|
ـ 1 ـ
وقفت اليوم على سفح الجبل الذي ارتبطت به ارتباط جذر الشيح بالأرض، ونظرت من فوقه باتجاه الشرق، كما هي عادتي منذ أصبح الجبل الدنيا بالنسبة إليّ، كانت القرى والمزارع على مد النظر منبطحة تحت مرمى ذراعي ككائن جريح، والأفق المديد يحرك في نفسي الذكريات، ويضع أمامي صوراً حية كانت بالأمس القريب هي الواقع اليومي الذي أعيشه.
كنت قد تركت زينب مع أولادي الثلاثة في بيت من الحجر الأسود تتكأكأ حجارته بعضها على بعض كجسد هرم وتتساند في تضاد عجيب، بعضها يضع كوعه في خاصرة الآخر، ويَنْهَدُ قليل منها كما لو أنه يروم الانطلاق بعيداً عن وسط غير مستحَب يحتجزه عنوة.. وتبدي جميعُها وجهاً كالحاً رُسمت عليه آيات من بؤس الناس حولها. ولا أدري كيف تتماسك تلك الحجارة ولا تتهدَّم؟!.. وحول بيتي بيوت من الحجر الأسود مثله ليست محكمة البنيان.. إذا انفجرت قنبلة قوضه خفيف الضغط وحده وسحقت حجارتُه الثقيلة كلَّ أثر للحياة تحتها. وعندما أتذكر البيت الذي كان يقدم لي الاطمئنان والراحة والأنس وأحاول أن أفصل بينه وبين عواطفي التي تربطني به، أجده مثيراً للوحشة والقلق، وهذا وحده كان كفيلاً بأن يثير هواجسي ولا يجعلني أطمئن إلى شيء ما دمت بعيداً عن بيتي.
عندما ودعتني زينب في صباح ذلك اليوم من أيام نيسان قالت لي:" اكتب لنا واعتن بنفسك، لا تخف علينا.. سنعيش مثل خلق الله الآخرين في هذه القرية.. الأولاد سيكونون بخير، وسأعمل حصَّادة عند عمي جابر حتى نؤمن لقمتنا ونؤمن المؤونة".
في ذلك اليوم لا أعرف كيف تمالكت نفسي.. وكيف استمر قلبي ينبض بالحياة.. نظرت إليها في تلك اللحظة والدمع يكاد ينبجس من عيني، أحسست برجولتي تتهاوى عند قدميها كشجرة فُصِلَت عن جذورها فجأة.. لم يكن معي قرش واحد يقيم أوَدَهم أو يدفع غائلة الجوع عنهم لأتركه بين أيديهم.. وليس لنا أرض ولا أملاك أو أي مصدر رزق من أي نوع سوى جهدنا الذي كنا نبذله، ولم نحصل بعد كل شيء إلا على ذلك البيت الذي يؤوي رؤوسنا، وتتكرَّم حجارتُه السود بالتآلف والتعايش السلمي ربما من أجلنا. نظرت إليها وأحسست أن عيني أصبحت كسيرة أمام نظراتها الهادئة الوادعة.. قلت لها وأنا أغالب دموعي وآهة عمرت القلب تكاد تنفجر ومظهراً للشجاعة يكاد ينهار هو الآخر.. قلت: " توكلي على الله... أيام معدودة سوف تمر ولا بد أن أعود قريباً."
كنت واثقاً كما كانت هي أيضاً واثقة من أنني لا أعرف متى أعود_ هذا إن عدت_ وأن الأمر قد يستمر سنة أو سنتين... أو أكثر.. فالذين ذهبوا إلى الخدمة الاحتياطية قبلي لم يُسَرَّحوا بعد.
ودعت زوجتي وخرجت. كانت الحجارة الناتئة في أرض الدار تلطم قدمي وتتدافع في طريقي يخنقها الخرس كأنها تريد أن تقول شيئاً ولا تستطيع.. وكنت لا أشعر بلطَماتها القاسية.. لقد أنساني ذلك الموقف أجزاء جسدي فلم اعد أتلقى من الخارج شيئاً.. مما اضطر زينب إلى أن تصرخ من خلفي ثم تمسك بذراعي وتستوقفني قائلة:" رجلك .. انظر أمامك.. سم باسم الله.".
وتذكرت قول المرحومة أمي عندما كنت صغيراً ألعب بالحجارة والتراب على الأرض نفسها.. كانت تقول والرأفة تطفُر من عينيها:" يا ولدي انتبه لنفسك.. الحجر لا يفهم ولا يرحم.. قد يكسرك ولا ينكسر.." الحجر..!؟
كدت أجيب أمي في قبرها بأن الحجر بعدَك أرحم مَن على ظهرها، فهو يقي الأطفال المطر والبرد والحر ولفح العيون ويشاركني هموم يومي هنا.. ولكن ذلك الشيء الصغير لن يصل إليها في قبرها الحزين الذي تأوي إليه دوابُّ الأرض.
أذكره جيداً قبرَها، عندما زرته آخر مرة منذ أعوام.. كانت في جانبه حفرة صغيرة زحفَت إليها دويبة قذرة.. ولم أستطيع منع نفسي من تصور أن هذه الدويبة غاصت في جسمها..أو هي جزء منه يسعى على الأرض.
لمحات سريعة من ذلك الماضي الحبيب الذي يحمل براءة طفل وعذوبة طفل أيضاً.. مرت بي مرور شهاب ضاق بالجوزاء أو ضاقت به فسارع إلى الاتحاد بالأرض، لمحات سريعة مرت بي وأنا أنظر إلى الجهة الشرقية من سفح جبل الشيخ، قبل أن ينبهني صوت رفيقي نزار:
" محمد.. ما لك تقف مثل عمود الكهرباء.. ارجع إلى الخندق."
وتنبهت عندها من شرودي.. تنبهت إلى الأرض التي تحت قدمي، وإلى الصخرة الناتئة التي كانت تحيط بي.. وإلى أنني على مرمى بنادق العدو.
عدت إلى الخندق وما كادت قدمي تطأ أرضه حتى مرت رصاصة مجنونة من فوق رأسي تماماً. وتوالى إطلاق النار. قال نزار وهو ينتزع ابتسامته: " عمرك طويل"، ضحكت وأجبته، وقد بدأ بإطلاق النار رداً على رصاص العدو:
" عمر الشقي بقي " وضاعت بين أصوات الانفجارات ضحكة خرساء.
***
كانت مناوشات الرماية مع العدو مستمرة على الجبل طوال أيام متوالية.. ولم يكن البرد الشديد ووعورة المكان وصعوبة الرماية لتضعف من عزيمتنا.. كل شيء فينا منذور لهذه الغاية. ورغم غزارة الاشتباكات وتواليها كنت أجد الوقت الكافي_ مع ذلك_ لأفكر وأمعن التفكير في أبناء قريتي وأحوالهم، وفي زينب والأولاد. زينب لم تكن تفارقني صورتُها..
وكنت أتخيلها تذهب إلى الحصاد قبل طلوع الفجر، كما يذهب أكثر الناس هناك.. وتترك الأولاد ينامون وحدهم _ مثلما يفعل أيّ مضطر_ أو تودِعهم عند الجيران كأي وعاء تضعه من يدك عند أحد حتى تعود.. تحملهم نياماً واحداً بعد الآخر وقد تهدلت أطرافهم وأُقلِق نومهم.. لتضعهم في بيت آخر: " أولادي أمانة عنكم حتى أعود."، تتركهم وتحمل همهم وتمضي، أو تحضر أم سليمان العجوز لتبقى عندهم:
" أم سليمان.. الله يحنن عليك.. ينالك أجر وثواب... الأولاد ما في أحد يرعاهم".
ويرق قلب أم سليمان، وتجر نفْسها من بيتها وهي تتوكأ على عصاها حتى تسند جسدها الضئيل، بعد عناء طويل، على كتف باب دارنا المرهق، وسبحتها في عنقها بانتظار وصولها إلى الأرض.
وكنت أعيش لحظات مع صورهم تراودني، وهم نيام.. زيد بعيونه العسليَّة ووجهه الناعم وشعره الأسود الأملس.. و" الكعاب" التي يلعب بها.. تنام معه في الفراش .. وتترك آثارها في خده وفخذه وجبينه.. ولا يحب أن يطمئن على شيء سواها عندما يستيقظ من نومه. سيدخل المدرسة هذا العام إذا قيّض له أن يعيش وإذا أتيح لوالده أن يعود. وتثور ثائرتي ضد هذه الأفكار السوداء.. لماذا لا يعيش؟ولماذا لا أعود أنا؟ وتتراجع الكآبة أميالا أمام الإيمان بالحياة، وتتسلل ابتسامة عبر حواجز الدم على استحياء وخوف لتأخذ طريقها إلى الشفاه.. وتنتعش في أعماق خلايا جسدي... حياة وآمال وأفراح.
" سيتعلم.. سيكون معلماً أو موظفاً.. أو ربما.. ربما شيئاً ما أكبر من ذلك.. وسيرفع رأسه بين زملائه بأبيه الذي خاض معارك الجبل.. وسأفخر.. وسأفخر به أنا أكثر مما يفخر هو بي.." ولكن..؟ وتجمَّد " ولكن" استطالة الحلم، وتنفتح أمام تأملاتي وأحلامي اللذيذة وربما المشروعة هوة مخوفة.." ولكن".. نعم ولكن المدرسة تحتاج إلى مصاريف، وهو يحتاج إلى ملابس وطلبات..".
وأشعر بالابتسامة التي غمرت شفتي ، تغور في الأعماق وتتلاشى عبر الحواجز التي تسللت منها.. وشيئاً فشيئاً ينكمش كياني كله من جديد.. يتساقط ثلج الكآبة في العروق وينمو البرد، وتركد الحركة، وتتقزَّم مظاهر" العملقة" التي عربدت عدة ثوان في الروح.
يتهدَّل رأسي وأقرأ في تراب الواقع من حولي: زيد يحتاج إلى ملابس وإلى أوراق ومصاريف كي يسجل في المدرسة.. وزينب لا يمكنها أن تهيئ له كل شيء فهي لا تملك شيئاً، وكل ما يمكن أن تحصل عليه من العمل لا يكاد يكفيهم ثمناً للقمة الخبز، وأحمد الصغير وفاطمة كل منهما يحتاج إلى خمسة قروش كل يوم أو كل يومين على الأقل كي يطرد الغصة التي تتشبث بحلقة كلما شاهد شيئاً مع أمثاله من الأطفال.
والذل أمام أولاد الحارة الآخرين يهصر عود الطفل ويشعره بأنه أدنى من غيره.. وقد يرافقه هذا عمره كله.. ألا أشعر بذلك أنا عندما أتعامل مع أمثالي من العناصر الاحتياط ممن اعرف أنهم تربوا على" العز ويدهم طايلة"؟ إنني أشعر بالغصة التي كانت تتشبث بحلقي في الصغر، وأدفع ثقلاً يكبسني نحو الأرض قبل أن أقول في وجوههم كلمة أو اتخذ موقفاً.
***
مسكينة زينب.. لم تر معي اليوم الأبيض.. منذ تزوجنا ونحن في الفاقة، نركض والرغيف يركض أمامنا، ولا نلحقه، وها أنذا أتركها الآن وقد ارتفعت الأسعار، ولم تعد الحاجات مقضيَّة للناس، ولا يوجد من تعتمد عليه فتستدين منه أو تستعين به، وأنا لا أجد ما أستطيع أن أساعدها به.
وتراقصت صورتها أمام ناظري وهي تعود من الحصاد.. ثوبها مغمس بالعرق، والتراب يكسوها من رأسها حتى أخمص قدميها وفمها ممتلئ بالغبار حتى لتغص به، ولا يكاد وجهها الحبيب يظهر من بين طبقات التراب المتراكمة عليه.. ورائحة الشقاء البشري تفوح منها.. تدخل البيت بعد تعب النهار بطوله والزحف خلال دقائقه الثقيلة تحت الشمس الحارقة، ولا تجد بعد ذلك كله لقمة طرية تتبلَّغ بها. وأمامها الصغار الثلاثة كعصافير الدوري في العش، تفتح مناقيرها تزقوا عند قدومها، وتمد أعناقها تحمل جوعاً فاغر الفم يحتاج إلى طعام.. الطعام، وتنظر زينب إلى الصغار الجائعين الباحثين في عينيها عن رد على سؤالهم بطلب الطعام، ولا تتمكن من تلبية الطلب، فتلجأ إلى تغطية موقفها الحرج أمامهم.. تهرب بعينيها الدامعتين بعيداً عنهم لتبحث في ركن البيت عن كسيرات خبز جف، وتحاول أن تبعث في كلماتها المجرَّحة شيئاً من السرور والفرحة، لتنعش الأطفال وهي تخاطبهم:
_: يا زيد .. لك عندي" عروسة" بالزيت..لا أطيب منها ولا أشهى.
= : زيت وسكر يا أمي.
_: عروسة بالزيت أطيب من الزيت والسكر يا زيد يا حبيبي. لكم كلكم.. لكل واحد.. كل واحد له " عروسة" بالزيت. بلا سكر أطيب.
وتنشط زينب في تطويع الخبز ولفّ قطعة بعد دهنها بالزيت.. وهي تداري غصتها. السكر غال وليس لديها ما تشتري به.. وقد فتح الله على الأولاد وهداهم فسكتوا.
وتبدأ بتنظيف البيت حتى لا تراهم وهم يبتلعون لقيماتهم الجافة بصعوبة بالغة، تعمل وتفكر بوسيلة تؤمن بها الطعام للصغار وكأنها لم تقض سحابة يومها في عمل مرهق تحتاج بعده إلى شيء من الراحة.
وأجد نفسي مساقاً في مخاطبتها كأنني أعيش معها أحداث يومها.
_: زينب اذهبي أنت إلى دكان جارنا أحمد الحسن واطلبي منه ما تريدين. لا تتركي الأولاد يشعرون بالحاجة.
=: لن يعطينا.. ليس معنا ما نسدد به ما أخذناه منه.
_: قولي له: عندما يعود محمد، ندفع لك.
=: لن يوافق .. أتظن أنه لا يعرف أنك مجند، وأنك بحاجة إلى من يعطيك المصروف؟! كل الناس يعرفون ذلك يا محمد.. كلنا نعرف ذلك ما عدا الصغار..فأنا أكذب عليهم وأقول لهم: سيحضر أبوكم قبل العيد الكبير، وسيحضر لكم معه ثياباً جديدة وحلوى، وسيعطي لكم.. ولكل واحد منكم نصف ليرة تشترون بها ألعاباً. وأرى في وجوههم وعيونهم الصغيرة قفزات ابتسامات الفرح وأحس بأحلامهم وآمالهم تنمو ملء البيت، فتخنقني الدموع ولا أستطيع أن أكمل الحديث معهم ,أقلب البكاء إلى ضحكة غريبة الوقع حتى لا أفسد عليهم فرحهم. أخشى أن يعود العيد ولا تعود يا محمد.
_: لا يا زينب .. لا تقولي مثل هذا الكلام. أنا راجع إليكم.. أنا رجل على الحدود هذا صحيح.. ولكن.. قلبي معكم.. إنكم لا تفارقونني لحظة واحدة، التراب هو التراب والحجارة هي الحجارة.. أنا معكم.
=: نعرف.. نعرف.. ولكنك تعرف أنت.. أنك ستأتي فارغ اليدين وأنه لا حيلة لك في ذلك .. وأنك إن عدت بالسلامة.. ستجدنا ننتظرك بأيد فارغة، وأفواه مفتوحة وآمال كبيرة.. ولا يوجد ما يسد ثغرتها.. ونخشى عليك من الأسى.. من ألم ساعة لقائنا.. ولكن لا.. لا تهتم لكل ذلك.. عد فقط.. عد أنت وكل شيء يهون، عودتك هي الفرحة.
" فلأعد إليهم.. وكل شيء يهون"؟. مسكينة زينب.. لم تر معي اليوم الأبيض. بعد زواجنا مباشرة سافرت إلى الكويت لأعمل هناك طمعاً بسداد الديون التي ألحقها بي الزواج .. فقد دفعت جَني العمر لأتزوج.. هكذا العادات عندنا.. على الرجل العزَب أن يدفع ويدفع وكأنه لن يعيش بعد الزواج لحظة. دفعت كل شيء.. وعندما تزوجت تركت زوجتي وهاجرت لأشبعها الخبز. وكنت لا تطأ قدماي أرض القرية حتى يخرج رأسي منها.. أولادي الثلاثة لم أحضر ولادتهم.. كانت تأتيني الرسالة وفيها خبر ولادة أحدهم، رسالة فيها ولد.. فيهزني الشوق إلى زينب وإلى المولود الجديد فأجمع ما معي من نقود واشتري تذكره سفر بالطائرة.. وأعود إلى القرية ، وملء قلبي فرح وحنين وأجد زينب بمثل ما أنا فيه من لوعة وشوق.. أجد مسحة من الأسى الأزلي تنتظرني على وجهها الشاب وقد حفرت لها فيه خنادق لا تتراجع عنه رغم زحف ابتساماتي وملاطفاتي لزينب..لا أدري لماذا لم أكن أنجح في القضاء على مظاهر الحزن في وجهها.. هل كان الأسى نفسه يرتسم على وجهي حتى وأنا أضاحكها؟ كانت زينب تبتسم لي، نعم تبتسم.. وأحس ابتسامتها كئيبة خضراء تشق طريقها عبر الطين، وقسوة الأقدام التي تكاد تسحقها وتغرقها في أعماق الوحل.
يا لتك الابتسامة المجاهدة.. إنها الأمل الذي يسفر عن نفسه في ذلك الكيان الذي تآخت ضده الظروف السيئة والهزال والمعاناة المرة، إنها الإعلان عن استمرار وجود الإنسان واستمرار الحياة. وعلى صفرة الأسى في الوجه النحيل تطفو بقعة ربيعية كواحة ترتفع لظامئ في الصحراء، يزينها صوت زينب ويبعث فيها رونق الحياة:
-: لقد عانيت كثيراً أثناء غيابك.. أنت تعرف: الحمل والولادة وهموم الحياة.. والشوق إليك.. وكلام الناس.
=: كلام الناس؟
-: أنت تعرف.. امرأة شابة وحدها في البيت.. والناس تحكي ولا ترحم.
=: سأقطع ألسنتهم.. من يجرؤ على الكلام على امرأتي؟
_: لا أحد .. لا يوجد من يقول شيئاً.. ولكن خوفي أنا من أن يقول أحد كلمة. وحرصي على أن تبقى إلى جانبي هما اللذان يضنياني كل يوم.. يؤرقان هدوئي ويدفعانني إلى أن أرعى سهول الأوهام الطافحة بالرعب حتى أفزع وأقول لك: إنني أعيش اليوم كله بحذر.. وعندما آوى إلى الفراش أقول:" الحمد لله.. لقد انقضى نهار بسلام". وأخشى من الليل حتى في نومي إلى أن تشرق الشمس. الوحدة رهيبة.. خاصة بالنسبة إلى واحدة مثلي. ولكن كل شيء يهون في سبيلك أنت. أخيراً هذا أنت عندي بسلام.. هذا أنت ملء حياتي وملء البيت وهذا يعوضني عن كل ما فات.
ويضمنا عناق وجل.
كانت الأيام القليلة التي أقضيها بجانب زينب والأولاد تنسيها ألم الشهور التي مرت عليها وأنا بعيد عنها. ويمر على اجتماع الشمل شهر أو أكثر. تحمل زينب.. وأجدني مضطراً إلى العودة للكويت في أول سيارة تجوب الصحارى إليها.. فالنقود التي معي نفدت، والإقامة التي أحملها سينتهي أجلها، ولن يسمح لي بالعودة إلى هناك إذا انتهى أجل الإقامة، فأنا أجنبي في بلد عربي، والحصول على إقامة جديدة أمر مكلف جداً.. لا بد من وجود شخص كويتي يكلفك، ولا بد من دفع مائة وخمسين ديناراً على الأقل، أي قيمة عمل أشهر بأكملها، يأخذها شخص لمجرد أن يكلفك، على أن هذه الكفالة لا تكلفه إلا القبض، ولا تحمِّله أية مسؤولية. حظوظ.. كأنما تعبنا حرام يحتاج إلى صكوك تحليل.. وهذا البلد الذي دفن فيه " خلاصنا" لا يسمع ولا يحس، ولا يوجد هنا في الأرض التي نحبها ويسكن عبقها في عمق خلايا دمنا، لا يوجد فيها عمل يعود علينا بما يسد الحاجة ويستر الحال ويحفظنا من السؤال، فيها غش وكذب واستغلال تحت عناوين وشعارات براقة، ولكن سكاكينه في العظام.. هذا البلد العزيز لا بد من فراقه.. وفراقه صعب كطلوع الروح.
فلتطلع روحك يا محمد المسعود من يسأل عنك؟!
وأجمع ثيابي مرة أخرى أودع زينب والطفل الصغير الذي لم يتعرف إليَّ بعد.. أعود إلى الكويت، أحمل على كتفي همي وهمهم وفي حلقي مرارة الفراق، وأوطن النفس على احتمال تباريح الحنين والشوق والغربة.. ونار الله التي تتفجر بها الأرض هناك . أصبر.. أصبر وأكابر.. وحين أسيل عرقاً في أثناء العمل والنوم.. أشعر بالراحة لأنني كنت أرسل إليهم كل شهر مصروفاً لا بأس به، وكان أحمد الحسن يستقبلهم بالابتسام والترحيب، يعرف أنه سيقبض حسابه كاملاً في آخر الشهر. أذكر أن زينب أخبرتني عندما عدت من الكويت بعد ولادة ابنتي فاطمة.. أن أحمد الحسن طالبهم بالحساب مرة. وكنت قد تأخرت قليلاً عن إرسال المصروف إليهم بسبب استعدادي للسفر.. فذهبت إليه والأرض لا تحملني من غيظي، ودخلت دكانه من دون سلام، ووضعت على الدف الخشبي ثلاث قطع من ذات المائة،.. صحيحة.. تطقطق.. وقلت له" هات الحساب. محمد المسعود ما هو شحاذ ولا هامل. هات حسابك يا أحمد الحسن".
وكم اعتذر لي ذلك اليوم وكم رجاني ألا أسيء فهمه لأنه طالب زوجتي بالحساب.. وأرسل لي" جاهة".. إيه.. يوم ذاك يوم.. وهذا يوم آخر. خرجت من عنده مرفوع الرأس، وتهادت إلي نسمة رقيقة تحمل في ثناياها الراحة أنستني حر الكويت وشقاء العمل. أتمنى اليوم لو يتاح لي الوقت لأصل إلى دكانه ,أرجوه بصوت تضمخه الدموع، أن يعطيني السكر والشاي ويصبر عليَّ حتى يفرجها الله. ولكن حتى مجرد الذهاب لرجاء تاجر مثله لا يتاح لي. أحسست بالغيظ يتملكني، أردت أن أحتج وأصرخ.. لم أدر كيف حركت يدي وطوَّحتها.. لأبعد شيئاً جثم على صدري وتزاحم في رأسي.. ولكنني شعرت بالألم في صلب عظامي.. فصرخت: آخ.. قال نزار:
_: محمد ما بك؟
كانت الصخرة التي اصطدمت بها يدي خشنة ومسننة في بعض جهاتها كمنشار.. وعندما عاودت النظر إليها وركزت عيني على جسدها بوضوح.. شعرت بأن لها وجهاً كوجه أمي..
فيه غضون وشوق وقسوة خلَّفها الدهر.. وأحسست كأنها تأسف وتعتذر لي عما حدث وتعرض علي باسترحام خدوشها وجراحها وندوبها هي.. ولا أدري أسمعت منها ما يشبه الكلام أم تصورت أنها قالت: " اعذرني يا ولدي.. لم أقصد أن أؤذيك.. لقد حميتك.. وهذا واجبي.. وقفت في وجه رصاص العدو.. ومنعته من الوصول إليك.. وإنني على ذلك لقادرة. ولكنني لا أستطيع أن أمنعه_ لولاك_ من أن يطأ جبهتي، أنت أيضاً تحميني وتمنعني منه، ولكني لك أنت موطئ قدم وستار أمان..وقلب رؤوم.. وصدر حنون.. لم أستطع يا ولدي منعك من ضرب يدك بي، وجسمي على ما تعرف من الخشونة فآلمتك.. اعذرني يا ولدي، أنا أحميك وأنت تحميني.. أنا لك وأنت لي يا ولدي اعذرني".
وتنبهت إلى تكرار كلمة يا ولدي تلك في الكلام المسند إليها.. وتأملتها من جديد.. كان الرصاص قد نخر كل ضلع من ضلوعها..وهي ترده عني.. أنا أحتمي بها.. ومع ذلك لم تشك.. لم تتأوه، وعاودت النظر إليها ولمستها بيدي الأخرى بعاطفة فياضة وكأنني ألمس يد أمي لأقبلها معتذراً، وأحسست كأنما هي أيضاً تبتسم ويعود إليها رضاها وصفاؤها ورقة قلبها" الحجر"، وينعكس ذلك كله تألقاً فيها.. للحظة عجبت لماذا أسبغ أنا على الحجر هذه الصفات والأحاسيس؟ أهو العصر المجدب الذي حرثته المزاودات حتى أصبح فيه ما هو إنساني سراباً فتجسد جوع الإنسان فيه وتوقُه إلى قيمة صادقة في إسباغ ذلك على الحجر: مثال القسوة والجحود؟ ولكنني تراجعت عن إحساسي ذاك. لو أن الإنسان يرتبط بشيء ما.. بكائن ما ارتباطي بتلك الصخرة .. لكان فهم أنها تتكلم أو صوَّر لها كلاماً كما صورت.. وفهم منها ما فهمت أنا.. ولكن .. كيف يمكن أن أفسر ذلك؟ عندما يجد الإنسان الحنان في الحجر أكثر مما يجده في الإنسان، يصبح التفسير والشرح والنقل، كل ذلك يصبح صعباً. وشعرت أن علي أن أعتذر لما حولي ولمن حولي.. كأن الكائنات والبشر يسمعون أفكاري فالتفت أقول: " اعذروني إذا لم تستسيغوا كلام تلك الصخرة لي، أو فهمي كلامها على هذا النحو. ففي ذلك الجبل كان التراب والصخر أكثر إحساساً بي من سائر الكائنات، وفهمت الطبيعة لهاثي وشكاتي ودخيلة نفسي لأن أبوابها كانت مفتوحة تماماً هناك. هناك لا يوجد زيف ولا أقنعة.. وشعرت في الجبل باللقاء الحقيقي بين جوهر الكون وجوهر الإنسان".
كان نزار قد أمسك بذراعي وهو يسألني.. في حين كنت مستغرقاً في تأملي وألمي ذاك. لم يكن نزار بأكثر من صورة عني.. ولذلك كنت وإياه مصيراً واحداً وشعوراً واحداً، ننظر إلى الطبيعة من حولنا وكأنها كيان يقابل كياننا ويتعامل معه بحنان وتعاطف خاصين.
_: محمد.. مالك.. محمد رد علي.. ما بك؟
وكرر السؤال مرات عديدة وأنا في دوامة التفكير.. واستعادة الرؤى، وعندما التفت إليه كان خوفه قد زال. لقد اعتقد أنني أصبت، إذ أن العدو كان يرمي باتجاه قريب من مكمننا.. ولكنه أيقن أنني لم أصب، ولم أستطع أن أقول له أكثر من: " لا شيء يا نزار"، ورغم ذلك بقي أكثر إلحاحاً في معرفة ما جرى.
_: ما الذي حدث.. قل لي؟.
=: سقطت يدي على الصخرة فآلمتني.
_: سليمة إن شاء الله؟
=: سليمة . لا.. لا يوجد شيء. هل معك سيجارة؟
_: سأحضر لك.
وعندما ابتلعته تعاريج الخندق وغاب عن نظري، أيقنت أنه ذهب ليحضر لي سيجارة من خندق آخر، وأنه استنفد ما عنده من رصيد.
كانت رمايات العدو تزداد قرباً من موقعنا، وعندما عاد نزار يحمل السيجارة كنت قد بدأت إطلاق النار من مدفعي الرشاش باتجاه" المصفحة" التي أمامي، ولم أنتبه لوصوله بل شعرت به قد بدأ العمل إلى جانبي هو الآخر ونسي كل منا ما كان من حديث وحدث، العدو هو مركز اهتمامنا الآن والرمايات التي تنصب علينا منه يجب أن تخرس وأن لا تحقق شيئاً.
وأحسست بدفق من القوة في كياني عندما سقطت رصاصة من رمايات العدو أمامي مباشرة، وتلقتها الصخرة التي أحتمي بها ومنعتها من الوصول إلي.. شعرت بالقوة تنبعث في كياني فأنا لست فقط جذر شيح في عمق الجبل يمتص نسغ الحياة من رسوخه هو ذاته، إنني أيضاً الصخر المتجذِّر في مركز الكرة الأرضية يميد كل شيء ولا يميد هو، وأحسست أن الوطن بكل ما فيه: أرضه وصخره وأناسه.. كلهم يقفون معي، ويحرصون على سلامتي ويدفعونني إلى مواصلة الرمي. ولم أعد أرى زينب تبكي من الجوع، ولا من الوعود الكاذبة التي تقطعها للأولاد وتخشى عدم تنفيذها، لم أعد أشعر بضعف أو حاجة من أي نوع أو بأي كائن آخر، قريب أم بعيد ،. وشعرت بزينب فقط تهتف وتهيب بي:
" محمد.. كل شيء يهون معك وفي سبيلك .. محمد لا تحمل هماً من جهتنا..اضرب العدو.. احمنا منه.. نحن عرضك نحن معك. محمد لا تخف.. نحن معك.".
أليس هذا كلام إذاعة.. من ذلك الذي تشجع به الجنود؟! وقبل أن تنكشف عني غيمة ذلك الأمر شعرت بصوت الأولاد وهم يصرخون " بابا" شعرت بصوتهم كأنما ينبعث من خلفي مباشرة.. من قمة الجبل... أردت أن ألتفت إلى قمة الجبل لأرى ولكن رصاص الرمايات المعادية لم يتح لي الفرصة فتابعت الرمي، أمر كبير يحركني من الداخل، إن هذا كله يحتاج إلى حماية وإلى تضحية. لكي تبقى زينب وتستقبلني في بيت مفتوح هو بيتي.. بيتي أنا من بين الخلق، لا بد من صب الرمايات على العدو، ولكي يبقى الأطفال ويترنموا بكلمات عذبة لا بد من صب الرمايات على العدو، ولكي أشعر بألمهم وبحاجتهم ولكي أعمل من أجلهم وأحس بالشقاء، لا بد من صب الرمايات على العدو. وانحنيت على مدفعي الرشاش، وشعرت بأنه قطعة مني، يجاوبني ويستجيب لي.. يكلمني ويتفاعل معي، يغضب .. ويفرح.. ويثور، يهاجم ويرتد، بيننا تفاهم مشترك عميق . كنت وإياه نتحرك كوحدة حيوية واحدة.. ولم أدر أبداً كيف قاومت وكيف صمدت وكيف عملت، ولكن بعد توقف الرماية بحلول المساء.. أتى الضابط إلينا وقال:
" محمد ونزار.. حققتما إصابات مباشرة في صفوف العدو.. لكما شكري وشكر الوطن".
" ماذا.؟ إصابات.. شكر.. وطن." وتداخلت الكلمات في عرس شغل رأسي كله. لا أدري ما الذي جعل كل رجولتي تتحول إلى دمع حين ذاك، انسكبت الدموع من عيني دون انتظار.ز انسكبتُ دموعاً في الأرض كأنني أرويها أو أرتوي بالعودة إليها، وشعرت بشيء من الراحة، أعقبها شعور بالخجل، لماذا أبكي؟ لا أعرف لم أبكي، كل ما أعرفه أن دموعي أخذت تلامس جلدي على الخد واليدين بعد أن غسلت بدفقها الغبار المتراكم في مجراها وانسكبت.. بكيت بفرح يشبه الإعصار. في المساء قدم إلينا العشاء وكان دسماً، غصت اللقيمات في حلقي وأنا أتذكر زينب والأولاد، ماذا يأكلون يا ترى، هل تعشوا هذه الليلة، هل أعطاهم أحمد الحسن ما يحتاجون على الحساب؟! أسئلة كثيرة عكرت عليَّ عشائي.. وعندما لفني الخندق آخر الليل أنا والبطانية الوحيدة التي أتدثر بها، كنت استعيد صورة زينب والأطفال مرة أخرى وصورة أحمد الحسن، ووجدتني أشعر بالخندق يضيق ويضيق حتى يصبح أكثر كآبة من اللحد.. ووجه أحمد الحسن فوقه بمواجهتي يحاصرني، وأنا أصرخ به:
" أنا يا أحمد الحسن أموت كل ساعة من أجلك ومن أجل غيرك لكي تطمئن على تجارتك وأرباحك وبيتك. كيف تستطيع أن تنام براحة واطمئنان وأولادي بجوارك يتضورون من الجوع.. قد وقفوا ببابك لا يطلبون منك حسنة أو منَّة وإنما دفعتهم الحاجة إلى أن يستدينوا لا أن يشحذوا.. لأن عائلهم لا يعمل عند رب عمل بأجر وإلا لكان أشبعهم وكفاهم ذل السؤال وذل الحاجة.. إن والدهم يعمل في خدمتكم جميعاً يعمل عند الوطن، في خدمته، ألهذا السبب يجوع أطفاله ؟ لماذا تفعل ذلك يا أحمد الحسن.. لماذا؟ لماذا تفعلون ذلك جميعكم؟
_: الدنيا آخر وقت، ,أنا رجل مسكين، ضعيف الحال. إذا لم آخذ ثمن ما أبيع، فإنني لا أستطيع أن اشتري ما أبيعه ثانية، والأسعار مرتفعة وهي بارتفاع مستمر، والقرش لا يجوز أن يجمد.. الدنيا آخر وقت ومن يدري ماذا يحدث؟
=: تخاف أن ننهزم وتضطر إلى حمل مالك إلى أرض أخرى تتاجر فيها باطمئنان ؟!؟ المال لا وطن له.. أعرف ذلك..أم تخاف أن أموت وتخسر أنت مالك الذي أكل به أولادي يا أحمد الحسن؟
_: لا يا محمد.. لا.. لا تقل ذلك يا جاري.. عيب..أنت ابن البلد.. من بعد عمر طويل يا أخي.. نحن نحبك.
=: أنا ابن أي بلد..؟ بلد التجار أم بلد الجنود الاحتياط.. أم بلد الذين يلغون آباءنا ونسكت لهم، أنا ابن أي بلد؟ ومتى تجني أنت يا أحمد الحسن ومن أجل ماذا تجني؟ لا تجاملني لا تخف على قروشك.. يدفعون لمن يموت في الحرب ثمن الكفن.. من خير الوطن يدفعون وستدفنني زوجتي من دون كفن لتعطيك ثمن السكر والشاي الذي تقوت به الأولاد.. وإذا لم تطمئن إلى ذلك خذ فخذ الدار،، ليس لنا غير الدار وحجارتها السود التي تتخاصر لتحمي رؤوسنا.. ليس لنا تجارة ولا حقول ولا أملاك و...
وغابت صورة أحمد الحسن من الخندق كأنما هربت من صراخي أو من شكلي المخيف بالخوذة.. وانفرج المدى أمامي.. وإذا النجوم تلمع في السماء والقمر يشق طريقه بين الغيوم التي تمر به سراعاً وتتعثر على صفحة خده قليلاً في ركضها المتصل، وإذا أشعته تصل إلى عيني مع الهواء البارد.. وبدأت أشعر برطوبة تراب الخندق تحت ظهري وهي تتسلل لتخترق الضلوع وتصل إلى صلب القلب والعظم في تصميم لا يعرف الملل أو التراجع، وتعيدني إلى الارتباط الصميمي بالتراب، إلى أيامي القاسية معه، يوم كنت صغيراً أدرج عليه حافي القدمين في الصباح وقد تكوَّرت ذراته واكتست بطبقة من الصقيع بيضاء كالحوار نسميها " الحَوَرَة".. وبدت لتلك الكرات رؤوس كالأبر، تلسع باطن القدمين كأنها مكلفة بإيصال برودة الدنيا إلى صلب العظام.. إلى معقل جوهر الحياة في الكائن الحي.
واستعدت علاقتي مع تراب قريتنا، يوم كنت أعمل عند عمي في زراعة الأرض خلال الشتاء والربيع وتغوص قدماي في الطين، وأحس حينئذ بأن للتراب رغبة لا توصف في التمسك بي، وإبقائي مسمراً في مكان واحد لا أبارحه ولا أتجاوزه.
وتتبدل الصور سراعاً لأستعيد علاقتي بالتراب أيام الحصاد وأيام الخريف وعلى مدار السنة. إن العلاقة التي تربطني بتراب القرية ليست واهية ولا بسيطة.. وقد قدمت لها أكثر مما قدم أحمد الحسن وسواه بكثير .. بكثير جداً.. لذلك فنحن أنا وأمثالي نرتبط بالتراب ويرتبط بنا.. حياتنا منه وحياته منا.. بيننا تلاحم مصيري.. هو موطئ أقدامنا، ومكان عملنا، ومنه مصدر رزقنا.. عليه نقف وفيه ندفن ومن دونه تأكلنا الغربة.. أما أحمد الحسن فيقف على القرش لا على التراب، والقرش لا وطن له .. وليس له مكان يثبت فيه أو لا يعيش في سواه.
استمر موج الأفكار ينساب، وأنا محمول على صدره وهو يطوف بي.. أذهب معه بعيداً.. بعيداً.. وشعرت بأنني لم أعد ذلك القروي الذي لا يملك قطعة أرض والذي ينام أولاده وهم جياع، وزجه تحصد طول النهار لتحصل على رغيف الخبز... ويحس بأنه مظلوم وظالم في الوقت ذاته: مظلوم لأنه لا يحصل على ما يقدمه لأطفاله رغم العمل المرهق الخطر الذي يقوم به، وظالم لأنه زوج وأب لا يقدم لزوجه ولا لأبنائه ما لهم عليه من حقوق في تأمين الطعام والكساء على الأقل، ولأنه مسؤول عن مجيء أحياء إلى الدنيا لم يضمن لهم قبل مجيئهم ولا بعده حياة تليق بالكائن الإنسان.. لم أعد ذلك كله، ابتعد عني كثيراً محمد المسعود.. ذلك العامل الذي كان حَرّ الكويت ينخر عظامه، وينشوي على إسفلت شوارعها وهو يركض، ليحصل على ما يستر به نفسه وعياله، والذي جاب طرقات قريته وقرى عديدة غيرها، وطرق أبواب المسؤولين في وطنه بحثاً عن فرصة عمل، فلم يوفق في الحصول عليها.
ابتعد كثيراً وغاب في ظلال جديدة لفت كياني. وجدتني محمولاً على صدر موج الأفكار البعيدة وصدري يتسع ويتخلله الهواء.. الهواء المنعش المشبع ببرودة الثلج المنبعث من قمة الجبل الذي يفترس خلايا الجسم حتى ليفتح منافذ لم تكن فيه. وتكبر الرؤى في عيني، وأطوف بخيالي على القرى والمدن.. وقد هدأت آخر الليل، وتناعست أضواؤها وتهادت نسائمها.. وتخترق نظرتي جدر المباني لتمسح على وجوه الأطفال الذين لفَّهم النوم وأسلموا له وجوهاً وقلوباً بريئة.
إن كل شيء هادئ ومطمئن تماماً، وإنني أنا صانع هذه الطمأنينة وهذا الهدوء فوق القرى والمدن، لولا سهري لما حلُمت المدن والقرى، ولما استحمَّت في ضوء القمر، ولولا وجودي في الخندق البارد الرطب لما غلَّف الدفء مهاد الأطفال، ولما سكن زوج إلى زوجه يلاطفها، ولا حبيب إلى حبيبته يناغيها، لو لم أكن ألفُّ مدفعي الرشاش بين ذراعي، لما لفَّ النور بين ذراعيه من يسلمون له أنفسهم الآن باطمئنان ولما سرت في ربوع وطني أشرعة الأحلام والآمال العِراض.. ولما انسابت البسمات والكلمات الحلوة على الشفاه.. أنا صانع السعادة..
ويا لسعادة من يستطيع أن يصنع شيئاً من ذلك للإنسان.
وأخذت أشعر بأن قلبي يكبر ويكبر.. أشعر بأنني قيمة.. قيمة في نظر نفسي على الأقل، قيمة أستطيع أن ألمسها بيدي. وأستحضر صورة أحمد الحسن مرة ثانية.. وما أكاد أطلبها في خيالي حتى أشعر بها مجسَّمة وقد سدت منافذ الرؤية عليَّ. وأنظر إليه هذه المرة بشيء من الكبرياء والعزة والتعالي وأنا أقول له:
_ لولا وجودي هنا ما كنت لتشتري أو تبيع باطمئنان يا أحمد الحسن، أتخاف على قرشك في يد أطفالي ولا تخاف أنت وقروشك وأطفالك إذا تركت أنا مكاني هذا؟ فكِّر بأبيهم يا أحمد الحسن.. فكر بما يحدث لك ولتجارتك لو لم يكن أبوهم في هذا الخندق". وانتظرت جواب أحمد الحسن لحظة.. ولكنه لم يقل شيئاً.. تجمدت شفتاه على كلمة لم يقلها. ربما أراد أن يقول: إن التجارة لا وطن لها لأنها تقوم على القرش الذي لا وطن له وأنتم تحمون وطنكم لا وطني. ولكنه لم يقل شيئاً.. كانت على وجهه ابتسامة حائرة لم أفهمها، ربما عاتباً على تفكيري أو غاضباً أو لاهياً عن هذا كله.. لم يقل شيئاً ، خرس أو شئت له أن يخرس وأنتصر.
كان رجلاً بسيطاً، صاحب دكان في قرية ، ولا يملك الكثير، ولكنه يملك قوت أطفالي أنا، إنه المالك المتحكم القادر بالنسبة إلى وضعي أنا وقريتي أنا وأسرتي أنا، إنه نيرون وهولاكو وهتلر وبيغن وديان و... وتراجعت صورته في مخيلتي أمام صوت نزار وحركة يده التي أمسكت ذراعي وهزتني، قال بهمس:
_: محمد.. أشعر بحركة من بعيد.. أنصت؟! أتسمع شيئاً؟!" وأنقلب فجأة إلى كتلة عجيبة تتفجر حواسي وتتحول إلى لواقط دقيقة، وأفتح عيني أحدق إلى المدى ورشاشي يرفع رأسه أمامي ينظر هو الآخر.. حجارة وقطع رمادية مترامية أمامي.. وظلال الجبل تشمخ كالمردة في بعض الزوايا، ويخيم الهدوء.. الهدوء الضبابي الذي نشعر به يمشي، يتماسك يكبر.. يكبر حتى يسحق أنفاسك ويرين على كل شيء.. يمطر رحمة وعطاء أحياناً ولكنه الآن الرعب ذاته، يخيم هذا العظيم " الهدوء" على كل شيء حتى على أنفاسنا فلا نسمع لها صعوداً أو نزولاً.. وكأنها خرست فجأة.. ولفها الموت. وأهمس لنزار:
-: لا أسمع شيئاً.
=: كأنني سمعت حركة قادمة من جهة العدو.
_: ربما كان حيواناً برياً.
=: لا أدري.
_: أتذهب لنرى؟!
=: أجننت؟! فلنبق هنا في الخندق.. هذا أسلم لنا.. ومن هنا نستطيع أن نقوم بعملنا على نحو أفضل، أما إذا خرجنا فإننا نعرِّض أنفسنا للخطر من دون مبرر.
_: وإذا كان العدو قد أحاط بنا؟!
=: لا تقل ذلك، اسمع..
ومضى وقت غير قليل، كان القلق ينوشنا، وأيقنا أن الحركة كانت عابرة وصادرة عن حيوان أو غير ذلك مما لا خطر منه. وعندما لفني حضن الخندق ثانية كان القمر قد تجاوز كبد السماء باتجاه الغرب.. وأخذت ظلال أكوام التراب والصخور تتطاول وتكبر حتى غطت الخندق بكامله وأخذت تزيد ظلامه ظلاماً ويكبر فيه الخوف.. كأنه مرآة مضخة إلى درجة التشويه. وتراقصت في مخيلتي صور ومرت بي أفكار لا أستطيع استعادة جزء منها بدقة الآن، فقد غفوت بين أحضان رطوبة الخندق كأنما سرقني التعب من نفسي .. بينما كان القمر يتهاوى خلف الجبل العظيم كثمرة ناضجة جذبتها الأرض وارتفع البحر ليقضمها.
كانت الأوامر الصادرة إلينا من القيادة صريحة واضحة: " أطلق النار على العدو أينما وجدته." وكانت الرمايات تبدأ عادة قبيل طلوع الشمس.. أما الرمايات المتقطعة فكانت شبه مستمرة.. حتى أن هدوء الليل أصبح بسببها كالغربال.
في ذلك الصباح. عندما استيقظت ووضعت يدي على مدفعي الرشاش شعرت أنني أحتاج إلى أن أقول أشياء كثيرة حتى تزول المرارة التي تراكمت كالعناقيد في حلقي، لم أكن أعرف مصدرها بالضبط ولم أفكر كثيراً في ذلك. ركزت مدفعي الرشاش في مكان ملائم للرماية، وجهزته تماماً، وركزت نظري باتجاه العدو.
كانت الأرض تصحو بكل بهجتها والحياة تدب في الكائنات وجلة كأنما سيفترسها الموت إذا ما أعلنت عن وجودها، بعض الطيور تمر عجلى.. ودخان بسيط ينبعث من القرى البعيدة وينعقد فوق بعضها كسحابة حزن خفيفة أو جنح غراب ينذر بالويل، وخط الشفق يتماوج صاعداً من الأفق الشرقي كشراع يقترب من الساحل في الأصيل. ويتوقف نظري عند عمود دخان خفيف تتلاعب بقمته الريح كان ينبعث من قرية بعيدة... ورافقت خط انتشاره نزولاً وتهيأ لي أنه ينبعث من قريتنا فعادت إلي شيئاً فشيئاً صورة زينب وهي تقوم بعملها في البيت.. تخبز أو تطبخ ككل نساء القرية، واشتهيت رغيف قمح ساخناً من يديها آكله على عتبة الفرن أو آخذه وأنا أتجه خارجاً من باب الدار إلى عملي في الحقل، وشعرت برائحة الخبز الساخن تفعم الجو من حولي وتتغلغل عبر أنفي إلى كل ذرة من كياني.. إنه الخبز الذي نتعب في الحصول عليه.
_ الخبز الذي يشرق كشمس. نزرع القمح في تراب الحقول أيام الشتاء الباردة، نجر مع ثيراننا المحراث الروماني القديم، وهو ما نسميه عندنا عود الحرث، نجره على صفائح الصقيع.. ونبذر قبل الحرث حبوبنا ثم ننتظر شهوراً حتى نحصد وندرس.. ثم نحصل على الحبوب الذهبية التي نصنع منها الرغيف العزيز.. يالها من دورة طويلة نتابعها كل عام من أعوام حياتنا لنحصل على الرغيف وكأنها غاية العمر، وياله من عمر نقضي أيامه في مثل هذه الدوامة!؟. مر كل شيء سريعاً أمام نظري، وضغطت يدي على حديد السلاح فأعادني ذلك إلى الواقع الذي أنا فيه: قدمي في تراب الخندق الرطب والعدو يتصيَّدني في كل لحظة، وإذا لم أبادره بإطلاق النار.. بادرني هو بذلك، والبرد يعارك بضراوة نادرة كي يحتل منابع الدفء في أعماق قلوبنا.. وطار كل أثر للرحمة من هذه البقاع. وضع صعب ذلك الذي كنا فيه. ويخطر مرات لي أن أتساءل: أليس العدو إنساناً مثلنا يشعر بما نشعر؟ ولا يكاد يقفز هذا السؤل إلى حيز مضيء من ساحة الإدراك عندي حتى تتدافع التساؤلات المضادة التي تؤكد أنه يملك شكلاً بشرياً مثل سائر الناس، ولكن محتواه أفسد بالعدوان والتعالي والحقد حتى لم يجد معه إصلاح. وتراكضت أمثلة على وحشيته لتدخل بوابة الذكرى.. ولكنني أقفلت تلك البوابة لأن ما يعبر منها أصبح يثير المرارة من دون جدوى...والذي تؤكده المعطيات جميعاً أننا إذا لم نعض بالنواجذ على تراب الأرض في مواقعنا، ونغرس أقدامنا في مركز الأرض من الداخل فإن رحيلنا سيصبح عادة مخجلة.. عادة تمت إلى البداوة التي باعد ما بيننا وبينها الزمن، إن العدو إذا اقتلعنا من مكاننا هذه المرة.. أصبحنا كورقة تعبث بها الريح وتنقلها من مكان إلى مكان، يجب أن نغرس الجذور في هذه الأرض لكي يطمئن الأولاد في البيت، ولكي تذهب زينب إلى العمل بشيء من الثقة والراحة، وليزداد وزننا بنظر الناس، ولنكون مصدراً للفخر والسعادة والاطمئنان. هذا ما قلته لنسفي، وإن هذا وحده يكفي لكي نضحي براحتنا من أجله. سوف يقولون: إننا حققنا هذا .. ويطلقون علينا صفات الأجداد الأوائل.
وسبقت رصاصاتي لساني عندما قلت لنزار : " العدو".
لاح على البعد أن أحد جنود العدو يغير موقعه فرشقته بالرصاصات، وبدأ سيل الرمايات ينهال من كلا الطرفين بعد ذلك، وفتحت الشمس عيونها على نار رصاص أبناء الأرض، ولا أدري حزناً أم هزءاً أم غضباً سترت نفسها بغيمة. لم أقدر كم من الوقت مضى ونحن نتبادل الرماية، لقد انحصر انتباهي.. كل انتباهي في مصدر النيران المعادي. وكنت أنفذ الأوامر التي تصل إلي بضرورة تغيير المكان، بصورة آلية.. لم أعد مطلقاً محمد المسعود الأب والزوج والعامل الذي عششت الغربة في رئتيه والإنسان ذا الخيالات والرؤى والأحلام والهموم، ولا صاحب الشعور المرير بأن الوطن نبذني ولم أجد في ربوعه عملاً، وبأنني الفقير الذي يستغله الأغنياء والمواطن الذي لا يملك.. ويدافع . إنني مقاتل.. مقاتل ينحصر كل اهتماماته لك اللحظة في إسكات مصدر النيران المعادي الذي يواجهه.
وفجأة علا صوت هدير محركات الطائرات فوق رؤوسنا..
وصرخ نزار:" فانتوم". كنا قد اعتدنا على أن تزورنا طائرات " الفانتوم" الإسرائيلية ولو مرة في اليوم.. فهذا الخير الأميركي وافر جداً عند أعدائنا. ولم أكد أستر جسمي في الخندق حتى تساقطت عليّ قطع الحجارة والأتربة، وغمرتني تقريباً. ومر وقت خلته طويلاً ، قبل أن أفكر وأتساءل عما إذا كنت قد أصبت أم لا. وكان الوقت الذي مر بي أشبه شيء بثقل رصاص بارد، رفع الأفكار والإحساس بالأشياء من رأسي وجسمي وكأنما الحياة قد توقفت تماماً في وفي كل ما يحيط بي. كل شيء توقف تماماً وشملني ملكوت الصمت. وعندما عادت الحيوية إلى جسمي وعقلي شعرت بالحاجة إلى تحريك ذراعي لأرى ما إذا كنت قادراً على ذلك ولأتأكد من أنني لم أصب.
كان التراب قد تراكم عليّ، واستطعت أن أحرك يدي بقليل من الصعوبة.. عندما أزلت التراب والحجارة عني أجلت نظري فيما حولي وكأنني أرى الأرض والأشياء لأول مرة.. ما أروع اكتشاف الحياة!. كان صوت الضابط يصرخ بنا من بعيد : هل أصيب أحد ؟! بحثت عن نزار قبل أن أجيب الضابط فلم أجده قربي، نظرت حولي ثم نهضت فلم أره.. كأنما اختفى من الوجود.. أسرعت في الإجابة على سؤال الضابط:
_: سيدي أنا بخير.. نزار مفقود.
الضابط: ابحث جيداً في الخندق.. انبش تراب الردم.
ونظرت إلى الخندق مرة أخرى فوجدت جانباً منه قد انهار تماماً وقد حفرت على مقربة منه حفرة كبيرة ردم جزءٌ من ترابها جزءاً من الخندق، وأسرعت إلى كوم التراب أنبشه بيدي كوحش .. وتخيلت نزاراً تحت ذلك الردم ووجهه في الطين ولا يستطيع حراكاً ونفسه قد ضاق، يصرخ ولا يسمع، ولا منفذ للهواء من حوله. كانت يداي تنبشان التراب بآلية عجيبة وبمقدرة لم أعهدها في نفسي من قبل. وفي الوقت ذاته كانت الصور تترى على مخيلتي وتزاحم الصور يحرك يدي ويسارع في حركتها.. نشأت آلية جديدة فيّ.. خيالي يدفع يدي إلى العمل، وتتتابع الصور فأرى نزاراً وقد شُجَّ رأسه أو قطعت يداه .. أو مات خنقاً. وأدقق في الصور التي مرت بخيالي.. أستوقفها قليلاً وأتأملها: فألمح صفرة الموت على الوجه المتألق الذي التصق بعيني كل هذه الشهور.. وتصدمني الفكرة : ميت.
وأنبش التراب برعب أبحث عن نزار، أستجدي الأرض أن تنبجس عنه.. أن يظهر نزار. وتعاودني الصور متشابكة متلاصقة الأجنحة كثيفة تحجب أفق الأمل وتصرخ بالويل، وتسري القشعريرة في عظامي، يدق وخزها في أسفل العمود الفقري دقات يتثاقل أثرها ، كأنما هي زئبق يتراص في ذلك الأنبوب ويثقل باعثاً برودته في جذور الأعصاب، يشدني إلى عمق جاذبية أعماق الأرض." نزار يموت؟!؟ لا.. لا يمكن.
نزار الذي كان يطلق النار إلى جانبي، الذي طلب إلي أن أستر جسمي في الخندق كي لا أتعرض لسوء.. نزار الشجاعة والبسمة الحانية.. يموت ؟!! " وقفزت إلى رأسي صورة مشؤومة لطمني جناحها على وجهي كجناح بومة.. صورتي وأنا أحمل جثته وأعود به إلى والدته وكأنني غراب يعلم أحد أبناء آدم كيف يدفن أخاه.!! أنا أعود إليها بولدها على بساط من الويل وفي فمي كلمة يابسة وعيناي ليل طويل.. أبعث في حنانها الفزع؟! لم تكد تلك الصورة تبرز حتى اختنقت.. قاومتها كعدو ولم أسمح لها باستباحة خيالي. أحسست بكل ما في من قدرة على الحياة ينتفض ويندفع ليقضي على تلك الصورة المشؤومة. واصطدمت يدي، التي تنبش كوم التراب، اصطدمت بحجر، رفعت رأسي إلى أعلى فتنبهت إلى عمق الحفرة التي أحدثتها أنا في التراب في أثناء اندفاعي في عملية الحفر، رفعت الحجر، وإذا بي ألمح ما يشبه قميصاً، وسرت البرودة في ظهري حتى رأسي، أيكون ما خيَّله لي الفكر صحيحاً ؟! أيمكن أن يكون نزار الذي أشبع المدى ناراً قطعاً من اللحم والعظم في قميص؟! وأسرعت يدي إلى ما رأت عيني، كان الشيء قميصاً بالفعل، وصحت:
_ سيدي.. نزار تحت الردم.. ساعدوني.
ولم أتنبه إلى الشخص الذي يعمل معي بجد وإصرار إلا بعد أن انتشلنا نزاراً من تحت الردم ووقف على قدميه سليماً بعد وقت قصير جداً. كان النقيب سعيداً يتصبب عرقاً وقد كسا الغبار شاربيه الأسودين وتلوثت ملابسه بالطين، وتباهى على رتبه جلال التراب عندما ابتسم لنزار قائلاً: " الحمد لله على السلامة، خوفتنا عليك.". نظرت إليه ولم أعرف ماذا أقول.. وكذلك بدا الارتباك على نزار الذي وجم ذاهلاً، نظر إليه هو الآخر ولم يجب بكلمة واحدة ، وبعد ثوان وجدتني أتمتم بكلمات لا أدري إذا وصلت إليه أم أنها اختفت في حلقي، وأحسست وحدي بأنها تتفجر في داخلي على دفعات، خيِّل إلي أنني قلت :" سيدي هذا أنت؟! الطين لوث ملابسك.." ولا أدري إذا كانت يدي قد ارتفعت بالتحية آلياً، أو إذا تحركت نحوه أم لا.. كل ما أذكره أن شبح الابتسامة الذي أطل من تخوم شفتيه غاب بسرعة عجيبة، وبرزت على وجهه مسحة من الجد والصرامة، بل القلق الذي يتاخم الخوف، وهو يقول:
_" إلى سلاحكم بسرعة، العدو يستغل الموقف ويزحف نحونا".
ولم تكد الكلمات تتناهى متكاملة إلى مسامعنا حتى كان الرصاص ينهال من أسلحتنا على مواقع العدو. كانت جماعات من أفراده قد بدأت الزحف بالفعل نحونا، واقترب بعضهم إلى عشرات الأمتار منا.. شعرت بقوة خارقة عندئذ، تجمع عشرات الرجال في كياني، وآلاف صور البشاعة التي ارتكبها العدو بحقنا أمام عيني. هذه أول مرة أرى فيها جندياً منهم بهذا القرب، وأحسست بالرجال الذين يتسللون نحونا كأنما يزحف الواحد منهم على بطن زوجتي أو على جثة ولدي الذي يصرخ ويستغيث تحته، أحسست بحجارة دارنا تتراكض خرساء والحصى يتلاطم مشفقاً ذاهلاً يريد أن يقول شيئاً أو أن يفعل شيئاً، وأحسست بصوت أمي.. إنها تصرخ مع الدويبات أو فيها من عمق القبر: " احمنا يا ولدي". وحانت مني التفاتة إلى الصخرة وهي تفقد جزءاً من" جسمها" انتهبه الرصاص والانفجار ، أحسست بها فرحة وجسورة،" ثرماء" وعلى وجهها دموع أمي ، ورن في أذني صوت زينب ثم ضج صراخها:
_: عرضي يا محمد..؟ احمني.
=: لعينيك.
وأصبحت والرشاش والصخرة والخندق كياناً واحداً.
وكدت أصرخ بقائدي أن أطلق الأمر بالرمي.. بالالتحام، ادفعناً في بطونهم.. حبلت الأرض ضيقاً . وأخذت أسمع أصواتاً كأنها أصوات أبي وجدي ورجال من قرانا أعرفهم، ينادونني: "ادفع عنك وعنا يا محمد". نظرت حولي عدة مرات.. لم يكن هناك أحد، رغم إحساسي بالصوت ينبع من وراء ظهري، وفجأة أحسست بالصخرة التي ردت عني رصاص العدو مراراً، شعرت بها تصرخ وتستغيث:
" لا تتركني يا محمد.. خذ بيدي يا ولدي .. احمني.. الله والرسول والقرآن ومن حملوه وطهَّروا لك الأرض ودافعوا عنها.. والشهداء كلهم في صدري وفيّ من دمهم أثر، دافع عنا جميعاً.".
الله ما هذا ؟! أحسست بنور عجيب ينبثق منها ويفتح أمام عيني مدى واسعاً لا نهاية لاتساعه، قفزت من الخندق وقد هيأت سلاحي لوضعية الالتحام بالعدو وقتاله بالسلاح الأبيض فقد كان يقترب من الصخرة، ولا أدري هل اندفعت قبل الأمر الذي علا أم بعده، لا أعرف كيف قاتلت. كنت أردد بأعلى صوتي" الله أكبر" وأضرب.. و" لعينيك يا زينب، أنا أبوك يا زيد" وأضرب و" يا ما عند عيونك يابا" وأضرب. كان كل شيء يمتزج بسرعة كبيرة في تلك اللحظة: الموت بالأولاد.. بالشجاعة.. بالدم بالحب.. بالحقد.. بالتاريخ.. بالناس، كل شيء يتمازج على نحو لا عهد لي به من قبل، وكانت نتف من مواقف عربية لمجاهدين قد رويت لي عنهم وأنا صغير من بعض كبار السن... كانت كلها تقفز أحياناً في مخيلتي وأنا أصرخ: "الله أكبر".. وأضرب: خالد بن الوليد يقطع الصحراء من العراق إلى الشام في أربعة أيام على الجِمال ليشارك في معركة اليرموك ضد الروم، علي بن أبي طالب وسيفه " ذو الفقار" وفرسه الخرافي الذي لا يعرف الكلل.. وتلك الحكاية التي كانت تروى لنا عنه حيث كان يقاتل على حدود الشام ويعود لينام في بيته بالمدينة.. نتف ونتف من تاريخ لم نعرف منه إلا هذه النتف المشرفة لقدوة نعتز بهم كثيراً من دون أن نعرف عنهم سوى القليل؛ مرّت أشياء كثيرة في مخيلتي عبر الضجيج الذي كان يحيط بي، كنت أشعر بالصور تعبُرني، وكان هناك فاصل بين ما ترى عيناي ويتناهى إلى سمعي وبين ما يجري عبر ظلام جمجمتي، كنت أستجمع ما يحضرني مما يشجع ويبرر النهاية ويطمئن النفس إليها وكأنني أستعد للموت أو أطلبه.
كان هدير الدبابات يتصاعد إليّ من بعيد، ويتقاطع مع أصوات البشر والرصاص الذي ينطلق أحياناً بغزارة. واقتربت أصوات طائرات لم يكن لدي متسع ولا فرصة لأميز أصديقة هي أم عدوة، كانت قدماي تنغرسان في الأرض وحربة بندقيتي تتحرك بآلية عجيبة. وفجأة تسلل في أطرافي وكياني كله الخدر، ساقاي ترتخيان، والجبل كله أخذ يدور بي، والمشاهد تداخلت، بدأت حركتي تذوي وتركيزي يتلاشى، وإلى جانب الصخرة العزيزة، بالقرب من صدر تلك الأم ارتميت وامتدت أصابعي لترتاح على" جسمها" الذي ينغرس في الأعماق. مددت أصابعي بارتياح وتجلى فيّ الاطمئنان، وشيئاً فشيئاً بدأ ينسدل عليّ ليل، ومثل شعر فاحم لعروس العمر تراخت ستائر الظلمة من حولي.
لا أدري متى وكيف بدأ يزداد ما يأتيني عن طريق السمع مع ضجيج وإحساس بالناس والأشياء، لقد ميزت صرخات ونداءات فرح: " العدو يتراجع، سهل الجولان ينكشف لنا.. تقدموا." وسرى الارتياح في كياني.. ابتسمت نفسي وضحكت روحي من الأعماق ولم يصل ذلك إلى شفتي، وشعرت بإرادتي تمتد يداً مرتاحة واثقة إلى الصخرة التي سلمت من الدنس لتهنئها فلم تطأ عليها قدم صهيوني . وكنت أسمع، أو خلت أنني أسمع جذرها يهتف من عمق الأرض بامتنان: " حماني دمك يا ولدي، إنه ماء الشرف وماء الحرية المقدس، لا يغسل العار ولا يحمي الأوطان ويصنع مجدها سواه" . ولم أسمع بقية ما قالت أو ما تخيلت أنها قالته لي... ساد دخيلتي الصمت وشملني السكون وانحجبت عن الوجود بالوجود.
|