت إلى العازف." غريب.. كأنما هو حلم؟!؟.
العازف:
هل
كنت تحلم؟!الرجل:
في
الحلم.. كنت أنت تعزف.. وأنا أقول كلاماً مترابطاً.. كلاماً يأتي من بعيد..؟! كأنما
كل منا كان قصبة، واحدة تصدر لحناً والأخرى كلاماً حلوا ذا معنى؟! أهو حلم.. أم
أنني كنت أهذي ؟!
العازف:
"
يقف، ويلتفت إليه الرجل وهو يتوجه إليه بحرص.ط هل نمت جيدا؟!
الرجل:
نمت؟! ربما.. ولكن أين كنت طوال الوقت؟!
العازف:
ذهبت ابحث عن طعام لكلينا.
الرجل:
ذهبت ولم تعد. لقد شغلتني عليك.
العازف:
لاتنشغل علي. أعرف كيف أعود. أحضرت معي طعاماً، هل تأكل؟!
الرجل:
لا.. ليس الآن.
العازف:
هل
نمت جيداً؟!
الرجل: أعتقد ذلك. لقد استيقظت مرتاحاً. والحلم لم يكن كابوساً.
العازف:
ما
كان في النوم مضى مع النوم. هل ترافقني لنستقبل الشمس فوق القمة؟!
الرجل:
أية
قمة؟!
العازف:
وهل
غير قمة الجبل؟! هناك حيث الضباب يسيل فوق الوديان، ويزيد درجة الغموض، ويغري
بالشف؟! المنظر من هناك بديع.. سترى أمنا الطبيعة كما لم ترها من قبل.
الرجل:
أخشى ألا أصل إلى هناك.
العازف: لماذا ؟! كل يوم اصل أنا وأعود من هناك بأمان.
الرجل:
أخاف ألا يساعدني جسمي، وأخاف الناس.
الرجل:
أخاف ألا يساعدني جسمي، وأخاف الناس.
العازف:
ولكنني معك عند الحاجة، أنا معك، هيا بنا.
"
يتجهان نحو الجبل ويبدآن تسلق السفح إلى القمة، وصاحب الناي يعزف لحنه." " نقلة ضوء
على أرضية ظلام."
-
على قمة الجبل-
"
قرص الشمس بدأ يظهر قليلاً قليلاً،"
الرجل:
أشرقت الشمس.. أنها المرة الأولى التي أرى فيها الشمس بهذا الجمال. انظر إلى الخضرة
كيف تموج تحت أشعتها كأنها بحر رئق..
انظر إلى الظلال هناك عند السفح، انظر إلى الندى يلمع أوراق ال..." يتنبه إلى أن
العازف لايشاركه الكلام، بل يتجه بنظره إلى الشمس، في وضع أقرب ما يكون إلى
التعبد." لماذا لاتكلمني؟!" صمت" مابك صامت هكذا؟!" ينظر إلى الجهة التي يحدق اليها
العازف فيرى قرص الشمس يتعالى ساحرا." أنه جميل.. جميل.. ولكن اظر إلى ما يفعله في
الأشياء هنا على الأرض، ان العتمة تهربو.." بشيء من الحدة." لماذا لاتلكمني..
لماذا؟!" ينظر اليه." عجيب أمرك.. عجيب، هل أصابك شيء ؟! أتصلّي؟! تعبد الشمس
أنت؟!" ينظر العازف إلى الرجل ثم ينهض بهدوء" ما بك؟!" يهزه من كتفه ويرفع نبرة
صوته." ما بك؟!
العازف:
لاشيء.. أتأمل الشمس، كل يوم أفعل ذلك بصمت، فأكتشفت عالماً بعمق. مع التأمل لايكون
كلام، ومعه يصبح السكون غنى والسكوت كلام.
الرجل:
أنت
على حق.. فاتني أن...
العازف:
لم
يفتك شيء. كل يوم تشرق الشمس وتغيب.. راقب ذلك، وستتاح لك الفرصة، أنها لك عندما
تريدها.
الرجل:
ظننت أنك..
العازف:
ربما أوحى لك صمتي أنني أعبد الشمس. كان يستغرقني ما يتم من تحول أمامي.. بحر
الظلام يتلاشى، ويجلو النور وجه الأشياء. أنا لا أعبد الشمس، ولا اعبد شخصاً ما كما
يفعل كثيرون.. أنا أعبد خالق الأشياء والأشخاص والأرض والسماء والشمس، ولكن الشمس
تأسرني في كل شروق وغروب، الشروق يأسرني أكثر. ستتاح لك الفرصة ونرى أكثر مني. لقد
بدأت أنصرف إلى هذا منذ تركت عالماً يعج بالظلام والمرض والأقنعة وعبادة الأشخاص.
الرجل:
هل
كنت مقبلاً على ذلك أم أنك أكرهت عليه؟!
العازف:
كان
عندي ميل للدنيا ووجاهاتها، ووجدتني أسعى على قدمي إلى حيث يجبرني الأتباع على
عبادة من يدفع لهم ويجرهم من أنوفهم.
الرجل:
وكيف امتشفت العالم الآخر؟!
العازف:
في
أحد الأيام تعرضت للاهانة.. كانت شديدة جداً، شعرت بشيء يغلي في داخلي.. تحركت يدي
لترد الاهانة.. ف... فوطئت بالأقدام.." الرجل يصفر وجهه قليلاً."
الرجل:
"
وهو يتأمل قرص الشمس" الضوء يغزوني من الداخل، أشعر بأنه يتسرب إلى كهوف في
الأعماق، ,أن ما يولد فيَّ أو يبعث حيا فأكتشفت وجوده؟!؟
العازف:
في
داخل كلمنا شمس، لكنه إما لا يكتشفها ، وإما لايستطيع الرؤية حينما تشرق !! من
المهم الاستفادة من اللحظة المناسبة.
الرجل:
أنت
على حق.. يحدث لي أحياناً أن أشعر بشيء يضيء في داخلي، ولكن لايلبث أن يخبو النور
وتسود العتمة، أشعر الآن بشعاع يتكسّر في أرجاء الذات، واشعر بأنني أهتدي إلى أشياء
بفضل الضوء... نعم.. أنه يتغلغل في داخلي وينير لي أعماقي.. نعم أذكر.. أذكر" كأنما
فقد شيئاً" تسقط الذكرى أحياناً مثل الصاعقة فوق الرأس.. ثم تتبدد. كانت لي نافذة
يتدفق منها الضوء، وتدخل عليّ منها الشمس، وكنت أنظر من تلك النافذة إلى الشارع..
وإلى ما يجري هناك في أعشاش الدبابير. فجأو سقط الظلام ولم أعد أرى شيئاً، كل شيء
ذهب.. الشمس والضوء وأعشاش الدبابيرو..
العازف:
ماذا حدث؟!
الرجل:
كنت
أنظر إلى مافذة أخرى.. إلى شمس أخرى.. إلى .. إلى.." يهز راسه يائساً من امكان تذكر
تفاصيل أخرى." لقد أغلقت النافذة. ارتجفت الصاعقة، وانكفأ مد النور في أعماقي.. لم
أعد أرى شيئاً" صمت نعم.. لقد حدث هذا في النهار، اقتادني اثنان من قرب النافذة بعد
أن.. بعد أن.." بحركة يائسة" لا أذكر.. لا أذكر.. والدي كان القضبان، ونظرته تغمرني
كشمس.. ولكن.. ولكن.." في شبه صراخ داخلي" ساطور يقصم عمر اللحظة الفارعة، طود
ينزلق عليها، ينهال الردم ويتعالى غبار يحجب وجه الشمس ويشل الرؤية.. كتلة ظلام
تتشكل أصابع وخناجر وأغلالا حول العنق وحول فضاء الروح، تنحسر الأغاني وتختفي في
الأعماق، الأمل يهرب مذعوراً.. الهلع يكتسح كل شيء ويغيض ماء الحياة، الضباب
ينتشر.. ينتشر .. ينتشر.. نغيم صور الأشياء.. العالم يصبح.. يصبح.. يصبح لون الرمل
الأغبر، ويسدُّ أفق النفس.. اثنان، وشبح لا أتبين معالمه، وظلام يتشكل أصابع،
وأغلالاً حول العنق، واختناق الأبوة.. بعد أن .. بعد أن.. بعد أن.." كأنما
هواسطوانة قد ثبتت على دورة واحدة. العازف يراقبه باهتمام.ط
العازف:
تكلم.. بعد أن.. ماذا؟!
الرجل: بعد أن.. بعد أن.. بعد أن...
العازف:
بعد
أن ماذا؟! تكلم..
الرجل:
"
صمت قليل" لقد غاب كل شيء من جديد..
النور لايصل تماما، تنقطع الرؤية، وتغيب الأشياء والأحداث والكلمات.. تنفتح هوة في
الظلام وتغرقفيها، تغرق وينسحب فوقها الظلام.. يمتد الظلام.. وتنسحب كل الأشياء
..." ينهض الرجل."
العازف:
إلى
أين؟!" يتوقف ويحدق إللا جهة شروق الشمس، العازف يجلس إلى شجرة متعمداً، ويعزف.
والرجل يتابع تأمله كأنما غاب عن الوعي بما حوله، تستغرقه الطبيعة. ترتعش شفتاه
أحياناً مع امتداد اللحن، يخاطب العازف الذي يستمر بالعزف."
الرجل:
كنت
أسمع شيئاً من الموسيقا في الصباح، لم تكن شبابة، ولم تكن بهذا النقاء، عزف يتغلغل
في لخلايا، ينعش الأشياء الصغيرة والتفاصيل الدقيقة في داخلي فتعود لها الحياة."
صمت".
"
العازف يجيد ويشد بلحنه الحزين روح الرجل اليه، شيئاً فشيئاً تنحدر دموعه مع
الكلام.. يصبحان حالة نفسية وروحية واحدة."
على
لحن الموسيقا يستيقظ قلبي
وأرى في أعماقي عينين باسمتين
الذي أوقف الموسيقا قتل قلبي، وأطفأ العينين..
في
أعماقي كانتا تبرقان بالنور، وتتدفقان كنبعين خالدين صافيين
إنهما تحميانني من الرعب، وتغسلانني بالحنان.
يابؤبؤ العين، ما عمر ما تكتنزه من خبرة؟!
وأي
جيل من البشر يرتسم في مداراتك؟!
قل
لي يابؤبؤ العين:
هل
يمكن أن تقرأك إلا العين الأخرى؟!
وأين هي ايها الغريب؟!
حين
ازدهرالرعب في الكون، وأزهر تحت قدمي، وامتدت سياط الجلادين إلى أجساد الناس من
حولي،
وزحف الموت تحت رايات العدل، وهبّت ريح صفراء تفتك بأهلي، احتمت روحي بالحب، فصار
الجسد دثاراً يتمزق على مهل تحت ضربات الجلادين، الين اتخذوا من الجسد دثاراً.
وأخذت الروح تتعرى على مهل، حيث الجسد يتمزق على مهل، منتهكاً تحت ضربات الجلاد ذات
العمر المديد.
ياعمر الجلاد ما أطوله.. بطول عمر الاستعباد وأطول...
بقي
روحي والحب ساكنان تماماً في أحشاء جسد صار سليخاً..
تعرّت روحي تماماً بين الجلادين ركض الحب ليستر عري الروح..ولكن.. روحي ولحب وقفاً
عرياً صرفاً في وجه السوط واندلق فيض .. النار.. الرمل.. القار.. العار، كل ذلك
يحيط بقلعتين عظيمتين، عمَّر الانسان بهما الأرض هما: الروح والحب. وحين انتهكت
السياط جدار الروح، ستر الحب عريها بالسُّبات..
سبات الروح مديد العمر.. يغوص قروناً في الأعماق، وغبت تماماً في الأنفاق..
حتى
لا أرى في جسد ينيره الحب، وحشاً لايعرف الرحمة.
أن
تدخل حرم الموت الأصفر خوفاً من موت الحب،
خير
من أن تدخل صرح العيش الأخضر، منتعلاً الحب.
هناك عري.. وهناك عري آخر، عري من نوع آخر.
أحدهما ستر .. والآخر فضيحة.
في
ظلمات الأنفاق..
تعرّى حبي والانسان وأنا، وقفنا الثلاثة أمام شعاع من نور الأعماق: روحي ، والحب،
وذاك الآخر وبقينا نرتجف هلعاُ حتى لا نسلّم بأننا ضعنا، أو بأننا خلقنا عبثاً..
وتركنا هملاً.
آمنّا بعالم الروح ويقدرة الحب، لكي يبقى منا شيء يحمله قارب الزمن، ومن حولنا كان
الزحف الرهيب، وكان الحصار.
المادة والحقد الأسود،
وقتال الاخوة في الأرحام،
وقتام الموت الأصفر،
وظلام نفوس لاتدري معنى الحب ومعنى الرحمة.
هناك تلاصقنا وتحامينا، واستعددنا لآخر نفس
وبقي لدينا أمل بانتصار الروح والحب.
لم
تكن السياط تعرف حدوداً تقف عندها، مدى السياط بلا حدود.. والانتهاك بلا حدود..
وكره الجلادين هو الآخر بلا حدود.
وحين جبل اللحم والدم بالرمل، وبهِّرا بالألم
وتضوَّعت رائحة البشري في جنبات الأرض،
وتزينت تلك الأم الحزينة بقلائد الدم.. وجماجم الاطفال.. وراحت تنشر حمى الشكوى من
شهوة السلطة، وشهوة القتل، وشهوة المال، وقسوة الظلم،
قلنا:
"
لابدّ أن يبزغ فجر
فيه
قلب الانسان هو السيّد لابد أن يبزغ فجر.. فيه قلب الانسان هو السيد."
وانتظرنا أن يتعب الجلاد ويرتاح الجسد، وأن يولد الفجر، ويغمر المتعبين، وأن يصمد
فينا الانسان، ولم تراودنا أبداً فكرة اليأس.
لم
تراودنا ابداً فكرة اليأس.
كم
هو جميل شروق الأمل كشمس في ليل الروح، وكم هو جميل إنسان يحب ملء طاقة الروح، وكم
هو رائع أن تصبر، وأن يثمر صبرك.
كم
هو جميل أن ينتصر الانسان بالحب والروح.
"
يتوقف العازف عن العزف وهو يمسح دموعه ويراقب الرجل المستغرق في مراقبة الشروق،
وتتقافز عصافير ملونة فوقهما على بعضالشجيرات."
العازف:
بعد
قليل يفقدالشروق سحره، وتغدو الشمس مجرد مصدر للحرارة، وربما للضيق والأذى، ويذوب
عن قرصها وشاح السحر والجمال.
لقد
اغتسلنا معاً بالنور واللحن والكلام.. أشعر بأنني أولد من جديد معك.
الرجل:
أشكرك أيها الأخ على كل ما قدمته لي. يبدو أنني وجدت الطريق التي توصلني إلى حيث
أريد.
العازف:
حقاً ؟! إلى أين تريد أن نذهب؟!
الرجل:
في
اتجاهين متضادين، وأن أبقى في مكاني.
العازف:
"
بشيء من الاحباط" لا أعرف ما تقول.. أنا لا أفهم ما ترمي اليه، كلما لاح لي أنني
أفهمك تلقيني في التيه، تكثر ألغازك ويتهشم بللورك.. ما أنت.. ما أنت؟!
الرجل:
قدم
تريد أن ترقى القمة، وأخرى تنزلق إلى عمق الهوة، والخوف مسمار في قلب الحاضر يستنفر
الدم في كل اتجاه. في الأعماق صراع ياصاحبي.. صراع مر. الشمس فتحت أمامي بابين كانا
مغلقين، لقد بدأت أنظر ، فأرى الآن أنظر ، فأرى.
العازف:
ألغاز.. ألغاز.. لماذا تكثر عليّ من الأغاز؟! أنا شخص بسيط تماماً. بسيط بساطة
لحني.. لحن الشبابة. أحب الناي والشمس والوضوح..
الرجل:
وأنا أحب ذلك، أحب الشمس والوضوح.. بل هما ما كان ينقصني في الحياة.. لقد هديتني
إلى نفسي، فشكرا لك.
العازف:
أنا
هديتك؟!
الرجل:
أنا
الآن أفضل.. وأنت السبب.
العازف:
هذا
يسعدني، يسعدني كثيرا هل تحب أن نعود الآن.. أم ..؟!
الرجل:
كما
تحب." يسيران ببطء. العازف يستأنف العزف، تمر فترة صمت، يتوقف الرجل فجأة ويحدق
أمامه، يتجهم وجهه وتلوح أمامه صورة غائمة يحاول أن يلتقطها ويتابعها، يتمتم بدرجة
من الانفعال العاطفي الشديد."
عند
نافذة مغلولة بالحديد والضباب، تكوّر بؤبؤاه كمنارتين حزينتين، أخذت أقرأ في صمته،
وأتهجد على وقع صوته، كتاب الحياة... أيها الوالد المسكين.. أيها الوالد المسكين..ط
تخنقه الدموع فيبكي بصمت، ثم يسمع صوت آت من بعيد فيه ألم ولهفة وحنان، يومكن أن
يعرض بشكل توضيحي حي بطريقة ما، على فضاء المسرح الذي يتبدّى أفقاً."
صوت
الأب:
"
طريق الآتي خلفك تغدو قلبك ذاته يحرث رئتيك بأظافر رجليه، ويشلّخ وجهك بأنيابه..
الآتي خلفك ضاعت دربه في هينيه، وأرخى قلبه في ساقيه، وأصحر فيه التيه، وأرمض منه
القلب، فصار اللوب الأعمى.
كفاً ترمى فوق رقاب الخلق بوحي أعمى.
حاذر ياولدي ليلاً يغزوك بكف الآتي خلفك واحذر غفلة حب تلقيك ضلواعاً تحت سنابك خيل
الآتي خلفك، واحذر ياولدي الحيَّ- الميت، الراكض بين الأحياء، فالحيُّ- الميت
مخيفٌ، جسدٌ أعمى، يحصد زهر الروح، بسيف الحقد وسيف الجهل، ويبقى ليلاً أعمى،
يطمس شمس الرؤية
"
تداخل الصوت بحة ألم، ويترنخ بالدمع" حاذر ياولدي الحيَّ- الميت الراكض ما بين
الأحياء .. وراءك..
واحذر عين السلطان.. وقرباً من سلطان، فالغدر ينام على أبواب السلطة.ط يصمت فجأة ثم
يقول بذعر"
الرجل:
كأنما أسمع الكلاب.. هل اهتدوا إلى مكاني مرة أخرى؟!" ينكمش على نفسه.ط هذا رهيب..
رهيب.. أتعود الكرة من جديد؟!" يضحك ضحكة قصيرة مرة."
كدت
أرتميفي حضن الاطمئنان ، ,ابحث عن ذاتي.
صوت
الأب:
احذر ياولدي ليلاً يركض خلفك، أخشى أن ينقطع فيك الدرب وحبل الظهر.. نضيع جميعا
بعدك .. نفنى...
"
نشيج يخالط صوت الوالد.ط
أفنيت حياتي ياعود الريحان لأراك أريج الدار، ولون العمر، ومد النسل، ولكن... ها
أنت اليوم نزيل الزنزانات وليل الرمل. لون العمر، ظلام بعدك،
أخشى ياولدي.. أخشى...
أخشى أن يطويك الرمل وتنسى نفسك..
أخشى ياولدي.. أخشى...
"
يغيب الصوت تدريجياً في صدى نحيب مخنوق. الرجل يحاول أن يمسك الصورة أو أن يستعيد
الصوت، دون فائدة، وشيئاً فشيئاً يغدو عصبياً وخائفاً، يتلفت إلى العازف الذي يبدو
هادئاً مستغرقاً في أداء لحنه بانسجام مع الطبيعة المحيطة بهما. ويتراءى له أنه
يسمع نباح الكلاب من بعيد، فيأخذه الرعب.. يرتجف قليلاً.."
الرجل:
كان
الصوت صوته.. أذكر تلك اللحظات.. كان في النافذة الحديدية وجه، بل عينان تطفحان
بالدمع.. كان شعر ذقنه الأغبر يتثنى على الحديد.. والدموع تبلل الاثنين معاً..
الشعر والحديد.. والدموع تبلل الاثنين معاً.. الشعر والحديد، لم يستطع أن يفعل
شيئاً، بل أنه لم يتمكن من الاستغراق في البكاء.. كان الذين انتزعوه من حديد
النافذة أقسى من أن يدركوا حالته.. لقد.. لقد.. هل ألقوه على الأرض، أم داسوا
عليه.. أم دفعوه بعيداً.. ما الذي حدث تماماً؟ ما الذي حدث؟" يحاول أن يتذكر ولكن
عبثاً." لا أتذكر جيداً. أذكر صوته وهو بعيد عن مرمى نظري.. أذكر .." يغيب كل شيء..
يضع رأسه بين كفيه ويضغط." كل شيء يهرب مني.. أعود إلى نقطة البداية كلما اقتربت من
اليقين.. ضياع.. ضياع.. ضياع.
"
يجلس على كتلة مرتفعة، ثم لايلبث أن يتلفت حوله وينهض متشنجاً خائفاً.ط كف الآتي
خلفي أين..؟!" يضطرب ويرتعش صوته" أيكون ذلك الرجل؟! الآتي خلفي.. من؟! هو أم
سواه؟! عبثاً أحاول أن يطمئن لي قلب" يرفع صوته وهو يتلفّت حوله" أين أنت؟! اين
أنت؟! " يتوقف العازف عن العزف ويقترب من الرجل هادئاً مطمئناً."
العازف:
ها
أنذا.. ماذا تريد؟!
الرجل:
أين
كنت؟!
العازف:
أنا
هنا .. لم أغب عنك لحظة واحدة، ألم تسمع عزفي؟!
الرجل:
بلى.. العزف مستمر، ولكن أنت.. كأنك اختفيت، لم أعد أراك إلى جانبي.. لقد أصبحت
خلف.. لقد أصبحت خلفي. هل أصبحت خلفي؟!
لعازف:
من
الطبيعي أن أصبح خلفك عندما تنسى نفسك وتمشي وتتركني أعزف.
الرجل:
العزف.. العزف.. بل عزفك أنت بالذات يجعل الوجود شفيفاً.
العازف:
ربما أخذتك الأذن فنسيت العين عملها..
الرجل:
ماذا تقصد؟!
العازف:
سهوت.. ولم تعد تعرف أين أنا..
الرجل:
وكنت أنت خلفي.. وتريد بعزفك أن تنسى عيني عملها، لتبقى خلفي.. وتفعل فعلك.!؟
العازف:
اذا
استطعت أن أسحبك من أذنيك إلى حيث أريد فما الذي يمنعني من ذلك؟!
الرجل:
تسحبني من أذني؟!
العازف:
أليس هذا ما يصنعه العزف.. حيث ينسيك نفسك؟!
الرجل:
أنه
جميل ، ويغذي ذاكرتي، ويجعلني أتلمس أشياء نسيتها.. ولكنني لاأريد أن أنسى نفسي..
العازف:
إنك
بالتذكر تستعيدها.. هكذا قلت لي.. الرجل:
أنني أسعى لذلك.. ولكن لابد أن أكون موجودا.. أمّا أن أنسى.. وتسحبني.. وتكون خلفي
تماما..و
العازف:
أجدك قلقاً من أن أكون خلفك!؟
الرجل:
نعم.
العازف:
أتخاف مني؟!
الرجل:
"
يحاول اتهرب من السؤال" أخاف منك؟!
ليس
تماماً.. أنا .. أنا..
العازف:
ألا
تثق بي؟!
الرجل:
نعم.. نعم.. ولكن ورائي..ورائي.؟! لقد نهيت عن أن.. أقصد ان ذكرياتي حبلى بالخوف
مما هو ورائي.. كن بجانبي أرجوك .. لاتجعلني أخسرك، لقد ألفتك واستعدت معك شيئاً من
نفسي.. ولكن.. ورائي لا.. لاتكن ورائي.
العازف:
لابأس عليك.. هل أعجبك اللحن.؟!
الرجل:
اللحن يفعل فيَّ فعلاً غير عادي.. إنه..
العازف:
جميل؟1
الرجل:
أنه
ينقلني بعيداً.. يضعني على حافة استعادة الأشياء.. ثم .. ثم.. لا ألبث أن أفقدها
فجأة. ان له تأثيرا غريباً عليّ.. ولقد تعبت من الركض خلفه وراء سراب في نفسي،
أحياناً أشعر بحرارة الرمل في قدمي وأنا أركض في صحرائها... واحياناً أكتشف ما
يجعلني أكثر تماسكاً، وأحياناً أخرى أفقد خيوطاً كنت أمسك بها." يضع رأسه بين يديه
من ضيق." أحس عطشاً شديداً.. الشمس تعيدني إلى استشعار النار.. وقد بدأت النار
تشتعل هنا في بؤرة من قلبي.. عد بي إلى حيث الماء.. أسرع.. أسرع.
العازف:
أننا على مقربة من ذلك المكان.. هيا .. هل أعزف لك؟!
الرجل:
اللحن مريح وأحياناً يشعل النار.. أفعل ما تشاء.. لا أعرف أن كان سيريحني أم
سيتبعني. المهم أن تسرع بي إلى الماء.
"
العازف يتردد بين أن يعزف أو أن يسرع مع الرجل إلى النافورة.
الظلام يبدأ تدريجياً، مع تنامي لحن العازف."
العازف:
ها
نحن قد وصلنا تقريباً.. المكان هناك. غير أن علي أن أعود إلى البيت.. هناك من
ينتظرني فيه، لن أتأخر عليك.. سأعود.. سأعود.. إلى اللقاء.
الرجل:
رافقتك السلامة." يحيّيه من بعيد."
-ظلام-
الفصل الثالث
القسم الثّاني
المكان: النافورة في سفح جبل
المنظر:
"
عند نافورة الماء- المنظر الذي كان في البداية ذاته. الرجل على مقربة من الماء،
شاحب الوجه، يتدثر بجلد الخروف وجسمه يرتعش وهو في شبه غياب عما حوله. وعلى مقربة
منه خنجر ملقى، وطعام كأنما وضع حديثاً، ولكن أحداً لم يمسه، والسكون يخيم على
المكان.
صوت
عصافير يترامى من بعيد، ونسمة تحرك بعض الأوراق فترسل حفيفاً. الوقت مساء، والظلال
تتراخى مديدة. صوت يتماشى مع الحفيف ثم يتمايز عنه، فيه شيء من انساب افعواني فوق
أوراق وخلايا جافة، ويرافق ظهوره تكوين في فضاء المكان ترسمه الألوان ولا يراه
الرجل في حين يراه المشاهدة."
صوت
المرأة:
كنت
عشقي يوم كنت قوياً وجميلاً وطليقاً.
سعيت وراءك ملء الصحو وملء النوم، وكنت أغزوك في فراشك. كنت محبا ودودا، وعاشقاً
دافئ القلب حلو الكلام، وكنت تذهب بي إلى حيث تريد بكلمة منك أو لمسة من كفك. لم
يعد فيك شيء من ذلك، وحشياً صرت، وشاحباً قاسياً، مثل فراغ صحراوي مديد. أين أنت
الآن مما كنت؟! ولماذا تذهب إلى هذا المدى في الموت؟! عبثاً أحرمك لتنتصر على
الحرمان وتغتصب ما هو بمنتاولك.. عبثاً أجرك على شوك الوشق، عبثاً أضرم فيك النار..
كأنك في عالم آخر، أو من عالم آخر. الضوء واللحن والماء والطبيعة الساحرة في
الشروق... كل ذلك يوقظ فيك العاشق الكبير.. ولكنه لم يهدك إلىطريقي. من تيه إلى تيه
تقودك قدماك.. هل فقدت كل ما كان يميزك عن الناس، ويجعلك في نظري ذاك الذي لامثيل
له: سماوي العينين، شفقي الشفاه، بطولي الملامح، ذهبي الطلعة!؟! بين حاجبيك ينعقد
كون وتنفرج دنيا.. أين ذهبت، وكيف تحولت ، وإلى متى يستمر هذا الغياب.. الموت، أو
الموت الغياب؟!
ارفع رأسك وانظر الي.. تكلم.. تكلم.. أنني في كل ما حولك.. وعبثاً تهرب مني. هذا
المكان الذي تظنه جديداً عليك تهرب مني. هذا المكان الذي تظنه جديداً عليك هو الذي
ولد فيه قلبك، وانتعش، وصفقت له الدنيا. ارفع رأسك وانظر الي.. لا تقتلني وتقتل
نفسك ظناً زظلماً ووهماً. أنا لا أعرف ما الذي جعلك كتلة رخام كئيبة اللون، وشحوبا
يطارد زهز الحياة؟! كلمني.. لاتقتلني صمتاً.
"
يرفع الرجل رأسه قليلاً، ينظر فيما حوله، فلا يرى أحداً، ولا يلاحظ تغييراً.
يرتعش وجهه قليلاً ويمد يدا يمسح بكفها وجهه."
الرجل:
كأنما أسمع صوتاً يكلمني.. كأنما أتعرف على رنينه، كأنما هو قريب إلي." يصغي فلا
يسمع شيئاً." وهمٌ.. وهم. قتلني الوهم، نفخ رئتي ورأسي وما زال يطاردني ويعذبني.
وهمٌ.. وهم، أستجير بالله من شر الوهم." يرفع راسه إلى السماء."
ياخالق الناس، أجل عن قلبي الغم وعن روحي الوهم. لا أقدر من دونك على شيء.. لا أقدر
من دونك على شيء.. لا أقدر من دونك على شيء.
"
تمر فترة صمت.. يعود جسده بعدها إلى الارتعاش ، وتبدأ الدموع تنحدر من عينيه،
وشيئاً فشيئاً يغيب عما حوله."
صوت
المرأة:
عندما كنت أبكي ، كنت الكف التي تمسح دموعي ، والكلمة التي تجبر خاطري، والنور الذي
يضيء في أعماقي طرق الحياة والسعادة كنت تصنع الأمل، وتنير الظلمات.. ما بالك اليوم
تحرم نفسك وتحرمني من أمل، من مجرد أمل؟! لم تكن تعرف الظلم، وكنت تكره الطلم، بل
كنت ضحية الظلم، ولكنك تمارسه الآن وأنت تظن أنك ابتعدت عن أسبابه ودوافعه وبواعثه
، عن وديانه ومجاريه. ابحث عن نفسك كيف تموت وتميت، ابحث عن دربك كيف يضيع منك؟
ابحث قبل أن يفوت الوقت وتضيع الفرصة. لاتتردد ولا تتأخر.. ابحث.
"
ينهض الرجل متثاقلاً ضعيفاً وقد شده الصوت يحاول أن يتعرف على مصدره.. يدور في
المكان ثم يعود شبه يائس."
صوت
المرأة:
ما
هذه الدوامة التي تجرفني في تيارها ؟! أتراه عهد جديد من التيه والحرمان والبحث دون
جدوى ؟! لقد نخر الظلم والضياع عظمي.. هل أصبح ظالماً واستمر ضائعاً؟! من يكون ذلك
الصوت الذي يعزف على أوتار النفس؟! لقد تراخت تلك الأوتار وذبلت وانقطعت منذ زمن
طويل، ما فائدة الترجيع فوق الجثة؟! أيعيد الوهم أشجاناً وحكايات، ويتسلل عبر اغراء
الصوت ليصبح مرايا الأعماق؟! مرة أخرى تتجدد مسيرة الوهم ؟! مرة أخرى تتجدد؟! "
صمت" من يكون الذي يكلمني من جوف الزمن؟1 من يكون .. وماذا يريد؟! من يكون وماذا
يريد؟!
صوت
المرأة:
تهرب إلى النسيان وأنت الذَّكور .. لماذا تفعل ذلك؟! أتظن نك تتخلص من شيء يسكنك؟!
أتظن أنك تتخلص من شيء يسكنك؟! لا جدوى من ذلك، لقد حاولت كثيراً... أفما توصلت إلى
اقتناع بألا فائدة من وراء ذلك؟!
الرجل:
من
يكلمني؟!
صوت
المرأة:
لاتقتل الحيّ ، بل امنحه فرصة أكبر. أنني في أعماقك لم أمت. ربما تراكم عليّ تراب
كثير.. ولكنني أصرخ معلنةً أنني لم أمت.. أسعى اليك ولا أموت.
الرجل:
"
ينهض بشيء من الحيوية." من الذي يتكلم... يدور في المكان باحثاً عن مصدر الصوت."
صوت
المرأة:
أعرف كل تفاصيل المعاناة.. لم تكن وحدك، بل كنت معك. أنا أيضاً عانيت كثيراً مثلك،
وعانيت كثيراً مثلك.
الرجل:
"
باحتجاج شديد" ليس مثلي.. فليس مثلي أحد.. ليس مثلي أحد.. ليس مثلي أحد..
صوت
المرأة:
كل
شخص يطيب له أن يزعم ذلك. التفرد حلو..
الرجل:
ليس
مثلي أحد.. لو كان الموت من نصيبي لكان ذلك أرحم ألف مرة. رؤى الصحراء وحدها تعادل
ألف موت.
صوت
المرأة:
لم
تكن وحدك.
الرجل:
لم
يشعر بتفاصيل ذلك مثلي أحد، السمع غير الرؤية، الوصف شيء والعيش شيء آخر.
لم
يخرج حاملاً كل تفاصيل الرعب سواي، فحرقة الرمل تذيب ذاكرة التاريخ، من يزعم أنه
لها، من؟! أني لا أعرف حتى من أنا لكثرة ما رأيت نفسي في كل الذين يعانون؟! هل
الموت جفافاً في الصحراء شيء يمكن أن ينسى أو يحتمل ؟! قديدا يغدو المرء.. قديدا..
قديدا!؟! هل الدفن في جوف الرمل فعل يطاق؟! هناك في جوف الرمل ينضج الجسد كرغيف
مطمور برماد.. نار، والروح تصرخ وتضطرب ولا تجد منفذاً ولو بحجم سم الخياط؟!
والانتهاك؟! هل الانتهاك شيء ينسى أو يحتمل؟! قبّل قدمي لتعيش.. الق سلاحك وقبّل
قدمي فتعيش.
"
يصرخ ويبكي.." قبّل قدمي لتعيش.. قبّل قدميّ لتعيش.. أية حياة.. ومن يحتمل ذلك؟! من
يحتمل ذلك؟! من يشتري الحياة بالذل؟! أنا رأيت ذلك وعانيت منه.. لم أسمع به، رأيته
وعانيت منه.. لم أسمع به، رأيته وعانيت منه؟! والدخول في موج الدخان ثم الاختناق
هناك غرقاً في الوحل الناري الأسود الكثيف، من يطيقه؟!؟ " كأنما يصغي لأصوات.. ثم
يصرخ بعصبية" ماذا تقولون؟! ماذا تقولون؟! مجرد كلام يولّد كلاماً ويتراكم فوق
كلام.. جبال من الكلام.." يصغي" إنني أهرب من اللغو فأجد نفسي أغرق في اللغو.. أريد
أن أجد ذاتي .. شيئاً مني، بعضي وهو يستعيد بعضي الآخر بعيدا عن الفساد!؟ بعض
الرحمة.. بعض الرحمة. " يختنق صوته" بعض الرحمة.. الانسان يعيش لشيء.. من أجل شخص
أو شيء؟!
صوت
المرأة:
أنا
لا استهين بتجربتك المرة، ولكنك تستهين بي وتهرب بعيدا عن مأساتي.
الرجل:
لا
أذكر أن لي صلة بأحد.. ولا أريد أن يكون لي صلة بأحد قبل أن ألملم أشلائي، ,امتلك
شيئاً من أمري.
صوت
المرأة:
لايمكنك ذلك من دوني ، لقد حاولت كثيراً ولكنك لن تنجح، أنت تعرف جيداً أنك لن
تنجح.
الرجل:
من
أنت؟!
عد
إلى نفسك.. وعندما تقرر أن تواجه حقيقتي.. فستجدني بين يديك. أنني أتركك لنفسك
الآن.. عد إلى نفسك.
"
تختفي وكل معالم صوتها."
الرجل:
من
أنت بحق الله؟! من أنت بحق الله؟!
"
صمت طويل"
"
يغيب صوت المرأة ويتلاشى ما كان يرافق ذلك من ظهور شبحي بألوان تشكل تكويناً أخاذا
في فضاء المكان على أرضية الظلام. يراه المشاهدة ويغيب عن الرجل ذاته."
لم
تعد تجيب.. صوت امرأة يرن في أرجاء ذاكرتي ويكاد يوقظ كياني.. من هي؟! أنني لا
أكاد أذكر من هي؟!" فترة صمت" امرأة صالحتني مع الماء، وامرأة تقرّب أي صورة الحياة
وتناديني إلىالأمل، وتتهمني بقسوة، وامرأة كانت وراء.. وراء.. وراء ماذا؟! لماذا
يغيب الشيء الأهم عندما أكاد أمسك به؟! لماذا.. لماذا؟!" يحاول أن يركّز تفكيره..
ثم يرخي يديه باستسلام تام." فراغ..فراغ لاحدود لنهايته، كأنما ألقى في دوامة واسقط
في فراغها، لاتسندني ذاكرة. النسيان.. النسيان.. لابل التداخل.. الفوضى.. لا..لا..
أنه الضباب الضباب الأبيض الكثيف الذي ينتشر في فضاء التفكير .. هذا هو ما أحتاج
إلى التغلب عليه.
"
تقترب من بعيد حركة، يواكبها تحرك ريح تلقي بعض الأوراق والأشياء في المكان الذي
يشكل مع فضاء المسرح وحدة مؤثرة.. حفيف الأوراق يتعلى، والحركة القادمة من الخارج
تقترب، يوظهر أنها تسرع نحو المكان الذي فيه الرجل. فيختفي بحذر وخوف، دون أن تغيب
حضوره من المكان ، ونشعر به يراقبه.
يظهر العازف مشعثاً لاهثاً متوتراً على غير طبيعته، وينادي بصوت مكتوم، بعد أن يبحث
في المكان عن الرجل."
العازف:
أين
أنت؟! تعال بسرعة، أين أنت؟!
"
يدور في المكان وقد ازداد اضطرابه وتوتره." لقد اختفى .. هل يكونون قد وصلوا اليه
قبلي وأخذوه؟!
"
الرجل يصغي ويرتعد."
لابد أن أصل اليه قبل أن ينتهي كل شيء؟! " باحباط ظاهر" ولكن أين أجده ؟! كأنما
انشقت الأرض وابتلعته." يركض عبر مخارج في المكان ثم يعود إلى الظهور فيه بحركة بحث
سريعة. يجيء إلى قرب الماء في حالة أقرب إلى الانهيار." لا أجد له أثراً.. ربما
غادر، وربما أخذ من هنا عنوة .. ربما حدث له شيء غير متوقع." صمت" أين أنت أيها
الصديق؟! " يضع رأسه بين يديه بتشنج، وفي صوته بحة أقرب إلى البكاء، يظهر الرجل
بهدوء ويتقدم نحوه حتى يركع بجانبه، ويمد يده بهدوء إلى كتفه ، ويكلمه بحنان وحذر."
الرجل:
ماذا بك ايها الصديق؟ أنا...
العازف:
"
يفزع من وجوده، ويأخذه انفعال عنيف بين الفرح والحزن، بين الضحك والبكاء." هذا
أنت... هذا أنت" يتلمسه" خفت عليك كثيراً؟! أين كنت؟!
الرجل:
أنا
هنا.. لاتخف علي، ولا تخفني عليك.. أخبرني ماذا بك؟!
"
العازف يضع يده عليه بحنان.. يضم كل منهما الآخر..تمر فترة قصيرة جداً. الريح تصفر
وتدفع بعض الأوراق والأشياء نحو المكان، يبتعد الرجلان كل منهما عن الآخر بخوف
وينظران برعب إلى مداخل المكان كأنما يتوقعان حدوث أمر فيه خطر عليهما. تمر هنية،
تهدأ الريح قليلاً."
العازف:
أتيت أبحث عنك. لقد تغيرت أشياء كثيرة في المكان الذي أعيش فيه، يسألون عن غريب
ويبحثون عنه؟1 لا أدري ما اذا كان المقصود أنت، أم أن هناك شخصاً آخر، ولكن الأمر
ينذر بخطر. وحين خرجت من هناك.. أحسست أن كل عين وكل شيء يتبعني ، كأنما تلاحقني
الطبيعة ذاتها. ربما يصل أحد إلى هذا المكان بين لحظة وأخرى، ويلحق بنا سواء. لابد
أن تغادر المكان.. لابد أن نغادره معا، والآن.
الرجل:
ولكن.. لكن.. من يعرف بوجودي هنا؟! لم أر أحدا سواك، ولم يرني أحد هنا..
سوى.. سوى..
العازف:
سوى
من؟!
"
ينظر الرجل إلى العازف بشيء من الحذر والخوف." سواي أنا؟!
"
الرجل جامد والعينين يحدق في لفراغ، ويشرد بعيداً."
العازف:
تكلم..؟! هل تشك بي؟! هذه المرة الثانية التي ألمس فيها منك شكا بي، قل لي : هل تشك
بي.؟!
الرجل:
لا.. " بجزم" لا.. لا..
العازف:
تقول أنه لم يرك سواي.. كيف نفسر الأمر اذن ؟!
الرجل:
لقد
رآني هنا سواك.. نعم.. نعم.. اولئك النسوة.
العازف:
أية
نسوة؟!
الرجل:
أولئك اللائي ملأن جرارهن من هذا الماء!؟
لقد
حاولن أن يساعدنني ولم يستطعتن. واحدة منهن حاولت أن تسقيني ولكنها عجزت عن ذلك،
جرّتها كانت تفرغ من الماء كلما لامست يدي أو شفتي ." يفكر قليلاً هل تكون قد وشت
بي؟! لا.. لا.. لا أظن أنها تفعل ذلك. وتلك التي صالحتني مع الماء وتركتني معه، هل
تكون هي التي.." يبعد الفكرة بقوة." لا.. لا.. لقد كانت حريصة علي، واشعرتني بالود
والاطمئنان وأعادت الي شيئاً من معنى الحياة.. لا.. لا يمكن أن تفعل شيئاً من ذلك.
ولا حتى الأخرى التي ألقت عليّ ألغازا، وغمرتني بكلام عذب ثم اختفت.
"
صمت" عجبا.. ولكن من يكنّ جميعاً.. أبنات خيال ووهم كن.. أم..؟! ولكنني شربت
ورأيت.. وتكلمت وتتشابك وتبقى بين الخيال والواقع.. عجيب.. ما يجري لي.. عجيب..ط
صمت" من هن بالله؟! ألا يحير هذا الأمر؟!" بضيق" ولكن مالي ولهن؟! وما صلة ذلك
بالملاحقة؟ ولم الملاحقة أصلاً وأنا.. وأنا..” باحساس عميق بالاحباط." ولكنني مثقل
بأشياء واشياء.. مشدود إلى فراغ يعذبني ، فراغ مليء بالرعب والمجهول والبؤس."
بانفعال شديد" أنني أبحث عن مصالحة مع نفسي ومع العالم من حولي.. أبحث عن ذاتي وعن
مصالحة مع العالم من حولي. فهل أكون مذنباً وملاحقاً لحرصي على ذلك أيضاً؟! ان ذلك
عجيب.. عجيب تماما.
العازف:
"
وقد ضاق بما سمع" مازلت أسمع منك كلاما مضطرباً. حاول أن تركز انتباهك وذاكرتك
قليلاً.. الأمر خطير، لم أر المدينة مقلوبة كما رأيتها اليوم، ولم أر استنفرا
للعيون كما رأيت فيها اليوم، حاول أن تتذكر .. من هي تلك المرأة؟! أو تلك.. أو تلك
ممن ذكرت؟! لقد تكلمت عن أشياء وأشياء..
الرجل:
لا
أعرف.. لو عرفت لأخبرتك، لو عرفت لخرجت من دوامة الضياع التي أنا فيها. ما يجري معي
شيء غريب.. شيء يدخلني في الحياة وينفيني منها، يقدم لي الماء وينتزعني من الحنان،
يغمرني بالحضور ثم يلقيني في الهجران، وأتوه في دوامة الألغاز والأسئلة والايحاءات،
وأنا أفتقر اصلاً لأشياء تجبر كسر ذاكرتي وشخصيتي. أرجوك .. افهم وضعي ومعاناتي.
العازف:
ركز
قليلاً.. تذكر من هي؟!
الرجل:
لوعرفتها لعرفت الكثير.. تقول لي إنني أهرب منها أو أتهرب، ولكن ليس ذلك صحيحاً.
أنا لا أذكر شيئاً مما تحدثني عنه.. ولكنها تلح في الظهور والحضور، وكلما حاولت أن
ألتقط خيط الأحداث ينقطع.. اشعر أنني ملقى في التيه والمحنة. لقد عاودني الاضطراب
من جديد.
العازف:
علينا أن نتحرك الآن.. لابد أن نبتعد عن هذا المكان، لايهم الآن من الذي وشى بك
ولماذا، المهم أن تنجو مما يحيط بك. هيا بنا.. هيا..
الرجل:
ولكنني لم أفعل شيئاً.
لعازف:
هيا
الآن.. اتبعني ." يجره من يده ويخرجان من المكان. يسود صمت قصير، في فضاء المكان
تتجلى مناظر ساحرة، وتقدم الاضاءة لونا من الشفق الصافي الرقيق، والماء ينسكب من
النافورة بحلاوة ويرتفع صوت عصافير من بعيد على أرضية نغم محايد لايمت لأنغام
العازف بصلة.
تدخل المرأة بحلة ساحرة ، تدور في المكان كفراشة، ثم تجلس على حافة النوفرة وتغمر
ساقيها في الماء، من آن لآن يبدو شخص يراقبها ولكنها لاتشعر به، شخص غريب المظهر
يبث في المشاهد شعوراً بالنفور."
المرأة:
عذب
لقاء الماء.. عذب كما الشوق إلى الشوق، عذب لقاء الماء. وحين يكون المرء وحيداً،
وفي مكان ساحر كهذا يصبح لكل شيء من حوله حضور ومعنى.
لقد
غاب الذي كان يحتل المكان، اختفى بلمحة عين، ما كان أحوجه لأن يرى، وما أحوجني لأن
أراه ذاكراً وحنوناً. كل الألغاز امتزجت بالماء وانسكبت معه حول الجسد وفيه، حتى
مناخ الروح أصبح عامراً بالألغاز. ولولا سحر الطبيعة وفتنتها ما احتملنا ثقل
الألغاز.
كل
ما حولنا رسائل موجهة لنا، ولكن من تراه يقرأ ويفهم ويعمل بما يفهم؟!
"
يقترب حفيف جناح.. وتقف حمامة على حافة النوفرة تقترب من الماء وتشرب منه. المرأة
تمد يدها للحمامة فلا تبتعد عنها، تمسكها وتضعها في حضنها وتداعبها قليلاً. تمد
يدها إلى رجلي الحمامة وتفك من حولهما رسالة ملصقة. ثم تدع الحمامة تدرج بالقرب من
الماء، تقرأ الرسالة."
"رسمتك صورة تنتظرني ، ولا أجدني نادماً على ذلك. ولكن لا أجد الوقت للقاء.. فاذا
كان موعد آخر فربما أجيء، لايمل القلب من الشوق، ولا يحتمل الجسد الهجران. كوني
غيثاً لروحي، أكن لك غيثاً، ولكن لاتملي من الانتظار."
"
تطوي الرسالة، وتتساكب من عينيها الدموع."
الرسالة المعتادة،" تمسح دموعها." ياله من سجين طليق، وياله من طليق سجين. في الروح
تنتصب شباك يصبح حديد الحبس معها لعبة من لعب الأطفال، وما يقتلنا نحن سجن الروح
وشباكه لقاسية. كيف اخلصه وأتخلص معه؟! لو كان الأمر يتعلق بمادة في مكان ما لأعمل
الانسان فكرة وزنده وتخلص، ولكنه يتعلق بنسيج كثيف لايرى لشدة حضوره، ولا يخترق
لسرعة تحركه. عجيب سجن الروح، تتشابك معه الروح ذاتها حتى لتكاد تقويه وهي تحاول
التخلص منه.
يامن يجهد ليخترق الجدران الهلامية، ستغرق في بحر الزئبق ويغمرك اللون الرمادي
الرجراج، وينساك الوقت وأهل الوقت.لا تفعل شيئاً لايجديك ولا يجدي غيرك. فكر
بالممكن يأتك بعض ما يريحك!!
هل
أكتب اليه؟! ولكن الحمامة تعود دائماً محملة برسالتي، إنه لايأخذ الرسالة، أو لايرى
الحمامة، أو أنها لاتهتدي اليه أصلاً. ماذا أفعل؟!" ترى الحمامة أمامها فتمسكها" هل
تذهبين اليه؟! هل تجدينه أم أنه لايراك أبداً؟! لم لا تجيبين؟! ربما لا تشعرين بشيء
مما أشعر به؟! ولكن في صوتك بكاء وحنين، ولا يتأتى ذلك الا من شعور ورقة!! قولي
شيئاً أو القيك في الماء.. قولي شيئاً؟! أو.. " تدافع الحمامة بيدها نحو الماء..
فتطير قليلاً وتقف على غصن بعيد." لايوجد أقسى من الانسان، أنها لم تفارق رغم
مبررات الفراق." للحمامة" أيها الطائر الرقيق إنك مثال الذكاء والوفاء، لايوجد لدى
البشر بعض ما لديك، وإن الحنان يدفعك لقطع مسافات يعجز عن قطعها الشوق بهداية
ونجاح.
"
للحمامة وهي تقترب منها." تعالي.. تعالي.. سأحمّلك رسالة مغايرة لكل ما سبق وحملتك
إياه.. تعالي" تأخذها بين كفيها وتقبل رأسها عدة مرات ثم تطلقها بعيداً في وضعية
الارسال، فتحلق الحمامة وتمضي بعيداً، وهي تتابعها بنظرها حتى تغيب في فضاء المكان
عبر الجو الساحر." لابد أن تبلّغ رسالة خفيفة موحية كهذه.. لابد أن تبلّغها.
لقد
أكلتني الغربة والحيرة، وأشعر أن هذا المكان لايجمعني وطيفي الذي أرسله اليه ويتلون
في عينيه، فأنا وهو أصبحنا لانلتقي.
"
تقترب من الماء وتغمر يدها فيه." وداعاً أيها الماء.. وداعاً يالحياة. اذا قابلته
أو جمعك به الحنين فبلغه رسالة روحي واغمره بحرارة شوقي." ترش الماء قليلاً قليلاً
في المكان، وفي طريقها تجد جلد الخروف وتقع عينها على الخنجر، فتجفل قليلاً،
تتأملها، ثم تقبل عليهما وتضم الجلد إلى صدرها وهي تمسك الخنجر، تشم رائحة كل منهما
بعمق، وكالمنومة أو المسحورة تغادر المكان وهي تصرخ:"
بعض
رائحته.. بعض رئاحته.. بعض رائحته.
مشهد:
"
تتغير الاضاءة في المكان، ويسود الفضاء، الذي كان حيا ومتألقا، شحوب تام، ويفيض
الماء من النافورة، وتبدو صفرة كئيبة على كل ما كان خضرة وحياة، ويعود صوت الريح
يصفر بقوة.
تندفع إلى المكان كلاب تعوي يتبعها رجال يمسكون مقاودها، وخلفهم جنود مسلحون يشهرون
أسلحتهم وهم في وضعية الاستعداد التام لاطلاق النار. الكلاب تشمشم المكان وتدور حول
النافورة، وتتوقف طويلاً في المكان الذي كان يجلس فيه الرجل، ويقف أحدهما طويلاً في
المكان الذي جلست فيه المرأة. رئيس المجموعة يقترب ويراقب الكلب بدقة، الكلب يبول
في المكان، فيخرج رئيس المجموعة زجاجة من جيبه مليئة بعرق غير ممزوج بالماء، ويشرب
منها عدة جرعات، ثم يعطي اشارة للرجال ، الذين يحركون الكلاب في اتجاهات المخارج،
ولكنها تعود إلى مركز المكان الذي كانت فيه، والرجال المعنيون يدققون في كل شيء من
جديد.
أحد
الكلاب يشم المكان من جديد، ويدور حول النافورة حيث كانت تدرج الحمامة، ثم يثب نحو
الغصن الذي كانت تقف عليه وينبح عدة مرات، آمر الحرس يخرج زجاجته ويشرب مرة ثانية،
يأمر الرجال الذين يمسكون الكلاب بالخروج، وبعد أن ينظر ملياً إلى الغصن الذي نبحه
الكلب التي تندفع خارجة وهي تشتد في العدو وتنبح، والجنود يركضون خلفها كأنهم
مربوطون اليها."
-ظلام-
***
يتبــــع