|
ـ 7 ـ
حاولت أن أعرف مدى إصابتي. وبجهد كبير حركت جذعي واستندت قليلاً محتملاً ما نتج عن ذلك من ألم وبدأت تحريك رجلي اليمنى، لم أشعر بوجود قدمي؛ وفوق الركبة بشبر تقريباً كان يتركز ثقل كبير لم أستطع تبيُّن حدوده. ورغم أن الحركة التي تمكَّنت من القيام بها كانت محدودة إلا أنني تأكدت بواسطتها من أن رجلي اليمنى مبتورة من فوق الركبة. هذا يعني في أفضل الأحوال: عكازاً أو رجلاً اصطناعية وعدم قدرة على القيام بأعمال كثيرة. هصَرتني الحسرة على نفسي وشعرت بسحابة داكنة تظلل عيني، وبعد فترة نشيج استباحها قلبي هدأت وانتقل اهتمامي إلى الرجل اليسرى، وبذلت كل جهد ممكن لأصل إلى تركيز يمكنني من معرفة وضعها أو من تحريكها فلم أستطع. كانت كتلة من الجص مرتكزة على الأرض كأنما هي قيد يشدني إلى مكان.
وهذا جعلني أتيقن من أن وضعها أفضل من وضع الرجل اليمنى لأنها موجودة على الأقل، ولكن ما هو مدى ما أصابها من ضرر؟ هذا أمر غير واضح ، وبدا لي صعب التحديد.
يدي اليسرى كانت مضمدة ومعلقة برباط إلى عنقي، أما اليمنى فسليمة أحركها وأستند إليها وأستعين بها. كنت أشعر بثقل في رأسي وبرباط يلف جزءاً منه. وبعد هذه الجولة التفقدية على أجزائي، لم أتبين وضعي النهائي تماماً، إلا أنني أدركت أن إصابة الرأس ليست خطيرة، ذلك واضح من قدرتي على الحركة والنطق والرؤية والتفكير، حواسي كلها سليمة.. إذن فالأمر كله يتعلق بالأطراف. ورغم فداحة هذا إلا أنه أيسر من سواه.
وربما لأن العمل يساوي الحياة أو هو الحياة بدأت أفكر مباشرة في نوع العمل الذي يمكن أن يقوم به واحد مثلي حتى لا يعيش عالة على المجتمع. إنني أكره أن أكون عالة على أحد، ويؤذيني أولئك الذي يستمرئون ذلك ويعيشون بطالة أو بطالة مقنعة، أما الذين يستجلبون الشفقة أو يستجدونها فأنهم يثيرون فيّ: إما أعمق الرثاء والفزع، وإمَّا التقزز والاشمئزاز، حسب ما يكونون عليه من حالة تجعلهم عاجزين فعلاً، أو تجار عاهة وعجز. لم أرتح في حياتي لأحد يرتاح لكونه موضع شفقة ولا أحب أن أكون أنا موضع شفقة.. هذا يتحسن علي برغيف وآخر ببضعة قروش وآخر بنظرة وتمتمة غير مفهومة؛ حياة كتلك أفضل منها الموت عندي، أنا أحب أن أعمل ، حتى لو توفر لي ما يمكن أن أعيش منه فإنني أفضل أن أعمل. إن مجرد تصوري لنفسي " كتلة لحم" ملقاة بوجه زوجتي أمر يجعلني على مشارف الجنون.
وشعرت كأنني أدخل في الاعتراض على مشيئة الله وحكمه في خلقه، أردت أن أتساءل:" ربي ماذا فعلت؟!" ولكن الكلام والتفكير والتساؤلات تجمدت كلها عند هذا الحد.
لم أستطع متابعة أفكاري فقد دخلت الممرضة بوجهها المزموم، يتبعها اثنان يجران نقالة، نهرني كل منهم بصمت صاعق حقود، فالتزمت السكون.. حتى حركة عيني توقفت.
ولولا شعوري بوجود الآخرين لظننت أن قلبي توقف عن الحركة أو أن حواسي قد تعطلت. مرت ثوان قليلة قبل أن أدرك أن عيني تجمدتا على النقالة، فحركتها ونظرت إلى الأشخاص الثلاثة نظرة استفسار، ولم ألق أو لم أعط فرصة للسؤال فكيف للجواب. دفعني الرجلان دفعاً عنيفاً إلى النقالة وشعرت بألم شديد جعلني أصرخ، وأظن أنني غبت بعدها عن الوعي.
لأنني عندما استعدت إحساسي بنفسي، كنت في بحر من الظلمات، ورجة السيارة التي كنت داخلها تسبب لي آلاماً متصاعدة بصدماتها المتلاحقة.مددت أصابع يدي إلى عيني أحاول فك العصابة التي ربطت عليهما فلم أستطع، وجربت أن أمسك بأي شيء من حولي يقيني صدمات الارتجاج أو يخفف وقعها عليّ فلم أنجح. ولم يكن أمامي إلا التماس الصبر لكي أتحمل الألم، فتشاغلت بتتبّع التفاف السيارة وحركتها ، وهي فيما قدرت من تلك الشاحنات التي تنقل المساجين عادة. سلكت بي طريقاً متعرجة نسبياً، والمنحنيات كانت تسبب لي إزعاجاً يزداد كلما ازدادت سرعة السيارة وهي تجتاز المنحنى، وبدت لي الطريق طويلة ولا تمر بأماكن مأهولة بالسكان إلا نادراً، فضجة الناس كانت تتناهى إليَّ بوضوح عندما نمر بالمكان المأهول، وحركة المرور هي الأخرى لم تكن كثيفة على تلك الطريق التي تكثر فيها الحفر. وجدت في تتبع حركة السيارة بعض السلوى ولكن لوقت قليل لأنني لم أتمكن من متابعة التركيز، فقد شعرت بالدوار اثر ارتطام عجلات السيارة بحفرة كبيرة عميقة، الأمر الذي سبب لي ألماً رهيباً أفقدني الوعي مرة أخرى.
شق الحر اللاهب طريقه إلى وعيي بعدما صحوت بتأثير قطرات ماء، كانت تتساقط بانتظام رتيب على وجهي. وشعرت عندئذ بضغط وضيق شديدين، أدرت عيني لأتعرف المكان الذي أنا فيه فلم أستطع أن أميز شيئاً في البداية، الرؤية غائمة والموجودات متداخلة تكاد تكون صفحة من القتام الثقيل. كان الجو لاهباً، أنا في ما يشبه الصندوق يكاد يطبق على صدري. أعدت تركيز بصري في المكان الذي أنا فيه ، وشيئاً فشيئاً بدأت أميز على الجدران أشكالاً.. إنها سياط وعصي من أنواع وأحجام مختلفة، أدركت أنها تستعمل في التعذيب، إذن فأنا في السجن وفي حضرة التحقيق والمعذبين.
كنت على الأرض وتحتي بطانية قذرة، وفوق رأسي ووجهي يتتالى الماء برتابة مزعجة، أجلت عيني مرة أخرى أتأمل هذا العالم الغريب، بل الشاذ، من حولي، الذي آل إليه مصير أسير مثلي، إن جراحي لم تشف بعد وقيد الجبصين ما زال يغل رجلي ويشدني إلى الأرض شالاً حركتي وآمالي، ويدي معلقة إلى عنقي، فكيف أوضع فذ هذا " المشفى" العجيب، وأعامل هذه المعاملة البشعة؟! هناك أصول لمعاملة أسرى الحرب والجرحى منهم بوجه خاص، ولكن أحداً في ما يسمى " بإسرائيل" لا يحترم شيئاً من ذلك. ووقفت طويلاً عند كلمة " إسرائيل" واستعدت نطقها وأعدته عدة مرات، وكاد ينتابني ضحك محموم يبعثه هزء مني بنفسي: أفي "إسرائيل" أسأل عن معاملة إنسانية واحترام حقوق وأطالب بذلك، أمن اليهود ترجى الرحمة؟! أين عقلي إذن ؟! إسرائيل التي ورثت إجرام هتلر كله وقتلت الأبرياء، أسأل فيها أنا أسيرها العربي عن إنسانية وحقوق؟! وبعث فيّ هذا الخاطر شيئاً من الرضا والتصميم، ,أخذت أستعيد التحقيق الأول الذي جرى معي، وتصميمي على عدم الإدلاء بمعلومات تفيد العدو. وأعجبني موقفي بل أعجبني أيضاً وضعي المقاوم ذاك وازدهت نفسي قليلاً، وتحوّل معنى وقع نقاط الماء المنتظمة من السقف عليّ شيئاً فشيئاً وكذلك مواجهتي الحر اللاهب الذي أنا فيه، إن هذا يحمل معنى إيجابياً الآن ويعطي لعذابي معنى ويقيم له هدفاً، وصرت في موقف ذاك الذي يتحمل العذاب ليدرك الغاية. وصرخت منادياً لأسمع صوتي إلى من حولي، أو لأستمع إلى حركة ما تصدر كرد فعل على فعلي. كررت ذلك عدة مرات، ثم أخلدت إلى الصمت، لأنني لم أنجح في الوصول إلى إدراك محدد لحركة ما. أحسست بالحر يخنقني وكلما بذلت جهداً أكبر ازداد ألمي وإرهاقي أكثر فقررت أن أكف عن بذل أي مجهود لعلني أصل إلى شيء من الهدوء والراحة. وبدأت محاولاتي في ردع كل فكرة أو اضطراب يخامرني، وشيئاً فشيئاً انفسح أمامي طريق الألفة مع الألم وانسحب عن صدري ستار النزق، وأخذ خيالي ينشط، ويقدم لي وجبات الإلهاء والأمل، بل قل التخدير المستحب.
أنها منقذة حركة الخيال حينما يقيد الجسم ويحدّ البصر وتحجز الحرية. ورأيتني أصل من المكان المجهول الذي أنا فيه إلى كل معلوم أعرفه وأدركه على جناح الخيال الرقيق.
استعدت آخر الصور التي رأيتها في المشفى: ممرضة مزمومة الوجه، ونقالة يجرها تمثالان من كراهية. وخطر لي وجه الإنسان الباسم في الوطن والقلوب الرقيقة والعطف، تخيلت أمثالي من الأسرى كيف يعاملون هناك، وأمثالي من الجرحى كيف يكرمون؛ ولا أدري أهو الضيق أم الفزع مما أنا فيه، ومن المقارنة التي أجريها، هو الذي حملني على هجر كل تفكير في ذلك؟! وجدتني أركض بلهفة إلى زوجتي وأولادي وأهل قريتي. لم يعقني تفصيل من تفاصيل الصور الحية التي أردتها عن استكمال استحضارها، كل شيء محفور بدقة وعمق في الذاكرة وفي قنوات الأعصاب.. استعدت صورة للبيت ولحجارته المتخاصرة في تضاد عجيب والقائمة مع ذلك تحمي صغاري وتقيهم الحر والبرد وعيون الناس، ووجدت تلك الحجارة تخوض الآن معركة وفاء لي، إنها تتكاتف رغم تضادها ليقوم كل منها بتقديم خدمة لصاحبه الذي غاب ولا بد من سد غيبته، وجرني الحجر إلى تذكر الصخرة، تلك الأم الرؤوم من حجر الوطن، ما الذي حل بها الآن يا ترى؟! أهي عزيزة الجانب يحميها أخ لي أو صديق؟! أم تراها تحني الهام ويطأ عنقها حذاء إسرائيلي؟! يالها من قطعة جماد موَّارة بحياة المعاني ومعاني الحياة، تلك الصخرة الأم، التي تغرس قدميها في هضبة الجولان! كيف أصبحت بعد أن تناثرت بعض أجزائها وهي تحميني؟! وهل هناك من يحميها أو يستعيد حمايتها الآن؟! ووجدتني على رفيف الدموع الذي بدأ ينسكب من عيني أستعيد أحداثاً وذكريات في ذاك الجبل الذي يحتضن صخرتي العزيزة؟! سهرات وضحكات مع الزملاء؟! كيف هم الزملاء يا ترى؟! أهم أحياء أم أموات، جرحى؟! أسرى؟! أم مازالوا يخوضون المعركة ؟! وأخذت الذاكرة تقذفني بدفعات من كلمات نزار وحركاته ومواقفه.. يوم أحضر لي سيجارة، وحين طمره ردم القنبلة، ويوم أراد أن يقرضني نقوداً لأرسلها إلى الأولاد ولم أتمكن من إرسالها.
ويوم نزلنا معاً لنستمتع بإجازة يوم واحد، فقضينا الوقت بين النزول والصعود في الطريق ثم عدنا نندب حظنا العاثر؟ ذكريات لا تنتهي ازدحمت على عتبة الوعي تريد مني أن ألوكها وكلها تعرض خدماتها لتقدم لي سلوى أو تثير فيّ حزناً يتغلغل حتى النخاع ويقض مضجعي ويُرْمِض قلبي.
كانت دموعي تسح على خدي وتختلط بقطرات الماء المتقاطرة على وجهي ، وتنبَّهت إلى هذا الوضع الذي أنا فيه: إنه وضع مزر تماماً لشخص مثلي قرر أن يتحدى، كيف يمكن أن يبقى الإنسان قطعة من تحد صلد في جميع الظروف؟! تجلدت واستبعدت الذكريات المثيرة للشجن، طويت لحظات تبينت فيها رأس الأنبوب الذي يقطر منه الماء وتابعت القطرات وهي تسقط عليّ وحاولت أن أعيَّن سرعتها فلم أستطع، وبينما أنا أتأملها علقت عيني على قطرات عالقة على السقف حول الأنبوب تتجمع وتكبر ثم تثقل وتهبط، ولا أدري كيف رأيت فيها عيني زينب حبالى بالدموع، وتراءى لي انتشار الرطوبة على السقف بما ينشره من ظل ونور راسماً وجه زينب التي تسكب ماء وفائها بانتظام ودأب. ولم أجرؤ على مواساتها، بل لم أستنكر ذلك الصوت الذي ارتفع في داخلي يبرر فعلها ويسوغه، وشجعت هذا الهاجس بصمت: لتبك، لم لا تفعل ذلك؟! هل هناك مصيبة أكبر من مصيبتها؟! زوجها غير معروف مع الأموات فترتاح ولا مع الأحياء فتعيش على الأمل، وهي امرأة هصر شبابها، وفي رقبتها أطفال فلا تستطيع أن تعيش حياتها الخاصة مع زوج يسترها ولا أن تضع حملها الثقيل على كتف تحمل معها. وحيدة هي في الهم والمصيبة، مسكينة يا زينب: ابكي ، ابكي شبابك وأولادك وحظك العاثر، وابكي أيضاً إن بقي لديك جهد، ابكي ما شاء لك البكاء، ولتهطل غيوم صدرك الكثيفة دموعاً عسى أن يشرق في سماء ليلك الأمل". واستعدت نفسي من زينب لأتأمَّلها من بعيد: وجه سمح عليه تعب السنين.. عليه الدموع ناثره مكنون الحزن والحنان على طريق السائلين، وفجأة قفزت من مكمنها صورة تلك الصخرة التي زرتها يوما في " معلولا" كان معنا في الخدمة زميل مجند من هناك ، وأصر على أن" يعزمنا" إلى داره. ذهبت يومها أنا ونزار، وبعد الغداء أخذنا لنزور صخرة قال إن الحكايات تقول: هي عين قديسة تبكي حزناً على عذراء لقيت مصيراً مؤلماً. وتداخلت في رأسي الصور والذكريات، وتلاقت في قلبي صخور في الوطن ومن الوطن، صخور تبكي حزن الإنسان، وصخور تحميه وتدافع عنه، وصخور تستجير به أن يخلصها من وطء المغتصبين وصخور من صلابة تتلهف عاطفة وتذوب رأفة وتبعث الأمل وتثير الحب والشجاعة، صخور في الوطن ومن الوطن تتماسك أجزاؤها في أكينة تجعل لأرض وسماء وأجواء قيمة هي الحياة عند إنسان ارتبط بها ارتباط الروح بالجسد. تداخلت أمي وصخرة الجولان الحبيبة، زينب الحزينة وصخرة معلولا، تشابك الإنسان والأرض إلى درجة التفاعل العضوي التام. وشعرت بالغصَّة تملأ حلقي . لم يكن لدي متنفس فرح لا من الذكريات ولا في الواقع، والصور الأليمة التي تلاحقني وألاحقها أنا في حالات أخف وطأة علي من الواقع الذي أنا فيه. ,أصر الواقع بوجهه الكالح على محاصرتي، فها هو الباب يفتح علي ويدخل منه جندي سلاحه في يده على أهبة الاستعداد لإطلاق النار، يدور حولي وهو يحدق إلى عيني ويتفحص ملامح وجهي. حركت يدي أتلمس جبهتي وأحسست بعينيه تغوصان في رأسي كأنهما تلاحقان أفكاري أو صورة أطفالي الهاربة في تلافيف الدماغ. شعرت به وحشاً يتفرس في لحمي المشروع أمامه ليتخير لقمته. وفاجأني بسؤاله:" ماذا كنت تفعل؟!" قلت أين؟ هنا؟" قال: نعم. وعقدت الدهشة لساني:" ماذا يفعل واحد مثلي في علبة صفيح موضوعة على لهب الصيف؟". وكرر سؤاله علي فأجبته بجفاف: " لا شيء. لم أكن فعل شيئاً.!!" أخذ يتفحص المكان من حولي وأخذت أتابعه بدهشة: ماذا يمكن أن يكون في هذا المكان من الأسرار التي تحتاج إلى اكتشاف " حيرني ما يقوم به الجندي وما يبحث عنه. وبينما أنا في دوامة الدهشة إذا به يلتفت إلي فجأة ويصوب سلاحه نحوي وهو يصرخ:
" لا تتحرك". صعقت تماماً، إنني لا أتحرك فعلاً ولا يمكنني أن أتحرك، ومن ثم ماذا يخيفه مني؟ ما الذي يجعلني خطراً عليه؟ أنا لست أكثر من كتلة لحم ينخرها اليأس، تتفسخ في هذا الحر كما تتفسخ الإرادة المهزومة؟!
نظرت إلى الجندي باستغراب فنهض وهو ما يزال مصوباً سلاحه إليّ، وتقدم نحوي قليلاً وهو يقول: موتك لا يكلفني سوى رصاصة، أي لا شيء، أتفهم؟! فإذا أردت أن تستفيد من فرصة سانحة تكسب فيها حياتك وتعود إلى أطفالك فلا تتأخر عن ذلك، فكر في الأمر جيداً، إنك لا تساوي الرصاصة التي تقتلك". تراجع الجندي قليلاً ثم استدار وخرج صافقاً الباب خلفه، وبقيت في دوامة الحدث الغريب.
بعد فترة من زمن شملني السكون أخذت أتساءل: لماذا فعل ذلك بي؟! هل هناك غرض يرمي إليه أم أن هناك آخرين بالقرب مني صدر عن أحدهم شيء مزعج فأخطأ الجندي هدفه؟! ربما ولكنني لا أسمع نأمة من حولي. فكرت في أن الجندي ينفذ برنامجاً موضوعاً للضغط عليّ لكي أنهار تماماً أمامهم وأقدم في التحقيق كل ما لدي من معلومات عن الجيش والأسلحة. وبدأت هذه الفكرة تتضح وتتأكد لي بسرعة.
فبعد قليل امتلأ الباب الذي فتح فجأة بكرسي ذي عجلات من ذلك النوع الذي يستعمله المقعدون وحدثت مواجهة سادها الصمت بيني وبين ما يمكن أن يسمي رفيق العمر؟! تعلق نظري بالكرسي، ودوى الأسى في أعماقي ورددت صداه مفاصلي بارتعاد خفيف رافقته برودة غامرة متعجلة. بقي المشهد معلقاً للحظات.. ها هي المأساة تواجه صاحبها بصراحة صماء. واخترقت خيالي صور متلاحقة بسرعة خلتها أضعاف سرعة الصوت، غائمة متداخلة مدارها وضعي كمقعد بين الناس.
بعد ذلك اندفع إلى الداخل شخصان قويان شديدان، دفعا الكرسي إلى مقربة مني ثم حملاني دون مراعاة لما قد يؤلمني ورمياني في الكرسي رمياً غير آبهين بتوجعي، وتعمدا، فيما يبدو، وهما يدفعان الكرسي، أن يحدثا أكثر الصدمات إيلاماً لي وأقساها وقعاً عليَّ.
لم يتح لي أن أتعرف على كيفية تبدل الجو من لاهب خانق في محبسي إلى معتدل مريح في المكان الذي أوشكت على الدخول إليه، ورافق ذلك أمر اعتبرته فاتحة خير. فقد صرخ شخص انشق عنه باب إحدى الحجرات في الممر: " تمهلوا عليه يا حيوانات، ألا تلاحظون أنه جريح ؟! هل فقدتم إحساسكم بإنسانيتكم يا كلاب؟" انسكبت هذه الكلمات عزاء وحناناً في قلبي. هل أصدق ما أسمع فعلاً؟! نعم ، نعم، فها هي النتائج الفورية تظهر ، الكرسي يدفع بهدوء وعناية ورفق، وها أنا قد أصبحت أمام الرجل" الإنساني" وهو يبتسم لي بمودة زائدة. نظرت إليه بامتنان، ولم أستطع أن أبتسم له لأن ركام الألم الطاغي حال دون ذلك. نهر الرجل الشخصين الجلفين اللذين أحضراني:" اتركاه وانصرفا". ثم استدار خلف الكرسي ودفعة بأناة، وأدخلني إلى غرفة المكتب ثم أغلق الباب وعاد ليأخذ سجائر من فوق الطاولة وتقدم مني يعرض عليَّ باحترام.. سيجارة، وهو يداعب" ولاعته" الأنيقة ليشعل لي السيجارة.
لم أستطع أن أقاوم العرض المغري رغم ألمي، ووجدت في ذلك مخرجاً مما أنا فيه من ألم وحيرة وارتباك جرته تلك المعاملة التي بدأها الرجل.
أخذت نفساً عميقاً من السيجارة بينما استدار الرجل خلف مكتبه وأخذ مكانه ونظر إليَّ بعمق. كان وجهه صفحة واحدة لا تقرأ فيها شيئاً، ووجدت في ابتسامته شيئاً لم أستطع تمييزه، أدركت أنه المحقق فانكمش ارتياحي في الداخل وقررت أن أدخن السيجارة.
_:" هل ارتحت الآن؟!".
=: الشخصان اللذان أحضراك حيوانان لا يفهمان، سوف أطلب أن يعاقبا عقوبة شديدة. كيف المكان الذي أنت فيه؟
أردت أن أجيب، على سؤاله، ولكن نفساً عميقاً من السيجارة أغراني أكثر فتابعت امتصاصها بنهم صامتاً، فتابع المحقق" هل أنت مرتاح هناك"؟.
=:لا. ولا أدري لماذا تعذبونني هكذا، أنا جريح وأسير.
-: لا تهتم، رغم أنكم تسيئون معاملة أسرانا أكثر فأنا سوف أطلب أن تعامل أنت.. بشكل خاص، أنت طيب وتستحق المساعدة. ولكن أرجو أن تساعدني أنت أيضاً لأتمكن من مساعدتك.
=: أساعدك؟! بأي شيء.
-: أشياء بسيطة لا قيمة لها، نكتبها ولا يعلم أحد بها إلا أنا وأنت ، ونصبح أصدقاء.
في هذه اللحظة سمعت دقات خفيفة على الباب دخل بعدها شخص يحمل فنجانين من القهوة قدمهما للمحقق الذي تناول فنجاناً ووضعه أمامي ثم أخذ فنجانه بيده وارتشف منه رشفة بالتذاذ بينما كان الشخص الذي أحضر القهوة يغلق الباب خلفه.
نظر المحقق إليّ باسماً وقال:" لذيذة" ثم رفع الفنجان وارتشف رشفة ثانية، ولم تفارق عيناه وجهي طيلة ذلك، وضع الفنجان على المكتب وقال باستغراب:
_: لم لا تشرب ؟! ألا تحب القهوة؟! إنها لذيذة مع السيجارة. اشرب، اشرب لا تخف؟!
تناول سيجارته ووضعها بين شفتيه ثم ضحك وهو ينظر إليّ مستدركاً: آه، ربما كنت خائفاً، تظن أنها مسمومة؟! هكذا يخوفونكم من اليهود، لا تخف". ثم تناول فنجاني وشرب منه رشفة بسيطة وأعاده وهو يقول: اطمأنيت الآن؟! صدقني إنهم يشوهون سمعتنا كثيراً.
أحسست بأمر داخلي يدب في يدي لتأخذ القهوة، وتحركت بعض الأصابع في اتجاه التنفيذ، وفجأة انطلق صوت من سماعة على المكتب، بلغة عربية واضحة، جمد حركتي:" سيدي هل نحضر جهاز الكهرباء؟!" وصرخ المحقق في الجهاز بحدة: لا يا بهائم لا. أنتم تتعاملون مع بشر، مع إنسان مثلكم ألا تفهمون!؟" ثم التفت إليّ وتكلم بجدية وحرارة:" لا تخف، أنا رافض هذه الأساليب التي يلجأون إليها، سوف أتعامل معك برجولة وثقة، دون تعذيب أو إكراه". ثم غير لهجته وقال لي بنعومة وحذر:" أنا أحب العرب، وأريد أن نعيش معكم بأمان ، وأنا من أصل عربي ولذلك لا يحبونني. اسمع أنا سأعاملك معاملة خاصة، لكن أرجو أن تساعدني أنت.. أعني أن تساعد نفسك أيضاً حتى لا يأخذونك من عندي إلى محقق آخر من أولئك الوحوش فيعاملك بقذارة؟" ثم أردف مطمئناً وهو يشرب من قهوته:" لا تخف أنا سأكون معك، اشرب القهوة وسوف ننهي كل شيء بسرعة وبساطة، سوف أغير مكانك؟! هل تحب أن تكون في السجن الجماعي؟!" وقبل أن أجيب بشيء قال:" أنا أنقلك إليه". والآن دعنا نتعاون.
" قل لي كل شيء تعرفه وبالتفصيل عن أسلحتكم.. مراكز التدريب.. المعسكرات.. انتشار القوات، كل ما تعرفه".
سقطت السيجارة من يدي على الأرض وانكمشت يدي متلاصقة مع جسمي ونظرت إليه ، التقت نظرتانا. وانقدح شرر غريب ردّ كلاً منا إلى عالمه وطبعه وموقعه وموقفه من الآخر، شعرت باحتقاري له يطفح في داخلي ويتجاوز الحلق، وصرف هو بصره عني للحظة ليكظم حقداً قديماً اجتاحه وغيظاً عصف به، ثم عاد إلى توجيه الكلام إلي متماسكاً متلطفاً: " تكلم، نحن وحدنا ولن يعرف أحد عن ذلك شيئاً.". ويبدو أن الصمت استفز سائلي أكثر مما يستحب أو يطيق، ولذلك ألقى في وجهي قذيفته:
" إذا رفضت سأرميك لغيري، وسيستعمل معك هذا ، أنظر." وأشار بيده إلى الجدران وإلى أماكن من الغرفة طافت بها عيناي مستعرضتين السياط والعصي وأدوات التعذيب الأخرى المنتشرة في أرجاء المكان، وتابع المحقق كلامه: " عندئذ سوف ينتزع منك كل شيء وبالقوة ولن تستطيع المقاومة، وقد تموت تحت التعذيب، إنه لا يهمه ما قد يصيبك أو يصيب أطفالك. متزوج أنت أليس كذلك؟ ولديك أطفال، هنا يوجد أشخاص لا يهمهم ألمك ولا أطفالك ولا من أنت، وبرصاصة صغيرة ينهون أحلامك وحياتك كلها ثم تلقى في الزبالة.
لا تعمل " بطولات" فارغة.. جيشكم انهزم و إسرائيل هي المسيطرة الآن على كل شيء، فاكسب نفسك. سأجعلهم يفرجون عنك ويعيدونك إلى أهلك. أنت مسكين وجراحك خطيرة.". كان يدغدغ مكامن حزني وضعفي بعنف وكاد يبكيني على نفسي. وصددت هجوم الدمع على عيني، وأحبطت انفعالا عارماً اجتاحني وقلت له: أنا لا أعرف سوى ما قلته سابقاً، نسيت كل شيء، الصدمة والحرب، ورجلي التي بترتموها.. " لم يدعني أكمل كلامي إذ صرخ محتداً:
_: بترناها؟ نحن أنقذناك من الموت.
=: ما يدريني ربما لو وجدت عناية لبقيت لي ساقي، أنتم يهمكم أن أكون هكذا.
-: نحن نريدك هكذا، أنت غلطان، بلدك الذي يريدك هكذا.
=: كيف؟!
-: ألم يرسلوك هم إلى الحرب؟ .
=: نحن ندافع ضد عدوانكم علينا واحتلالكم أرضنا.
_: أنتم المعتدون، لا تصدق كذب رؤسائك عليك.
=: لكن أنتم في أرضنا، واللاجئون أنا رأيتهم في المخيمات، يعيشون معنا.
_: هؤلاء إرهابيون مجرمون، لا تذكرهم أمامي.
=: ولكنهم موجودون، وبؤسهم واضح، وهم طيبون جداً، ومن شعبنا.
_: أنت مشحون بالأكاذيب. اسمع، اهتم بنفسك فقط، وأجب على أسئلتي.
=: لا إجابات لدي غير ما ذكرت.
-: لا تضع هذه الفرصة، أنا أنصحك وأعرض عليك ثقة متبادلة وصداقة مفيدة لك.
=: أنا لا أعرف غير ما ذكرته لك.
نهض من مكانه غير مكترث، وعلت وجهه ابتسامة متكلفة تخفي إخفاقه وغضبه المكتوم وتشيع هدوءاً ملفقاً من حولي، اقترب مني ثم واجهني وهو يحدد كلامه ويؤكده بإشارات من سبابته، ويده ممدودة نحوي:
_: سوف أخرج من هنا وأتركك معهم وربما تجدني عندما تحتاج إلي. هذا ما حدث مع زملاء كثيرين لك، عندما أدلوا بكل ما لديهم من معلومات على طريقة الآخرين، قالوا لي ليتنا استفدنا من نصيحتك. لكن كل ذلك جاء متأخراً جداً. لا أطلب منك أن تفكر بشيء، فعندما أخرج من هذا الباب يكون الأمر قد انتهى والفرصة السانحة قد ضاعت تماماً.
اقترب من مكتبه وأخذ علبة السجائر والقداحة ببرودة تام والابتسامة المتكلفة تقنِّع وجهه، ثم استدار باتجاه باب الغرفة متعمداً أن يسير بثقة وببطء، منتظراً مني أن أصرخ متوسلاً إليه ألاّ يخرج. فتح الباب وتلكأ هناك لحظة، وأحسست بتردده وهو يحاول أن يلتفت إلي إلا أنه لم يفعل بل صفق الباب خلفه ومضى، وبقيت أنا في المكتب. بعد قليل سمعت أصواتاً تنبعث من السماعة الموضوعة فوق المكتب. كان ما سمعته شجاراً حاداً بين المحقق الذي كان عندي وآخر. وبدا لي أنني أسمعه بالمصادفة، أو عن طريق الخطأ التام، نتيجة لعدم الحذر. قال الآخر للمحقق الذي كان معي ساخراً: " ماذا فعلت بأسلوبك الإنساني وعاطفتك الرقيقة؟! هل قدرك هذا العربي الذي تحبه كما قدرته أنت؟!
_: مسكين، إنه في وضع صعب، يضحكون منهم بهوس البطولة، لكن معاملتكم له كانت بشعة.”. مر صمت وتلا ذلك ضحك صاخب من الاثنين ثم قال الآخر".
= بشعة أيها الملاك الطيب؟! سوف ترى أن هذه المعاملة هي الوحيدة المجدية مع هؤلاء العرب. الآن سوف أريك كيف يدلق معلوماته كلها دفعة واحدة بعد لعبتين أو ثلاث.. أنا خبير بهم.
_: أنا لا أطيق أسلوبك، أنت مجرم.
=: وأنت ؟! أنت مخنث أو خائن، بل أنت خائن لا أكثر؟! نعرف حبك لهؤلاء العرب وتآمرك معهم، أنا أستغرب كيف يبقونك حياً في إسرائيل.
ثم خاطب الصوت شخصين أدركت أنهما تمثالا القسوة اللذان نقلاني من زنزانتي إلى المكتب، قال بتعطش للعنف والدم.
" هيا أحضرا جهاز الكهرباء واتبعاني".
انقطعت الأصوات المنبعثة من السماعة، وساد صمت مرعب، وأخذت فرائصي ترتعد، وتعلق نظري بالباب الذي أيقنت أن بانفتاحه نهايتي. تلصص في داخلي إحساس ما نحو المحقق الذي تركني، وخامرتني فكرة أنه ربما كان صادقاً في تعاطفه معي، وربما كان على صواب فيما قاله لي، ولكن الأمر لم يصل بي حد أن أندم على ذهابه، أو أن أشك في سلامة تصرفي معه. إنني لن أجيب على أي سؤال يخرج عن حدود المعلومات الشخصية العامة والرسمية عني فقط. وأخذت أشحذ عزيمتي واستحضر قواي واستعد للمواجهة الحاسمة. وكان أول ما قفز من ذاكرتي واستعاد حضوره وتأثيره فيّ: الكلمات التي قالها لنا الضابط الذي يقودنا قبل بدء المعارك مع العدو في الجولان:
" نحن ندافع عن أنفسنا وأرضنا وحضارتنا، عن أولادنا وعرضنا وعقيدتنا، ضد عدو مغتصب شرس، فرض الحرب علينا، ويضع أمامنا أحد اختيارين: إمَّا أن نموت أو أن نرحل عن ديارنا نهائياً؛ وليس لنا سوى خيار واحد هو أن ندافع عن أنفسنا وحقوقنا في الحياة والوجود والكرامة. عيشوا بكرامة أو موتوا إن كان لا بد أن تموتوا ببسالة مهما كانت الظروف، اخدموا بشرف وإخلاص ولا تقدموا للعدو ما يخدم تحقيق أهدافه، ولا تكشفوا تحت أي ظرف عن نقطة ضعف أو سر يستفيد منه العدو ضدنا، فلنحيا كما عاش أجدادنا بشرف أو فلنمت بشرف، إن ..."
كان الصوت يرتفع ويزداد حضوراً من حولي وحصاراً لي كلما تقدمت في استذكار الكلام، وعندما اقتربت من بعيد خطوات تعمد أصحابها أن تبدو شديدة، وزحف وقعها ببطء وتصميم، ازداد أيضاً حضور الذكرى والكلمات والصوت وسيطر كل ذلك على كياني وتملكني وعمَّق ذوباني فيه. وحين انفتح الباب وسدّ أفقه شخص طويل ضخم الجثة قوي العضلات قاسي الملامح، شمر عن ساعديه مثل جزار في مسلخ قديم، وخلفه الرجلان اللذان نقلاني من زنزانتي إلى المكتب، وقد استنفرت وحشيتهما، كنت أحس بالحماسة والثقة والشجاعة نفسها التي ملأتني بعد انتهاء خطاب الضابط فينا ونحن أقوياء بتجمعنا وبحقنا نتقدم بثقة إلى ساحة القتال.
|