|
ـ 2 ـ
عادت زينب من الحصاد في ظهيرة يوم قائظ من أيام حزيران، كان الحر شديداً، والعرق يتصبب من جسمها بغزارة غريبة حتى لتشعر أنها قطعة دهن تسوخ على النار.. وجهها القمحي التصقت به طبقة سميكة من الغبار مكونة " ماكياجاً" من نوع خاص. وتلاقت كتل الغبار المتراصة الكثيفة في المستودع الرطب.. حلقها، فَرَبَتْ هناك كتلةٌ تضيق النفس وتثير الأعصاب. وعندما كانت تسير أخذت قدماها تثقلان على الأرض وكأن بهما شيئاً من ورم أو خدر، وبدت الأشياء غائمة مظلمة بالكآبة في عينيها ، ولما وصلت الطريق المؤدية إلى بيتها لمحت حُمْرَان، والكلب الأمين، لاهثاً يعدو نحوها.. حاذاها في طريقها إلى البيت ، تمسَّح بها مرة وأخرى كأنما يطلب اهتمامها ولكنها لم تعره التفاتاً..ركض أمامها ثم قطع الطريق عليها ودار من يمينها إلى يسارها، ثم تمسَّح بها، واستمرَّت هي من دون أن تعيره اهتماماً. وبدا الكلب مصمماً على إبلاغ رسالته إليها، فسبقها ثم رَبَضَ في وسط طريقها وأخذ " يشمشم" قدميها بتوسل، يلهث وينظر إليها بعيون راجية ثم يدلق لسانه ويلحس حذاءها و" يُهَمِّر" بنعومة وألم، نَهَرَتْه هذه المرة فابتعد خائباً، وأحست إحساساً عابراً طفيفاً بأن الكلب على غير عادته اليوم، ظنت أن أحداً ضربه وهو يتظلم إليها، ولكن ذلك كله لم يأخذ حيزاً من اهتمامها. عندما وصلت إلى البيت وجدت ابنتها فاطمة تبكي وأخاها أحمد نائماً على أرض الدار في الشمس وعرقه ساعد على التصاق مخدة من التراب والقش على جانب وجهه ورأسه، عَتِبَت على أم سليمان إهمالها الأولاد، وبحنان عميق انحنت على الطفل وحضنته ثم مسحت دموع فاطمة التي اقتربت منها، وسألتها: " لم تبكين؟!" لم تجب الطفلة وإنما بدأت تغالب الدموع وحالة البكاء لتهدأ. اتجهت زينب إلى الغرفة المفتوحة ونظرت داخلها فلم تجد أحداً : أين زيد وأين أم سليمان؟! سألت زينب الطفلة مرة أخرى فلم تحظ بغير الدموع، وأدركت أن الأمر ليس طبيعياً، فأم سليمان ليس من عادتها أن تترك الصغار وحدهم ولم يسبق لها أن عادت إلى دارها قبل أن تعود هي من الحصاد ، وعبثاً حاولت زينب أن تفهم شيئاً عما حدث من فاطمة، فالطفلة صغيرة لا تدرك الأمور ولا تملك سوى دموعها الغزيرة ونظراتها البريئة.
وضعت زينب ابنها النائم في الظل بعد أن مسحت بكف من الحنان التراب عن خده، وترددت في أن تغسل وجه فاطمة بما تبقى في " الخابية" من ماء فقد كان وجهها كوجه أخيها مثقلاً بالأوساخ، ولكنها وجدت أن ذلك أكثر ضرورة من الشرب، غسلت زينب وجه ابنتها بسرعة، وحملت أحمد واقتادت الصغيرة من يدها واتجهت خارجة تريد أن تبحث عن زيد وأم سليمان.
ركض " حمران" أمامها كدليل نشط يلوح ذله ويسبقها مؤشراً طريق السير، وتوقف ملتفتاً إليها فوجدها قد ذهبت باتجاه آخر، فركض وتمسح بها ونبح بتحنان ثم سار أمامها في طريقها وكان يتوقف ويلتفت مستعجلاً إياها ، وهكذا يستطلع كل مرحلة من مراحل الطريق ثم يعود ليرافقها فيها.
كان الهواء ساخناً ، والشمس كأنما تتقصَّد أن تحرق ربيع عينيها ، وتراب الأرض الناعم الحار يحتضن قدميها الحافيتين احتضان رماد الفرن للبيضة. وشعرت زينب ألا بد من أن تحمل ابنتها أيضاً لتقي قدميها الصغيرتين حرارة التراب ولذع الحصى. كانت الأفكار السوداء تحلق كالغربان فوق رأسها وتصفق صدغيها بإنذارات الشؤم فينتفخ فيهما عرقان مزرقَّان ينبضان بوضوح وهي تتمتم حتى لتكاد تفلت منها بعض الكلمات المسموعة: " هل حدث حادث يا ترى؟! أم أن أم سليمان أصابها شيء؟! لا بد أن شيئاً ما حدث لأحدهما، أو أن القرية تم فيها أمر حتى تركت أم سليمان الصغار وغادرت البيت.". وخطرت لها بعض مناقص أم سليمان فاربدَّ وجهها وأخذت حركاتها تنسجم مع انفعالاتها وتشي بها.
" آه لوَلَع أم سليمان بالأخبار ونقلها، لا بد أن ذلك الهوس هو الذي دفعها لترك البيت لتتعرف إلى تفاصيل ما حدث، فيصبح لديها ما ترويه إذا جلست مع أحد ؟! والله أم سليمان هذه لها أفعال ناقصة أحياناً.".
أخذت خطواتها تزداد سرعة باتجاه دار أم سليمان، وقبل أن تدخل الدار ارتفع صوتها بالنداء: " أم سليمان.. أم سليمان"، ولم تسمع جواباً ولا "حِسّاً" بالدار. دخلت فلم تجد أحداً، فازداد قلقها شدة وحدّة، وعندما خرجت من دار أم سليمان لم تدر إلى أين تتجه ولا من تسأل . وفي الزقاق الضيق الذي سلكته لم تر أحداً، كأنما حل بالقرية الخراب أو أخذت أهلها الصيحة فلا نأمة لهم. أفزعها ذلك الصمت الذي غمرها فجأة، وقفت حائرة عند مدخل دار أم سليمان، ماذا تفعل؟! إن حملها يثقل عليها والحر شديد وأعصابها بدأت تتوتر وأحسَّت بموجة من الخوف تهبط بأحشائها نحو الأسفل.. وخطر لها أن تسأل الجيران، وبعد أن قرعت بابهم عادت دون أن تنتظر خروج أحد إليها. وفي طريق عودتها كان الكلب أكثر نشاطاً واستحثاثاً لها، وتضايق فعوى حين وقفت في الطريق تريد أن تستوقف رحمة المحمود، وهي فتاة في الرابعة عشرة من عمرها، يانعة كالأجاصة، رشيقة القوام، معجونة بدمها، ثغرها كحبة الحنطة. وما كادت رحمة تلحظها حتى أسرعت في خطوها تريد أن تتجاوزها؛ وشعرت زينب بذلك فرابها الأمر" ماذا جرى لها، تريد أن تتهرب من مقابلتي؟! ماذا فعلت أنا حتى تتهرَّب مني، لم أسء إليها ولا لأهلها، ولا أنا ممن يستحي الناس من الوقوف معهم؟!".
جال ذلك في نفس زينب ولكنه لم يمنعها من أن تسرع إلى استيقاف رحمة لطرح سؤال:
_: رحمة عالعافية؟!
=: الله يعافيك.
_: هل حدث شيء في القرية؟!
=: لا أعرف، الناس في دار المختار؟!
_: ماذا في دار المختار؟!
=: لا أعرف يا أم زيد.
وهمت رحمة بالسير مبتعدة لتتلافى أسئلة زينب المتلاحقة ولكن زينب استوقفتها أيضاً بسؤال:
_: هل رأيت أم سليمان هناك؟!
=: كأنني لمحتها، مررت من هناك بسرعة، لا أتذكر على المضبوط.
تابعت زينب طريقها عند ذلك نحو دار المختار، وتنفست رحمة بارتياح وهي تنظر بإشفاق إلى زينب التي أخذت ساقاها تلتفان من دون أن تعي لذلك سبباً، وضايقها هذا.. إنها متماسكة قوية ولا موجب لأن تخاف من أي شيء، أما ذهابها إلى دار المختار فأمر مبرر، تريد أن تبحث عن ابنها وتعود به إلى البيت مع أم سليمان بأقصى ما تستطيع من سرعة، فلِمَ القلق، ولم هذه الحركة الغريبة؟! واستقر طائر عجيب كان يضطرب في دمها ويجوب خلاياها حين أقنعت نفسها بحقيقة أنها لا تفكر ولا ينبغي أن يفكر الناس بأبعد من كونها تذهب لتعود بابنها إلى البيت. وعندما كانت تمر بالناس، وهي تقترب من دار المختار، كانت تلاحظ أنهم ينظرون إليها بنظرات غير عادية، بعضهم يلوح رأسه من أسى، وبعضهم يخفض بصره إلى الأرض إذا مرت به، وبعضهم يتمتم بكلمات غير مفهومة وتتحجر نظراته عندما يراها! رأت كل ذلك غريباً وازدادت الهواجس في صدرها، ومرت بامرأتين كانتا جالستين على قارعة الطريق فتململتا متقاربتين عند مرورها وهمست إحداهما للأخرى: " كان الله في عونها". صدمت الجملة أذنيها، وأول وهلة لم تدرك ما سمعت، وكأن أذنيها رفضتا توصيل الإشارة أو لم يتعرف إليها الدماغ، ولكنها وجدت نفسها تسرع أكثر فأكثر كأنما تهرب من نار مشتعلة فيها. أكان ذلك هرباً مما ينتظرها أم تلهفاً إلى سماعه؟! وأحست أن شيئاً في صدرها يهبط ويأخذ بالتثاقل شيئاً فشيئاً، وتنفتح أمامه هوة من فراغ مديد. أغذَّت السير وكأن عليها أن تدرك شخصاً أو أن تهرب من ملاحقة شخص لها. وأمام باب دار المختار وجدت أم سليمان جالسة على العتبة مسندة ظهرها إلى الحائط ورأسها بين يديها، ملطخ وجهها بالتوجع، يثقله البكاء والغم.
انحنت عليها باضطراب وفَرَقٍ شديدين مثل يد تمتد إلى الفاجعة وفي صوتها توسل مجروح كأنما تلتمس ألا يقال لها شيء مفجع.
_ أم سليمان، كفّ الله الشر. ما لك؟!
ولم ترد أم سليمان بل اكتفت بأن نظرت إلى زينب وعادت إلى البكاء بصوت مسموع، وأعادت زينب السؤال بمزيد من الخوف والاضطراب كأنما ترد باباً تقتحمه زوبعة:
_: أم سليمان، أين زيد؟ هل حدث له شيء؟!
=: زيد بخير.
_: أين هو؟
=: في المضافة، عند الرجال.
وأحست زينب بأن قلبها الذي ما زال يسقط قد استقر في عمق الهوة التي انفتحت في صدرها، وكمن يحاول أن يتجنب صدمة شديدة لا مفرَّ منها ولا قدرة له على احتمالها ولا يملك إلا أن يحاول تأجيل الاصطدام بها، أخذت تتماوج وتَرُوجُ وهي على مشارف الغرق في دموعها وساقاها تلتفان كدجاجة مكتَّفة.
_: أخبريني يا أم سليمان، ماذا في الأمر؟!
=: لا أدري يا بنتي يا زينب، اسألي الرجال، قالوا إن هناك مكتوباً وصل وأخذوا مني زيداً، وسمعت كلاماً لا يسر عدواً ولا صديقاً، اللهم ادفع عنا البلا يا رب.
مكتوب؟! من الذي يكتب إليها غير محمد؟! وإذا جرى لمحمد شيء فكيف تعيش وكيف تحملها الأرض؟!
اندفعت إلى المضافة كتيار ريح هائج ووقفت بين الرجال غير خجلة ولا وجلة، وكان صوتها قد سبقها إليهم:
" ناشدتكم بالله خبروني ما الذي حدث؟!"
نظر جمع إليها، وواجهت أول مرة عشرات من عيون الرجال تحدق إليها دفعة واحدة، لم يسبق لها أن واجهت ذلك أو فكرت في مثله، ولم تكن عندئذ في وضع يمكنها من التحكم في ردة فعلها على هذا الموقف، كانت لا ترى ولا تريد أن ترى إلا ارتسامات الجواب في قسمات وجوههم وفي عيونهم. ولكن الجواب تأخر، والعيون تصالبت وافترقت بعد تلاق ثم تصالبت أكثر من مرة وفي اتجاهات مختلفة، وأخيراً أجابها المختار بوقاره المعهود وبلهجة عامرة بالأبوة، وشعر ذقنه الأبيض يرتجف.. وفي عينيه رحمة: " وكِّلي الله يا أم زيد، وكِّلي الله، كل شيء يهون." واندفع زيد إلى أمه باكياً وأمسك بها، ولم تعرف كيف تكفكف دموعها وهي تتكلم، كانت كسحابة أثقلها حملها فانسكبت مرة واحدة.
_: محمد ؟! أليس كذلك؟! محمد؟!
=: محمد بخير، محمد بطل يرفع الرأس، أبو زيد، اسم على مسمى.
_: ما الذي حدث إذن؟!
=: ما في شيء... بسيطة.
_: بالله يا مختار، خبرني، سألتك بالله؟
=: لا حول ولا قوة إلا بالله، يقولون إنه جرح بسيط، وصلت رسالة من رفيقه نزار يقول فيها إنه جريح.
وصرخت زينب صرخة حادة مبتورة: " أخ يا محمد.." وخرجت من الباب راكضة مولولة، ولحق بها ولدها زيد يبكي. مشت في طريق القرية تجأر ملء صوتها، والناس على الصفين، تتيقظ حجارة الطريق على ألمها المنداح من صوتها وتتلفت إليها الأشياء مواسية، شعر الناس بالأسى العميق واستقرت في عمق التراب موجات الألم التي يرسلها جيل إلى جيل لتأخذ مكانها في ملحمة كفاح الأحياء من أجل الوجود بشرف وأمان، كانت زينب نقطة في بحر المأساة تسقط وتحدث دائرة صغيرة أو أكثر ثم تمتزج بالسكون وتهدأ رفرفة أحشائها المرعوبة. لم تلبث النسوة أن حَفَفْن بزينب وسرن معها في موكب حزين، وكن كحمام سجين يقطع صمته من أن لآخر بهديل هو الغمغمة وصراخ الدموع وتوجُّع الغناء.
وفي الطريق إلى بيت محمد المسعود، حملت كل امرأة ملء قلبها هماً وألماً، واستعادت رصيدها منه في ماضيها الحزين كله، وجثمت ذكرياتها الكالحة على صدرها كسحابة تنتظر الرعد والبرق لتنهمر. وفي كساء كل منهن كتلة من الحزن التاريخي تبكي ما بها، مستفيدة من الفرصة السانحة للتعبير عن التوجّع والمرارة التاريخية بحرية تامة ومن دون تبعات.
***
تقبل أهل محمد المسعود التعازي من أهل القرية، وأصبح أولاده يحاطون بنظرات الإشفاق والرثاء أينما توجهوا في أرض الدار وفي حارات القرية وبين أطفالها، وتدارى عنهم العيون الدامعة بالقدر الذي لا يخفيها نهائياً، وهي عادة التلميح بالألم أو الإشعار بوجود المأساة والرثاء، تلك التي لا يتقن التعبير عنها أحد كنساء الريف، والتي تصب الألم في أعماق الروح وتبعث ما خفي منه. وأرسل أحمد الحسن يومها إلى أهل الشهيد" طبخة قهوة" و" كيلو سكر".
كانت الرسالة التي وردت إلى القرية معنونة باسم المختار، لأن نزاراً لم يعرف اسم زوجة رفيقه محمد، ولم يعرف أن له أقارب، وكان لا بد من أن يرسل إلى أهله يخبرهم بما حدث، فاختار المختار ووجه إليه رسالة قصيرة، ولكنها على قصرها معبرة، قرأها المختار على مسمع من زينب في بيتها عندما لحق بها هو وبعض وجوه القرية ليأخذوا بخاطرها.
_ حضرة مختار قرية" كحيل" المحترم.
بعد التحية والسلام.
أكتب إليكم من الجبهة، من خط النار مع العدو. أرجو أن تخبروا عائلة محمد المسعود من قريتكم، أنه جُرِح أمامي عندما اشتبكنا مع العدو، ولا أعلم أهو حي أم ميت الآن. لقد كان بطلاً شجاعاً، ونفتخر به ويفخر به الوطن، ولكم أن تفتخروا به أنتم جميعاً. تحياتي لأولاده وخاصة ابنه زيد فقد كان يذكره كثيراً. كان قبل يومين من المعركة يريد أن يرسل إلى زيد خمسة وعشرين ليرة ولم يستطع أن يرسلها إليه. أرجو أن تسلم المبلغ المرافق لهذه الرسالة إلى زوجته أو إلى ابنه زيد. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ملاحظة: لقد سُجِّل محمد المسعود في عداد المفقودين.
التوقيع: نزار الشاوي
***
ذكر الحضور محمد المسعود وترحموا عليه، وسكبت زينب دمعاً غزيراً على زوجها، وصار عليها واجب كبير وهم أكبر.. فالأولاد صغار، والمورد معدوم، والزوج في عداد الأموات، ولوازم هذا الوضع وتبعاته كثيرة. كان الله في عون المساكين.
درجت زينب على طريق أمثالها من أصحاب الألم والفاقة، وسارت على سنَّتهم، وفي ظلام قلبها ودربها التمست لنفسها العزاء والصبر في أولادها. كانت تضع زيداً أمامها وتشعره بأنه رجل وأنه صاحب البيت، تحدثه عن أبيه، وتبعث فيه الهمة، وكأنها تعوذ به من كل شر قد يصيبها وتستعين به على كل عقبة أو فكرة لا تبعث على الارتياح قد تراودها. وعندما استعادت زينب شريط الذكريات التي عاشتها مع زوجها، لم تقف إلا لماماً عند فترات سعيدة أو يوم مريح أو جلسة عائلية هانئة لم ينغصها منغص. كان طويل الغيبة، قليل الدراهم، كبير الهم، ولكن :" عالي الهمة." ولم يحقق حلمه الصغير الذي طالما حدثها عنه في اللحظات التي قضاها عندها.
" أمنيتي يا زينب أن نبني بيتاً صغيراً نجعل حوله حديقة، ويكون لنا " ثلم" أرض نزرعه ونأكل رغيفنا من تعبنا في أرضنا، كد يميننا وعرق جبيننا، في بلدنا من دون أن أضطر إلى ترككم والابتعاد في بلاد الغربة، الإنسان كم مرة يعيش؟!!".
وقالت زينب بينها وبين نفسها، ودمعها يتحجر في مآقيها: " الغربة أفضل بكثير من هذه الغيبة يا أبا زيد، كنت تروح ونعيش بانتظارك، نرقب عودتك وتمر بنا الأيام مرة.. علقماً؛ نصبر ونكابر، الأمل بعودتك يخفف مرارتها.. لكن اليوم يا حسرة، ما لنا أمل، المرُّ استوطن بيتنا وقلوبنا من بعدك يا محمد.".
***
وحين انفضَّ الناس من حولها في تلك الليلة شعرت، أول مرة في حياتها بأنها ضعيفة جداً وبأنها وحيدة إلى حد مفزع، وحيدة كما لم تكن من قبل قط. وأخذت تضم زيداً إلى حضنها بقوة متوسلة به إلى الوحدة والوحشة أو شاهرة إيَّاه سيفا في وجهيهما، ولم تعرف الراحة في نومها منذ تلك الليلة، تغير المناخ والمحيط ومعاني الأشياء ومواقفها منها على نحو غريب.
كانت أقل حركة تصدر من حولها تجعلها تنتفض ، ويختلج ما حول شفتيها كلحم غرض حديث الذبح، وتحدِّق إلى الرهيب من حولها بعينين ذاهلتين يمنعهما القلق والخوف من رؤية أي شيء رؤية سليمة، أحياناً كانت تنهض من مكانها وتقترب من الباب أو النافذة الصغيرة المستقرة في مرتفع من الجدار، تصغي أو تنتظر باضطراب ثم تعود مسرعة لتحتضن زيداً أو تناديه بصوت مرتفع ، وكأنما تعلن وجوده معها.
إنها امرأة بلا زوج منذ الآن وعليها أن تكون أشد حرصاً على نفسها وعلى أولادها، يجب ألا تلوث سمعتها الألسن: " الشرف أثمن من كل ما في الدنيا يا بنتي، وكنز المرأة عفافها"، هذه هي الكلمات التي لازمتها منذ تلك الليلة، وهي كلمات كانت أمها ترددها على مسامعها قبل وفاتها، حتى غدت أثمن ما حفظته من ذكريات عنها. وقد استيقظت هذه الكلمات فجأة ، وكبرت حتى غمرت سماء البيت، وأدركت زينب في بعض أيام حياتها، عندما كانت تسمع ما يجري مع غيرها من النساء، أدركت أن الشرف أعظم كنز لدى المرأة فعلاً وأعظم ادخار تدخره، ولم تكن تفكر كثيراً في هذا، كما لِمَ تدر لمْ تفكر بأنها امرأة في ظرف خاص.. امرأة زوجها بعيد عنها، طوال المدة الماضية، بهذا الشكل الذي فكرت به اليوم.
كان محمد يقضي أشهراً متوالية في الكويت، وقضى أشهراً متوالية أيضاً في الجندية، كانت هي خلالها تعيش وحيدة في البيت، ولم تكن تشعر بالوحدة على هذا النحو وبأنها امرأة تفتحت عليها العيون؛ ولكنها منذ تلك الليلة وجدت نفسها امرأة يمكن أن يصل إليها أي رجل ويمكن أن يطمع بالوصول إليها أي رجل.. إنها بلا زوج.. بلا حامٍ، وهي تدرك أن زيداً الذي تضمه إلى صدرها بكل تلك القوة وذاك التباهي لن يمنعها من الرجال ولن يدفع عن البيت شيئاً. زيد شيء آخر، هذه حقيقة غرست في قلبها وبدأت تشع كشمعة يتصاعد لهيبها ويتنامى في حنايا قلبها وظلام حياتها المقبلة منذ تلك الليلة.
لقد رحل ظل محمد من البيت ومن الفراش، غابت العضلات القوية، والغضبة الشجاعة، والقلب النقي.. غابت الإرادة التي كانت تجعل من حجارة البيت المتخاصرة بتضاد عجيب قوة متآلفة حامية تبعث في القلب الاطمئنان، وبدت الآن سماء البيت مكشوفة وسقفه مرفوعاً ويمكن للطيور من أي نوع أن تخترق هذا المكان الذي كان حصيناً وأن تحوم حولها هي بالذات.
أكان هذا الشعور عادياً منها؟ أتراه شعور امرأة تهيئ نفسها لزواج جديد بتوجس الخيفة وإعلان الخوف من الرجال؟! ذلك الخوف الذي يشكل استدعاء غير مباشر لهم وحاجة ماسة إليهم؟! هل هي رغبة تتستر بثياب رهبة؟! لم تكن هي تناقش مثل هذا الأمر بينها وبين نفسها، فقد كان همها أكبر من أن يسمح لها بمناقشة مثل هذه المشاعر والأمور الدقيقة، ولكنها أحست_ بعد أن هدأت_ كأنما تهدم من حولها جدار فأذهلها انكشافها بزواله عن إحساسها بسقوط السجن الذي فرضه وجود ذلك الجدار حولها. ربما لم يكن لديها إحساس المرأة التي تشعر بالزواج قيداً بل إحساس تلك التي تستطيب تلك القيود، وتجد نفسها فيها على نحو جديد. كان بصرها يتعلق بسقف البيت الذي كسا الدخان خَشَباته المنخورة وعيدان القصب المصفرَّة فيه التي تتعاون على نحو يجعل منها سقفاً. ووقع بصرها على عش السنونو الملتصق بين إحدى الخشبات وعيدان القصب، تحيط بكومته العنكبوتية الدخانية الدقيقة بقع صغيرة شهباء، وشاهدت _ ربما أول مرة_ بوضوح عجيب، أما رؤوماً تحتضن صغارها في عش من القش بنته قشة قشة في ظل خشبة سقف وبعض عيدان القصب؛ وأجالت بصرها تتمعن في السقف، وتوقفت عند تلك الأعواد المفرغة الضعيفة المصفرة التي تتكاتف وتتراص مستندة إلى خشبات متباعدة قليلاً، بعضها يكاد يأتي النخر على أطرافه؛ وعجبت كيف يستطيع هذا الضعف المتساند أن يحمل ثقل التراب ويشكل سقفاً يمنع المطر والبرد والحر؟!.
ومع خيوط الفجر الذي كان يتسلل من شقوق الباب الخشبي إلى غرفتها، بدأ خيط من الأمل يتلامع ويمتد بين قلبها وبين عش السنونو في سقف البيت، وبدأت الشجاعة تنتقل إلى قلبها من ذلك العش. لم تدرك كيف تسلل النوم قليلاً إلى جفنيها، ربما أجبرها الإرهاق على الاستسلام لحظات له. وعندما فتحت عينيها في الصباح رأت صغار السنونو تمد أعناقها من العش و "تزقزق" والأم تقدم بمنقارها الطعام لتلك الصغار، وبدءاً من ذلك العش المحتمي في حضن خشبة السقف، ومن بعض حبة تحملها السنونوة لتضعها في بسمات المناقير الغضَّة لصغارها، بدءاً من ذلك يتعالى نشيد الفرح ليملأ البيت كله.
نظرت زينب إلى صغارها فوجدتهم مستسلمين للنوم هادئين ينعمون في تلك المملكة التي لا يعكر أمنها الفساد. وظلال البؤس وإرهاق الأيام تبدو محفورة على وجوههم تنطق بها القسمات وتضج بها تعابير أيديهم النحيلة المعروقة وأصابعهم الدقيقة المرتخية على مخدات قماشها بلون الصدأ و" فرشة" يتناثر قطنها من خروق أعيت الراقع، في قماشها المقلم بلون البن والليمون. تنهدت زينب بحسرة تنهيدة عميقة ارتج لها قلبها، ثم انسلت من فراشها وكلها حرص على ألا توقظ الصغار.. إنها تريد لهم الهدوء، تريدهم أن يناموا أطول وقت ممكن، فقد كان يومهم السابق رهيباً، ولا يوجد بعد اليوم من يفرج همهم ولا ما يسري عنهم، لم يعد لهم أمل بأراجيح الأمل إلا ما يستطيع قلبها المكدود وخيالها الخامد أن يوحيا به.
لم تذهب إلى الحصاد في صبيحة ذلك اليوم فقد زارها عمها جابر في مساء اليوم السابق، ونظر إليها طويلاً وهو يصر حاجبيه ويضيق حدقتي عينيه فيبدو كتاب الدهر مسطراً على جانبيهما، وهمهم عدة مرات كأنه ينهر كلماته التي تتلكأ في الخروج، ينهرها إمَّا لتخرج وإمَّا لتعود، قبل أن يفرجها الله عليه ويقول لها: " لا تذهبي غداً ولا بعد غد إلى الحصاد، ابقي مع الأطفال، وهذا أجر اليومين مقدماً اصرفيه عليهم". شكرته بحرارة، وعبرت دموعها عن عمق تأثرها لموقفه وهي تمد يدها بتردد لتأخذ من يده، يد الدهر، اليابسة بعض النقود، وشعرت بمسحة رضا تغزو وجهه الكئيب وتحوم على شفتيه. لم يكن وضعه المادي حسناً، وما قام به يعد تضحية بالنسبة إلى وضعه. وعندما أدار ظهره المحدودب قليلاً وهو خارج من دارها، سمعته يتمتم بأدعية مختلفة. لقد حنَّ قلبه على الصغار وعطف عليهم، وربما دفع لهم إكراماً لروح الشهيد وحتى يدفع الله عنه البلاء ويكرمه يوم القيامة.
استقبلت زينب يومها ذاك بمزيج من الألم والتصميم، وكادت تنسى أرغفة الخبز في الفرن وهي ساهمة تفكر بالمصير الذي آل إليه زوجها وبمصيرها هي والأولاد، وتتساءل أحياناً وهي تبكي:
" أحقاً غاب محمد المسعود إلى الأبد؟! ألن يعود مطلقاً إلى البيت؟! أمات حقاً، مات واختفت قوته وشهامته وضحكته؟!" كأن شيئاً في داخلها يرفض أن يصدق ذلك.
وعادت تسائل نفسها:" أين جثته الآن يا ترى؟! هل هي في الصحراء، أم ردموا عليها التراب ردماً دون عناية فتدحرج الحصا مع التراب السميك في ثغره المفتوح؟!" ثغره؟ نعم، ثغره الذي طالما ابتسم لها وطالما حنت إلى تقبيله بشوق، يا له من تعس زوجها، لم تتح له فرصة الاستمتاع بها على مهل، ولا أتيحت لها هي تلك الفرصة أيضاً، لقد مات. وتوقفت عند هذه الكلمة: مات، مضغتها مع الدخان الذي " يعسّ من الفرن في أنفها وحلقها"، حاولت أن تذوق ذلك الطعم وتتقبله ولكنها لم تستسغ ذلك أبداً، لفظت الكلمة ورفضتها، لا، لا. قالوا إنه سُجِّل في عداد المفقودين، مفقود: يعني ميت أو ضائع أو... وتوترت أعصابها فجأة، تركت الخبز ونهضت.." ربما كان في أيدي الصهاينة الأنجاس؟!" وما كادت تصل إلى هذه الفكرة حتى قفزت خارج الفرن كالملدوغة واتجهت خارجة من الباب وهي تحمل بيدها " مقلاع" الخبز الحديدي المعقوف.
ربما تصورت أنها تحمل أفتك سلاح وتريد أن تهاجم العدو به لتنقذ زوجها، كان ذلك كل ما تملك وأفضل ما يدفعها الصدق إلى فعله، وعند عتبة باب البيت وجدت زيداً وقد تسلل من فراشه بهدوء، وأتى يبحث عنها والدموع قي عينيه.. سالت دموعها بغزارة وهي تحتضنه وتدخله معها إلى حيث الفرن والأرغفة الساخنة، أجلسته إلى جانبها وأعطته رغيفاً وحذرته من النار والرماد: " السَّكَن"، وعادت تخبز وتركض بها الأفكار والهواجس من حال إلى حال. أصبح لديها مقلق غض وهمٌ جديد، وحين كانت الأفكار ترسوا بها في دائرة اليأس تتنهد بحسرة وتستسلم لفكرة " أنها أرملة".
"إنها أرملة".. وتصدمها هذه المصاريع القاسية التي تطبق صدرها على حقيقة باردة، فتواجه الأمر بتساؤل واستغراب " أحقاً، حقاً هي أرملة وأم لأيتام ولا معين لها؟! " لم تدخل الفكرة أعماق اقتناعها رغم المؤشرات والمؤيدات العديدة، لم تصدق أبداً أنها فقدت زوجها إلى الأبد، وأنه لا جدوى لها من انتظار عودته يوماً ما، ولا مبرر لأن تفعل ذلك أو تتعلل به كما كانت تفعل في الماضي. عندما كانت تنتظره سابقاً كان لا يخيِّب ظنها ويعود، فهل يفعل ذلك الآن؟ هل هذا بيده، هل هو حي، هل هو حر إذا كان حياً ليتصرف كما يشاء؟! من الصعب عليها أن ترسوا على بَرّ في خضم القلق الذي هي فيه؟! ولكنها لا تهضم مطلقاً فكرة أنه لن يعود أبداً. كانت هذه الأفكار تتعارك في داخلها وتنتفض من مكامنها بين حين وآخر، وغالباً ما كانت تجد نفسها واقفة والفكرة الجارحة يد تمتد لترفعها من شعر رأسها وتقذفها نحو الفراغ القاتل. ولم تكد تنتهي من إعداد الخبز، حتى نهضت وبها من الإعياء ما يهد أقوى الأجسام، واتجهت نحو الصغار تحمل الأرغفة الساخنة، وإلى جانبها زيد، يمشيان على أرض غير مستقرة ويحملان بين ذراعيهما إلى الصغير والصغيرة خبزاً هو الجنَّة.
|