|
ـ 5 ـ
لم يعرف النوم سبيلاً إلى عيني زينب في تلك الليلة، وكان زيد في حضنها يسبح في العرق لكثرة ما احتضنته وحنت عليه وضمته إلى صدرها. كانت تحدق إلى عينيه على ضوء مصباح الكاز الذي ينشر رائحته في جو الغرفة مثلما ينشر ضوءه الأحمر الخافت ، فترى فيه صورة والده: العينان والجبين، الأنف والفم، وكانت ترى فيه الرجاء والأمل بعد والده فتزداد حنواً عليه. وعندما تشعر أنها ضيقت على الطفل كثيراً تتركه وتذهب مع الذكريات والأفكار المرة المؤلمة:
_" أين محمد الآن؟! أهو ميت حقاً أم هو جريح ؟! أم سليم معافى في مكان ما من الجبهة؟! الناس يقولون: إن المفقود هو الميت، ولكن في الجيش يقولون على الميت: " مفقود". هذا هو التفسير الذي يعرفه الناس في القرية لمثل هذه الكلمات التي تقولها الإذاعة ويقولها العسكر".
ولكن فكرة قبول أن محمد المسعود ميت لم تدخل في رأسها. إنها لا تقبل إلا صورة محمد الرجل الحي القوي العطوف، زوجها الذي تعتز برجولته وبإخلاصه ومحبته لبيته ولأولاده، محمد المسعود الذي أثبت أنه رجل ولم يحن رأسه لأحد أبداً، وصبر على الظروف الصعبة، وذاقت معه الحلو والمر، وعاشا، رغم قسوة الحياة والناس، بشرف؛ كان قوياً ورجلاً، تذكر جيداً مواقفه وأعماله، ذهب مرة إلى الكويت واجتاز الحَمَاد في حر الصيف وعندما تعطلت بهم السيارة هو وزملاؤه في الصحراء، حُملوا جميعاً إلى المستشفى لأنهم لم يتحملوا العطش والحر، إلا هو فقد تابع سفره في سيارة أخرى؛ تعرفه أباً رؤوفاً وزوجاً وفياً لم يسافر مرة إلا وعاد إليها أكثر حناناً وحباً وإخلاصاً ونقاء مما كان. لم تقتنع أن محمد هذا القوي الوفي قد مات، محمد لا يموت هكذا ببساطة كما يموت غيره.
وأزهرت في رأسها فكرة غدت مصدراً لصور كثيرة خلقت من حولها عالماً افترَّ له ثغرها عن ابتسامة رضا، ودغدغ قلبها حلم جميل، أحسَّت معه أن دم الصبا يعود إليها وأن حيوية الشباب تنبعث في عروقها. وبدأت تشعر بجسدها يعج بالحياة، ونما في كيانها برعم الرغبة، فلمست ثدييها، ومدت كفها نحو أسفل بطنها ثم ارتفعت بها شيئاً فشيئاً إلى أعلى الخصر، واستنشقت مثل أرج الربيع في البرية، فاستعادت لحظة من لحظات المتعة مع زوجها وهي تسبح على أجنحة الخيال. إن في الحياة غنى وإمكانات لا حصر لها، وفي حضن اليأس يمكن أن تنبت الابتسامة ويخضر الأمل، الحياة نفسها حد فاصل بين اليأس والأمل. وعلى قفزات صور استراح خاطرها عند صورة جميلة طافحة بالأمل تعتَّقَت في ذهنها، أخذت تعيد تفسير الأحداث وتكوينها في معطى جديد:
_" ماذا لو كان محمد في طريقه إلى البيت الآن؟! لا بد أن شوقه إليها دفعه إلى الفرار بضعة أيام ليعود إلى فراشه الذي طالما أحبه واستراح فيه من عناء الحياة والجسد؟ ! لا بد أن ذلك ما حدث، وعندما لم يجدوه قالوا إنه مفقود، واعتقدوا أنه ميت! إن الفكرة مقبولة. فعلا لم لا يكون الأمر كذلك. محمد يشتهيها كثيراً ولا يستطيع أن يبتعد عنها مدة طويلة، ويحول إخلاصه لها وتربيته الخاصة دون أية ممارسات تؤدي إلى إشباع جوعه الغريزي مع سواها. إن الأمور تبدو طبيعية ومنطقية على هذا النحو، فهو طالما حدثها عن العذاب الذي يعانيه، وعن الشوق الذي يضنيه إذا ما ابتعد عنها، وكذلك حدثها عن سخطه وخجله لأنه لا يستطيع أن يؤمن لها من المبلغ الذي يأخذه" راتباً شهرياً" سوى عشرين ليرة سورية، وأن المبلغ التافه لا يمكن أن يسد أقل حاجة من حاجاتهم؛ وطالما حدثها أيضاً عن اشتهائه للقمة" المجدَّرة" يأكلها معهم ولو كانت مغمسة بالتراب والدمع، إنها تبقى عنده أفضل من الماء المصبوغ "بدبس البندورة" مع قطع البطاطا، تغوص خلفها الأيدي لتعثر عليها بعد مشقة، وهي الوجبة التي يتناولها كثيراً في إناء لا يفتح الشهية على الإطلاق. ربما اشتاق إلى طبخ يديها، وقد يكون محمد الآن قريباً".
وتصورته يعود إليها هارباً يطارده الخوف ويعلو وجهه تراب الطرق، وتصورت نفسها تحتضنه ويحتضنها ليغسلا تعب الأيام بالقبلات والدموع، ثم تنظر إلى وجهه فتقرأ في عينيه إحساساً بالخجل، وتذوب رأفة وهي تسأله" لم يا أبا زيد".
_" سيقولون إنني هربت خوفاً من الموت، إنهم لا يفهمون شوقي للأولاد، ولا معنى مشاعري نحوك، ولا يصدقون أنني سأعود بعدما أملأ عيوني منكم، سوف تأتي الشرطة لتأخذني". ويغطي وجهه براحتيه.
وتبتسم زينب ابتسامة تحمل براءة العمر كله وغنى العمر كله:
_ لست جباناً، أنا أعرفك، ألا يكفيك أنني أعرفك؟!
= ولكن.. الناس؟! لن يصدقوا، لن يصدق أحد أنه مجرد شوق تتبعه عودة، وسأتهم من دون أن يقدر أحد عواطفي أو نياتي.
فكرت زينب قليلاً في هذا الكلام الذي رأت أن محمداً يمكن أن يقوله في وضع كذلك الذي وضعته فيه؟ وعادت لتضع الحلول وتلتمس التبريرات لمثل هذه المشكلات العويصة والحالات المحتملة. قالت:
_" لا يهم. سافر إلى الكويت". إلى الكويت؟ وقفت الفكرة كالحَسَكَة في الحلق، وأخذت لحظة شرود منها، أو لحظة جمود مشدودة، حتى استساغها عقلها، وصححت لنفسها تساؤلاً آخر ورد في ذهنها: " يكون في الكويت بعيداً عنا وفي مأمن نشعر فيه بالاطمئنان عليه أفضل من أن يكون قريباً منا ومهدداً بالموت في كل لحظة.".
وازدهرت الفكرة في نفسها ونمت كشجرة في الربيع واستحوذت على حيويتها، فأخذت قواها تتركز في حواسها وخُيِّل إليها أنها تراه يسرع الخطو إليها على الطرق الوعرة متجنباً الطرق المعبدة وركوب السيارات كي لا تمسكه الشرطة، والحذاء يثقل على قدميه من طول السير في البراري فيخلعه ويسير حافياً، والأرض المزروعة بالحجارة والأشواك لا ترحم. وتماثل لها يسير والدم ينزف من جروح في قدميه سببها المشي، وقد كسر ظفر إبهامه من حجر لئيم ارتطمت به قدمه، فأحست بالأسى وبصرخة تتجمع متواثبة في حلقها، ولكنها حبستها بعزم وراحت تخفف عن نفسها باجترار الأمل والتفاؤل:" إنه يقترب وهو يلهج باسمها ويناجيها بكلمات عذبة وفي عينيه يخضر الشوق ويموج ويضطرب، ستعانقه وتغسل قدميه بالماء الساخن وتزيل من راحتيهما الشوك وعن جراحهما التراب. سوف تغلق عليه الباب وتخفيه في البيت وتنكر عودته عن كل من يسأل عنه، وليقل الناس ما يقولون، يكفي أنها تعرفه حق المعرفة. والأولاد ، ستوصي الأولاد بألا يتكلموا، وهم لن يقولوا شيئاً، إنهم يفهمون معنى ذلك ويحبون والدهم، زيد يفهم ويقدر، لقد أصبح رجلاً ما شاء الله، لن يلعب مع أحد ، ولن يذكر ذلك لأحد. سيفرح الأولاد بأبيهم وسيرقص البيت طرباً ويصبح لكل شيء معنى وطعم ولون مغاير لما هو عليه الآن، ستصير الدنيا دنيا والبيت بيتاً والناس ناساً. نظرت إلى الأولاد وهم نائمون، إنهم كصغار الحمام يتكومون أمامها؛ وشعرت بأن قلبها يكبر حتى ليكفيهم ركن ظليل صغير من أركانه الآمنة، أما الباقي من ذلك القلب الكبير فسيمرح ويتربع فيه زوجها. إن له القلب وأكثر من القلب.. له حياتها كلها، ألم تحبه الحب كله؟ ألم تتعذب في سبيل الوصول إليه؟.
انتظرته سنوات وهي في سن الزواج، كاتمة حبها متحملة ضغط أبيها وأمها إلى أن تمكن من جمع المهر وفتح بيت. كان ذلك مرهقاً لكليهما ولم يكن هناك مخرج إلا بالعمل والصبر والانتظار. والحب يمد الإنسان بذلك كله، ويجعله قادراً على صنع ما يسمى بالمعجزة. لقد أحبت محمد منذ الصغر، وترافقا على طرق القرية، والتقيا في أفراحها، وطالما تبادلا نظرات لها معان مختلفة عن تلك التي كانت لهما في الصبا، عندما كبرا وشعرا بخفق قلبيها المتوافق. إن عذاب الحياة ومرارة الأيام مع من نحب ومن أجل من نحب أعذب في الذكرى من لحظات السعادة، لا سيما إذا حققت أهدافاً كبرى. لمحات صغيرة من مواقف هامة بنت علاقتهما الفريدة مرت بخاطر زينب وهي تعيش لحظاتها الحالمة تلك، حين دفعه حبه لها إلى حدود الغيرة السوداء من كل من يتقدم لخطبتها وإلى الاغتراب رغم قلبه ورغماً عنها هي ليعمل من أجلهما، ويوم أعلن غضبته في وجه والدها حين تردد في أمر تزويجها منه وطمع بمال سواه. نتفٌ من لحظات مرت واختصرتها جميعاً، بل دفعتها عن ساحة خيالها بعنف وحزم وعادت لترافقه في رحلته الشاقة التي يقطعها شوقاً إليها. تصورته يقترب من القرية، ويتحاشى الدخول في الطرق الرئيسة، وطمأنت نفسها بأن الوقت ليل، والليل في آخره، والناس نيام. بدأ كل جزء من جسمها يتحول إلى جملة حواس مرهفة، ومحمد يسير على مهد من حواسها تحتضنه وتهدهده لتوصله سالماً إلى البيت من دون أن يراه أحد. وها هو يتخطى في الظلام طرقات القرية، ويصل إلى مقربة من الدار. وتهيأ لها أنها تسمع وقع خطا تمر من خلف البيت، فأخذت دقات قلبها تزداد سرعة وعنفاً، وامتدت يدها إلى اللحاف ترفعه عن جسمها وتبعده قليلا بما لا يكشف الصغار الهاجعين إلى جانبها، ثم نهضت متجهة إلى باب الغرفة، كأنما تريد أن تفتح الباب وتخرج لتلقاه في أرض الدار.
حركت بريم مصباح الكاز عدة مرات حتى تمكنت من رفع الفتيل قليلاً ليزداد النور في الغرفة، وأزعجها هذا البرّيم القديم الذي لم يعد صالحاً للاستعمال، ثم امتدت يدها إلى ثوبها ترتديه على عجل، وأنهت لبسه في الوقت الذي ارتفع فيه نباح كلب من بعيد جاوبه " حمران" على الفور من خارج الباب، وعرفت من ابتعاد صوت حمران أنه يركض نحو باب الدار، فشعرت باضطراب وارتباك حقيقيين هذه المرة، وداخلها القلق والخوف، وفرّت الفكرة الجميلة من رأسها مرافقة ببرودة الدم في عروقها وفراره من الوجه القمحي الذي اكتسى فكرة مرعبة تكبر وتكبر:
" ربما كان هناك شخص غريب يقترب، رجل يقصد دارها في آخر الليل، وقد عرف أنها امرأة وحيدة لا زوج لها، ولا يوجد معها في البيت من يحميها؟ إن هذا ممكن، فماذا تفعل؟ ساقاها ترتجفان، وتغير اتساق حركاتها فغدت سريعة متضاربة، وكررت تحريك فتيل السراج حيث خففت من شدة النور هذه المرة؟ ماذا تفعل؟ ومن يكون هذا الشخص الذي يقترب، لن يفعل ذلك، إذا حدث، إلا رجل من القرية، شخص يعرفها ويعرف وضعها. وتقاطرت في ذاكرتها بعض الأسماء: صالح الأحمد؟ كان يرغب فيها وحاول أن يخطبها، ولكنه أعقل من أن يفعلها، من يكون يا ترى؟ أحمد الحسن، هو الآخر عينه تلعب عليها، ولا يوفر اقتناص النظرات إلى نحرها وجيدها عندما يرتخي" شَنْبَرُها" ويظهر بياض لحمها. كانت مسكونة بالأفكار صريعة وقعها الحاد وهي تفكر كيف تواجه الموقف، ماذا تفعل لو اقتحم رجل دارها، إنها لن تستطيع شيئاً. ونظرت إلى زيد تستجير به، وكان كالملاك الحالم، إنه صغير يبكي على الرغيف.. يا حسرة مالها أحد. وجال بصرها قليلاً في أطراف البيت، ماذا يوجد عندها لتدافع به عن نفسها إذا اضطرت إلى ذلك؟ وبسرعة استقر نظرها على " قَنْوَة" زوجها معلقة إلى الجدار، وهي عصا غليظة نسبياً مدببة الرأس، تتباهى طبعات المسامير النافرة على " دَبَسَتِها".
مشت إلى العصا والتقطتها من مكانها، وأمسكت بها في وضع المقاوم الصلب. كان محمد بهذه العصا يواجه كل قوة تعترضه، واستمدت من ذلك بعض الثقة. وقفت عند لباب تتنصت وقد استنفرت حواسها وتحفزت قواها. لقد هدأ نباح الكلاب قليلاً، ولا يوجد صوت خطا يقترب منها. عادت رويداً رويداً إلى فراشها ووضعت العصا بجانبها وحاولت أن تهدأ قليلاً، ولكن الاضطراب كان يفترس كيانها كله ويتحول تأثيره إلى برودة ورعشة تمتد حتى لتكاد تصبح قشعريرة مهلكة، سحبت اللحاف عليها وحضنت ابنها زيداً بقوة، وتعلقت عيناها بالباب الذي شف كل شيء فيه حتى تلك الأضلاع الخشبية الدقيقة التي تشبه الألياف ظهرت متلاصقة متراصة كأنما ترتعد هي الأخرى من شدة الخوف، وتحاول أن تتجمع وتتلاصق بقوة استعداداً للدفاع عن زينب وأطفالها المساكين وعن شرف أبيهم، الذي لا يعرف أحد مكانه الآن.
وبدا كل شيء مرصود الحركة بالنسبة إليها، حتى لكأنها تسمع دبيب النمل، وتحصى أنفاس أقل الكائنات شأنا في الكون.
وعندما ابتعد نباح الكلب وسكت حمران هو الآخر، وأحست بحركته يعود ليرْبص " يربض" قرب الباب، أخذ هدوء الليل يعود مرة أخرى ليغري خيالاتها وهواجسها بالحركة. وعاودها الإحساس بأنها امرأة أرملة وحيدة في بيت يخيم عليه الحزن وتلفه الكآبة وتتفتح عليه العيون.
شعرت بأنها ضعيفة تحتاج إلى العون وإلى من يعطف عليها ويشملها بحمايته بعد فقدها زوجها، وأن أولادها الصغار يتامى يحتاجون إلى من يعيلهم ويحميهم ويشرف على ترتبيتهم، إلى من يشعرهم بالعطف ويعوضهم عن وجود الأب. وامتدت يدها إلى وجهها تمسح دموعاً سالت من عينيها، وتوقفت يدها قليلاً، جمدت راحتها ثم ارتعشت تتحسس بشرتها وشعرت بأن راحة كفها تتعثر بكَرْمَشات هنا وهناك، وبأن الأخاديد الغائرة على جانبي وجنتيها عميقة، عميقة فعلاً، وأحست بها مثل هوة في وادٍ وعر.
وصحا فيها شعور بأنها امرأة تقدمت بها السن وترهل جسمها ولم تعد تثير في رجل ما شيئاً، بل لم يعد في الكون من يشعر بالحاجة إلى وجودها!! من يقبلها أو يهتم بها بعد الآن، أرملة وخلفها عِرّ أولاد. تضاءلت زينب كثيراً وسحَّت دموعها على مخدتها وارتفعت حرارة أنفاسها. إن عليها أن تزحف في الطرقات مثل دابة جرباء منبوذة لا تثير حتى شفقة أحد، وأن تسارع الخطا ما أمكن نحو القبر.
وازدادت تضاؤلاً وانكماشاً في فراشها، وخمدت كما تخمد شعلة نار نضب وقودها، وران عليها ليل صحراوي قارس البرودة. وبحركة عفوية امتدت يدها إلى أيدي الأطفال تلثمها وتضع أكفها الصغيرة على خدها كأنما تستمد شيئاً من حرارة الوجود ومبرِّارته، وانسابت دموعها غزيرة بصمت تبلل الأيدي النحيلة البريئة.
وعندما ارتفعت أصوات السنونو بزقزقة حلوة عرفت أن الفجر قد بزغ وأن عليها أن تنهض لتهييء الخبز للأولاد الذين يجب ألا يشعروا بالجوع والحاجة ما دامت حية. وأخذت تعد نفسها ليوم جديد، تاركة كل تلك الأحاسيس الضعيفة في فراش ضم أرملة وثلاثة أولاد صغار في ليل صحراوي شديد البرودة.
|