|
ـ 8 ـ
أغرق أحمد الحسن عينيه في نحر زينب الذي انفرج عن بياضه غطاء أسود مبردي الملمس ذو شفق أحمر زاده إغراء على إغراء. وتسارع تراقص ذنبي شاربيه، واضطرب إيقاعهما قليلاً، فقد سببت له رغبته العارمة فيها بعض الارتعاش والحرج، وحينما مدت يدها لتتناول زيداً الملقى على ذراعيه لم يفوّت الفرصة وتعمد أن تلامس يده يدها، بل حاول أن يتحسس النعومة الأنثوية الكامنة في كفين ألفا الخشونة لكثرة العمل؛ وتنفس بعمق مضمخاً تنهيدته بحسرة فيها من الشهوة أكثر مما فيها من تكلف الأسى؛ حاول أن يتكلم ولكن انفعاله بملامسة يدها عاقه عن الكلام قبل أن تستدير ضامة ابنها الذي تجمد الدم على شفتيه وما زال بعضه يسيل من لثته.
قال أحمد الحسن لزينب التي أعطته نصف ظهرها: " سليمة الحمد الله، نظفت شفته وكبستها باليود، وهذه لفة قطن معقم نظفي له الدم.. زعلت عليه من كل قلبي، زيد لا يستاهل إلا كل خير، لكن الحمد الله سليمة." مد أحمد الحسن يده بلفة القطن التي أخرجها من جيبه منتظراً من زينب أن تتناولها منه، وطال به الانتظار قليلاً وهو باسط ذراعه لتأخذ منه زينب القطن، ولكنها كانت ذاهلة عن ذلك بابنها. فتناولت أم سليمان التي كانت ترقب الموقف بحرج، تناولت منه لفة القطن وهي تضطرب تأثراً وخوفاً من زينب. وقالت له باقتضاب:" كثّر خيرك". وقف أحمد الحسن محرجاً ثم وجد ألا مناص من الانصراف، ورمى قبل أن يخرج كلمته: " أنا بالخدمة يا أم زيد، أمانة الله لا تترددي بطلب أي شيء تحتاجينه.". تنبهت زينب إلى ضرورة الالتفات إلى الرجل وشكره، وبعين يكسر وهجها دمع الأسى قالت له: " كثّر خيرك يا جارنا، لا نريد إلا سلامتك، الله لا يحيجك لمخلوق.". وجرها كلامها هذا إلى النحيب بصوت مسموع، فاقتربت منها أم سليمان وضغطت على ذراعيها، بينما وقف أحمد الحسن قليلاً مبدياً تأثراً ملحوظاً ثم خرج وهو يردد: لا حول ولا قوة إلا بالله.
دخلت زينب إلى غرفتها حاملة ابنها في حضنها، بينما جمعت أم سليمان أحمد وفاطمة ودخلت معهما في اثر زينب. ودون أن تنتظر سؤالاً قالت: سامحيني يا أم زيد، لكن أنا ما قصرت والله، كان يلعب هو وأخته وطلبت منه الخبز الذي بيده فلم يعطها، ركض وركضت وراءه وأخذا يدوران، وأنا انصرفت إلى أحمد قليلاً وما وعيت إلا على صوت البكاء.
حملته وخرجت ملهوفة ولم أدر إلا وأنا في دكان احمد الحسن، لم يكن أمامي غيره، وحصل الذي حصل يا بنتي، سامحيني".
_: سامحيني أنت يا أم سليمان، نحن نسبب لك المتاعب.
=: لا تقولي هذا يا زينب، أنت أغلى من ولدي، ما لي غيرك معرفة ولا صديق يا أم زيد، والناس للناس.هدّأت زينب ابنها الذي لم يكف عن النشيج، وأرقدته على فراشه وتفحَّصت جرحه وأسنانه، وأخذت تمسح له الدم النازف من فمه، بينما نهضت أم سليمان لتضيء مصباح كاز موضوعاً على طاولة خشبية صغيرة متآكلة يلفها ظلام الزاوية، قربتها إلى وسط الغرفة، وفركت الفتيلة جيداً وأشعلتها، فتسلل ضوء المصباح خافتاً إلى الوجوه الكئيبة التي ران عليها الصمت الحزين، وكان الضوء يزداد تباهياً وظهوراً كلما ازداد الظلام ، الذي بدأ يزحف على الأسرة البائسة كثافة ورهبة.
***
راح أحمد الحسن يحلم متلذذاً باستعادة ملمس يد زينب وتأثير لمعة نحرها الأبيض وقوامها الممشوق في مشاعره، وانقضى الربع الثالث من الليل وهو سهران يتقلب في فراشه ويقلب أفكاره على نار شوقه المضطرم. إنه يريد زينب له" زوجة عشيقة، خادمة" لا فرق، يريد أن يتملك جسدها ويمتلك أمرها ليروي ذلك النهم العارم إليها، لذعة نار قديمة في سويداء قلبه تركتها زينب منذ الصبا وقد شبت الآن حريقاً بفعل ريح مواتية. كان ذلك حين رفضت زينب أن تصبح له زوجة، يومها كان فتياً بعض الشيء ولكنه يكبرها بشكل ملحوظ ولديه ثروة تغطي ذلك الفرق في العمر وتزيد عليه بكثير؛ رفضت يوم ذاك الاستجابة.. رفضت حتى مجرد مناقشة طلبه حين أرسل إليها من يعرض عليها الأمر من طرف خفي، وحمد الله على أن ذاك الخبر لم ينتشر بين الناس، صحيح أنه بذل بعض المال وخضع لشيء من الابتزاز ثمناً لذلك ولكن النتائج جاءت في صالحه تماماً وإلا لأصبح رفضها له على كل شفة ولسان ولخلَد في ذاكرة القرية. هاهي فرصته قد حانت اليوم، فزينب في وضع مختلف تماماً عن ذاك الذي كانت فيه سابقاً. إنها أرملة وأم أولاد صغار وتحتاج إلى من يحمل معها أعباءها، وهو قادر ومستعد تماماً.. سوف يسوي أموره الداخلية في بيته من دون صعوبات. ولكن ما يثيره ويعجب له العجب كله، كيف لا تبدي له زينب استجابة من أي نوع على الرغم من ظروفها القاسية؟! إنه لا يطيق على صدها صبراً، صحيح أن المدة التي انقضت على خبر زوجها ليست كافية ليجعلها تنسى ذكراه وتشعر بالحاجة إلى الرجال، وأن الأمر يحتاج إلى وقت، ولكن وضعها صعب ومقلق له، فهي لا بد أن تحتاج، وحين تحتاج هل تلجأ إليه.. ألن يتلقفها آخر؟!، وهو قلق جداً.. إنه يستطيع أن يصبر حتى تنضج الثمرة، ولكن من يضمن له أنها ستسقط في حضنه هو لا في حضن سواه؟!
قرر أن يبذل جهداً خاصاً هذه المرة حتى لا تضيع الفرصة، سيزور أم سليمان في بيتها ويأخذ لها بعض ما تحتاج إليه بحجة أنها مريضة؛ لقد كانت تسعل سعالاً شديداً أمس.. وهي مناسَبة يستغلها ليكسب عطف العجوز التي لا بد أن يكون لها تأثير في زينب، لا يمكن أن تستعصي زينب عليه. استحسن الفكرة وامتدت أصابعه تفتل شاربيه، وابتسامة تعلن الاعتداد بالنفس تطفر على شفتيه أحياناً، وأخذ يستعجل شمس الغد، ويضطره التعب أحياناً إلى الاستسلام لغفوة قصيرة وهو ينتظر.
***
في الصباح كان عند أم سليمان يحمل ابتسامات على وجهه أكثر مما يحمل بين يديه من السكَّر والبن. قال لها: " أنا قصرت كثيراً في الماضي والمسامح كريم يا أم سليمان، والبارحة عندما كنت تسعلين أوجعني قلبي عليك، نحن جيران وأهل، الحياة تعب والمال وسَخ الدنيا يشد الإنسان إليه وينسيه الواجبات.. الله يلعن الشيطان. كيف حالك اليوم، إن شاء الله أحسن؟!".
لم تستطع الدهشة أن تستولي كلياً على أم سليمان وتحكم تصرفاتها فتجربة البارحة مع أحمد الحسن جعلتها أقل تأثراً بالمفاجأة، فضلاً عن أن الرجل في دارها ويزورها زيارة خاصة ويحمل لها هدية وعليها أن تتصرف معه التصرف اللائق. ابتسمت له ودعته إلى الجلوس على الفرشة الوحيدة في صدر بيتها. كان الارتباك والخجل ظاهرين في وجهها وحركاتها لأنها لم ترتب المكان إلا قليلاً، " بابور الكاز" وأواني المطبخ والصحون والملاعق الوسخة مبعثرة في الزاوية المجاورة للباب، وإبريق الماء البلاستيكي الأخضر والمكنسة الخشبية المنعطفة عليه لتآكل في جانب منها أكثر من جانب وفي ظلهما إبريق الشاي وثلاث كؤوس فارغة مطبقة فوق بعضها، تحتل جميعاً مع صفيحة مقلوبة عليها مصباح كاز ضئيل " قنبور" الزواية الأخرى.
وصندوق خشبي حالت ألوانه وبقيت في جنبه آثار مرآة مدورة صغيرة داخل نجمة ثمانية الشكل يعلوه مشط عريض بحجم الكف ومنديل " ومَزْوِيَّة" خَلِقَة في الجانب الأيسر.. وهيكل حذاء يتصدر العتبة مشرفاً على خليج في الحصير اكتسحه التآكل لصالح التربة المرصوصة التي تشكل أرضية الغرفة ، وبعض أشياء منزلية ونسوية بسيطة مبعثرة هنا وهناك.
جلست أم سليمان أمام الصندوق الخشبي وأخذت ترحب بضيفها وتشكره، وتصمت قليلاً لتنظر إليه مستطلعة الغرض من مجيئه. لم تكن مقتنعة أنه جاء يزورها هكذا لوجه الله، أحمد الحسن لا يرمي كسرته إلا على رغيف، لا بد أن هناك غاية ما دفعته إلى هذا، وفي هذا الوقت بالذات. وفتحت أمامها قضية الوقت باباً للتلميح تستدرج منها أحمد الحسن إلى معرفة الغاية البعيدة من مجيئه. ولم تكن تدرك أنه لا يحتاج إلى هذا الاستدراج. قالت معتذرة: لا تؤاخذني يا أبا حسن، المكان لا يليق بالمقام، ما لحقت أكنس وأرتب " الخُشَّة". البارحة ، بعيداً عنك، ما نمت من السعال، وبعد صلاة الفجر ارتحت قليلاً وما استطعت أن أقوم لأشتغل.
وجد أحمد الحسن فرصة للدخول في كلام، فتنحنح وارتفعت يده دون قصد منه ليبرم شاربه، وهو يقول: أنت لا تؤاخذيني يا أم سليمان، أتيتك مبكراً، وأنا الآخر ما نمت البارحة".
_ خير كفَّ الله الشر. سلامتك.
= ما في إلا الخير. كنت أفكر يا أم سليمان بخلق الله ومصائبهم، صعبت علي زينب وأولادها، البارحة لما وقع زيد، ورأيت حالتها عصَّني قلبي عليهم وما عرفت النوم، مساكين يتامى برقبة أرملة ما تهنت بشبابها، كيف تعولهم، وتحميهم، وتعيش حياتها؟! كيف؟! لا حول ولا قوة إلا بالله . بكاؤهم شيء يقطع القلب يا أم سليمان.
_ كان الله بعونهم ويفرجها عليهم عن قريب بجاه الحبيب محمد.
= آمين.
سكت أحمد الحسن قليلاً ثم هرش رأسه وأقدم على أم سليمان بسؤال:
=: تعرف هي أن المفقود، يعني، مقطوع الأمل منه".
_: بحكم الميت يا حسرتي.
= لا، ميت، ميت فعلا، لكنهم يلطفون الأمر على أهله لأنهم ما وجدوا له جثة يحضرونها، يمكن ، الله أعلم.. قنبلة أو دبابة ما تركت له أثراً. وحتى يتحايدوا الحرج قالوا: مفقود.
المفقود ميت يا عمي، هذا أمر معروف. ألا تذكرين ابن محمد سلامة سنة الـ 67 قالوا إنه مفقود، وانتظر أهله أن يعود وحتى هذا اليوم ما عاد، ألا تعرف هي هذا؟!
تأثرت أم سليمان بكلام أحمد الحسن، وزال أثر أمل كان يراودها بعودة محمد المسعود، واختنق صوتها قليلاً وهي تقول:
_: مسكينة زينب، تبكي وتركض على أمل، الغريق يتعلق بقشة، إذا قال لها أحد ذلك فكأنه يفجعها بزوجها مرة أخرى.
=: مفيد أن تلمحي لها بذلك يا أم سليمان، لا بد أن تعرف هذا. أنا أقول إنها في داخلها مقتنعة من هذا.
_: الله أعلم.
=: أفهميها أنت هذا الأمر بالتدريج . وكلما كان أسرع كان أفضل. الصراحة واجبة وضرورية في مثل هذه الحالة. تعرفين أن زينب شابة، لا يمكن أن تعيش بلا رجل.
أرادت أم سليمان أن تعترض لتوقف الكلام الذي شعرت بفظاعة قسوته، ولكن أحمد الحسن تابع كلامه قاصداً قطع الطريق على اعتراضها.
=: ربما كان الوقت غير ملائم الآن لمفاتحتها بالأمر ولكن لا بد من التمهيد يا أم سليمان، أنت خير العارفين.
_: لكن يا أبا حسن: أولادها. أنا أعرف زينب ، زوجها عزيز عليها وأولادها أعز، وتخرج من الدنيا كلها لأجلهم.
=: هل من الضروري أن تخرج من الدنيا وأن تختار بين زوج وأولاد زوج آخر، أولاد الحلال كثير، وهناك من يتحمل لأجلها مسؤولية عشرين ولداً. إن خليَت بليَت يا أم سليمان.
فتل أحمد الحسن شاربيه بالتناوب وأطل على أم سليمان بعيني صقر، وابتسامة الثقة تشرق من وجهه فتكتسح كيانها المتكوِّم أمامه. فهمت أم سليمان مرماه، ولم تشأ أن تحصل منه على طلب صريح فالظروف والمناسبة كل ذلك لا يسمح به. وحتى تكبح جماح تطلعها إلى تقصي حقيقة غرض الرجل نهضت واتجهت إلى " بابور الكاز" وشدت برغيه لتمنع تسرب الزيت منه قبل أن تبدأ تحريك المكبس لتشعل النار، وفي هذه اللحظة هب أحمد الحسن واقفاً وهو يقول:
= أتركك بعافية يا أم سليمان.
_ حتى تشرب الشاي.
= لا . اسمحي لي، بالله شربت.
اتجه إلى الباب وحنى رأسه وهو يخرج حتى لا تلطمه خشَبة " الحِنْت؟ وأم سليمان تسير خلفه. عندما أصبح خارج الباب التفت وقال لها: " أمانة الله، مرة أخرى يا أم سليمان، قولي لزينب أن تطلب مني كل ما تحتاج أنا جمل حمال أثقال، خصيمها الله إذا احتاجت شيئاً ولم تطلب مني.. قولي لها هذا عن لساني. البارحة لم يكن الظرف ملائماً وإلا لقلت لها ذلك.
ابتعد أحمد الحسن خطوتين. وأم سليمان ساكتة لا تتحرك ثم التفت إليها مبتسماً: حاجتك مقضية عندي إن شاء الله.. كرمى للمساكين وأمهم."
غاب أحمد الحسن في الصمت وبقيت في عيني أم سليمان صورته وهو يفتل شاربيه، فترة من زمن كانت خلالها على بساط من رؤى. وعندما آبت إلى نفسها فكرت في أن ترتب بيتها قليلاً ثم تذهب لترى زينب والأولاد. بدأت عملها ذاك بهمة، وتوقفت فجأة حين وقع نظرها على كيس السكر الذي أحضره أحمد الحسن، أمسكته بين يديها وشعرت بدافع قوي يحرضها على أن تلقيه خارج البيت، ولكن عادتها القديمة كانت أقوى من دافع وليد، فوضعته بجانب الصندوق، وهاجس عميق في داخلها ما يفتأ يشاغلها ويردد بمثابرة: هذا ثمن الخطوة الأولى على طريق موبوءة، لن أقبل.. لن أقبل.
***
في بيت زينب أصبح للأشياء والتصرفات وحتى الحركات مفهوم ووقع مختلفان عما كان عليه الأمر سابقاً عند أم سليمان. إنها لا ترى اليوم بؤس زينب وحدادها ومصيبتها بل ترى قوامها الرشيق وصباها المكلل بالسواد وحظها العاثر، أما الأولاد فهم قوت البؤس في الأيام السود المقبلة. وما هم فيه الآن قد يعتبر سعادة إذا ما قيس بما سيكون عليه وضعهم فيها. إنهم سيعيشون في كنف زوج الأم وتحت حكمه ، ولن ينقضي وقت طويل حتى يراهم عالة عليه وسبباً في تنغيص عيشه. سينهرهم ليل نهار، حتى حينما تكون اللقمة في أفواههم، ولن يملكوا إلا البكاء والهيام على وجوههم في الأزقة مثل كلاب ضالة، أمهم ستكون بين المطرقة والسندان وليس لها حتى حق الاعتراض على ما يجري.. كل حقوق زينب ستنحصر في أن تسكت وتبكي فقط.
إن الكلام المعسول الذي ينثره أحمد الحسن وأمثاله عن رعاية ا[لأطفال ووضعهم في بؤبؤ العين، كل ذلك سينقلب إلى شكوى مرة وتذمر مستمر، وسيتحول إلى قسوة وظلم وشقاء، لأنهم سينظرون نظرة أخرى إلى الأمور.. نظرة مغايرة لحالة الاندفاع العاطفي الذي هم فيه، أو بالأحرى حالة إحكام الفخ التي يقومون بها، سيصبح الأطفال أكثر من عبء وأكثر من مصيبة، وستعلو مسؤولية سواهم. أما الذي سيتعذب حقيقة وسيخسر حقيقة فهم الصغار، الطفولة العذبة ذات الخيال المجنح ستنفَّر بأقسى الأساليب ولن يبقى لها حتى التشرد في الطرقات.
قادت أم سليمان خواطرها هذه إلى تذكر طفولتها. لم تكن في ظل أمها وأبيها أقل بؤساً من أولاد محمد المسعود الآن. الفقر دائماً يغتال الطفولة وأحلامها وبراءتها، وترى أشلاءها متراكمة في القرى وحيثما اجتمع الفقراء، نادراً ما يفلت من ذلك أحد. إنها تتذكر تماماً كيف كانت تذهب، وهي في السابعة من العمر، إلى العمل في الحصاد ولا يتاح لها أن تشبع النوم، أما الراحة، إذا ما شعرت بالتعب، فأمر لا يبلغه أحد من أمثالها. الأعياد فقط هي مناسبات معدودة عندهم.. خلالها يمكن أن يسعد الأطفال باللعب وبالنوم حتى طلوع الشمس، أما عدا ذلك...
لاحظت زينب استغراق أم سليمان في التفكير على غير العادة، وهمَّت بأن تسألها عن السبب ولكنها لم ترغب في أن تطرق هذا الأمر مباشرة.. قالت لها:" ألم تسمعي شيئاً اليوم؟! نظرت أم سليمان إلى زينب نظرة إشفاق، وتحرك لسانها بشيء من الارتباك غير الملحوظ:" ما سمعت شيئاً، وهذا اليوم بالذات ما طلعت من الدار إلا إلى عندك. " تفحصت زينب أم سليمان بدقة وكأنها تقول لها: وراءك شيء تخبئينه" ولكنها لم تنبس بكلمة، عيناها فقط كانتا تشيان بشكوكها.
انتابت أم سليمان موجة من الحزن على زينب ، فما الذي تنتظره المسكينة من أخبار؟! هل تظن أن محمد المسعود يمكن أن يعود يوماً؟! هل فعلها أحد من الأموات قبله؟! لكن ليس أمامها سوى هذا الأمل تعيش عليه، ومن كان في مثل وضعها لا يصدق أن فاجعة بهذا الحجم قد وقعت فعلاً إلا بعد وقت طويل، ولذلك تبقى أدخنة الأسى تعسّ في قلبه حتى تعميه.
أحمد الحسن يريد أن يقطع هذا الأمل بضربة واحدة وفي أسرع وقت، وإذا قالت لها ما قاله أحمد الحسن قتلتها.
فكرت أم سليمان بأسلوب يوصلها إلى أن تشير إلى ذلك بطريقة غامضة تزرع الوسواس في قلب زينب لتدعها تصل وحدها إلى تلك النتيجة، وحزمت أمرها بعد فترة صمت وقالت:
كنت أفكر في شمخة الصبح، مسكينة، إنها مريضة ولم أزرها منذ زمن. من ذاك اليوم الذي تخبرينه. يا حسرتي عليها، كانت صحة وجمالاً، هدتها مصيبتها بابنها، كان الله بعونها. يا دافع البلاء ادفع البلا عنا يا رب.
قالت وزينب التي أخذت تصغي باهتمام متزايد:
- ما هو مرضها؟؟
_ العلم عند صاحب العلم، لكن علة الأم فقدان ابنها، يقولون إنه مرض موت.
_ يا لطيف الطف بنا يا رب؟! بعيد الشر يا خالتي أم سليمان، عندها صغار شمخة؟!
=لا. أولادها كبروا.
_ سلمي لي عليها، أمانة اعتذري لي منها، أنت ترين أحوالي ، الأولاد...
= أعرف يا أم زيد، الكل يعرفون وضعك ويعذرونك.
إن شاء الله أوصل لها سلامك. ستعتب عليّ كثيراً ، كنت أروح أواسيها و" أتعلل " عندها، لا أعاد ذاك اليوم، فتقضي الليل تنحُب.
هدها الانتظار والسهر، قالوا لها يجيء.. الحي لفَّاي، وسهرت سهر السمك بالماء، وراحت بِغِبِّها. ابنها _ تعرفينه_ شاهر. شاب ابن عشرين يا حسرتي ما تهنى لا بخطبة ولا بزواج. خطب بنت الشقران شهرين، ورآها مرتين، أخر مرة كانت قبل الحرب بشهر. راح ، وجاءها _ البعيدة_ الخبر أنه مفقود، وبقي لا خبر ولا علم...
ثلاث سنين وهي تنتظر وتبكي ، وما قطعت الأمل. يوم فسخت خطبة ابنها كان يوم أسود عليها وعلى الحارة التي هي فيها. كلهم شاركوها مصابها، وكأنه يوم وصول خبر ابنها، كانت المصيبة مصيبة الحارة كلها.
_ يا حسرتي، والبنت؟!
= ماذا تعمل يا أم زيد؟! انتظرت ثلاث سنين. وأنت تعرفين وضع البنت، وحكي الناس ومشغولية الأم على مستقبل ابنتها، الناس أكلت وجوههم، إلى متى تبقى مخطوبة لميت؟!
- لكنه لم يكن ميتاً.
= غائب بحكم الميت. ثلاث سنين؟ من ينتظر أكثر؟!
- لكن إذا عاد؟!
= ماذا تعمل البنت؟! قامت بما عليها.. وإن عاد البنات كثير.
ران صمت قصير على البيت الحزين، وشعرت أم سليمان بأن زينب تركب أفكارها وتبحر بعيداً ولعلها تصل إلى ما أرادتها أن تصل إليه. بعد ومضة سيجارة ونفثة دخان قالت زينب لأم سليمان بشيء من التلهف على جواب ما:
- هل صحيح أن شاهر مات يا أم سليمان؟!
= العلم الصحيح عند ربك. أنا سمعت مثل ما سمع الناس، أخبار أشكال وألوان. آخر ما أكدوه أنه يا حسرة " تاه في الوديان وهو جريح، فأكلته الوحوش." لا بد أن يكون هذا ما حصل له المسكين، فلو كان حياً لعاد أو لكنا سمعنا عنه خبراً من أحد رآه أو سمع به. ها قد مضت ست سنين وهاهي السنة السابعة، من الحرب الماضية إلى هذا اليوم، وأهله لا علم ولا خبر، ماذا يمكن أن نفسر هذا الغياب والسكوت؟.
لم تنتبه زينب إلى أن أم سليمان قد أنهت كلامها، كانت قد شردت مع صورة ذلك الجريح التائه في الوديان، والذي لا يقوى على السير فيلتجئ إلى كهف أو مغارة أو ظل صخرة، وتحاصره الوحوش ولا يقوى على الدفاع عن نفسه فتأكله، حياً أو ميتاً، تأكله!! لقد انقبض قلبها بشدة واغرورقت عيناها بالدموع وكادت تصرخ، ماذا لو كان محمد في مثل هذا الوضع؟! تأكله الوحوش؟!؟! كيف ؟ ما معنى: تأكله الوحوش؟! ضبع أو ذئب أو حتى كلب مستوحش يغرس أنيابه في لحمه وينهش منه؟! ينهش صدره.. وربما قلبه.. وربما وجهه؟!" قَحَصَت" من مكانها مذعورة ذاهلة لا تعرف ما تفعل؟! اتجهت نحو الباب ثم عادت إلى جهة الفراش المطوي قطعة قطعة فوق مطوى خشبي حائل اللون، ودست يدها بين طيات الفرشات القابعة ضمن الإطار الخشبي الكبير، واستخرجت خنجر" شبرية" محمد، وبدت وهي تمسكه من مقبقضه في وضع غير طبيعي مما دعا أم سليمان إلى أن تنهض صارخة:
" ماذا تفعلين؟!" انتبهت زينب إلى أم سليمان التي تمسك يدها والخنجر نصف مشرع من قِرَابِه. أرخت يديها فسقط الخنجر على الأرض وارتخى عزمها ثم جلست باستسلام تحت إلحاح أم سليمان وكأنها في غيبوبة، عيناها مركزتان في اللاشيء، والمكان لم يكتسب في وعيها صورة مكان ما، كأنما انقطعت عن العالم تماماً وعن كل ما يمت إليه بصلة.
وانشغلت العجوز بها، أحضرت ماء ورشّت وجهها وهي تبسمل وتحوقل وتمسح خديها بالماء. واستغل زيد الفرصة فهجم على الخنجر الساقط على الأرض والتقطه وأخذ يعبث به محاولاً أن يخرج النصل من قِرَابِه. كانت العجوز في حيرة وارتباك وانشغال فلم تنتبه إلى كل ما يجري حولها، مركز اهتمامها كان أم زيد، ولهذا أخذت تمطرها بالتساؤلات:
" ما بك يا أم زيد ، شدي عزائمك، مالك ؟ تكلمي؟!"
انقضت دقائق قبل أن تسترجع زينب سيطرتها على نفسها، وحين تمكنت من حواسها أجالت بصرها فيما حولها فلمحت زيداً يعبث بخنجر أبيه، نهرته برقة وضعف وطلبت إليه أن يحضر الخنجر إليها، وبعد أن وضعته بين يديها وتأملته قليلاً، قالت بصوت مرتجف يخنقه الانفعال:
" كان لا بد أن أدافع عنه، ولكن أين هو لأدافع عنه؟ إذا كان جريحاً والوحوش تنهشه ألا يجدني إلى جانبه على الأقل؟! كيف أكون رفيقة عمره وشريكة حياته، ولا أقاسمه مصيره وألمه؟!".
لم تستطع أن تستمر في الكلام فقد غلبها الدمع، وانفجرت تنتحب بصوت مسموع، وبكى معها الصغار، ولم تتمالك أم سليمان نفسها فأخذت تبكي هي الأخرى.
وغرقت شمس ذلك اليوم من أيام الصيف الطويلة اللاهبة في بحر من دموع، وارتسمت على الأفق آهات سوداء خلَّفها أسى الأبرياء عباءة حداد ما لبث أن ارتداها الكون، وأرخت ثقلها كله على أكثر البيوت بؤساً في أكثر القرى فقراً وأعمقها جراحاً.
|