|
ـ 4 ـ
لم أعرف أنني أسير إلا بعد مرور عدة أيام كنت أتعرض خلالها لضغط نفسي كبير ولمعاملة تستهدف إرهاقي عصبياً وإجهاد جسمي وقتل إرادتي. عرفت أنني أسير بطريق المصادفة كما أعتقد، ولكنني لم أتأكد من أن ذلك كان مقصوداً أم أنه كان مصادفة فعلاً، فقد لاحظت أن الممرضة، وهي تفتح الباب عليّ ، تكلمت بلغة لا أفهمها، وأنها عندما دخلت لتعطيني الدواء لملمت ابتسامة كانت على ثغرها وامتد غطاء من الجد الصارم يكسو محياها حتى لا يكاد يعرف أحد من خلاله شيئاً.
دققت في وجهها وتمليت في ملامحها وأنا أسائل نفسي:
_: يقولون إن اليهوديات شقراوات، ولهن أنف خاص ولكن هذه التي أرى كأنها من بلدنا، وجهها لا يختلف عن وجه أية ممرضة أخرى في مشافينا، ربما كنت مخطئاً. وقررت أن أعيد عليها السؤال الذي كررته كثيراً في الأيام الأخيرة في أثناء وجودي في المشفى:
نظرت إليّ الممرضة بصمت، وكنت أحاول أن أقرأ في عينيها الإجابة عن سؤالي، ولكن عبثاً إن عينيها لا تقولان شيئاً كأنما هما بركة قريتنا الراكدة بكل ما فيها من وسخ وكدر. وألححت في سؤالي:
_ أجيبيني أين أنا؟! إنني أكرر هذا السؤال منذ أيام ولا تقولين لي شيئاً! أتفهمين ما أقوله؟
ولم يصل إلي جواب، كالعادة. ونظرت إليها ملياً بينما كانت انفعالاتي كموج البحر يقبل نشطاً ثم يتكسر على الشاطئ ولكنه لا ينقطع عن معاودة المجيء باستمرار. وعندما ابتعدت الممرضة عني حاولت أن أرفع صوتي بالسؤال مرة أخرى:
_ أرجوك، أريد أن أعرف أين أنا؟! هذا وضع مميت لقد تَلِفت أعصابي، أليس من حق الكائن أن يعرف أين هو حتى حين يقترب منه الموت إلى هذه الدرجة؟! ما هي الحكمة في سكوتك؟ من انصرافك، من معاملتك هذه لي ؟! إنني جريح.. إنسان جريح ألا يمكن أن يعني هذا شيئاً بالنسبة لك؟!
ولم أكن أتوقع إلا ما أسمعه منذ أيام" صفقة الباب بعنف.". وشعرت أن جدران الغرفة تهتز وتكاد تنطبق على صدري، لا جدوى من الكلام لا جدوى، وبترت ذراع كلمة امتد نحو حلقي، قاومت كل رغبة لي في الكلام، ولكنني رغم ذلك لم أعرف كيف تدفقت الكلمات لجوجة متدافعة كأنها أحصنة وحشية منفلتة، وأخذ صوتي يرتفع بكل إمكاناته على الارتفاع:
_ هذه ليست معاملة، أكاد أجن، قولوا لي أين أنا.
الوحوش لا تفعل ذلك.. أين أنا؟! لمَ هذا التعذيب المدروس؟ هل أنا في معتقل أم في مشفى أم ..أين؟!
ولا أذكر من حركتي إلا أنني رفعت رأسي بشيء من العنف وأنا أصرخ، وعندما استيقظت كان الظلام يلف الغرفة تماماً، ولم أدر ما الذي جرى لي، عندما حركت رأسي شعرت بالدم في رقبتي، ألم شديد لم أكن أشعر به من قبل، وعلى شعاع ضوء ينفذ من فوق الباب، تبينت وجود طبق ترابي اللون ملقى إلى جانب سريري وفيه بعض الطعام، نظرت إلى الطبق محاولاً التعرف إلى ما فيه من طعام ولكنني لم أستطع. وعلقت نظري على باب الغرفة لعلَّه ينفرج عن أحد. فليفعل القادم ما يفعل وليتصرف كيف شاء، المهم أن يحضر أحد، إن الحاجة إلى الآخر قتالة لا سيما في فترات المرض والضعف. كل ما كنت آمله أو أتوقعه أن تدخل الممرضة التي اعتدت رؤيتها حتى وإن لم تتكلم، ولكن عندما انفرج الباب بعد وقت غير قصير من الانتظار المميت، ودخل شخصن يحملان أوراقاً وآلة تصوير، أحسست أن الأمر غير عادي، ولم أنتبه إلى أن السؤال يوجه إليّ للمرة الثالثة وأنا أنظر إلى السائل ببلاهة، إلا حين وكزني الرجل الأشقر الطويل الذي كان يقف إلى جانبي وكزة قوية في رأسي وهو يقول:
_ لا تعتقد أن الأسرى الجرحى والمرضى لا يعذبون إذا امتنعوا عن الإجابة، إذا كنت تعتمد على مثل هذا الاعتقاد فأنت أبله.
وفي أثناء فترة الصمت التي مرت بين كلام الرجل والتفاتي إليه كنت أطوف على أجنحة كلمة " أسرى" فتدور بي وأدور معها في آفاق وأمكنة شتى... من يوم المعركة إلى أقدم ما سمعته من أخبار المعارك، ومن جبل الشيخ إلى الكويت وهو امتداد ما أعرف من أرض؛ وتنبسط أمامي أحداث ومواقف بالسرعة نفسها التي تنطوي بها، ويمر عدد من الأشخاص في ذهني بشكل خاطف: زينب، أولادي، نزار، الضابط، وتختلط بعد ذلك الأشياء بالأشخاص: البيت، الصخرة الحنون، قفزي في الخندق والرصاص المنطلق من حولي وفوق رأسي، زوبعة ترابية انطلقت مع انفجار لغم إلى جانبي في إحدى الدوريات، إضافة إلى أشياء كثيرة أخرى لم أعد أتذكر تفاصيلها،لأن الصور والأحداث والأشخاص والأشياء كلها اندفعت تتزاحم على أبواب ذاكراتي. قلت للرجل بصوت راجف ضعيف:
_ الأسرى؟! هل أنا..
= ألا تعرف ذلك؟!
لا أعرف كم من الوقت مرَّ بين جواب الرجل وكلماتي التالية، ولكنني خلت أن عمراً مرَّ بينهما، عمر مثقل بالألم والتجارب والمرارة والأحداث. وتقافزت من ذاكرتي لقطات من فترات التدريب وليالي الحراسة في الجبل المعمم بالبياض، وخطابات القادة، وضحكات نزار البريئة. وأظلني شبح الصخرة مرتدياً السواد، وانفتح أمامي صدر الجولان ينفث الأسى دخاناً، أهو الأسر إذن؟! ألم أسمع جيداً؟! خلت أنني سمعت، بل سمعت فعلاً وأنا أتراخى إلى جانب الصخرة أن سهل الجولان ينكشف أمامنا والعدو يتراجع.. سمعت الأمر بالتقدم، ما الذي حدث بعد ذلك؟! هل كان بيني وبين تلك اللحظات حدث كبير؟! وظهرت في أفق ذاكرتي غيوم حزيران النكبة زحفت غليّ واستقبلها يأسي.. ولم يعد في أفق حياتي سوى غيمتين كثيفتين ترومان الالتحام وتنذران بالبرق والعواصف.. لم يصل قتام غيم الأمس إلى سواد يأس اليوم، فرَّق بينهما سؤال الرجل الواقف إلى جانبي وهو يكبح جماح سخرية تكاد تفرقع ضحكات هزء في وجهي:
_ ألا تعرف فعلاً؟!
قلت بجفاف حلق ولهجة:
_ سألت كثيراً أين أنا فلم يجبني أحد، وأنا لا أعرف.
غرقت كلماتي الأخيرة بزحف دموعي على الحلق والعينين، اضطرب أسفل ذقني بحركتين لا إراديتين، وانشغلت بتمالك نفسي عن كل ما حولي وفي أثناء ذلك رفرفت صور أولادي وتزاحمت أسراب لا حصر لها من الكلمات والصور والوقائع ترسم نتائج وجودي هذا.. تجمعت كلها في الحلق وأخذت تتكاثر؛ وبرز فوق هذا الحطام الزاحف تجلد رفاقي في القتال والضابط الذي شاركني الحفر لانتشال نزار من التراب والصخرة الأم التي ارتبطت بها. كنت أشعر بأن ألفَتَنا المقدسة تلك قد انتهكت وأن أقدس ما قدمناه قد استبيح وسقط تحت مرمى ألسنة العالم كله. لقد قاتلنا.. قاتلنا.. قاتلنا، وبعيني رأيت رفيف النصر، فكيف حدث ذلك؟!
وانتزعني كلام الرجل من رغبتي العارمة في الإخلاد إلى الصمت ومحاولة التذكر للتعرف إلى ما حدث.
_ ها قد عرفت الآن. قل لنا ما اسمك؟!
= محمد المسعود.
وبدأت الأسئلة تتوالى، وأنا أرد عليها بآلية بين المصدق والمكذب لما يجري . كنت أجيب على الأسئلة وأنا أتساءل:
_ ما الذي حدث حتى وقعت أسيراً؟! هل قتل زملائي كلهم، أسروا معي؟! والمكان الذي كنا فيه، هل احتله الأعداء الآن؟ والصخرة هل يقف على صدرها جندي عدو؟! أهنالك أرض جديدة محتلة، ونازحون جدد يتركون الجولان، نساء وأطفال وشيوخ يهجرون قراهم لينضموا إلى أفواج الناس من سكان الخيام؟! ماذا فعلت أنا وغيري إذن، أي عار خلَّفنا وراءنا؟! وأي ادعاءات عريضة كنا نبيعها لأنفسنا وللوطن؟! أهذا هو الإرث الذي تركناه لأطفالنا وللأجيال القادمة؟! عار المذلة واحتلال العدو مزيداً من الأرض؟!
ولم أشعر بدموعي التي بدأت تنساب برخاء من عيني، كان قلبي يبكي على أشياء ومعان كبيرة ولم أدرك بأنني أبكي أمام العدو، وأن ذلك يجلب الشماتة.. وهو العار ذاته. وعندما قال لي الرجل الذي يستجوبني:
_" لا تظن أن الدموع ستشفع لك عندنا بل إجابتك الصحيحة هي التي تشفع لك، لا بد من أن تجيب على سؤالي: ما هي الأسلحة التي تستخدمونها ومن أي نوع؟! للمرة الثالثة أطرح هذا السؤال عليك، وهي المرة الأخيرة وبعدها لن نستمع إليك حتى لو طلبت أنت أن تتكلم.
لم أكن أعرف أنني توقفت عن الإجابة على أسئلته ولم أفكر بأنني سأجيب على مثل هذا السؤال في أي مكان وتحت أي ظرف طرح عليَّ فيه. لقد كانت الأجوبة على الأسئلة العادية: الاسم، اسم الأب والأم، المسكن.. الخ تنساب على لساني وأنا أفكر بأشياء أخرى أكثر أهمية. وبمثل تلك السهولة التي كنت أجيب بها على الأسئلة العادية، توقفت عن الإجابة على الأسئلة غير العادية التي بدأت تُطرح علي. وتنبهت عند ذلك إلى أنني بدأت أقوم، وأنا في الأسر، بعمل ما وإلى أن هناك مهمة وطنية شريفة يمكن أن أؤديها حتى وأنا أسير، وهي المحافظة على أسرار الجيش وعدم الإدلاء بأقوال ومعلومات يستفيد منها العدو. أدركت أنه ما زال فيَّ نفع، وأن أمامي فرصة لإظهار الرجولة حتى بعد حدوث الجراح البليغة وكسور العظام والوقوع في الأسر.. أنني يمكن أن أفيد الوطن وأنا في وضعي الأخير هذا، لا أدري مقدار الفائدة التي يمكن أن أقدمها بالضبط ولكنني سأفعل. وبعث فيّ هذا شياً من القوة، وعندها فقط أشرق وجهي والتمعت عيناي وأحسست في بعض جسمي قيمة وأن هناك مالا بد من إنجازه.
استجمعت قواي، ونظرت إلى الرجل الواقف أمامي الآن بصلابة، وجف نبع الدمع الذي كان ينسكب من عيني دونما إرادة مني، جف تماماً وفجأة، وأجبت الرجل بحزم:
_ إنك تسأل الأسير أسئلة ممنوعة. أنت تعرف أن هذا السؤال لا جواب عليه.
= لا تظن أن هذا سيفيدك.
_: ولا تعتقد ذلك أنت أيضاً.
=: نحن نعرف كيف نحصل على ما نريد، وسترى نفسك تجيب ببساطة تامة على أسلتنا كلها، عندما نقرر ذلك.
_: وأنا أعرف كيف أسكت وأصبر.. افعلوا ما شئتم.
=: تعقل ولا تعاند.
_: لا جواب عندي، آن لك أن تدرك ذلك بوضوح، لا جواب عندي غير ما قلت ، ما تسأل عنه أمور نسيتها تماماً ولا أمل في أن أتذكرها.
رمقني الرجل باحتقار وهو ينهض ليبدأ زميله أسئلته بأسلوب أكثر جلافة وخسة..
***
لم أسمع بعد ذلك ما قيل لي من كلام ولم أحرك لساني بكلمة، التزمت الصمت ووضعت حاجزاً بيني وبين ما يجري أمامي، وقررت أن أتحداهم بقوة روحي ما داموا قادرين على الوصول إلى إيذاء جسمي. لم أعد أشعر بشيء حولي ، حتى بالتجويع وبالألم اللذين استغلا للضغط عليّ من أجل إضعاف معنوياتي. كانت فترات الصحو التي تمر بي فترات مشرقة أرى من خلالها صوراً تشبه تلك التي يراها إنسان غارق في الحلم.
" زيد يمرح راكباً حصاناً أبيض اللون يمر أمامي كالنسيم: ملاك طاهر على جواد من نور، زينب تبتسم وتركض أمامي في مرج وأنا أتبعها، ويخطر لي أن نكون في شوارع الجميلة دمشق فنكون، نركض ونركض، وكأن المدينة بستان لنا، بستان فتحه الأهل للشهداء والمصابين مع أسرهم، وتغمر أقدامنا مياه بردى الذي يجري على خصر دمشق كحزام من فضة، وأشجار حوره كالصبايا ناثرات جدائلهن على ضفافه، وقاسيون شعلة متعددة الألوان فيها البهاء كله، مرحت متهللا في الشوارع بلا قيود، وحققت رغبات شتى أنا وزينب غير آبهين لشيء؛ خِلْتُ الأهل في الوطن الكبير يفتحون صدورهم لي ولمن يخصني . في الحلم يصبح للناس عيون ووجوه وصور وحضور غير ذلك الذي يكون في الواقع، وهكذا كنت أرى.
منذ ذاك اليوم أخذت أستعيد الأقوال والأغنيات التي كنت أتأذى من سماع بعضها في الإذاعة، أخذت أستعيدها برضا بل باعتزاز، وبدا لي كل شيء هناك حلماً في بلاد الأحلام. صور وصور من بلادي العزيزة تمر أمامي ويعطيها الحلم صورة الفن الجميل والمكانة المقدسة فتبدوا بعيدة عن تجسم الواقع في محدودية إنائية ومغلَّفة بهالة القداسة فتعبد. أخذت أعيش واقع الصور، واقع الفن كما يقولون وأتعلق به ويزيده حنيني إليه روعة وجمالاً كما يزيدني اشتياقاً إليه، ويتلاشى كل ما يشوه الصور الحلوة أو يعكر صفاءها وصفاء وقعها في النفس.. يتلاشى كل ذلك في الحلم فتتراقص قسوة المدن رقة وفوضى شوارعها ازدهاء مكابراً، ويتراءى غلاؤها واستغلال تجارها ومقاوليها حنكة متباهية على العالمين، حتى المفسدون يصبح لهم ظل خفيف وتبرير يسوغ وجودهم؟! في الظروف غير العادية يحدث ما هو غير عادي. تتلاشى الأوساخ ومناظر البؤس والقذى الذي يعلق بالأصابع والعيون، كل ذلك يصبح بفضل الشوق والأحلام جمالا وكمالاً ورونقاً بهياً. تكاد الأحلام تكون كبار فنانين وعمالقة عصور الفن، تزين الواقع وتسبغ على الصورة المقدمة منه والمعيشة فيه، أثناء لحظات الحلم، كل روعة لتساعد على توفير المتعة وإراحة الإنسان من قسوة واقع مرفوض مكروه.
كنت كلما صدمتني وجوه قاسية وكريهة أو مناظر مؤذية أو كلمات نابية، أسرع إلى الحلم، فتستقبلني ريشة فنان لتزيل القسوة بنقلة غير متوقعة إلى عالم آخر، بلمسة عجيبة من لون يحيل الموحش شيئاً فذ الإيناس. وتزحمني وجوه أناس أعرفهم، وتلاحقني كلمات طيبة في الأحلام، وتندّ مني بين حين وآخر صرخات، ويتوفَّز كياني ليحطم ويرفض ويمزق ، ليبكي ويقاتل في وقت واحد. ولكنني ألجم ذلك بقوة وأقول لنفسي: إنني في مهمة وينبغي أن أكون أهلاً لها ومنصرفاً إليها، مهمتي أن أكون قوياً وألا يبدر مني ضعف أو يأس أو شكوى، أن أكون مزدرياً لما حولي وأن أكون واثقاً من أنني سأعود منتصراً أو أموت منتصراً . موقعي الآن موقع حرب الإرادات وامتحان الثقة بالنفس والصبر في لعبة عض الأصابع. كنت أكبح جماح نفسي وأستغرق في زحام رؤى وصور أحرص على أن تكون ذات وقع إيجابي في نفسي مهماً كانت في حقيقتها لتمر عليّ الأيام كأنني في غيبوبة، وتجعل استغراقي فيها قريباً من لذة الاستغراق في حلم جميل.
|