زوار الليل مسرحية تأليف علي عقلة عرسان  من منشورات وزارة الثقافة  دمشق - 1975

زوار الليل

1- أحمد.

2- محسن.

3- سعيد.

4- العجوز.

5- شبح هند.

6- سعاد.

المنظر:

المسرح مظلم تماماً.. بعد فترة صمت قصيرة يبدأ ضوء أزرق شاحب بالظهور تدريجياً حتى يستطيع الإنسان الرؤية. يتضح على المسرح شبح. شبح إنسن جن أو مات في الأربعين من عمره. ذقنه طويلة بيضاء.. قوي البنية من خلال الشيخوخة، توحي ملامحه بقوة العزم والتصميم، يرتدي ملابس بيضاء، أو سكرية اللون.

في غمرة السكون المشع الذي تصاحبه موسيقا خفيفة بعيدة- ويفضل الناي الحزين- يبدأ أحمد بالاستيقاظ وكأنه في غفوة.. يرفع رأسه وينظر إلى الجمهور في الوقت الذي يكون فيه الشبح آخذاً بالانسحاب والتلاشي شيئاً فشيئاً.. تقترب صورة أحمد وتتضح معالمها بواسطة النور.

يبدأ الكلام بصوت آت من أبعاد عميقة مخاطباً الجمهور:

أحمد: إنني أكلمكم من وراء جدار سميك.. جدار الموت، أوالنسيان، أو الجنون، أنا بقايا إنسان.. بقايا روح.. هيكل لشبح يدب على الأرض. جئت لأقول لكم: إنني بريء مثل أي طفل من أطفالكم الصغار. لقد اتهمتموني بأبشع الجراثم.. ولكنني لم أبدع الحقيقة ولست أول مذنب على وجه الأرض. ولدت.. وجدت فيّ ميلاً عنيفاً إلى الحب فأحببت، وتصرفت في حياتي كما يتصرف أي شخص منكم. كانت لي علاقات مع أناس مثلكم.. وربما مع أحدكم.. انظروا "تدخل سعاد أو يضيئها نور في جانب من جوانب المسرح" هذه سعاد زوجتي التي كنت سبباً في شقائها. وهذه المرأة التي تمر كنسمة عاطرة حزينة "تمر هند على المسرح ملفعة بالبياض" كانت حبيبتي وماتت بسببي. وهذان صديقاي اللذان كنت أقضي معهما بعض أوقاتي الأخيرة. "يظهر سعيد ومحسن في صدر المسرح".

لابد أنكم تدهشون حين تسمعون شبحاً يتكلم.. ولكن فليسأل كل منكم نفسه ألا تسيطر عليه الأشباح فيكلمها؟؟ أشبح الأموات أو الأفكار أو الذكريات؟ أنا معكم.. وقد أكون هذه الأشباح.. ربما كنت بعض أسراركم لأنني إنسان مثلكم لي كل مساويء الإنسان ومحاسنه.

هذا هو بيتي في تلك الزاوية كنت أتمنى أن أضع باقة زهر في أصيص. وهنا كنت أود أن يكون لي مكتب للمطالعة. وفي تلك الزاوية كانت تراودن أحلام الأثرياء والفقراء، هناك كنت أجلس وأحلم بأنني عظيم.. واكتسح العالم بغمضة عين. في هذه الغرفة كانت تعيش زوجتي ويوجد فيها سريرنا المشترك. وتلك الغرفة الضيوف كنت أتمنى أن أفرشها فرشاً جيداً، وكنت أحلم بأن أعلّم ابني العزف على البيانو ونظم الشعر. كانت لي أحلام الشعراء وأخيلتهم.. ولكنني عشت كما يعيش اللص أو الشحاذ.. عفواً أستميحكم العذر لقد عشت بالضبط كما يعيش الإنسان. غريباً عن كل ما يريد.. مبعداً عن أحلامه. وإذا أردتم أن تعرفوا المزيد عني- وكلي ثقة بأنكم تحبون نبش القبور- فإنني بكل سرور أحب أن أفضح نفسي وأن أعري ذاتي.. هل هذا غريب؟ بالنسبة لي كلا.. هذا يخفف بعض الشيء.. إنني عار أمامكم.. إنني شبح.. ولكن أليس أحب إليكم أن تروا جسداً زاهياً بفضائحه وفظائعه ومخازيه من أن تروا هيكلاً عظيماً مخيفاً؟!. حسناً أيها السادة.. سيُدخل إخواني المنضدة.. بينما أذهب أنا لأكسو هيكلي لحماً ودماً.. أي حياة.. وسأعود لأجلس هنا بين رفاقي ونثرثر قليلاً كعادتنا.

"تتغير الإضاءة.. يدخل رجلان ومعهما منضدة وكراس. يضعان ما معهما على المسرح ثم يجلسان حول المنضدة كل على كرسي ويبقى كرسي فارغ.. بعد لحظة يدخل أحمد ومعه صينية عليها أقداح وزجاجات شراب يضعها على المنضدة مرحاص ضاحكاً.. يجلس على كرسيه ويتكلم كأنه يتم حديثاً سابقاً قطع فترة".

أحمد: وبعد ذلك.. ماذا فعلت بها؟.

محسن: غادرت البيت وهي تتلوى في مكانها.

سعيد: ليس هذا أسلوباً لائقاً تعامل به امرأة.

محسن: أسلوباً رئقاً؟!.

سعيد: نعم.. أقصد.. ليست هذه طريقة حسنة.

محسن: طريقة حسنة؟ سعيد؟!.

سعيد: ماذا؟.

محسن: أنت تتكلم عن اللياقة، وعن الطرق الحسنة.. وتتظاهر..

سعيد: أنا لا أتظاهر بشيء.

محسن: سعيد.. البارحة كنت تضرب زوجتك بالعصا وأنا خلصتها من بين يديك!.

سعيد: ضربتها لأنها لم تهيء لي الطعام.

محسن: وأنا ضربتها لأنني لم أجد من أضربه سواها.

أحمد: وأنا أضرب زوجتي لأنني أكرهها.. لا فرق بيننا إذن ما دامت النتيجة واحدة. كل منا يستطيع أن يرتكب أي ذنب ثم يبرر فعلته.

محسن: ليس دائماً.

أحمد: في أغلب الأحيان.

محسن: محظوظ من يستطيع أن يبرر أفعاله.

أحمد: أكثر الناس يستطيعون ذلك.

سعيد: أنت على حق.. لقد سمعت رجلاً مهذباً.

أحمد: لص.

سعيد: ماذا؟.

أحمد: لص.

سعيد: من؟

أحمد: المهذب.

سعيد: المهذب لص.

أحمد: واللص مهذب.

سعيد: عجباً إنك تخلط بين الأمور.

أحمد: إنني لا أخلط بينها.. إنها مختلطة من قبل. حسناً.. ماذا قال ذاك اللص أو ذاك المهذب؟!.

سعيد: قال:"لا أستطيع أن أفهم كيف يضرب رجل امرأة ولا يندم على فعلته". لقد ندمن على ما فعلت.

أحمد: ولماذا ندمت؟.

محسن: لأن المهذب قال إن هذا معيب "لسعيد" أليس كذلك؟.

سعيد: ربما.. ولكنني أتساءل إذا كنا نعامل النساء بهذا الشكل فلماذا نحبهن كل هذا الحب؟.

أحمد: لأننا نحب المسرة فقط. هيا اشرب ولا تحدثنا عن النساء.

محسن: ولماذا لا يحدثنا عن النساء؟! لقد أحببت وأشتاق إلى سماع حديث الحب.

سعيد: هل أحببت حقاً؟.

محسن: وهل هذا غريب؟.

سعيد: وتزوجت ممن تحب؟.

محسن: كلا.. "تصدر عن أحمد حركة تعبر عن عدم الجدوى".

سعيد: ولماذا لم تتزوجها؟.

محسن: أوه.. ذكريات.. لأن أهلها أجبروها على الزواج من ابن عمها.

سعيد: العادة.

أحمد: إنه أحق منك بها؟.

محسن: ولماذا يكون أحق مني بها؟.

أحمد: لأنه ابن عمها.

محسن: ولكنني أنا الذي يحبها.

أحمد: هذا لا قيمة له.

محسن: لا قيمة له؟ يخيل لمن يسمعك أنك لا تعرف الحب.

أحمد: أقول هذا لأنني أعرفه جيداً.

محسن: أرجو أن يكون الأمر كذلك.

أحمد: "متمماً كلامه" إنه ضعف بشري.

محسن: أجل.. لابد من الوقوع فيه.

أحمد: إن أي امرأة تصلح زوجة لأي رجل، فلماذا نحب، ونركض خلف امرأة دون أخرى؟.

سعيد: غريب.

أحمد: ما هو الغريب؟.

سعيد: تفكيرك.

أحمد: لماذا؟.

سعيد: لا أدري.. أعتقد أنه لابد أن يحب الرجل امرأة معينة يتعلق بها.

أحمد: أنا لا أهتم بالنساء مطلقاً. إنني أعاملهن وأشياء المنزل سواء بسواء. أحس أن امرأتي تكرهني كرهاً شديداً ومع ذلك فهي تعيش معي، وتمنحني كل ما أريد، وتخدمني، وتخشاني، ماذا يريد الرجل غير ذلك من المرأة؟ وما الفرق بين امرأتي هذه وامرأة أحبها "يملأ الكؤوس شراباً".

محسن: ماذا؟ تريد أن تشرب أيضاً؟.

أحمد: إن الليل طويل والشراب كثير.. فلماذا لا نشرب!.

محسن: أنا لا أستطيع.. سأشرب معك كأساً أخيرة لأنني أريد أن أذهب.

أحمد: "وهو يسكب كأساً" لن تذهب أبداً.. إنني لا أستطيع أن أنام! ولا أطيق أن أسهر وحدي.. انظر من نافذتي إلى الليل فأخاف.. إنه مرعب.

محسن: الليل؟.

أحمد: نعم.

سعيد: ولماذا تخاف؟.

أحمد: لا أدري.. أحس أن قلبي كوجهي في الليل.. إنني أكره لونه.. رباه.. ربما.. لا أدري لماذا انظر إليه من هذه النافذة.. ألا تحس مثلي بأنه مرعب.. إنه كذلك.

محسن: ربما..

أحمد: انظر إلي في عيني.. هل أنا مثله فعلاً؟.

محسن: كلا.

أحمد: أحس أنني مثله تماماً. إن العالم غامض كالليل، أو ربما كنفس الإنسان. ولكنه ليس أشد غموضاً مني. أحياناً أشعر أنني أشد هولاً من الليل فألجأ إلى الخمر! ولكنها تزيدني رعباً.

محسن: لا تفعل ذلك كثيراً.

أحمد: إنني أفعل.. وفي أكثر الأحيان. عندما يهبط الليل.. ماذا تريد مني أن أفعل سوى أن أشرب كي لا أراه وجهاً لوجه؟ في الليل يكثر اللصوص، وتخرج الخفافيش والذئاب وتتم الجرائم. أحس أن في داخلي ليلاً وذئاباً وخفافيش وجرائم.. وأخاف أن تخرج أيضاً في الليل.. ولكن.. شيء عجيب.

محسن: ما هو؟.

أحمد: عندما تبزغ الشمس فإنها تضيء وجهي كما تضيء وجه الطفل فأشعر أنني بريء مثله. هل هذا يكفي كبرهان على البراءة؟.

محسن: ما الذي يكفي؟.

أحمد: أن تضيء الشمس وجهي كما تضيء وجه الطفل!.

محسن: الشمس لا تفرق بين مجرم وبريء.

أحمد: ولكن لماذا لا تفرق؟ هذا هو السؤال.

محسن: ربما لأن السماء رحيمة.

أحمد: إذن ليس هناك وسيلة للتفريق بين الناس من الداخل؟.

محسن: أنت ترى..

أحمد: لابد أن يكون ظني صحيحاً.

محسن: ما هو ظنك؟.

أحمد: ظني.. أو اعتقادي.. أن الناس جميعاً مذنبون أو مجرمون.

محسن: الناس كلهم؟

أحمد: نعم.. كل الناس.

سعيد: كل الناس مذنبون؟!.

أحمد: نعم.. إنني أرى ذلك.

محسن: ولكن.. لماذا؟.

أحمد: في كثير من الأحيان أشعر أن الناس جميعاً كذلك وأن العالم ظلام عفن.. من يدريني أنك لا تخفي عني جريمة اقترفتها؟ كيف نميز بين اللص.. بين المجرم.. وغيره من الناس؟.

سعيد: ليس هذا سبباً كافياً لتتهم الناس كافة.

أحمد: أحياناً أحس أنهم كلهم مذنبون. ألم يراودك أبداً مثل هذا الشعور؟.

محسن: كلا.

أحمد: ربما.. ربما.. أنت لست مثلي.. لكل ظروفه وحياته. عندما أنظر في المرآة وأنا أحلق ذقني أحس أن لي عشرين وجهاً.

سعيد: ولكن..

أحمد: تافهة.. عميقة ومؤلمة.

سعيد: ما هي؟.

أحمد: ولكن.. تلك "صمت قصير كل شخص يشرب من كأسه بيرود"

محسن: لماذا تسيطر عليك مثل هذه المشاعر؟ إن هذا مؤلم.

أحمد: لا أدري.. أعتقد أن سبب ذلك هو الليل.

محسن: الليل؟.

أحمد: نعم.. الليل.. فكلما حل الليل أرى هذه الرؤية. الليل. هذه الكلمة تعني الكثير بالنسبة إلي.. عندما تذكر أمامك كلمة ليل.. ماذا تتصور على الفورظ.

محسن: "صمت".

أحمد: قل لي ماذا تتصور على الفور؟.

محسن: لم أطرح على نفسي هذا السؤال من قبل.. ولكن نعم.. أتصور القناديل المضاءة.

أحمد: إنك محظوظ.. إن بيننا فارقاً عظيماً.. أنا أتصور حفراً مخيفة، ولصوصاً بخناجر، وأحس كما لو أن عاصفة سوداء تجتاح العالم وتطفيء كل القناديل.

محسن: لا تكن سوداوي النظرة.

أحمد: لم أخلق للعذاب.. ولكني أتعذب.

سعيد: وما الذي يعذبك؟.

أحمد: كبر العالم وصغري، عجزي وقوة الأشياء، وعلى الأخص المصادفة.

سعيد: المصادفة!.

أحمد: نعم المصادفة. أريد أن أفهم.. هل يتحكم بها أحد؟.

سعيد: لا أدري.

أحمد: تمر بي لحظات أحس فيها أن كل ما في الوجود من فعل المصادفة وأن الإرادة لا دور لها فأحقد على العالم.

محسن: بحث عقيم.

أحمد: تعتقد؟.

محسن: أجل.

أحمد: عندما أفكر كثيراً في هذا المر أحس بأن العالم يدور وأنني في كهف خانق الهواء، محكوم علي بالبقاء.. أحاول الخروج فأخاف. وأبقى في دوار. الصدفة طليقة كالعاصفة الهوجاء والليل خارج الكهف.

محسن: والكهف خانق.

أحمد: والعالم يدور.

سعيد: وضع محزن. من المؤلم أن نفكر هكذا.

أحمد: ولكن.. فلنعد لليل. تكلما عن الليل.. إنني أنظر من النافذة فيغوص نظري عبر الليل. أحب أن نتحدث عن الليل، هل هو كالبحر؟ أظنه كالبحر. أحسسه في داخلي كالبحر.

"لمحسن" ماذا يعني الليل بالنسبة لك أنت؟.

محسن: ذكرى.. في الليل كنت أدور حول بيت حبيبتي وكانت تنظر إلي من النافذة فأقبلها أحياناً. وفي الليالي المقمرة أتبعد عن البيت ونتبادل الإشارات.. ذكريات.. كان الليل يسترنا ولذلك لا يتبادر لذهني عندما تذكره إلا قنديلها المضاء، وأنه ستر.

أحمد: وأنت يا سعيد؟.

سعيد: الليل.. لا أحبه كثيراً.

أحمد: لماذا؟.

سعيد: تصور أنك تسير في طريق وأن لك عدواً يتربص بك في إحدى الزوايا ومعه سكين، إن الليل يمكنه من أن يقتلك.

أحمد: هل يكون شريكاً في الجرائم إذن؟.

محسن: لا أظن ذلك.

سعيد: بل إنه المجرم نفسه.

أحمد: في هذه الحالة يجب أن أكرهه.. لا أن أخافه.. نعم.. إنه المجرم.

سعيد: نعم.. نعم.. إن مثل هذا العمل. لا يحدث في النهار بسهولة. وفي الليل أيضاً تمشي الضياع في الطرقات.. ويقولون إن القتلى يظهرون في الليل.

أحمد: وهل هذا صحيح؟.

سعيد: نعم.. لقد حدثني جارنا الشيخ صالح أنه رأى ناراص زرقاء وسمع أنات وحشرجات في المكان الذي قتلت فيه هند.

أحمد: هند.

سعيد: نعم.. هند. ألا تتذكر ذلك؟ لقد قتلها أخوها في الليل.. هربت منه ولفظت أنفاسها في الطريق وهو يطعنها بالخنجر.

محسن: هل تعرفها أنت؟.

سعيد: نعم.

محسن: بنت جميلة.

سعيد: زانية.

محسن: لقد أحبت. فهل ذلك معيب؟.

سعيد: ولكنها حبلت وافتضح أمرها بين الناس.

محسن: ألم يعرف الشخص؟.

سعيد: لم تبح باسمه أبداً.

محسن: إنه جبان.

سعيد: لماذا؟.

محسن: كان يجب عليه أن يتزوجها..ولكنه صمت كجرذ وتركها للعار والخناجر.

سعيد: لقد ارتاحت هي.. أما هو.. فما يدريك.. ربما يتعذب الآن.

محسن: من الذي يعذبه! لو كان سيفكر بها لما أسلمها للموت.

سعيد: للإنسان رب وضمير.

محسن: لو كان له ضمير لما فعل بها ما فعل.. ما رأيك يا أحمد؟.

أحمد: ماذا؟.

محسن: من المؤكد أنه كان يعرف أنها حامل.. كان يجب أن عليه إذن أن يتزوجها أو أن يفعل أي شيء من أجلها.

سعيد: ربما لم يستطع.

أحمد: وربما تدخلت المصادفة.

محسن: المصادفة، وما دخل المصادفة في هذا الموضوع؟.

 أدري إن الصدفة لا تنفصل عن أي موضوع، خذ أنت مثلاً. لا أدري إن المصادفة لا تنفصل عن أي موضوع. خذ أنت مثلاً.

محسن: ولكن ليس هذا شبيهاً بذاك.

أحمد: لو لم أنظر مصادفة عبر النافذة وأرى الليل لما تحدثنا في هذا الموضوع.

محسن: لا تلغي المصادفة إرادة الإنسان.

أحمد: ولا تلغي إرادة الإنسان المصادفة.

سعيد: دائماً تتكلم هكذا.

أحمد: لم أعتقد أن المصادفة تفعل كل شيء.

محسن: هذا ضعف.

أحمد: ربما. ولكنني أعتقد ذلك. لقد قهرت المصادفة إرادتي مراراً.

سعيد: أنا لم أكن أنتبه لهذا الأمر. فعلاً إن المصادفة تتدخل في حياتي.. ولكن.. أقول لقد وضع خطأ.

محسن: القدر والمصادفة، عكاز العاجز.. هذا ما أعتقد.

أحمد: لم تجرب شيئاً.. إنك تحلم.

محسن: أنا أعيش.

أحمد: أنا الذي أعيش أنا الذي أعاني. أنا ضحية المصادفة.

محسن: ما هي المصادفة التي أنت ضحيتها؟.

أحمد: كفى.. كفى لا تتحدث في هذا الموضوع.. إنني أخشى الحديث عن هذه الأشياء ولا سيما في الليل.

محسن: ربما كنت متعباً.

أحمد: كلا.

محسن: سننصرف نحن.. ونم أنت.

أحمد: كلا.. كلا.. لا تظن أني..

محسن: لا أظن شيئاً.. فقط لقد مضى أكثر الليل.. ونريد أن نذهب..

سعيد: لا.. لا.. في المرة القادمة سنبقى مدة أطول.. وداعاً.

محسن: إلى اللقاء.. لا تخشى الليل فإنه لا يخيف إلا الخائف.

أحمد: لقد أمضينا الوقت في الحديث عن الخوف. كنت لا أحب أن نتحدث في هذا.

محسن: أنت الذي تحدثت..

أحمد: قلت لك مصادفة. نظرت عبر النافذة فرأيت الليل.. لو لم أره لما تحدثت عنه.

سعيد: حسناً.. في المرة القادمة لن نتحدث عنه. سنلتقي غداً وداعاً الآن.

أحمد: إلى اللقاء.

محسن: فكر بأن الشمس ستشرق في الصباح وستضيء وجهك كما تضيء وجه الطفل. هذا ينسيك رعب الليل.

أحمد: سأحاول.. "يخرجان" مع السلامة.

"يغلق أحمد الباب ثم يعود بخطا وثيدة ويجلس خلف منضدته. يشرب كأساً ويضع رأسه بين كتفيه ويتكيء بمرفقيه على المنضدة. تمر فترة زمنية. الغرفة ساكنة، والنافذة مفتوحة يحركها الهواء.. أحمد يستغرق تماماً في أفكاره وكأنه في غفوة، فجأة يدخل عجوز يتوكأ على عصا.. لحيته بيضاء.. إنه العجوز نفسه الذي ظهر في افتتاح المسرحية. يضع يده على كتف أحمد ويهزه.. يجب أن يكون دخول العجوز مفاجئاً وبسيطاً في الوقت ذاته".

أحمد: اتركني.

العجوز: كلا.

أحمد: كيف دخلت؟

العجوز: النافذة مفتوحة. تعرف أن نافذتي دائماً مفتوحة، وإنني أستطيع الدخول في أي وقت.

أحمد: إن هذا هو الشيء المرعب. لماذا أتيت؟ ماذا تريد؟.

العجوز: أظن أنك تحتاج إلي؟.

أحمد: أنا.. لا.. أبداً.. لا أحتاج إليك مطلقاً.

العجوز: معك الحق.. حتى ولا تريد أن تتذكرني. فلنقل إذن أنني أنا الذي أحتاج إليك.

أحمد: اتركني أرجوك. لا أريد أن أدخل معك في حديث عقيم.

العجوز: لا تستقبلني هكذا.. أعرف أنك لا تطيق رؤيتي ولكن لا يمكننا أن نفترق.

أحمد: هذا هو مؤلم.. قل لي ماذا تريد؟.

العجوز: لقد تعبت من التشرد.. إن البرد قارس في الخارج.. والطرقات وعرة. أريد أن أستريح.

أحمد: اذهب واسترح.

العجوز: أين؟.

أحمد: في حفرة.. في كهف.. في الجليلد.. أو مت.

العجوز: لا أستطيع.

أحمد: لماذا؟.

العجوز: لا يقدم الإنسان على الموت وهناك أدنى أمل في الحياة.

أحمد: هذا ما أقوله أنا أيضاً.

العجوز: هل تخشى الموت؟.

أحمد: نعم.

العجوز: مثلي تماماً.

أحمد: هل نعيد سماع الأسطوانة ذاتها كل يومظ.

العجوز: دعني هنا إذن.. أريد أن أرتاح.. أن أشعر بلذة الراحة.

أحمد: هنا؟.

العجوز: نعم.. هنا.. أعرف أن ظلي ثقيل كهذا الليل الذي آتيك فيه. ولكن.. ما عليك إلا أن تتذرع بالصبر.

أحمد: الصبر؟.

العجوز: يجب أن نصل إلى حل الليلة.. إذا جلسنا معاً وتحدثنا طويلاً فربما نصل إلى حل.

أحمد: دعني من هذا.. لنجلس صامتين. أتريد؟.

العجوز: مستحيل.

أحمد: لماذا؟.

العجوز: لا يمكن أن نجلس صامتين.. إن الصمت مخيف لا سيما في الليل.

أحمد: لا تتحدث عن الليل.

العجوز: إن الليل في داخلنا عبثاً نهرب منه.

أحمد: إن كلماتك دائماً جارحة. إذا كنت مصراً على أن نتحدث عن الليل أجبرتك على أن تتركني فوراً.

العجوز: لا تطردني. أعرف أن أرض الله واسعة ولن تضيق بي، ولكن البرد قارس، والدروب وعرة وليس لي من ألجأ إليه سواك."يجلس ويلقي عصاه" أف لعنة الله على التشرد. إن في الطرقات حجارة ناتئة كأنها رؤوس الشياطين تدمي القدمين، وتهد العزيمة ألا تحس وخزها في قدميك؟.

أحمد: نعم هل مشيت طويلاً؟.

العجوز: إنني دائم التنقل كما تعلم.. ولكنني الآن أشعر بالراحة معك كأنما أعود إلى بيتي من سفر.

أحمد: أما أنا فأشعر أنني أخرج من بيتي.

العجوز: نفس الإحساس القديم. ألا تريد أن نصل إلى حقل؟.

أحمد: لا أستطيع.. لا أظن هذا ممكناً.

العجوز: هذا لن يحل المشكلة.

أحمد: ستبقى المشكلة قائمة.

العجوز: لا تكن جباناً.

أحمد: ولكن..

العجوز: إنك تهرب دائماً.. لاأريد أن أراك "ينهض أحمد ويتجه إلى داخل البيت.. إلى إحدى الغرف.. يتكلم العجوز في الوقت ذاته بطريقة تتلاشى معها الكلمات وتخفت كلما ابتعدت الخطا".

العجوز: وهل سأبقى مجرحاً تعذبني خطاياك؟ إنني ظاميء للنور.. للراحة "يعود أحمد ومعه زجاجة خمر" زجاجة أخرى.. حسناً هذا يساعدك على تمضية الوقت.

أحمد: أما زلت هنا؟.

العجوز: إلى أين تريدني أن أذهب؟.

أحمد: إلى حيث ألقت.

العجوز: تعرف أن هذا غير ممكن.

أحمد: أعرف.

العجوز: كنت قبل قليل مع هند.

أحمد: هند؟.

العجوز: نعم.. هند.. لا يمكن أن ننساها.. العينان والمبسم.. الشعر الطويل.. القوام الحلو.

أحمد: "يمر بيده على جبينه ناظراً إلى العجوز" كانت مخلصة.

العجوز: عندما أغمدوا في عنقها الخنجر.. أتصور أنها كانت تحمي جنينها بيديها.. ألا تظن ذلك؟.

أحمد: "يمر بيده على جبينه ناظراً إلى العجوز" كانت مخلصة.

العجوز: عندما أغمدوا في عنقها الخنجر.. أتصور أنها كانت تحمي جنينها بيديها.. ألا ذلك تظن ذلك؟.

أحمد: بحق الله اسكت.

العجوز: لم تشأ أن تصرح باسمك..نعم.. إنها مخلصة؟! "صمت" إنني أعيش معها في مكان واحد.. وأسمع أنينها وشكواها.. لقد حفظت حياتك.. أما أنت.

أحمد: لم يكن بإمكاني أن أفعل شيئاً.

العجوز: لو تذكرت حالتنا هذه.. لو تخيلت مثل هذه الجلسات التي نعقدها دائماً.. لو تصورت عنقها الأبيض بين سكاكين حادة.. لو تصورتها في آخر لحظاتها.. لاستطعت أن تفعل شيئاً.. ولكنك هربت يومئذ إلى مكان ما كجرذ مذعور. اختفيت عن الأنظار.

أحمد: لم أهرب.. تعرف جيداً أنني لم أهرب.. ذهبت من أجلها.. من أجلنا.. ولكن.

العجوز: ولكن؟.

أحمد: أنت تعرف أنه لم يكن بإمكاني أن أفعل شيئاً وأن ما حدث حدث رغم إرادتي.

العجوز: لو كنت؟.

أحمد: دائماً.. لو.. لو.. لو.. وأنا أقول ولكن. لن نصل إلى شيء.

العجوز: ذلك لأنك تهرب دائماً من الواقع وتتهم الحظ والصدفة.

أحمد: ولكن المصادفة فعلت كل شيء. لو لم أكن مسافراً يومها.. لأنقذتها أو لمت معها.

العجوز: لماذا لم تهرب معها قبل ذلك؟.

أحمد: كنت أبحث عن المال والمساعدة. ليس من السهل أن يهرب المرء مع فتاة دون أن تكون لديه الامكانيات الكافية لحمايتها. تعرف هذا جيداً.

العجوز: وحين اكتشف أمرها.

أحمد: لم أسمع بالأمر.. لم تخبرني بأن أمرها قد اكتشف.. لقد تم كل ذلك بسرعة.. لو أخبرتني.

العجوز: كان يجب أن تتوقع ذلك.. بعد أربعة أشهر من..

أحمد: كان يجب.. كان يجب.. ولماذا كان يجب؟ أقول إنني لم أتوقع شيئاً وكفى.

العجوز: وبعد ذلك..  لماذا تزوجت.. وكيف تزوجت؟.

أحمد: فكرت أن هذا ينسي.

العجوز: كنت تريد أن تنسى إذن؟.

أحمد: "صمت قصير" أجل ولكنني لم أستطع.. وها أنذا أتعذب.

العجوز: أي عار.

أحمد: كفى بالله.. لا تلح علي هكذا.

العجوز: مذنب.. مسؤول.. مسؤول..

أحمد: هل جئت تنتقم لها؟.

العجوز: كلا.. إنها ستنتقم لنفسها.. ستزورك ربما لتعاتبك أو ربما لتنظر إليك بصمت وتبتسم لك. أو لتنثر أمامك شعرها المضمخ برائحة الدم والتراب.

أحمد: كفى..كفى..

العجوز: وأنا أيضاً جئت..

أحمد: كفى.. إنني لا أحتمل شبحها المرعب ولا ذكرى زواجي الأليمة، اقتلني إذا كنت تستطيع.. ولكن لا تعذبني هكذا.

العجوز: أنا أقتلك؟.. تعرف أن هذا لا يجدي ولا يمكن.. يجب أن نبحث عن حل آخر غير الموت.

أحمد: ماهو؟.

العجوز: هل تفضل الألم؟.

أحمد: الألم؟.. إنني لا أطيقه.

العجوز: لا تطيقه.. إنك لا تنشد إلا النسيان.

أحمد: ولكنني لم أنس.. ولا أستطيع أن أنسى.. إن كل شيء تجسم أمامي ويلاحقني.. في مثل هذه الساعة من الليل كنا نلتقي ونتظر إلي فأرى بريق عينيها في الظلام لقد كانت بصفاء السماء الزاهرة..

العجوز: كانت تحدثك عن عشها المقبل.. وتبتسم لك. كانت امرأة.

أحمد: يدها.. أصابعها تتخلل شعري وتداعبني.. بأية حيوية ووضوح تعو تلك الذكريات.

العجوز: كانت تحب الريحان.. وتهديك عند الغروب ريحانة.

أحمد: كفى.. لا أريد أن أغرق في الذكرى والندم.. لا أريد أن أنظر إلى أبعد من هذه اللحظة.. لا أريد.. أتوسل إليك أن تتركني.

العجوز: تعرف أن هذا غير ممكن.

أحمد: يا إلهي.. إنني أشعر بالدوار.. إن ذنوبي أصبحت تتجسد أمامي بشكل مرعب.. عدت لا أقوى على النظر في وجوه الناس.. كلما مشيت في الشارع أحس أن كل واحد منهم يشير إلي باتهام واضح. عدت لا أقوى على رؤية الليل.. أريد أن أنسى.. ولكن كلما أعود إلى بيت وأرى الأخرى تبكي أحس أن ذنباً آخر يكبر في قلبي.. كل شيء يشعرني بالألم.. كل شيء قاتم.. مخيف. كل شيء.. حتى الرحمة نفسها مؤلمة.

العجوز: هل تحس بالألم تماماً؟.

أحمد: اتركني.

العجوز: لن أتركك أبداً.. إن ما يهمك هو أن نبقى في الظل. راضياً عن التي تحميك. تصمم أذنيك كي لا تسمع الأنين وانسكاب الدموع والطواف الدائب حول بيتك، هناك عيون تصلبُ ناظرة إليك كلما ضمكما أنت وزوجتك فراش. عيونها وعيون الآخر. عيون فيها حسرة وأسى ولوم. لماذا تصم أذنيك وتحجب عينيك؟.

أحمد: اسكت.

العجوز: هل تحب أن تسمع صوتاً أكثر حنواً يكلمك عن هذا؟ استمع إليه. اسمع إليه.

"يدخل شبح هند".

الشبح: يا حبيبي. جئت أعطيك ريحانة، لا تؤاخذني، إن بها رائحة الدم، لم يكن ذنبي، كنت أحملها حين فاجأني بخنجره.

أحمد: هند.

الشبح: لقد قضيت ليالياً طوالاً حول بيتك أبلل تراب الدرب من جرحي الراعف أبداً كي بورق الحب. وأنظر بعينين جرحهما الليل إلى قنديلك المضاء وجرحي دام كالشروق.

أحمد: أتوسل إليك أن تدعيني بسلام.

الشبح: يا حبيبي.

أحمد: أتوسل إليك. سامحيني. إنني لا أقوى على تحمل نظراتك العاتبة. إن حياتي بعدك جحيم. أنا نادم على ما فعلت. لا أجرؤ على النظر إليك. اذهبي أتوسل إليك. اذهبي.

الشبح: إلى أين تريدني أن أذهب وليس لي أحد سواك. أصبحت أخيف الناس. حتى النار التي أوقدها في أنصاف الليالي كمصباح تهتدي به إلى مكاني، لأحيي بها ذكرى لقاءاتنا، حتى تلك النار أصبحت تخيف الناس. لم يعد لي أحد سواك يا حبيبي. كل الأحياء يلعنونني حتى أمي. ألم تسمع ذلك بأذنيك؟ لا أريد أن أغادرك أبداً. لا أريد. أحبك. طفلنا في الجنة. ودمائي كالعصافير. أضمها فتطير نحوك. أحبك.

أحمد: هند. كفي عن مطاردتي. ماذا تريدين مني وقد أصبحت جثة، ذكرى، شبحاً؟.

الشبح: أريد أن أنظر إليك يا حبيبي، وأذكرك بأنني أنة زرعتها قسوتك على الهضاب المجاورة. لأذكرك بخطا تدق درب بيتك كل ليلة، وبعينين كنت تحبهما.

أحمد: لم أستطع عمل أي شيء. ما الذي أستطيع أن أعمله الآن؟ ما الذي تريدني أن أعمله؟.

الشبح: فات الأوان. لن تستطيع أن تفعل شيئاً من أجلي. لا أريد سوى أن تذكرني دائماً.

أحمد: لا أستطيع إلا أن أذكرك دائماً.

الشبح: ألا تريد أن ترى طفلنا؟.

أحمدك "يبكي بصمت".

الشبح: تعال معي. تعال انظر إليه. إن له شعراً جميلاً وعينين كعينيك.

أحمد: هند.

الشبح: تعال. إنه يلعب بالأعشاب. سيجلس إلى جانبنا يناغي العصافير ويضاحكنا. تعال "تمد له يدها".

أحمد: إلى أين؟.

الشبح: إلى الحقول.

أحمد: الحقول؟.

الشبح: هناك سيضمنا مكان واحد. فراشنا الأرض. وسنرى السماء. تعال. تعال.

العجوز: أتجبن؟. اتبعها.

أحمد: "صمت".

العجوز: إنها جميلة. وستبقى جميلة. هيا يكفيك جبناً.

أحمد: اسكت أنت. أسكت. لقد سببت لي كل هذا.. لقد أصبحت شبحاً بسببك. لولاك لولاك.

العجوز: لولاي.

الشبح: تعال. إن الطفل سيبكي. يجب أن أرضعه الآن.

العجوز: هيا تكلم. انظر إليها.

أحمد: انصرف أنت.. انصرف عني. لا أطيق أن أرك.. اذهب. اذهب. "يضربه بكأس".

"تدخل سعاد زوجة أحمد".

سعاد: أحمد. ما بك؟.

أحمد: لا أريد أن أنظر إلى ابعد من ذلك. لا أريد.

سعاد: أحمد.  ما بك؟ قل لي ما بك؟.

أحمد: ابعديه عني.. لا أريد أن أراه. لقد أتيا ليأخذاني.. هو السبب. هو.

سعاد: من هو؟.

أحمد: إنني أخاف غيره.. أخاف أن..

سعاد: تخاف؟.

أحمد: نعم.

سعاد: مم تخاف؟.

أحمد: ابعديه عني.

سعاد: ولكن من هو؟.

أحمد: ألا ترينه؟.

سعاد: كلا.

أحمد: إنه هناك. أتى ليحاسبني. إنه ينظر إلي الآن. أحس أنه نظراته تخترقني.

سعاد: لا أرى أحداً هنا. لا يوجد هنا أحد.

أحمد: وهي. ألا ترينها؟.

سعاد: هي.

أحمد: أريد أن أذهب معها.. ولكن هو. هو الذي يخيفني.. أخشى أن يفسد علي حياتي هناك أيضاً.

سعاد: أحمد.. أنت مرهق.. تعال.. يجب أن تنام.. تعال.

الشيخ: تعال معي.. إن طفلنا يبكي..

سعاد: تعال..

الشيخ: تعال..

سعاد: تعال..

الشبح: تعال..

"يسد أحمد أذنيه ويبدو أنه يعاني كثيراً.. بعد فترة من التأرجح يسقط على كرسيه تمر فترة زمنية قصيرة.. الإضاءة شاحبة.. الشبح جامد في مكانه ماداً يده نحو أحمد.. العجوز واقف جامد في الظل.. سعاد جالسة بجانب أحمد.. تعطيه ماء. وهو يرفع رأسه قليلاً".

أحمد: ها أنت ذي أمامي.. إنني أرى وجهك بوضوح ربما للمرة الأولى.. وأرى الأخاديد التي حفرها في وجهك الدمع.. لقد سببت لك الألم طويلاً.. أما الآن فلم أعد أستطيع الاستمرار في ذلك.. لقد قسوت عليك حين أجبرتك على الزواج مني.. أحس بعذابك معي، وبكائك على الآخر. إنني أتعذب أنا أيضاً. لقد فكرت أن زواجي منك سينسيني الأخرى ولكنني وجدت أنني أحمل وزر ذنبين في آن واحد.. لم تعد لي قدرة على الاحتمال.. إن الليالي لا تمر بسهولة على إنسان يتعذب. كل يوم تقسو على الذكريات أكثر من سابقه.

سعاد: ما الذي يعذبك؟.

أحمد: هل تحبينني؟.

سعاد: نعم.

أحمد: بصدق؟.

سعاد: "صمت".

أحمد: تكلمني بصراحة.. وانسي لمرة سلطتي عليك كزوج وابن عم.. لا تخشي شيئاً.

سعاد: إنني خلصة لك على كل حال.

أحمد: بدافع الخوف.

سعاد: لقد مضى كل شيء الآن.. لا تفكر في ذلك.

أحمد: أحس أنني أرتكبت خطأ فاحشاً حين أصررت على الزواج منك. لم أحترم حبك، ولم أحترم ذكرى حبي، أنا أحببت مثلك.. عندما أدخل البيت وأراك تبكين أحس أنني اقترفت ذنباً مضاعفاً.

صعاد: لماذا لم تتزوجها إذن؟.

أحمد: دعيها وشأنها.. إنها مرتاحة في وضعها.. أما أنا.. فأنت ترين مقدار عذابي.

سعاد: هل هي؟.

أحمد: مجتمعنا ضيق.. ومع ذلك لم يعرف علاقتنا أحد.. إنها تنتظرني.. وأنت هناك من ينتظرك.

سعاد: أحمد..

أحمد: لا يمكنني أن أستمر على هذا الحال. أنا مذنب ولا أريد أن أشركك في مصيري المؤلم.. اهربي مني.. ولن أقسو عليك هذه المرة.. إن الرجل الذي أقدم على خطبتك لم يتزوج بعد وهو ما زال يحبك.. اذهبي إليه.

سعاد: ولكن..

أحمد: ولكن ماذا؟.. ليس هناك أدنى أمل بخلاصي.. لن أكون إنساناً سوياً.. لم أعد سوى شبح إنسان. سوى ظل لجريمة.. لن تكفي أيامي الباقية للتفكير عما فعلت.. تكفيني جريمة واحدة.. لست بحاجة لأن أشعر كل دقيقة بأنني أمتص دماء شبابك لألقيك بعد ذلك كالقشرة.

سعاد: أحمد.. لن أبكي.. لن أقول شيئاً.

أحمد: لا تشفقي علي.. إنني لا أستحق الرحمة.. إنها تطلبني وسأذهب معها بعيداً عن هذا الكان، ربما إلى الحقول.. ربما إلى الصحراء.. لأحس هناك بأنني معها.. وبأنني أشاركها المصير.. فربما.. ربما.. ارتحت قليلاً.

سعاد: أحمد..

أحمد: تزوجي فوراً، اكسبي بقية عمرك.. وسامحيني.

سعاد: "تبكي بصمت".

أحمد: لقد صبرت كثيراً معي.. كانت تتحكم بي العادة، والحق القديم الذي لي عليك كابن عم لك، ولكنني مللت هذا السلاح، وأدركت ألا فائدة من الاستمرار في ذلك. اريحي شبابك.. اذهبي إلى ذلك الرجل وقولي لي:"لقد تركت زوجي من أجلك" إنه يحبك ولن يقول شيئاً.

سعاد: "صمت".

أحمد: هل أذهب إليه أنا وأقول له ذلك؟.

سعاد: كلا.. أرجوك.

أحمد: لا تنتظري لحظة واحدة، ولا تفشي سري.. وداعاً "يمشي باتجاه الباب نحو الشبح".

سعاد: إنني امرأة.. إنني امرأة الآن وأحمل جنينا هوابنك "تبكي".

العجوز: إنك تترك وراءك ضحية أخرى.

أحمد: هكذا الإنسان دائماً.. هكذا الإنسان دائماً.. حاولت أن أكون شريفاً ولكن.. لا أدري ما الذي منعني من أن أكون.. لا يقدم الإنسان على عمل الشر بإرادته. لا أدري.. هناك قوة تجبر الإنسان على أن يكون "أنانياً" وآثماً في نفس الوقت. ربما كان ذلك الجبن، أو حب الحياة، أو قسوة الأحياء.. لم أستطع أن أقاوم هذه القوى.. هل قدر لي أن أكون مجرماً وجباناً؟ هل هناك مقدر؟ أم هي المصادفة؟ كل ذلك محير. أما أنا هذا الجسم.. هذا الوجود.. فلم أستطع أن أكون إلا ما أنا الآن. هذا أنا.. هذا أنا.. هند.. انظري إلي.. إنني أمامك.. مستعد للذهاب إلى أي مكان تريدين.. لابما لأكفر عن ذنبي.. وربما لأهرب من ذنوب أخرى..
ربما كان في هذا شجاعة أو جبن.. لا أعرف ولا يهمني أن أعرف.. كل شيء واضح الآن.. لماذا تبتسمين؟.

الشبح: يا حبيبي.. يا حبيبي الجبان. تعال.. تعال..

"تمد له يدها ويخرجان يتبعهما العجوز.. وتبقى سعاد في مكانها تبكي.. يتعالى صوت بكائها، ترفع رأسها باتجاه الجمهور.. وتقول من خلال دموعها".

سعاد: من هو المذنب.. هو.. أم أنا.. أم المصادفة.. أم الناس؟.. وإذا عرفت فما جدوى أن أعرف؟!.

-ستار الختام-


 

أمومة

الشخصيات

1- المقدم.

2- سوفوكليس.

3- جوكاست.

4- صوت أوديب.

5- صوت الرسول.

6- انتيجونا.

7- كلوتمنسترا.

8- الكترا.

المنظر

خشبة مسرح عارية. مكان يشبه الفراغ الأسطوري.

المقدم

سيداتي وسادتي معنا اليوم رجل من القرن الخامس قبل الميلاد أرجو ألا يثير ذلك استغرابكم ودهشتكم- ليست هذه هي المرة الأولى التي يلجأ فيها الأحياء إلى استحضار شخص من عالم الموتى- لقد فعل هذه قبلنا الكثيرون وشاع في بعض البلدان وفي عصرنا الحاضر استحضار الأرواح.. وفي اليونان القديمة قرر كاتب الملهاة الساخر أرستوفانيز أن ينزل إلى الدار الآخرة ويحضر شاعراً من شعراء المأساة اليونانية بعد أن ركد الجو الأدبي وبار سوق الشعر المسرحي في رأيه.. كانت المغامرة شيقة وبديعة في مسرحية الضفادع، حيث قرر الكاتب المسرحي الساخر أرستوفانيز أن يعيد أسخيولس. أما نحن اليوم لقد أحضرنا معنا إلى هنا الكاتب المسرحي العظيم سوفوكليس.. أهلاً وسهلاً.

سوفوكليس: وبكم.

المقدم: نرحب بكم في مسرح دمشق ويسرنا أن يتعرف الأخوة الحاضرون عليكم.

سوفوكليس: سوفوكليس من مواليد 498 قبل الميلاد "يضحك المقدم" عفواً يا سيد.

المقدم: المعذرة أرجوك.. أطلب منك العفو والمعذرة "يضحك" إن الفكرة مثيرة.

سوفوكليس: أية فكرة من فضلك؟.

المقدم: لا شيء.. استمر أرجوك.

سوفوكليس: لا.. لابد أن أعرف إذا أردت أن نستمر.

المقدم: أن أجلس هنا مع رجل من القرن الخامس قبل الميلاد ونتبادل الحديث.

سوفوكليس: وبعد..

المقدم: عفواً.. ألف معذرة.. أرجوك لا تؤاخذني.

سوفوكليس: إذا لم تستطع أنت أن تألف هذا. فكيف سيألفه جمهورك؟!.

المقدم: إنهم سيجدون الأمر مثيراً.. استمر أرجوك.

سوفوكليس: ولدت في قرية كولونا.. وعملت كاهناً وسياسياً وكاتباً مسرحياً.

المقدم: ما هو المنصب السياسي الذي شغلته.

سوفوكليس: كنت مسؤولاً عن المال في عهد بيركليس العظيم.. وشاركت في بعض الحروب.

المقدم: نحن نعرف أن لك سبع مسرحيات.

سوفوكليس: "يقاطعه" ماذا؟ سبع مسرحيات فقط.. من الذي يفتري علي ذلك؟ إن لي ما يزيد علىمائة وعشرين مسرحية، وقد نلت الجائزة الأولى ثلاثاً وعشرين مرة فعلى أي شيء نلتها كل هذه المرات إذا كان لي سبع مسرحيات فقط؟.

المقدم: عفواً سيدي.. لا تغضب.. الذي وصل إلينا من مسرحياتك هو سبع مسرحيات فقط.

سوفوكليس: والباقي؟!. من نهب الباقي وأين أصبح الآن؟.

المقدم: لا ندري.

سوفوكليس: يا لضيعة تعبي.. يا للخسارة الفادحة لكم ولي.

المقدم: أرجوك ما ذهب ذهب ولن يفيدنا التآسي بشيء وقد اصيب العالم بفوادح أكبر من ذلك بكثير.. إن ما نرغب فيه الآن هو أن نتحدث معك عن دور المرأة الأم من خلال مسرحياتك التي وصلت إلينا.

سوفوكليس: ولكن ما هي المسرحيات الباقية.. التي وصلت إليكم.

المقدم: إياس- فيلوكتيتس- الكترا- انتيجونا- المرأة التراقينية- أوديب الملك- أوديب في كولونا.

سوفوكليس: فقط.

المقدم: نعم.

سوفوكليس: يا للخسارة.. يا ضيعة الحظ.

المقدم: أرجوك.. أرجوك.. ما فات فات.. ما نأمل أن نتحدث عنه في مسرحياتك التي ذكرتها. هوالمرأة الأم.

سوفوكليس: نعم.. نعم..

المقدم: اسمح لي بأن أتجاوز معك حواجز الزمن والأستاذية.. وبقية الحواجز الأخرى لتكون الصراحة رائدنا.

سوفوكليس: لك ما تطلب.

المقدم: لقد ارتكبت أنت يا سيد سوفوكليس ما لم يجرؤ على ارتكابه أحد من الأولين أو الآخرين بحق الأمومة والمرأة الأم.

سوفوكليس: أنا؟!.

المقدم: نعم يا سيدي.

سوفوكليس: كيف ذلك.

المقدم: ألم تكتب أنت مسرحية أوديب الملك.

سوفوكليس: نعم وأعتز بها "فجأة يدخل صوت نسائي".

جوكاست: يبدو أن الشاعر الكبير نسي محنتي.

سوفوكليس: من.. جوكاست؟!.

جوكاست: نعم.. الشقية بين النساء ووالدة الشقي أوديب.. يا للخجل.. يا للخجل "تبكي".

المقدم: أرأيت يا سيدي.. إنها تلاحقك بدموعها إلى هنا.. لم فعلت ذلك.. لم جعلت شخوصك تماس ما مارسته من إثم.

سوفوكليس: من إثم؟! أي إثم من فضلك؟!.

المقدم: لعلك تعتقد بأن زواج الابن من أمه ليس إثماً.

سوفوكليس: بل هو إثم.

المقدم: هل اقتراف الإثم فضيلة يونانية إذن.

سوفوكليس: ماذا تقول وبأية لهجة مهينة تخاطبني أنا سوفوكليس؟!.

المقد: معذرة إذا كنت قد أسأت الأدب معك.. إنني أعرف قدرك وفضلك ولكن تصرف أوديب مع.. عفواً يا سيدتي "لا يرى جوكاست" أي هي. أين ذهبت "ينادي" سيدة جوكاست.. سيدة جوكاست..

سوفوكليس: لقد ذهبت.. منعها الخجل من أن تبقى وتستمع.

المقدم: إن تصرف أوديب مع أمه جوكاست جعلني أفقد صوابي يا سيدي وجرحني بعمق كإنسان ولذلك اسمح لي.

سوفوكليس: آه.. أوديب.. أوديب التعس.

المقدم: لماذا جعلته يتصرف هكذا.. ولماذا أسأت إلى الأم من خلاله.

سوفوكليس: يا للمسكينة.. يا للبريئين.

المقدم: ألم تجد وسيلة لإثبات قوة القضاء والقدر أفضل من جعله يرتكب جريمة اهتزت لبشاعتها الأجيال على مدى تاريخ الإنسان المتمدن.. إنني أشعر بالخجل حتى من تصور ذلك.. ابن يتزوج أمه وينجب منها أطفالاً هم أخوة وأبناء له في الوقت نفسه لقد طعنت البنوة والأموة يا سيد سوفوكليس.

سوفوكليس: إن الصورة بشعة وممارسة الفعل أبشع بكثير.. يا له من شقي أوديب.

صوت أوديب: "لا أدري بأي نظرة كنت سأقبل على أبي في دار الموتى أو على أمي التعسة فقد اقترفت في ذاتهما آثاماً لا يكفر عنها الموت خنقاً، وكيف أواجه أبنائي الذين ولدوا كما تعلم، أكان منظراً جميلاً لعيني، كلا لم يكن لعيني أن تراهم.. أيها الزواج.. أيها الزواج.. لقد منحتني الحياة ثم لم تلبث أن أنبتَّ البذر المر نفسه مرة أخرى. أظهرت للضوء آباءً أخوة لأبنائهم، وأبناءً أخوة لآبائهم، وزوجات هن لأزواجهن أمهاتٌ وزوجات، وأظهرت للضوء أشنع ما يمكن أن يكون بين البشر من الآثام والسيئات، اسرعوا بحق الآلهة، فأخفوني حيث شئتم، في مكان بعيد عن هذه الأرض، اقتلوني، ألقوني في البحر، حيث لا ترونني آخر الدهر ادنوا، لا تستكبروا أن تمسوا رجلاً تعساً. صدقوني إن شقائي لأعظم وأثقل من أن يحتملهُ بين الناس أحدٌ غيري".

سوفوكليس: مسكين أوديب.

المقدم: كثيرون غيرك تناولوا موضوع القضاء والقدر ووجدوا وسيلة غير هذه للتعبير عن موضوعهم.

سوفوكليس: لا تهزأ يا بني.. ليس القضاء والقدر كل شيء في أوديب. ونحن في اليونان نتصور الآلهة بشراً على شاكلتنا لهم أحقاد وأهواء.. ولكن هل لهم وجود فعلاً.

المقدم: هه.. هذا شيء جديد تضيفه يا سيد سوفوكليس.. نحن نعرف أنك تخشى الآلهة وأنك متدين.. ولم نعرف عنك الإلحاد.

سوفوكليس: أنت تسيء فهمي منذ بدأت حديثك معي.. ولا تسمح لي بأن أنير لك الأمور.

المقدم: تفضل.. تفضل. أنرها أرجوك..

سوفوكليس: أنا لم أسمع زيوس أو أبوللو أو غيرهم من الآلهة يتكلمون.. رغم أنني كنت كاهناً، ولكنني سمعت الكهان يذبحون النبوءات ويعيدون صوغها بأسلوب شعري ومسجوع ثم ينطقون باسم أولئك الآلهة المساكين.

المقد: معنى هذا أن ترزياس لا ينطق باسم الإله أبوللو.. أليس كذلك؟!.

سوفوكليس: من حسن الحظ أنني لن أواجه تهمة الزندقة أو الإلحاد.

المقد: عجيب.. وصدقه الجميع.

سوفوكليس: جميع من ترتبط مصالحهم معه ومن له عليهم سيطرة، وهم كثرة.

المقدم: وما هي مصلحته في ذلك.

سوفوكليس: كي ينال من أوديب ويتخلص منه.. لأن أوديب لا يسير كما يريد الكاهن.

المقدم: عظيم.. والنبوءة الأولى التي قالت لوالد أوديب بأنه سيرزق بطفل يقتل أباه ويتزوج أمه.

سوفوكليس: مسكين لايوس.. إنه طيب القلب.. ساذج.

المقدم: ماذا تقصد.

سوفوكليس: لقد أطلق هذه النبوءة ترزياس نفسه. فلو عاش أوديب كابن للايوس وملك بعده لأصبح الحكم من بعده ملكياص وراثياً ولسقطت سيطرة ترزياس في عزل الحاكم وتنصيب غيره فخسر ذلك السلاح.. واليونانيين لا يريدون الحكم الملكي أيضاً. على الأقل كان هناك حزب كبير من الديمقراطيين وهم قادرون على التعاون مع الكهنة وعقد صفقات مصالح.. من مصلحة الكهنة أن يبقى تعين الحاكم بأيديهم.

المقدم: هذا يعني أن النبوءة مختلفة من الجذور.

سوفوكليس: ما الذي يمنع أن تكون كذلك؟!!.

المقدم: ومعنى هذا أن ترزياس متآمر.

سوفوكليس: لقد قلت له ذلك بلسان أوديب عندما كان يستطيع أن يُنزل بي السوء.

أوديب: "يريد أن يسقطني. ويُثلَّ عرشي، هذا الساحر. هذا الماكر.. هذا المشعوذ الخائن. الذي لا يرى إلا المال، والذي هو أعمى في فنه، وإلا فأنبئني متى كنت كاهناً بصيراً.. ما بالك حين كانت تلك الكلبة تلقي عليك ألغازها، لم تقل كلمة واحدة لتنفذ أهل هذه المدينة، فلم يكن تفسيرُ ذلك اللغز لأول طارىء على المدينة، وإنما كان خليقاً بكهانة الكهان. لقد ظهر حينئذٍ ألا حظَّ لك من علم تلقيه في نفسك الطير، أو توحيه إليك الآلهة".

سوفوكليس: لقد دفع كريون ووعده بالعرش.

المقدم: والراعي الذي حمل أوديب إلى الجبل ثم تعرف عليه فيما بعد. كيف يمكن أن..

سوفوكليس: "بضحك".

المقدم: هل هو الآخر متآمر.

سوفوكليس: "يضحك" لقد مرت الأمور ببساطة هناك مع هذا الراعي.. إن بسيط ساذج ونظرة واحدة من ترزياس أو من كريون تجعله يقول ما يريد أن..

المقد: ولكن هذا كله لا ينفي أن أوديب تزوج من أمه.

سوفوكليس: أنا لم أجعلهما يرتكبان هذا الإثم.

المقدم: من إذن؟.

سوفوكليس: زيوس.. وأبوللو وغيرهما من آلهة الأولمب.

المقدم: لقد كنت تقول قبل قليل إن الكهنة هم الذين ينطقون باسمهم.

سوفوكليس: وصلت الآن إلى ما أردتك أن تصل إليه. لم لا يكون الكهنة هم الذين ارتكبوا هذه البشاعة بحق الأم جوكاست والابن أوديب؟ وكيف كان يمكنني أن أصور مكائدهم للتخلص من أوديب لو لم أذكر تلك المكيدة.. لقد رويت ما حدث فقط ثم لماذا تستبشع ذلك أنت مني وأنا أسرده كقصة على المسرح ولا تذكر الذين فعلوا ذلك ومارسوه فعلاً.

المقدم: من الذي مارس ذلك.

سوفوكليس: أخناتون مثلاً.. لقد تزوج أمه الحثية وأنجب منها أربعة أولاد.. وقد ذكر ذلك أيضاً كهنة مصر الفرعونية وحطموه من أجل ذلك.

المقد: هل تكون قصة أوديب هي قصة أخناتون.

المقدم: ألا يسمح لي بأن أستوحي، لقد نقل لنا هيرودوتس أشياء كثيرة عن مصر، ألا يسمح لي..

المقدم: بلى.. ولكنني أتساءل.

سوفوكليس: ولم لا تكون قصة بيركليس حاكم أثنيا في عهدي. لقد فعل معه كهنة دلف الكثير ليتخلصوا منه واتهموه بأبشع التهم.

المقدم: إذن ليست القضية قدرية ولا كما ذكر فرويد.

سوفوكليس: من فرويد هذا؟.

المقدم: عالمنفساني اتخذ من أوديب نموذجاً لعقدة نفسية حملت الاسم نفسه.

سوفوكليس: ماذا قال عن أوديب.

المقدم: قال إن أوديب عشق أمه في الصغر.. وكره أباه لأنه الخصم الذي ينافسه في حب الأم ولهذا قتله وأخذ مكانه.. وهويرى أن هذه الأمور تتم في مراحل الطفولة الأولى.. في السنوات الأولى من عمر الطفل.

سوفوكليس: ولكن أوديب الصغير لم يعش مع أمه سوى يوم أو يومين كما ذكرت في المسرحية ربما لم يكن يرى أو يميز المرئيات خلالهما. فمتى عشقها عشق الذكور وشعر نحوها بشعور الرجل ومن ثم استحوذ بها لايوس من دونه وتعقد أوديب.. متى حصل كل ذلك.. في يوم أو يومين كانت فيهما جوكاست في حالة النفاس.. ما هذا التخريف.

المقدم: عفواً.. إن فرويد عالم كبير.

سوفوكليس: فليكن.. فليكن.. إنما أقول ما أرى أنه المنطق.

المقدم: لك رأيك.. أما نحن فنحترم فرويد.

سوفوكليس: هذا لا يعنيني في شيء.. ثم إنكم ذهبتم في تفسير هذه المسرحية مذاهب عديدة ونسيتم واقع أثينا عندما كتبتها. نسيتم الحياة السياسية والاجتماعية فيها وحالة الحصار والطاعون والحرب.. ونسيتم بركليس، ونسيتم ذهب دلف.

المقدم: أتربطها بالوقع السياسي والاجتماعي في أثينا.

سوفوكليس: ولم لا.. أنا بن أثينا.. ولن أكون غير ذلك ولم أنفصل عن واقعها.. كان عام 429 قبل الميلاد يوم كتبت هذه المسرحية عاماً مريراً. الحصار والطاعون أكلا الناس أكلاً.. وسقط بيركليس من جراء ذل وأبعد عن المدينة ولعب الكهنة دوراً بشعاً مستغلين العامة وأصحاب الأغراض والغايات. إنكم تذهبون في تصوراتكم بعيداً وتنسون مواطيء أقدامكم، كنا نأكل الثوم والبصل في أثينا وكانت روائح السمك تملأ شوارعنا.. لسنا فقط هذه التماثيل والمعابد وصورها التي توزع عليكم اليوم..

المقدم: معك حق.. ولكن أرجوك.. القضية الأسياسية التي قررنا الحديث عنها لم توضحها بعد.. لم صورت المرأة الأم على هذا النحو. ولم أظهرتها في مسرحك بهذا المظهر البائس الحزين.إن جوكاست الأم مارست الفحش مع ابنها دون علم منها وعندما عرفت الأمر جللها العار فشنقت نفسها. هذا في مسرحية أوديب.. أما الأمر في مسرحية انتيجونا.

سوفوكليس: من تقصد.

المقدم: زوجة كريون.. والدة هيمون.

سوفوكليس: تلك الم الرؤوم لذلك الميت.

المقدم: لقد بقيت كأم تتفرج على الأحداث وتغزل الصوف وعندما مات ابنها جاء الرسول ليقول:

صوت الرسول:"لقد ضربت نفسها بحديدة قاطعة عند المذبح، ثم أغمضت عينيها اللتين كانتا تظلمات شيئاً فشيئاً بعد أن ندبت ذلك الحظ الميجد الذي قدر لابنها ميجاروس الذي مات قبل أخيه وبعد أن بكت موت هيمون وبعد أن استنزلت عليك المصائب كلها لأنك قاتل ابنها. "في آخر الكلمات بتهدج صوت الرسول ويبكي".

سوفوكليس: المسكين.. حتى الرسول الذي نقل النبأ غلبه الدمع يوم قدمناها لأول مرة فبكى..

المقدم: أما الأم الأخرى التي تهدهد ولدها في الحلم.

سوفوكليس: من تقصد.

المقدم: استمع إليها "تدخل انتيجونا".

أنتيجونا: "لم تتح لي تلك الفرصة وإنني أشعر بشيء لا يوصف. ما الذي جنيته أنا.. حتى حرمتني من طفولتي المرحة وشبابي اليانع ولم تترك لي حلم الأمومة يسكب خمرة في قلبي. هي كلمات لها مرارة العلقم وحلاوة الشهد في آن معاً قلتها وما زلت أورددها في ذلك الحلم كله.. تقبل أختك التي تهبط إلى مقر الموتى وحيدة لا صديق لها لم تبل حلاوة الزواج ولا حنان الزوج ولا لذة الأمومة هي كلمة لم أذق طعمها إلا في نطقها".

سوفوكليس: لقد كانت الفرصة سانحة أمامك ولكنك رفضت.

أنتيجونا: متى.

سوفوكليس: كان خطيبك هيمون يريدك وكنتما على وشك الزواج وإنجاب الأطفال.. ولكنك فضلت شيئاً آخر.. المجد ومقاومة السلطة الغاشمة والوقوف إلى جانب الحق والعدل وأشياء أخرى.

أنتيجونا: لست نادمة على ذلك، ولكن ألم تسخِّرني له أنت "صمت" أل تحكم علي أنت بذلك.

سوفوكليس: أنتيجونا الرائعة.. لم أعن مطلقاً بالمخلوقات الضعيفة.. ولذلك أوكلت إليك ما أحب من مهام.. هكذا أردت أن تكون المرأة.

أنتيجونا: بلا زوج ولا أولاد.

سوفوكليس: إذا رفضت المصلحة العليا ذلك.. وحالتك استثناء.

المقدم: "متدخلاً" أية مصلحة عليا تلك يا سيدي التي تحرم المرأة من حياتها.

سوفوكليس: عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن أقدس حقوق الحياة.. فإن مهام الأحياء الأساسية وأدوارهم تتغير.

أنتيجونا: على كل حال.. أنا فخورة بنفسي وبالدور الذي قمت به. ولكن ما زال في حلقي غصة ألم لأنني لم أكن أمّاً.. الأطفال يا لجمال الأطفال."تبتعد" نم يا صغيري.. نم.. نم... يا صغير.

سوفوكليس: فتاة لطيفة.. ولكنها لم تخلق للحياة.

المقدم: لم خلقت إذن يا سيدي؟.

سوفوكليس: خلقت لتقول كلمة حق في وجه غاشم. خلقت لتقول لا في وجه الظلم والطغيان والاستبداد.. ولتموت بعد أن تعلِّم الناس هذا الدرس.

صوت أنتيجونا: "من بعيد" سيدي إنني خلقت أيضاً لأحب. لا لأبغض، أتذكر ذلك. وداعاً.

سوفوكليس: اغفري لي يا أنتيجونا.. اغفري لي يا ابنتي.. لقد ألقت درسها وذهبت ألقته حتى عليّ أنا.

المقدم: إنه درس رائع.. دفعت حياتها وسعادتها ثمناً له.. ولم تنجب أطفالاً من أجله، وحرمت بذلك السعادة.

سوفوكليس: ليس كل من أنجب الأطفال عاش سعيداً بهم يا بني.. سلني أنا.. لم يسىء إليَّ شخص أكثر مما أساء إلي ابني.. تصور.. تصور أنني بعد أن بلغت من العمر عتياً أقام علي دعوى أمام محاكم أثينا واتهمني بأنني غير مالك لوعيي وبأنني شيخ مخرف أبذر أمواله.. يا للعار.. يا للعار.

المقدم: ابنك فعل هذا؟.

سوفوكليس: نعم.. ولدي.. تصور.

المقدم: ولمَ؟..

سوفوكليس: ولد مأفون، لأنني اتخذت لي خليلة. فتاة ساحرة كانت رقيقة وأنيسة. أما كان من حقي أن أصادق امرأة بعد طول الوحدة.. صحيح أنني شيخ مسن ولكن الرجل بحاجة  إلى المرأة.. الحياة مرة دون رفيقة درب. لقد كان ذلك المأفون يطمع فيما معي من قليل المال وكان سفيهاً..

المقدم: أمن أجل هذا حقدت على أمه.

سوفوكليس: أمه.. ماعلاقة أمه بالأمر.. كانت ميتة.. ميتة منذ زمن ولا علاقة لها بالأمر.

المقدم: اعتقدت أنها السبب في الآلام والنهايات التعسة التي هيأتها لشخصياتك النسائية من الأمهات والزوجات. ألم يجعلك تصرفه تشعر بشيء من هذا حيال الأبناء أو حيال الأمهات؟!.

سوفوكليس: لا يا بني. حدث ذلك في أخريات حياتي.. كانت قد تقدمت بي السن كنت في حدود الثمانين.

المقدم: الثمانين.

سوفوكليس: نعم.. وكنت قد كتبت معظم مسرحياتي.. تصور اتهمني بالسفه وبأنني مخرف وطلب وضع يده على أموالي.. يا للفضيحة.. وقد أنقذني أوديب.

المقدم: أوديب؟! ما علاقة أوديب بالأمر.

سوفوكليس: قرأت للمحكمة مقاطع من مسودة مسرحية أوديب التي كنت أكتبها حينذاك فاقتنعت بأنني كامل الأهلية ورفضت الدعوى.

المقدم: أوديب؟ ولكنك ذكرت قبل قليل أنك كتبتها عام 429 قبل الميلاد.. لم تكن في ذلك العام قد بلغت الثمانين.. أليس كذلك؟.

سوفوكليس: إنني أتكلم عن أوديب في كولونا.. لا عن أوديب الملك فبين الاثنتين أكثر من عشرين سنة.

المقدم: آه.. فهمت.. فهمت.. لنعد الآن من فضلك إلى موضوع جوكاست.. ألا ترى أنها مظلومة كأم.

سوفوكليس: مظلومة.. نعم.

المقدم: بل أشد الأمهات ظلماً في مسرحك.

سوفوكليس: محتمل.. ربما كانت أكثر أم مظلومة في مسرحي "يدخل صوت نسائي فجأة".

كلوتمنسترا: "هي أكثر أم مظلومة في مسرحك أليس كذلك.. وأنا.. أنا التي ضحى زوجي بابنتي.. ذبحها ذبح الخراف أمام معبد أرتميس تزلقاً وكبرياء أمام جيوش اليونان.. أنا التي كشفت عن ثدييي لذلك الولد العاق وقابلته بهما مسترحمة جاثية فلم يرق لي وتركته أنت يواجهني ببطلته كالوحوش تركته يقتلني.. أي عار أشد من قتل الابن لأمه.. أنت جعلته يفعل بي ذلك..

سوفوكليس: أهذا أنت.. أما زلت تجرين ألامك ونقائصك إلى هذا القرن وتتعبينني إلى هنا.. ألا تخجلين؟!.

كلوتمنسترا: أنا التي عليها أن تخجل أم أنت الذي شجعت ولداً على قتل أمه.

سوفوكليس: أيتها المرأة.. إن الصمت حلية النساء. "يدخل صوت نسائي حاد فجأة".

الكترا: نعم يا سيدي.. إن الصمت حلية المرأة العفيفة الطاهرة.. المرأة التي تحترم نفسها وبيتها وزوجها وشرفها وتشعر بعاطفة نبيلة تجيش بين ضلوعها تجاه أقر الناس إليها على الأقل. أما هذه المرأة التي بلغت من الوقاحة والفجور ما بلغت.

كلوتمنسترا: "تقاطعها" أهذه أنت فيما يظهر هائمة مرة أخرى.

الكترا: نعم.. لأنك أحسنت تربيتي والعناية بي ولذا فأنا أهيم على وجهي.

كلوتمنسترا: بأية لهجة تخاطب ابنة أمها.. لقد غاب أيجبستوس الذي كان يمنعك من الخروج ومن ذم أهلك والتشهير بهم.

الكترا: نعم.. لقد غاب ايجبستوس إلى الأبد.. كأي رجل فاجر نال عقابه وانتهى فلجريمته نظائر عديدة.. أما أنت. فكل الأجيال تذكر من أنت.

كلوتمنسترا: إنك دائماً تنعين علي أنني قتلت أباك.. نعم فعلت ذلك، لقد نال جزاءه بما استحق.

الكترا: لا.. إن أبي لا يستحق المصير الذي آل إليه.. فقد ضحى بأختي طلباً لرضى الآلهة.. ولكنك لم تقتليه أنت انتقاماً لأختي المسكينة كما تزعمين. وإنما اندفعت إلى ذلك مفتونة بحب ذاك المجرم الذي تعيشين معه. عشيقك الذي أجلسته على عرش أبي وشاركته فراشه، قتلته تكليلاص للفسق والفجور..

كلوتمسترا: إنك تهينين أمك بهذه اللهجة العنيفة على حين أنك قد بلغت سناً يحتم عليك تقدير الأمور.

الكترا: إنني شديدة الخجل لما أصنع "ولكن ما تشيعين في نفسي من البغض وما تتخذين لنفسك من سيرة آثمة كل ذلك يضطرني إلى ما لا أحب.. إن المثل المخزي يدفع إلى المسيرة المخزية".

الكترا: إنما أنت التي تتحدث بفمي لا أنا.. أنت تعملين وأعمالك تنطقني بما أقول، تذكرين أفعالك جيداً.. ورغم ذلك قفزت من القبر وجئت إلى هنا تلاحقين هذا الرجل الطيب وتعتقدين أنك أم.

كلوتمسترا: من ذا الذي ينكر علي أبنائي.

الكترا: أبناؤك؟ وتقولينها أيضاً على مسمع من أناس العصور. أظنك تحنين إلى تلك الجملة الرائعة العابرة التي جملك بها هذا الرجل الطيب سوفوكليس عندما أنطقك بقوله " ما أغرب الأمومة. إن إحدانا لتهان ولكنها لا تستطيع أن تبغض أبناءها " لقد كنت في تصرفاتك أبعد الناس عن تطبيق هذا القول النبيل، وإلا فقولي أي أم تدبر لقتل طفلها الوحيد البريء.

كلوتمنسترا: أنا.. دبرت ذلك؟.

الكترا: نعم.. كنت تعدين العدة لقتل أورست.. الوريث الوحيد لأبي، والشخص الذي كان عليه أن يغسل عار الأسرة. لقد أحسست بالخطر يأتي من جهته وأحس عشيقك، ذلك التيس النتن، بذلك فقررتما قتله.. لولا أنني شعرت بذلك في الوقت الملائم وأبعدته عن طريقكما.

كلوتمنسترا: أنت إذن من خطط لذلك، وكنت دائماً تهددينني بعودته.

الكترا: نعم أنا، لقد فاتك أن تنتقمي مني أيتها الأم المتوحشة.

كلوتمنسترا: لعلك تعتقدين بأنك تستحقين الشكر على هذا التصرف من هذا الرجل. سوفوكليس.

الكترا: لقد نلت مكافأتي من يد أورست نفسه.

كلوتمنسترا: أتفخرين أنت وهو بالإثم الذي اقترفناه. قتلني أخوك بيده الجانية.. أنت وهو اشتركتما بقتل أمكما.. أهذا عدل يا سيد.. أهذا عدل؟ تجعل الابن يقتل أمه.. يذبحها.. أهذه هي القيم التي تحملها وتقدمها للأجيال..

الكترا: أم فاجرة.. تعاونت مع عشيقها على قتل زوجها.. وأثمنت في فراشه واستمرت في تعاطي الإثم، واستخدمت ابنتها كالعبيد وأذلتها، وأرادت أن تقتل ابنها. هذه هي أنت. أتسمين هذا تصرف أم، وتطلبين أن تعاملي على أنك أم، وتخرجين من حفرتك المقيتة للتكلمي عن القيم وأنت تجرين خلفك أسود العار؟!.

سوفوكليس: أجيبي يا كلوتمنسترا. أجيبي أبنتك.

كلوتمنسترا: أنت وهي ضدي.

سوفوكليس: القيم والشرائع والقوانين والإنسانية كلها ضدك.

كلوتمنسترا: أنت تشجع الابن على قتل أمه.. أتسمي هذا أدباً وأخلاقاً وقيماً.

سوفوكليس: أعجب.. أعجب للرذيلة ترفع رأسها وتتطاول وتنظر بعينيها الوقحتين إلى الشمس الطاهرة.. أعجب كيف تطرح حججها السقيمة، أعجب "لكلوتمنسترا" عودي أيتها المرأة من حيث أتيت.. عودي عليك اللعنة.. إن الأمومة بريئة منك والزوجية المقدسة بريئة منك.

كلوتمنسترا: الآن تتكلم أنت.. وترفع صوتك علي أنا المرأة المسكينة، لم لم تقل له هو كلمة.

سوفوكليس: له هو؟!!. من تقصدين. أورست؟!.

الكترا: أورست أخي النبيل.. الذي عاش طفولته مبعداً بلا أم ولا أب بعيداً عن قصر أبيه تطارده المخازي. أمه تفسق في فراش أبيه، وقاتل أبيه يتربع على عرشه ويملك قصره ويفجر بأمه وتستعبد أخته، وروح أبيه هائمة تطلب منه الثأر.. والناس ينظرون إليه وينتظرون منه ما ينتكر من الرجل الشريف في مثل هذه الأحوال، ماذا كان عليه أن يفعل، وهي يوجه لمثل هذا لوم؟ وماذا يمكن أن يفعل إلا الذي فعل؟! لقد قتل الزانية والزاني.. القاتلة والقاتل المؤتمرة به والمؤتمر ونفذ شريقة الآلهة.

سوفوكليس: كفى يا ابنتي.. كفى يا أخت أورست.. دعي هذه المرأة وشأنها دعيها فلوكان لديها حس بما بما هوخيَّر وبما هو شرير لما تصرفت كالبهيمة "لكلوتمنسترا" أنزلي إلى جحرك ملعونة بين الأرواح الشريرة.. انزلي وحاولي أن تتطهري، قد تنتصر الرذيلة يا امرأة. ولكن ليس إلى الأبد.

ولكن العجب العجاب الذي عرفته اليوم هو أن نفساً نتنة كنفسك.. ويداً آثمة كيدك تعمدان إلى إزاحة ستر الاضي السحيق وتراب السنين السالفة وتجرؤان على الظهور إلى الشمس بين الأحياء يتقدمهما لسان ذلق يذيع الأراجيف والأباطيل ويدعو إلى الرذيلة بين الأحياء ويدافع عنها، عجب.. أعجب العجب.. آه.. آخ.. عجب أعجب العجب.. آه. آ×.

"يتهدج صوته في المقاطع الأخيرة من الحوار ويرتجف".

المقدم: ما بك يا سيدي.

سوفوكليس: أشعر بالاختناق.. تعاودني الرغبة في الموت ألف مرة إذا كانت الحياة ستمنح لي ولهذه الكائنات معاً. آه. آه.. عجب. أجب العجب لقد بعثت هذه المرأة ألمي الراقد فطغى على كياني كله.

المقدم: اجلس.. اجلس أرجوك لقد ذهبت هي والأخرى.. استرح الان أتأخذ قليلاً من الماء.

سوفوكليس: نعم.

المقدم: عفواً.. آسف إننا في هذا المكان. وكما ترى امكاناتنا ليست عصرية رغم أننا في نهاية القرن العشرين. لا يوجد ماء هنا.. تذرع بالصبر.

سوفوكليس: آخ.. آه.. ما أعجب الإنسان.. فيه كل شيء.. كل شيء.. كل شيء.

المقدم: هذه من أعنف شخصياتك على ما أظن.

سوفوكليس: وجدتها على قارعة الطريق ناثرة نفسها على المارة ووجدتها أيضاً عبر صفحات هوميروس وعلى ألسنة عامة الشعب يتندرون بها في حكاياتهم الشعبية رافعة راية الفجور. أمر تغثى له النفس الكريمة.. الأمومة يا ولدي شيء مقدس الأمومة أظهر أنفاس جادت بها الخليقة وأعظم حلية إنسانية حلى بها الخالق المرأة فزين بها جيد الإنسانية على مر العصور، وهي عطاء خالص وحب خالص وتضحية خالصة لا تعرف الحدود.. عاطفة سامية خالدة، ولكن هناك بعض المخلوقات الشاذة تنفث أنفاسها النتنة في بعض آنية الطهارة وتوسخ أينما حلت وهذا يهزني ويجرحني.. يستفز في الإنسان يا ولدي، فأرغب في أن أخرج شاهراً سيفي على الرذيلة عبر الزمن.

المقدم: أنت على حق. اهدأ. أهدأ أرجوك.

سوفوكليس: ربما كان علينا نحن بعض الحق.

المقدم: عليكم أنتم؟.

سوفوكليس: نعم.. أقصد نحن الرجال.. رجال القرن الخامس قبل الميلاد في أثينا الرائعة.. كانت لنا أخطاؤنا نحن أيضاً. كانت أنانية الرجل منا مستفحلة، وسلطته واسعة، وقوته نافذة، فلم تعط للمرأة حقها ولا حريتها. فنشأت ضعيفة الروح. قليلة المعارف.. كائن محصور بين أربعة جدران.

المقدم: ماذا أسمع. أهكذا كنتم تعاملون النساء في العصر الذهبي لحضارتكم، ونحن الذين نتغنى بكم.

سوفوكليس: هذا مؤسف يا بني.. ولكنه الواقع. في العصر الذهبي لأثنيا وبالذات في القرن الخامس قبل الميلاد كانت المرأة بائة مسكينة وجاهلة وخاتماً بإصبع الرجل. لقد حرمناها كل شيء.. لم تكن نساؤنا كنساء أسبارطة يمارسن الرياضة وبحارين في الجيش ويتعلمن الحياة مع الرجل ومثله، نساؤنا كن للبيوت فقط.

المقدم: ماذا أسمع. أثينا في عصر بيركليس.. العصر الذهبي للحضارة اليونانية.

سوفوكليس: نعم.. في العصر الذهبي للحضارة اليونانية كان انحطاط المرأة الأدبي والجسمي كبيراً وهو النتيجة المباشرة لحياتها المكبوتة كان أحد الأسباب الرئيسة لفساج الحكومة الأثينية المتوصل كله.

المقدم: هذا غريب.

سوفوكليس: لقد قال ديموستين خطيب اليونان الأشهر كلمات عبرت عن حقيقة صلفنا نحن الرجال وعن تعاملنا مع النساء في القرن الخامس قبل الميلاد في أثينا أحسن تعبير.

المقدم: ماذا قال يا سيدي.

سوفوكليس: قال ديموستين:

"إن بنات الهوى للذة والخليلات لصحة أجسامنا اليومية والأزواج لبلدان لنا الأبناء الشرعيين وبعينين ببيوتناعناية تنطوي على الأمانة والإخلاص" وأنت ترى أننا أحراراً في كل شيء والمرأة ملزمة بالطاعة ولا يسمح لها بإقامة أية علاقة من أي نوع إذا كانت تريد أن تكون زوجة ومصونة. الزانية تقتل.. أما الزاني فرجل والمرأة للبيت.. لقد أفسدنا المرأة فأفسدت المرأة بعض القيم في حياتنا.

المقدم: صدقت.

سوفوكليس: حياتنا الاجتماعية على الخصوص.

المقدم: أكانت الحياة الاجتماعية تتعرض للفساد في أثينا إلى حد كبير.

سوفوكليس: يا بني.. يا بني.. آخ.. ماذا أقول لك.. أيعري الإنسان عصره ونفسه، إنكم تحملون عنا أجمل الصور وأحلى الأفكار. فلماذا نفسد ذلك عليكم.

المقدم: إننا نبحث عن الحقيقة.

سوفوكليس: الحقيقة؟! كم أهيل عليها من التراب عبر العصور.. وما زال جوهرها يشع ويغري الناس بالبحث عنها.. ربما كان يرقها خلّباً يا بني، ولكنه مغرٍ.. تركض خلفه كما يركض العطشان خلف السراب.. إيه.. يا بني أثينا في القرن الخاخمس قبل الميلاد.. الحقيقة، كما أعرفها أنا.

المقدم: نعم.. من خلال معرفتك.

سوفوكليس: كان الشذوذ منتشراً بين الرجال والنساء، والكثيرون منا عشقوا الفتيان وهاموا حباً بهم.. وعرفنا السراري والخليلات، وكان الرجل منا يقضي معظم وقته خارج بيته. ولم يكن اتخاذ الرجل منا خليلة من الغانيات مما يعيب عليه المجتمع أو يؤاخذ عليه.

المقدم: أكان لك أنت مثلاً خليلة.

سوفوكليس: "مع ضحكة خفيفة" في أواخر عمري على الخصوص، ولم لا يا بني نعم كان لي خليلة.. بيركليس حاكم أثينا كانت له خليلة ألم تسمع باسبازيا.

المقدم: لا..

سوفوكليس: إيه.. اسبازيا.؟؟. اسبازيا خليلة بركليس كانت رائعة، وفي عهدنا عاشت لا يئيس. التي لم تترك لذي وقار وهيبة في أثينا.. هيبة ولا وقاراً لقد شقيت زوجاتنا.. الأمهات في عصرنا عشن بين أربعة جدران ينجبن الذراري ويذقن الألم.

المقدم: ألا تذكر أنك أنصفت المرأة الأم في مسرحية من مسرحياتك.. ودافعت عنها..

سوفوكليس: كيف لا ولكن المسرحيات لم تصلكم كما قلت أنت.

المقدم: نعم.. مع الأسف ولا يمكن أن نتحدث إلا عما وصلنا منها.

سوفوكليس: أرأيت هذه الفتاة التي كانت هنا منذ قليل؟.

المقدم: من؟ الكترا.

سوفوكليس: نعم..الكترا.. إنها تصلح انموذجاً لأم.. فلقد كانت كالأم بالنسبة لأخيها حرصت عليه وربته صغيراً وأبعدته لتصونه من الغدر، وأثناء غيابه ذرفت عليه الدموع حنيناً إليه وشفقة عليه وأملاً في عودته سالماً. وعندما أبلغت بوفاته- وكان ذلك حيلة من أخيها حُمل إليها رماد قيل لها إنه رماده- قالت فيه أصدق الكلام وأحلاه.

الكترا: "أيتها البقية الأخيرة لمن آثرت بحبي على الناس جميعاً، أيها العزيز أورست لشد ما بين هذه الحال التي أراك فيها الآن، وبين ما قد كنت عقدت بك الآمال من فرق، لست الآن إلا رماداً باطلاً أحمله بين ذراعي وإن كنت حين أبعدتك من هذا القصر- أي بني العزيز- لمملوءاً قوة ونشاطاً. آه ما لي لم أفقد الحياة قبل أن أنقذتك من الموت وبعثت بك إلى أرض غريبة!؟! يا لك من شقي تعود إلى ذراعي، وإنك لخفيف الوزن، في علبة ضئيلة تعسة. إلى أي حال صار ما بذلت من العناية بطفولتك، تلك العناية التي تعودتها والتي كنت أحتمل في سبيلها هذه المشقة الحلوة، فما كنت في ذلك الوقت أعز على قلب أمك منك على قلبي".

سوفوكليس: أسمعت.. أسمعت يا بني إن هذه العاطفة لم تشعر بها كلوتمنسترا أم أورست الذي ولدته. ولكن  المرأة عندي شعرت بالعاطفة الحقيقية تجاه ابنها. اوريديس أم هيمون وتكمسا زوجة إياس وأم أويزاسيس وجوكاست أم أوديب وغيرهن كثير.

إن الأم معطاء حنون في مسرحي. ولكن ما ذنبي إذا لم تصلكم من مسرحياتي إلا نماذج من الأمهات مشوهات النفوس مثل كلوتمنسترا.. إن عندي أندروماخا وهيكوبا. أين هما؟!.

المقدم: عفواص يا سيدي.. أرجوك يكفينا أننا تحدثنا عن الأمهات في المسرحيات التي وصلتنا.. إننا نقدر فيك الشاعر والإنسان والفيلسوف. ونأمل أن نعثر على بقية انتاجك في يوم ما، وعند ذلك سيكون لنا..

سوفوكليس: ماذا يعني هذا القول؟!.

المقدم: يا سيدي الطيب سوفوكليس انتهى الوقت المحدد لحديثنا معك ونحن نشكرك.

سوفوكليس: سقى الله تراب أثينا.. فقد كنا نجلس في مسرحها ومنتدياتها نتحدث الساعات الطوال ولا يقول لنا أحد انتهى الوقت. سقى الله تراب أثينا.. سقى الله..

المقدم: سيداتي وسادتي نشكركم على حسن إصغائكم ونأمل أن تكونوا قد أمضيتم مع الأمومة في مسرح سوفوكليس وقتاً ممتعاً تحياتنا لكم وإلى اللقاء.

ملاحظة:

قدمت في 14/7/1974 في الإذاعة السورية

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

face="Traditional Arabic" "2">جميع الحقوق محفوظة