صخرة الجولان - علي عقلة عرسان – رواية - دمشق 1987

ـ 6 ـ

لم تكن أم سليمان قد زارت زينب منذ ثلاثة أيام، ولذلك صمتت ولم تعرف بماذا تجيب أحمد الحسن عندما سألها عن أحوال أولاد" المرحوم" وعن زوجته وعما إذا كانوا يحتاجون إلى شيء. ولما كرر أحمد الحسن سؤاله همَّت بالكلام فانتابها سعال مكتوم بصوت تشي حشرجته بتعب السنين وبعمر طال فيه الشقاء، عاشته أم سليمان في الطرقات وعلى الأبواب، بين المرض والفقر والوحدة. كانت تلقط سنابل القمح في حرّ الصيف من الحقول وراء الحصادين، ومن طرقات الجمَّالة الذين " يَرْجُدون" الغلال إلى البيادر وتحاول أن تجمع بتعبها ما يقيها شر السؤال، وعندما يشتد البرد وتنفد المؤونة ولا يذكرها المحسنون، يخرجها الجوع من " خُشَّة" اللبن التي تسكنها لتدور على وجوه الأجاويد تسأل لتأكل. فبعد أن هاجر ابنها وانقطعت أخباره ومات زوجها فقيراً كما عاش، لم تجد قدرة ولا وسيلة تكسب بهما عيشها سوى ما هي فيه.‏

إنها منفية بين خلق الله في قرية بائسة يأكل نضارتها ونضارة أهلها الجفاف. وها هي تتقدم في هذه الدائرة التي لم تخرج منها منذ ولدت، تتقدم إلى حفرة القبر التي تعدها لها قريتها العزيزة ، حفرة ملائمة تضم جسمها الضئيل المحدودب وبقايا الجمال على وجه استغرق الوشم معظمه.‏

قالت أم سليمان بعد نوبة سعال خفيف، وعكاَّزتها ترتجف مع ارتجاف يدها المعروقة:‏

_: كنت مريضة ولم أزرها منذ ثلاثة أيام، وهي المسكينة، ما عندها أحد ولا وقت لديها لتزورني.. معذورة، كان الله في عونها.‏

=: اسأليها إن كان تحتاج إلى شيء فأنا بالخدمة.‏

أمانة الله يا أم سليمان قولي لها أمانة الله، عليها أن تطلب وعليَّ أن أقدِّم.‏

استغربت أم سليمان هذه اللهجة من أحمد الحسن. وهذا الاستعداد الكريم الذي لم يكن يظهر عليه من قبل، ولم تجد بدأ من القول: " لا.. فيك الخير، كثر الله من أمثالك. يصل إن شاء الله". كانت أم سليمان تضع قطعاً نقدية صغيرة على لوح الخشب الذي تداولته الألوان حتى لم يبق له وجه ولا لون من كثرة الأوساخ، وهي تقول كلماتها الأخيرة ملغومة بالسخرية، ثم تناولت علبة السجائر التي طلبتها. وفوجئت بحركة يد أحمد الحسن تعيد إليها النقود" خذي يا أم سليمان، هذه المرة علينا". لم يكن أحمد الحسن يبدي من هذا الكرم حتى أقل بقليل ، فما الذي حدث له؟‍ كانت تطلب أن تستدين فلا يقبل أحياناً، فكيف هبطت عليه الرحمة هكذا ؟‍ لمَّت أم سليمان قروشها واستدارت ذاهبة وهي تستكثر خيره.‏

وفي الطريق إلى بيت محمد المسعود استعادت كلمات أحمد الحسن وحركاته ، وتوقفت عند لهجته الحارة وما لمحته من توهج خاص في عينيه، وكانت تتساءل بدهشة واستغراب: " أحمد الحسن متهلل الوجه يتحدث عن زينب وأولادها ويبدي استعداده لتقديم ما يحتاجون إليه؟‍ ولم يكن يقبل أن يدينهم بليرة سكراً وشاياً حين كان محمد المسعود حياً؟‍ لماذا يفعل ذلك؟‍ فكَّرت أم سليمان كثيراً ، وقلبت الأمر على وجوه وقالت لنفسها: إنها شفقة غزت قلب الرجل الكهل على أولاد شهيد، أو ربما ثاب إلى الله بعدما رأى مصائر الناس وأراد أن يعمل خيراً يخفف به نار جهنم التي تنتظره لكثرة ما اقترف من ذنوب"؟!. وضعت العجوز احتمالات كثيرة، واستعادت بعض أفعال أحمد الحسن" الناقصة" وكانت تتحول باستمرار طيلة الفترة التي قضتها عند زينب، وأخيراً فتحت كفيها بتسليم وهي تقول لها:‏

_: إيه... إن الله على كل شيء قدير.‏

=: ماذا يا خالة أم سليمان؟ أهناك شيء يشغلك؟‍‏

-: لا يا بنتي..لا.‏

=: أراك على غير عادتك هذا اليوم.. كثيرة السكوت كثيرة التفكير.‏

_: أفكر بخلق الله يا بنتي.‏

=: خير إن شاء الله.‏

_: جاركم أحمد الحسن، وضع في عنقي أمانة الله، وطلب أن أسألك إذا كان يلزمكم شيء، وقال إنه بالخدمة.‏

=: أحمد الحسن؟‍‏

-: معك حق أن تستغربي؟‍ أنا أيضاً استغربت ذلك، ولهذا ترينني هكذا كالمضروبة على رأسي.‏

=: منذ متى يفكر أحمد الحسن بأن يقدم لنا العون أو يصنع معنا معروفاً؟‍‏

-: والله يا بنتي.. لله في خلقه شؤون. ربما هداه الله إلى فعل الخير.‏

=: تعرفين يا أم سليمان أننا لا نقبل حَسَنَة.‏

وأحمد الحسن كنا نطلب منه أن يديّننا ولا يقبل مع كثرة رجائنا له، وليس من عادته أن يتصدق، إنه لا يرمي كسرته إلا على رغيف.. ما قصده؟‍‏

-: هذا ما حصل يا بنتي. ذهبت صباح اليوم لأشتري من عنده علبه " تتن" فحملني هذه الأمانة.‏

=: على كل حال كثر الله خيره. بلغيه شكرنا يا أم سليمان، رحمة الله تكفينا.‏

_: لا إله إلا الله والنعم بالله.‏

أكَبَّت أم سليمان على مسبحتها تردد الورد الذي بدأته ، عدة مئات من المرات، بينما استمر الأولاد باللعب من حولها، ولم تسمع كلمات زينب عندما قالت لها وهي خارجة:‏

" خلي عينيك على الصغار حتى أملأ السطل ماء وأعود قبل أن تغيب الشمس يا أم سليمان، لن أتأخر". كانت الصغيرة فاطمة تدرج في أرض الدار بملابسها البالية وقد تجمد على أكمامها الوسخ وهي تلاحق دجاجة نفرت أمامها وعلى شفتيها علقت ابتسامة ذليلة، وأخوها زيد يركض هارباً من أخيه الأصغر الذي يلاحقه باكياً ليأخذ منه قطعة من الخبز، والعجوز تُكِبُّ على وِرْدِها وتهمهم بالكلمات وهي تحرك شفتيها الرقيقتين الضامرتين، وقد ظهرت عليهما بوضوح آثار وشم قديم من أيام الصبا العزيزة هام به رجل مات قبل أن يصل إليها.‏

ولم تعرف كيف ستستقبل زينب وماذا ستقول لها وهي تنهض مسرعة لترفع زيداً الذي سقط على وجهه بعد أن عثر بحجر في أرض الدار وبدأ الدم ينسكب من فمه، وازداد موقفها حرجاً حين تبينت أن أحد أسنانه قد كسر وشُقَّت شفته العليا شقاً بليغاً.‏

حملته وأسرعت خارجه به إلى دكان أحمد الحسن لعلَّه يساعدها بشيء يمنع نزيف الدم، وتركت الصغيرين الآخرين يبكيان في أرض الدار. وعندما عادت زينب ووجدت الصغيرين كعودين ذاويين يصدران حشرجات مبحوحة، ولم تر أم سليمان ولا زيداً في البيت. تلاطمت في رأسها الهواجس كسرب طير نفِّر في ليل، وامتزج في قلبها الخوف بالغضب.‏

سكبت الماء من" سطلها" في الخابية بسرعة واضطراب، وأخذت فاطمة بين ذراعيها ولفَّتها بحضنها ماسحة عن وجهها الدموع.‏

لا فائدة ترجى من مخاطبة الصغير والاستفهام منه، والأفضل أن تسرع إلى البحث عن زيد. مدت يدها إلى يد الصغير ونهضت وبين ذراعيها فاطمة، وما إن استدارت باتجاه باب الخروج حتى كاد يغمى عليها. وقع نظرها على أحمد الحسن وهو يحمل زيداً بين يديه ويدخل عليها من باب الدار وخلفه أم سليمان تجرّ نفسها بحرج شديد وتتلاوَذ به، ساترة أعظم ذنب تظن أنها ارتكبته. ارتج كيان زينب مرة واثنتين وتماوجت لديها الحدود بين الصحو والغيبوبة حتى كادت تختلط عليها، ثم تماسكت.. وبذلت كل الجهد حتى تماسكت، وحين سيطرت على حواسها كان أحمد الحسن ينتصب أمامها وبين يديه زيد وعلى ثغره ابتسامة، نبت على إحدى ضفتيها شاربان ضيقان أخذا يتراقصان بفرح.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244