|
ـ 3 ـ
شعرت بنفسي أعود إلى الوجود أو بالوجود ينفتح عليّ مرة أخرى بعد احتجاب لا أدري كم طال، مددت يدي لألمس الصخرة التي ارتخت أصابعي على جراحها وأجزاء جسمها المتناثرة فوجدت أنني ألمس أشياء غريبة على أصابعي، فتحت عيني بصعوبة فأخذتني ملامح مكان أشبه بغرفة، وأحسست بجسمي شيئاً فشيئاً يرتخي على الأرض، أعدت تركيز انتباهي ونظري في ما حولي فلم أميز ألوان ما يحيط بي تماماً ولكنني أدركت أنني في غرفة مشفى من دون شك. كانت الأغطية التي تلفني بيضاء، وفوق السرير كله بطانية أذكر أنها ذات لون وحيد غامق غير مريح. حاولت أن أتذكر ما حدث لي وكيف أصبحت هنا، ودقت ذاكرتي أبواب تفاصيل ما حدث لي في تلك المعركة فلم أفلح في معرفة أية تفاصيل عما حدث في أثناء ذلك الالتحام، ولا أذكر إلا أنني قاتلت ثم تراخيت إلى جانب الصخرة وأنا أشعر بالارتياح. وأخذت أبذل جهداً كبيراً لأستوعب الوضع الجديد الذي أنا فيه، حاولت أن أحرك يدي لرفع الغطاء فلم أستطع، وأحسست بأن حركة ساقي أصبحت مستحيلة هي الأخرى، وبدت لي أطرافي مشلولة تماماً وأنه لا سيطرة لي عليها. خفق قلبي لذلك خفقات سريعة متلاحقة، هل فقدت أطرافي جميعاً؟! وصعقني مشهد عربة اليد الذي انقض علي ، ومرت بذهني سريعاً عربة يد إنسان مقعد كنت قد رأيته بشكل عابر في أحد شوارع دمشق، ثم غابت لتحل محلها صورة رجل كان يزحف على ساعديه وقد بترت ساقاه من أعلى الركبة وذهبت أصابع يديه، وتراه يمد عينيه بالسؤال ليجود الناس عليه ببضعة قروش كانت تسقط على خشبةٍ زحَّافة تحته عندما يلقيها إليه المحسنون ثم يبتلعها الصمت. أغمضت عيني بشدة لأطرد تلك الصور ولكنني لم استطع، ألحَّت علي كثيراً حتى هصرتني تحت كابوسها، واستباحت خيالي تماماً، واستمطرت الدمع من منابع قلبي ذاته. أخذت أستحضر صور أشخاص وأحداث أخرى لأزيل تلك الكوابيس الجاثمة فوقي فلم أنجح، وفرضت نفسها على صورة زينب وزيد وفاطمة وأحمد الصغير، وتتالت خيالات مشوهة ولقطات مبتورة ومزَق صور في حالات ومواقف وهيئات لأقاربي وأهل قريتي وبعض معارفي وهم يستقبلونني بعطف وأنا على هذه الحال:" كسيح يا حسرة عليه"،" محمد المسعود مكرسح"، " مسكين عاجز".
عبارات تركض في طرقات القرية طولاً وعرضاً وتتناهى إليّ مع سيل شفقة من عيون الناس الذين يعودونني ثم تهرع مجتاحة سهل الجولان إلى سفح جبل الشيخ حيث أمي.. صخرتي الحبيبة تدمع عيناها الحجر لهذا النبأ. واضطربت تحت وقع ذلك كعصفور في عاصفة ثلجية، أغمضت عيني بقوة، ولكن الصورة أغلقت على عينيّ وخيالي كل منفذ لرؤية مغايرة، ولم أعد أرى نفسي ولا الأشياء والوجود إلا من خلالها.
مساكين هم أولادي ومسكينة هي زوجتي، إنهم جميعاً لم ينعموا بحياة يعمرها طعم الراحة في يوم من أيام سلامتي ووجودي قوياً بينهم فكيف يعيشون بعد اليوم؟! وتراءى لي زيد وقد وقف أمامي ودموعه تنفر من عينيه، لقد تغضن وجهه الصغير واختلطت التعابير فيه، وكابرت دمعة في مآقيه وأبت أن تسقط:" الرجل لا يبكي يا أبي" خلته يقول لي ذلك.
كانت عيناه في عينيّ تماماً، لا يطرف له جفن، يحدق إلى أعماق بؤبؤ عينيّ صامتاً، ولا أدري كيف قرأت فيهما صفحة عتاب رقيق أكبر من سنِّه بكثير:
_" لقد تركتنا يا أبي من دون أن تهيئنا بشكل ملائم للحياة، لم نشبع ولم نكبر ولم نتعلم ولم تترك لنا شيئاً.. وفوق ذلك ورّثت لنا العار؟ سيقول لي الأولاد بعد اليوم يا ابن " المكرسح".
وتهطل الدمعة رغماً عنه ويكفكفها بيده الصغيرة محاولاً الثبات فتهطل دموع أخرى، ولكنه يتابع القول على وقعها وفي إطار ما تخلقه من جو: " ماذا فعلنا بك حتى تكافئنا هذه المكافأة يا أبي؟ أعلى صبْرِنا أم على بؤسنا أم على انتظارنا إياك يأتي هذا الجزاء؟! أليس لنا حق عليك كما للأولاد حقوق على آبائهم؟! كل الآباء في القرية يعودون إلى بيوتهم وهم يحملون لأبنائهم شيئاً، وكل الآباء يقدمون لأبنائهم ما يحتاجون إليه إلا نحن: أمُّنا تعمل طول النهار وعندما تعود تكون قد همدت من التعب ومع ذلك تعمل في البيت حتى تنام، إننا لا نجد كلمة الحنان منها ولا منك.. ما ذنبنا نحن يا أبي؟! إن اخوتي مثلي يقولون لك القول ذاته، ,أمي هي الأخرى ما هو ذنبها لتتبلَّغ لقمتها بدموعها؟!".
وأحاول أن ألثم يده الصغيرة ليسكت، ليكف عني عتبه وتعذيبه، أكفكف دمعه المتساقط براحتي، أقول له كل الكلمات العذبة، وأمسح عن قلبه الصغير أعشاش الهم التي بدأت تستقبل طيورها، أعتذر وأشرح أوضاعي الخاصة والأوضاع العامة جميعاً، أفهِّمه أنني لم أولد وفي فمي ملعقة من ذهب، وأنه كان لا بد لي من أن أركض وأتغرَّب حتى أضمن لي ولهم لقمة العيش.. ومن ثم كان لا بد من أداء خدمة العلم مثل أي مواطن شريف يقوم بواجبه، وأنه لم يكن هناك من فرصة لأقوم بواجبي نحوهم كما ينبغي، قمت بواجبي نحو الوطن، وللإنسان بيتان متساويان في القيمة والأهمية لا يصلح أحدهما إلا بصلاح الآخر: الدار والوطن، وقد وفيت حق الثاني الآن وسأفي ببعض حق الأول إن استطعت. أعتذر وأشرح وضعي.. أعرض أسبابي وأعدهم بأن أكون لهم.. ولكن؟! وتغص في الحلق هذه الـ" ولكن". لترتفع فوقها راية.. بل تمثالاً " لكسيح المستقبل" محمد المسعود.
***
لم تتركني صورة زيد ولا كلماته ونظرات عتبه إلا والدموع تسحُّ على وجنتي، ورجولتي تنساح معها. شعرت ببعض الراحة بعد بكاء طويل، وصحا وجهي كسماء بعد مطر مفاجئ غزير، وانبسط قلبي كراحة كف طفل، وقابلت مصيري بتسليم ورضا. لم يكن في الغرفة أحد لأسأله أين أنا أو ما الذي حدث لي بالضبط، ولم أر أحداً يمر بها من أي اتجاه، وكأنها كانت معزولة عن العالم كله.. ملقاة في محيط الصمت.
عندما بدأت الغرفة تغرق في الظلام فتح الباب ودخلت منه فتاة، عرفت أنها ممرضة، نظرت إلي من الباب وأدارت الزر الكهربائي فأضاء المصباح الذي يتدلى من سقف الغرفة واتجهت إلى سريري، كنت أحدق إليها فلا أرتاح إلى وجهها وأشعر كأنما فيه شيء غريب غير مريح، غير مألوف ولا مستحب.
وكانت تنظر إلي نظرات لم أستطع أن أتبيَّن فيها شعوراً معيناً أو موقفاً محدداً مني. أردت أن أطرح عليها سؤالاً وعندئذ أحسست بأن الكلمات تتدحرج لتستقر أخيراً على لساني وتخرج غير مفهومة لكثرة ما يتلجلج تحت ثقلها، عرفت ذلك لأنها لم ترد علي. كنت أريد أن أقول لها: أين أنا ؟ وماذا أصابني"؟ ولكنها خرجت مثلما دخلت بعد أن نظرت في ورقة معلقة بجانب السرير عند قدمي ثم أطفأت المصباح ,أغلقَت الباب وراءها على بحر من الظلام والآلام واليأس. كان تصرفها ذاك مفاجأة كبيرة لي، وبدأت أتساءل: لمَ لمْ تقل كلمة، ولا حتى ابتسمت لي؟ ألا يحق لي بعد الذي بذلت والذي فقدت، أن يبتسم لي أبناء وطني؟! وشعرت بالغضب يزحف في صدري ويتكاثف كدخان معمل قديم ثم يتكور في قعره كالأفعى، وبدأت الغرفة تضيق بي وتصبح خانقة وكريهة. وتذكرت أقوالاً كانت تردد على مسامعي من أناس مجربين فأرفضها:" لن تجد أحداً يقف إلى جانبك وقت الشدة""، "الذي يضحي لا تروح إلاَّ عليه وعلى أسرته". وارتجف قلبي خوفاً من أن تصدق مثل هذه الأقوال، إن خطرها شديد جداً، ليس على جسدي بل على معنوياتي. حاولت أن أستبعد ذلك ولكنني لم أفلح فيما يبدو إلا باستدعاء أقوال أخرى، فبعد لمحة أخرى عاد قول آخر يدق قحف رأسي." الناس مع الواقف، الناس مع الواقف"!! نعم الناس مع الواقف وأنا قاعد بل مقعد.. ابتلعت غصة مرة، وتذكرت أبي، رحمة الله عليك يا أبي، كان دائماً يقول لي:" خبئ قرشك ليوم الشدة يا محمد، فعندما تبْرُك يرفعك قرشك." وكادت ابتسامة شاحبة ساخرة تهتك ستائر السواد المتراكمة في أعماقي، قرش يرفعني وقرش يخفضني، شيء مرٌّ؟ لو كان معي قرش لوجدته اليوم ولبذلته للممرضة أشتري منها ابتسامة لجريح سقط من أجل أمنها هي وأمن سواها. ولكن هذه الأفكار لم تستمر طويلاً فقد انتقلت بسرعة إلى شبه مشادة مع أبي:
" ليس معي قرش يا أبي لآكل به، فكيف يمكن أن أخبئ القرش ؟! أنت لم تترك لي شيئاً وفي صغري لم تكفني شر الحاجة، كنت تشكو لي وأسمعك تتحدث لغيري بشكواك. مرت طفولتك في أيام حكم الأتراك والباشوات الذين كانوا يشترون الأرض ومن عليها مقابل ليرات ذهبية تدفع سنوياً للباب العالي، وأنتم الذين تدفعون ذلك من أحلام صباكم ورغبات طفولتكم وصحة أبدانكم. وفي شبابك وما تلاه كنت تدفع ولكن لجهة أخرى، للفرنسيين ومن خدمهم بإخلاص الكلب من دون أن يفوز بغير اللعنة والاحتقار؛ كنت تدفع وعلى حساب صحتك وسعادتك وصحتنا وسعادتنا نحن، والسنوات التي شهدتها من عمر الاستقلال كنت تدفع خلالها أيضاً لمن أخذ مكان المستغلين السابقين وحمل الهوية الوطنية؛ كنت تدفع وتدفع ونحن نسمع شكواك ولا نجسر على الاعتراض.. ونشاركك الدفع، وها نحن ندفع بعدك.. تغيرت الواجهات والتسميات والشعارات والمضمون واحد لم يتغير كثيراً.
استبدلنا باسم الإقطاعي اسماً أكثر عصرية يتلاءم مع روح هذه الأيام ومفاهيم النضال فيها، نحن أردنا أن يتغير الأمر حقيقة وشكونا حتى جاء من سمع شكاتنا وغيّر، ولكن اتضح أن الواجهات فقط تغيرت، وحل أشخاص مكان أشخاص وتسميات مكان تسميات، وها نحن اليوم نمضغ العلقم ونسأل الله النجاة لأبنائنا مما نحن فيه. الحياة في أيامنا قاسية وليست كما كانت في أيامكم، كان الواحد منكم يشتري _ رغم الظلم_ بالليرة طبخة لعياله، وتعب يومه يكفيه ثلاثة أيام أو يومين على الأقل، أما اليوم فثمن البيضة أربعون قرشاً يا أبي، والبندورة التي كنا نسأم أكلها ويباع الكيلو الواحد منها بخمسة قروش أصبحت بليرتين وأكثر، الخسة الواحدة بنصف ليرة، هل تصدق فعلاً يا أبي، أن تعب إنسان اليوم لا يكفيه لمعيشة يومه، هل تصدِّق فعلاً يا أبي؟! تبتسم؟! لا تحسد فلاح هذه الأيام فهو يجر النير كما عهدته أنت، الذي يستفيد وسيط أو صاحب مكانة.. طفيلي متسلسل الوراثة، أيامنا ليست كأيامكم، أيامنا أقسى بشكل ما وعلى نحو ما؛ ومع ذلك فإنك لم تترك لي ما أدخره ليومي الأسود ولا ما أسد به رمق أطفالي أو يخرج بي من ظلمة أحد أيامي. عندما فارقت أسرتي لأقوم بواجبي في خدمة العلم لم أترك لهم شيئاً، والليرات العشرون التي آخذها راتباً شهرياً في الجيش، لا تكفي ثمن" البويا"، ومع ذلك فأنا أرسل منها خمس عشرة ليرة إلى زينب والأولاد، فكيف أدخر؟! لست مسرفاً وليس لي مشاكل أصرف في سبيلها النقود، أنت تعرفني، لا أشرب ولا ألعب القمار، وليس لي علاقات مع النساء، فلا يحق لك أن تلومني؟! تبتسم؟! أعرف القصة التي تريد أن تذكرني بها، في بعض أيام الضيق عملت ووفرت وكان دخلك وقتئذ أقل من دخلي، نعم.. ولكن لم يكن حولك تجار بشراهة من حولي.. ولا ظروف مثل ظروفي، ربما كانت لدى الناس حولك بقية من ضمير أو قيم، أما اليوم فإنك تستغرب وجود كل موجود على النحو الذي هو عليه. لا.. لا.. لا تعتقد أنني أريد أن اضخم الأمور لأدافع عن نفسي.. ولكن.".
عندما توقفت عن متابعة المعركة الكلامية التي خضتها في الخيال مع المرحوم والدي، وأنا المتكلم الوحيد فيها، كان العرق يتفصَّد من جبيني ويتصبب بغزارة، ويضيق نفَسي، وحلقي يجف شيئاً فشيئاً. ولما شعرت بوضعي على هذا النحو أحسست بالشفقة على والد أطفالي من أجلهم هم. أخذ ذلك يزيد من ألمي وضيقي، وغبت عن الوعي بعدها، لا أدري لأي سبب.
دارت الغرفة، ثم غابت عني معالمها، وكأنما سقطت في هوة وابتعدت عنها منجذباً إلى مدار جديد، وبقيت هي معلَّقة غائمة الملامح كأنها سماء رمادية.
|