|
ـ 9 ـ
تجمع حولي حشد من المساجين في القاعة المستطيلة العارية التي حشر فيها ما يقرب من أربعين شخصاً، حتى بدت كقن الدجاج حرارة وكثافة ورائحة. كنت الوحيد بين الموجودين الذي له وضع خاص، وهذا ما جعل الآخرين يتعاطفون معي ويخصصون لي زاوية أستطيع أن أجلس فيها ماداً رجلي المجبصنة، حامياً الأخرى بينها وبين الجدار، مسنداً ظهري إلى الحائط ومتخذاً من الزاوية مسنداً ومخدَّة عند النوم. وأنا في وضعي ذاك كنت أبدو محظوظاً بنظر زملائي في القاعة الذين لم يكن الواحد منهم يتمكن من الجلوس براحة فضلا عن أن يتمدد براحة.
تشابكت الأسئلة حول رأسي حتى بت لا أعرف مصدرها:" احك لنا من أنت، وماذا حدث لك، كيف عاملوك؟!" لم يكن بي رمق، وكانت القاعة غير مستقرة بعد من زاوية نظري، فالوجوه متداخلة بعض الشيء والكتل البشرية متراصة على شكل مشوه والكلمات لاتصل إلى أبعد من فمي، كأن في حلقي مغارة تبتلعها ، فقد أنهكني المحقق الثاني ورجاله وتركوني كتلة لحم مدماة ومضمَّخة بالألم. طلبت من السائلين مهلة لألتقط أنفاسي فحققوا لي طلبي ذاك وأداروا ظهورهم نحوي إيذاناً ببدء الراحة. استرخيت قليلاً، وأطبقت عيني، وشيئاً فشيئاً أخذت أبتعد عن الوجود الواعي، أحسست أنني أغرق رويداً رويداً في الأرض، وأسوخ فيها، وأذوب في ذراتها حتى لنغدو كياناً واحداً مستقراً تماماً.
لا أدري كم مضى من الوقت عليّ وأنا في ذلك الاتحاد المريح مع الأرض قبل أن أفتح عيني على صراخ شديد انتشل وعيي من أعماق سحيقة. ووجدتني أستوعب وجوه الأسرى المساجين وقد سكنوا تماماً وهم جلوس على الأرض كرماد حطب متماسك القوام، يشبكون أيديهم حول ركبهم ورؤوسهم محنية قليلاً. كان في الباب أمام الشبكة الحديدية ثلاثة جنود في مقدمتهم رئيسهم كأنياب قرش شرس، ورئيسهم يصرخ بالمساجين ويشتمهم، آخر ما سمعته منه:
" اخرسوا ولا كلمة، إذا سمعنا صوتاً عاقبناً الجميع من دون استثناء.".
وقف متحفزاً بعد أن أنهى كلامه، وثقب بعينيه الرؤوس بحثاً عن نأمة احتجاج ظاهرة، وفي وجهه ثغرة حقد أسود يندلق منها اللعاب ويتربص فيها الإثم. وبعد استعراض ثقيل للصمت الراعف ذلاً، غاب آمر الجنود في الظلام وتشابحت قامات جنوده الذين ابتعدوا قليلاً.
ران الصمت وبخار العرق على القاعة، وبعد ثوان ولدت الحركة مرة أخرى، استدار بعض المساجين نحوي، التقت عيناي بعيني شخص نظر إليّ طويلاً، كان شارباه مرسومين باعتناء قديم مثل مقود دراجة السباق. ابتسم لي من خلال كآبة متوطنة في وجهه وقال:" كيف تشعر الآن؟!" قلت أحسن. قال:" أنت تدخن؟!" أجبت بالإيجاب ، فأدار رأسه قليلاً وهمس لزميله:
" رياض دبر لنا سيجارة." وانطلقت بداية عملية متشابكة من الهمس والإشارات والتحركات والمراقبات، انتهت بوصول نصف سيجارة تام إلى يد سعيد، الذي عرفت اسمه من زميله حين هتف همسه بانتصار:" سعيد خذ، نصف سيجارة تام." نظر سعيد بشغف إلى السيجارة التي استقرت بيده وشم رائحتها باستمتاع وحميمية عدة مرات مما أثار موجة استنكار خفيفة بدأت أمواجها في العيون ولم تلبث أن هدأت حين أدار وجهه إليّ باسطاً يده مقدماً النصف سيجارة الذي دنا حتى استقر بين شفتي، ثم أشعل سعيد النار باحتفالية كبيرة، وبشيء من السرية ساعد على إضفائه عدد من الزملاء الذين شكلوا سداً بشرياً بيننا وبين الباب وأعين الحراس، مما زاد في قيمة التكريم الذي أحسست به، وعبرت عن امتناني العميق لهم بابتسامة شعرت بأنها تسللت من أعماقي تتكاسل لتسعى على وجهي المكدود ناشرة ظلالا باهتة من الارتياح. وبعد أن أخذت أكثر من نفس عميق أمسكت بقية السيجارة بيدي ونظرت إلى الآخرين الذين تصالبت عيونهم في وجهي وتابعت أحداقهم تموج الدخان المتراخي وعملية الامتصاص المقدسة التي كنت أمارسها بارتياح. قال سعيد: كيف تشعر الآن؟!
_: مليح.
_: عذبوك؟!
أشرت برأسي إشارة" نعم" خفيفة أوصلت عمقها وأبعادها عيناي الذابلتان، كانت رسالة معبرة ساعد على فهمها الرصيد الحي من التجارب المضنية لكل الموجودين، فتبادل الأشخاص النظرات ثم أطرقت الرؤوس قليلاً. كان كل منهم قد ذاق شيئاً مما ذقت وأحس بالعجز حيال معاناته ومعاناة سواه، ويعرفون معنى الإشارة والنظرة.. أما أنا فلم أكن أتصور أن واحداً منهم يمكن أن يكون شعر بمثل ما شعرت به من أذى وإذلال: أسير وجريح وعاجز، واختصرت بقية المواصفات والتبعات والأعباء التي أخذ تذكري لها يدفع سحب الدمع هطولاً في عيني. قال سعيد مستفسراً بصيغة التشجيع والمجاملة اللبقة: " العزاء أنك صمدت، ولم يصلوا منك إلى ما يريدون". ابتسمت ابتسامة مرة، أحسست طعمها في أحشائي ولا أدري ما الذي ارتسم على وجهي من تأثير ذلك بالضبط، لقد أدركت مغزاه وجاء الانفعال بالسؤال عنيفاً في الداخل، ولكنني التمست قوة التحكم فيّ، ذلك أن أول بوادر ارتسام السؤال كانت توقع الشك فيّ أو في قدرتي على الاحتمال، ورفضت الأمرين، ولكن يبدو أنني قسوت في الاستنتاج أو حملت السؤال أكثر من طاقته على الحمل. قلت مطمئناً ومكابراً: أنا كتلة لحم مزعجة، لقد تبينت هنا أن لهذه البقية_ وأشرت إلى جسمي_ دوراً يمكن أن تؤديه، حتى في هذه الظروف، وأنا أجد عزاء كبيراً في أن لما أنا فيه ولما أعاني منه معنى وغاية. وإلا لكان الأمر فظيعاً جداً ولما وجدت قدرة على احتماله، إنهم يطلبون المستحيل، فقطعة اللحم المدماة هذه تملك قدرة المؤمنين على الصبر وتملك هدفاً كبيراً تصمد من أجله، وإذا كان لا بد من الموت فلن أموت رخيصاً بلا غاية.". لقي جوابي ونبض المعنويات العالية لدي استحساناً وارتياحاً لدى الجميع وتسربت نظرات الإعجاب من عيون البعض إليّ تغذي تصميمي، وشعرت بشيء من الثقة والاعتزاز، قلت لنفسي:" ليس أمامي إلا هذه الطريق، الخيانة ما تعودناها ، والذل لن أورثه لأبنائي ما دمت قد حرمتهم من كل إرث. هذا الذي أنا فيه أواجهه والآجال والمصائر مقدرة من الله". ". وتمنيت لو أن ما أقوله يسمعه ابني ليحفظه عني ويذكره لي. ولم أوفق في استجلاب صورة أو ذكرى الأطفال، ذلك أنني انفعلت بتلك الذكرى وأخذت اشعر بالدمع ينغل ويتكاثف في دمي، هربت مسرعاً أتجنب صور الضعف، ماذا لو غلبني الدمع وأنا بينهم أتباهى بثباتي؟! كيف سيفسرون موقفي ذاك؟! ربما فكر بعضهم بأنني كذبت في ادعاءاتي وأنني في الحقيقة جبنت وتكلمت، وهاهو الدمع يفضح حقيقة موقفي وخوري. التمست أي شيء ألوذ به من فضيحة البكاء، وبإرادة حديدية أغلقت باب بيتي القابع في قلبي على من فيه، لن يفهم أحد أبداً حبي لأطفالي ولزينب وكل قصتي وأوضاعي، ليكن ذلك شيئاً خاصاً ومقدساً يتم في خلوة مع النفس، إن مجرد التفكير فيه شبيه بالتعري في جمع. كان أول ما شغلني سقف المهجع الوسخ وحقل الرؤوس الذي لا يبعد عنه كثيراً، وبينما كنت أبحث عن شواغل أسلمها نفسي تنامى إليّ همس خفيف سرى في القاعة آتياً من جهة الباب سيطر على أثره صمت قاتل، وجمد سؤال بين شفتي رياض كان يهم بأن يطرحه عليّ.
نظرت أتبين الأمر فلم أفهم شيئاً، ولم يلبث أن علا وقع خطوات مصحوب بأنين موجع. بلغ الصوت ذروة ارتفاعه ثم تلاشى تدريجياً حتى غاب تماماً، واقتربت موجة همس أخرى ترقبت وصولها إليّ بتشوق، قال سعيد: " مسكين ، لا يكاد يستيقظ حتى يأخذوه ثم يعيدونه مغشياً عليه، هذه هي المرة الرابعة خلال يومين، من أي طينة جبل هؤلاء؟! أيتوارثون وحدهم كل ما في الطبيعة البشرية من شر وحقد وسوء؟! الإنسان لا يحتمل هذا ، أنا المتفرج لا أحتمله، فكيف الذي يذوقه ويمارسه؟!" أدركت أن الأمر يتعلق بسجين، فسألت: من هو؟! أفادتني إشارات أيديهم وأكتافهم ووجوههم بأنهم يجهلون من هو. مرت فترة صمت ثم عاد الاهتمام يتركز عليّ أنا، قال رياض وهو يرمقني باحترام:
_: لم تقل لنا ماذا يريدون منك؟!
=: أنا أسير، ويريدون مني معلومات عن الجيش والأسلحة.
_: سوري أنت ، من أين؟!
توقفت عند السؤال ولم أجب؟ ماذا تفيد من أين هنا؟
أدركت أن غرض محدثي أن يتعرف إليّ.
=: عريف مجند محمد المسعود، من حوران.
ابتسم وهو يقول مداعباً، الحوارنة ما يقعون أسرى، يقتلون أو ينهزمون"." ابتسمت له بدوري وقلت مداعباً من خلال تعب وألم واضحين: أو يصمدون ". ضحك وربت بعطف على كتفي.
_:" أنا أمزح يا بطل".
=: أعرف.
في هذه الأثناء سمعنا طرقاً على باب حديد الشبكة فالتفتنا جميعاً إلى الجندي الذي كان واقفاً أمام الباب، صاح بنا: " ستخرجون عشر دقائق للتريض، استعدوا للخروج اثنان اثنان. لا نريد ضجة". ثم أخذ يفتح القفل وخشخشة الحديد تعلو وشيئاً من اللغط الخفيف يرافقها. قال سعيد لرياض: ليس هذا وقت التريض. في الأمر شيء؟" هز رياض كتفيه، وبدأ موكب المساجين يزحف خارجاً من القاعة. نظر إليّ سعيد وقال مشجعاً ومواسياً بحذر: لن نتأخر عليك". أدركت معنى الالتفاتة الإنسانية منه، لم يشأ أن يسمني بصفتي " مقعد.. عاجز" ولا أن يدعوني للخروج حتى لا ينكشف حرجي، كما أنه لم يشأ أن يخرج من دون كلمة يقولها لذلك الذي لا يستطيع الخروج مثلهم. انتابني انفعال محموم أخفيته بمهارة وتابعت خطواته والغصة تملأ حلقي حتى اصطدم بصري بشبكة حديد الباب التي غاب خلفها سعيد في ظلام الممر. وارتد إليّ طرفي لأكتشف أنني وحيد في قاعة شاسعة كانت تتسع لعدد كبير من الأشخاص. دققت في أرضها المفروشة بالبطانيات الرمادية واحدة بجانب الأخرى، وتبين لي أن بجانب الجدار المقابل الذي انتهت إلى مقربة منه البطانيات الممدودة وعلى امتداده مجرى محفوراً في الأرض، وتظهر على حواف اتصاله بالأرض والجدار أوساخ تشكل مع المحيط الذي يلفها بيئة قذرة. حاولت أن أتعرف على جدوى هذا الذي رأيت واستعمالاته فلم تتح لي القرقعة المفاجئة التي حدثت عند باب القاعة فرصة لذلك، وحين ارتد إليّ بصري المنخطف إليها فجأة أعدت تركيزه هناك في فم الباب لأتبين حقيقة ما يجري ، ولم أدر متى ارتد إليّ ثانية ولا كيف ، ربما رافق تقدم كرسي العجزة الذي بهر الباب وزحف نحوي يدفعه الشخصان إياهما. اربد وجهي وشعرت كأنني أختنق، كدت أصرخ بفزع، ولكن الكرسي أصبح أمامي بثقله ومعانيه كأنما ينحشر في فمي ويسده تماماً. نظرت إلى الرجلين، وخطر لي أن أطلب إليهما عدم إخراجي للتريّض، كنت خائفاً من الكيفية التي سيرميانني بها في جوف الكرسي. ومرت عيناي على زجاج عينهما، وخلت للحظة أنني أمام رجلين آليين، ولم يمهلاني أبداً، حتى الكلمة لم يتح لها أن تخرج من فمي، حملاني مثل كيس نصف مليء وأبقياني على الكرسي، ولا أعرف كيف تمت الأمور بعد ذلك، وجدت نفسي خارج القاعة أدرج في ممر يزداد إظلاماً كلما تقدمت فيه. لم أكن قد عرفت مكان التريض ولا مررت به، ولذا لم تتزعزع القناعة عندي بأنهما يأخذانني إلى هناك. ووجه امتعاضي واعتراضي كان ينصب على هذا الثمن الفادح من ألم الجسم والروح الذي سأدفعه ثمن عشر دقائق أتفرج فيها على من يستطيعون المشي بحرية بينما أنا محروم وإلى الأبد ربما من هذه النعمة، وفكرت قليلاً: الشمس شيء مفيد، ومنذ زمن لم استمتع بالشمس وأنا هادئ، وإذا كان في ذلك المكان الذي يأخذونني إليه شمس دافئة وهواء طلق فإنها فرصة. كانت بعض الأفكار تندفع بنزق ثم تغيب ، ولم تكن أكثر من تخرّصات يطلقها عقل ساذج وقلب طيب مثل قلبي المشبع بطلاقة الريف وعفويته، واكتشفت كم كنت متفائلاً بل وساذجاً، فقد أعدت إلى الزنزانة التي كنت فيها، وألقيت تحت نقط " الدَلْف" التي كانت تتساقط من السقف بتصميم لا يتزعزع. لم يتح لي أن أسأل أو اعترض أو أقول شيئا.ً. كان ألمي الطاغي من جراء حملهم لي وإلقائهم إياي هو المسيطر عليّ تماماً.
عندما أغلق الباب أخذت أستجمع نفسي، استعدت بعض الوجوه التي كانت معي في القاعة، وحركة الخروج المنظمة السريعة للرجال منها ثم المجرى المحفور بجانب الجدار، رغم الألم المُمِض سألت نفسي : لم هذا المجرى في القاعة؟! داخلني الخوف والاشمئزاز من احتمال قفز أمامي، أيكون ذلك للتبول؟! هل يقف كل أولئك الرجال صفوفاً متتالية أمام بعضهم بعضاً ليتبولوا في المكان نفسه الذي ينامون فيه؟! لم أسترسل في الاستغراب لأنني تذكرت نفسي ووضعي وكيف أقضي حاجتي في الزنزانة، وخجلت من متابعة المقارنة، وألغيت السؤال بشيء من التسليم بأن ذاك المجرى كان لذاك الاستعمال. وتذكرت بعدها السيجارة ذات الطقوس الاحتفالية الخاصة واستعدت لذة تركتها في فمي، ولم ينتشلني من هذه اللمسات الذاكراتية العابرة سوى نقطة الماء التي سقطت على وجهي حارة بعض الشيء، على عكس ما كانت عليه في المرة السابقة. ركزت انتباهي قليلاً فسقطت نقطة أخرى حارة أيضاً، أجَلت نظري في الزنزانة لأتأكد أنها هي نفسها الزنزانة التي كنت فيها؟! إنها هي، هي تماماً ولكن هنا أشياء تغيرت، إنها ليست خانقة الحرارة كما كانت، ونقطة الماء هذه حارة بدلاً من تلك التي كانت باردة. عجبت للأمر، وأخذ عجبي واستغرابي يتناميان شيئاً فشيئاً عندما أخذ جو الغرفة يزداد برودة والماء المتساقط يزداد حرارة. تلفت حولي بقلق وتعلق نظري بجهة الباب، وقلت في نفسي: إذا استمر الأمر بهذا التصاعد فسأموت. سقطت نقطة ماء أشد حرارة من سابقاتها على جفن عيني وانتشر أثرها المؤذي في مساحة قليلة بينما بدأ زحف البرد على جسمي كله. صرخت دون وعي أو إرادة مني" توقفوا عن هذا، بحق الله، توقفوا " قدّرت أن أحداً لم يسمع صوتي، لأنني لم أثر أقل حركة في الجو المحيط ولم أتلق أي صوت أو أي رد فعل من الخارج. تذكرت تجربتي المحبطة في المرة الماضية عندما صرخت، ولكن الأمر يختلف الآن تماماً، إذا استمر هذا الوضع، وأنا على ما أنا عليه من حالة سيئة فسأموت. ازداد جو الغرفة برودة فبدأت أقلل من مراكز استناد جسمي إلى الأرض معتقداً أن مصدر البرودة منها، ولم يكن ما أنا فيه محتملاً خاصة عندما أصبحت نقط الماء تسقط كمياسم النار على وجهي، وجسمي يرتعد من البرد. وزاد وضعي ضعفاً اهتزاز بل هلع داخلي فرضه عليّ تفكيري بنفسي وبمدى مقاومة جراحي وجسمي؛ أخذت أحسب حساب النتائج البعيدة: جراحي لا تحتمل البرد خاصة تلك الساق المبتورة. استندت قليلاً محاولاً أن أتحرك لأجلب لنفسي الدفْ ولكن من دون فائدة، وللحظة عابرة شعرت بفائدة قيودي الجبصينية، فقد كانت الساق اليسرى أكثر مناطق جسمي دفئاً حتى الآن، لم يكن البرد قد اخترق حاجز الجبصين بعد ، ويا ويلي عندما يصبح الجبصين مصدر برودة جديدة. ماذا أفعل؟! أخذت أصرخ مرة أخرى دون وعي ودون توقف ودون كلل: " أخرجوني من هنا، أخرجوني سأموت ، أخرجوني، أخرجوني".
كنت في دوامة الصراخ والهلع عندما فتح الباب بهدوء ووقف في فتحة فراغه المحقق" اللطيف” الذي كان معي في البداية، وهو يبتسم بشماتة وبرود. وكغريق تعلق بقشة قلت له:
_: أوقف هذا أرجوك. سأموت.
هزّ رأسه عدة مرات، وتقدم مني حتى أصبح بمواجهتي تماماً وركز عينيه في عيني، ووجدت أنني مشدود إليه، أرصد اختلاجاته وبواطن أحاسيسه، ولم أعد أحس بازدياد البرد الذي ربما أوقف تصاعده. قال:
_ ألم أعرض عليك صداقتي وثقتي ومعاملة إنسانية لطيفة؟! لمَ لمْ تقبل ؟ أنت الذي لم تقبل تذكر هذا جيداً، أنت المسؤول ، وأنت الذي تسبب لنفسك كل هذا !! إن قلبك وجراحك وبصرك كل ذلك يشكو أو يتألم منك وبسببك.
ماذا أستطيع أن أفعل من أجلك الآن؟ لقد خرج الأمر من يدي، خرج تماماً. ماذا يمكن أن أفعل لك؟ إن مجرد مجيئي إلى هنا لأراك مغامرة من جهة ومنة عليّ منهم من جهة أخرى، أتعرف لماذا؟!
هززت رأسي بالنفي ، وأحسست بثقل عظيم في رأسي وعنقي وكأنما دماغي يتقلب ويرتض داخل الجمجمة، وظهر في عيني الضعف تجاهه. وربما أدرك ذلك، بل لا بد أنه أدرك ذلك، ولغرض ما استمر في توجيه اللوم إلي وتابع كلامه معي غير آبه بما فيّ ، وكان يستزيد من ظهور ضعفي ومظاهره.. قال:
_ عاقبوني لأنني عاملتك معاملة طيبة، اتهموني بالخيانة، أتعرف معنى هذا الاتهام هنا؟ إنه ليس مجرد كلمة غير مسؤولة تطلق من أي فم كما هي الحال عندكم، إنها تأخذ حجمها الكبير ومعناها المقيت في هذه الأرض، ثم نقلوني من هنا وسأقضي عقوبة قاسية وربما أُحال إلى المحاكمة، كل ذلك لأنني حاولت أن أكون إنساناً طيباً ورحيماً وأن أخلصك من التعذيب. أنت عربي شهم، أنا أعرف أخلاقكم وأسمع عنكم، فهل تقبل أن يحدث لي هذا بسببك؟ لأنني عرضت عليك صداقتي وتساهلت في استجوابك، قطعوا رزقي ورزق أطفالي واتهمت أبشع التهم.". أخذ صوته يتهدج، وعيناه تلمعان بطبقة رطبة من الدمع، واقتنعت بأنه إنما يطلب مني أن أنسى وضعي وألمي وكل ما أنا فيه لأرثي له وأبكي همومه، وكأن ما أنا فيه لا يساوي شيئاً حيال ما حل به، وهو ما يحملني مسؤوليته تماماً. كنت أريد أن أقول له:" أخرجني من هنا أولا فقد تجمدت" ولكنه لم يترك لي فرصة، تلاحق نفسه واستمر كلامه قائلاً:
_ .. وأنت لم تستفد شيئاً، أهانوك وعذبوك وهاهم يريدون أن يقتلوك هنا. سوف يستمر البرد حتى تتجمد تماماً، وعندها يلقونك مع الزبالة، ولن يتاح لك حتى أن تشكو أو تُسمع صوتك لأحد.
كوَّر وجهه بقسوة وانفعال وبرزت شفتاه كمنقار بوم وانقض أنفه كقذيفة، نحى فمه شبراً عن وجهي وبصق متعمداً أن يتطاير الرذاذ فقط على وجهي. ثم حدق إليّ وهو يركز على كلماته بقوة: " بطل؟! إنني أبصق في وجه كل الأبطال وكل البطولات، أفعل ذلك من أجل حياتي وحياة أبنائي وشرفي، من أجل ألا يتعذب إنسان بريء بسببي؟! ثم لماذا تريد أن تكون بطلاً لأي سبب ومن أجل من؟! من أجل أرض ليست لك، وحكام لم يسألوا عنك، وشعب لن يسمع بك؟!"
توقف لحظة وقد قرأ في وجهي علائم اعتراض، ثم تابع بحماسة متصاعدة وتأكيد على مخارج الحروف:
" نعم لن يهتم لك أحد ، ولن يسمع بك أحد. إن الهواء نفسه سيتجمد هنا، الهواء نفسه، ولن ينقل آ هة أو كلمة منك ولا شيئاً عنك. لا تمرد ولا شكوى ، لا شجاعة ولا جبن، لا قوة ولا ضعف، لا صمود ولا صبر ولا تضحية، ولا أي شيء من ذلك الكلام الفارغ الذي تغذي غرورك به وتدفع ثمنه باهظاً. أوهام.. أوهام حشي بها رأسك، وها أنت ذا تدفع ثمن الأوهام. حتى لو سمعوا بك واعتبروك بطلا فلن يفعلوا أكثر من أن يذكروا اسمك في الإذاعة ولن يشبع أولادك من ذلك. ثم ينسونك تماماً ، ينبغي أن تفهم ذلك وتدرك ما أنت فيه. أنا كنت على وشك المغادرة، فخطر لي أن أراك، أن أواجهك لأحملك مسؤولية غدرك بي، لقد رجوتهم أن يسمحوا لي برؤيتك لأقول لك فقط: هل تقبل أن تفعل بي ما فعلت، هل يرضى دينك أو ضميرك بأن يتحطم مستقبلي بسبب عطفي عليك؟! لقد قبلوا طلبي بعد رجاء وتوسل، ولكنني للأسف بدلاً من أن أوجه إليك اللوم هنا وجدت نفسي أرثي لك وأشاركك ألمك، بل أبكي عليك، اعذرني ليس في يدي أن أساعدك، لا أستطيع أن أعدك بشيء، ولكن رغم موقفي الضعيف عندهم ورغم موقفك السيء مني وكل ما سببته لي، فسوف أحتج لديهم على المعاملة الوحشية التي يعاملونك بها، وسأرجوهم أن يرأفوا بك لأنني لا أطيق أن يعامل إنسان، مجرد إنسان، مثل هذه المعاملة حتى لو كان عدواً أحتقره، فكيف أرضاها لعربي طيب مثلك، وأنا أميل إليكم كما قلت لك. أنا من أسرة جربت الأسر والتعذيب والاضطهاد، أنا أعرف ذلك ولا أريده لأحد."
تركني ذاهلاً واتجه إلى الباب، وتآكلت رعباً، أردت أن أستوقفه بصرخة هائلة قبل أن يطبق الباب علي، ولكنه توقف واستدار ببطء شديد قبل أن يخرج وقال مبتسماً: لو كنت سمعت مني لما وصلنا أنا وأنت إلى هذا الوضع.. ومع ذلك سأبذل غاية جهدي، لكن أخشى أن تخذلني مرة أخرى، فكر فينا كلينا وفي تبعاتنا كلينا، أنا وأنت، في زوجتي وزوجتك، أولادي وأولادك، فكر في كل ذك، وسأبذل أنا جهدي مرة أخرى لمساعدتك.
أغلق الباب خلفه وانقطعت دوامة الكلام، عاد الهدوء الرهيب الذي ارتبط عندي بالبرد القاتل ودبيب اليأس، ولكن في هذا الليل الصحراوي الذي بقيت فيه، ظل معي أمل ضئيل في الزنزانة، أمل ضعيف يرتجف كما أرتجف وتروعه أقل الأفكار قتامة.؟ وانصرف همي إلى أن ابعث فيه الدفء والحياة لأحيا بحياته ، والتمست من خيالي جرعات منعشة، فتاتاً من الأحلام يقتات بها أمل ضعيف، ولم يكن جو الزنزانة يساعد خيالي على أن يفرد جناحيه، كان البرد القارس يحاصرني، ورغم أن البرودة توقفت عن الازدياد كما لاحظت إلا أن خيالي ظل مجمداً، هناك فرصة الآن لشيء من التفكير والأحلام والأخيلة، لا بد أن ألوذ بشيء هرباً من رعب الموت تجمداً ورعب متابعة التحديق إلى مثل هذا المصير، وحاولت إنعاش الأمل.
فكرت في إمكانية أن يعود فعلاً هذا الذي يريد مني أن أعيش أزمة ضمير لأنني لم أوفر له أسباب النجاح بخيانتي وطني، والذي يصر على أن يقنعني بأن وضعه " أكثر بؤساً" من وضعي؟! ربما عاد واصطحبني للتحقيق مرة ثانية، فماذا أقول له؟ راودتني أفكار متضاربة، خطر لي أن أخترع أشياء أرويها له، ولم أكد أشرع بالتفكير بشيء حتى وجدت ذهني وخيالي صفحتين بيضاوين، أدركت أنني لن أنجح، وأن أقل مراوغة سوف تطمعه فيّ أكثر، مما يزيد في تركيزهم على انتزاع أسرار مني. كنت أعرف أشياء كثيرة عن قطعاتنا وأسلحتنا وأماكن تواجدنا، وخشيت أن تهن قواي وأضعف تحت أية ظروف أو أساليب يتبعها فأقول شيئاً دون رغبة أو إرادة، فلم أستطع نسيان شيء مما أعرف فلم أعتد مثل هذا من قبل. وفكرت ملياً، قلَّبت الأمر على وجوه، وخطر لي خاطر رافقه اشمئزاز: لم لا أتكلم قليلاً، أقول أشياء وأدلي بمعلومات لا تضر؟ شخصت عيناي في الخاطر الذي بدا مرتسماً بأشد الصور وضوحاً أمامي. مضت ثوان وأنا ذاهل عن كل شيء من حولي، ولكن تشنجاً داخلياً طاغياً أمسك أعصابي وشل كل حركة ضعف فيّ: " أبداً لن أجبن ولن أضعف، ولن أبحث عن راحة ما أدفع ثمنها عدم احترامي لنفسي. إنهم يريدونني ذليلاً أمامهم ، يريدون أن يروا شرفي العسكري في الوحل، يكفي أن أقول كلمة واحدة عن أتفه شيء يمس وطني لأصبح خائناً؟ ما الفرق بين الذي يدلي بسر خطير أو سر تافه صغير؟ كلاهما سر، إن درب الخيانة واحد ويبدأ دوماً بخطوة.. وأنا ما عاد لي أقدام أخطو بها على طريق فكيف بي وأنا أحاول السير في طريق الخيانة؟! " سرقة البيضة مثل سرقة الجمل كلها سرقة". تذكرت أمي وهي تقول ذلك لي. كنت في أحد أيام الصغر قد تسللت إلى قن الدجاج، ,أخذت بيضة من دون معرفة أمي، أردت أن اشتري " حلو حامض" أغراني ابن جيراننا حسين بحبات منه كان قد اشتراها وأخذ يمصمصها ويتمطَّق بها وأنا أراقبه، طلبت منه فلم يعطني، قال:" رح اشتر". وبقي يصفها في كفه ويتمطَّق بها ويخرج لي لسانه ليغيظني، وطفولتي تنداح بين فمه ويده. ذهبت إلى والدي وطلبت عشرة قروش لأشتري بها فلم يعطني، فتسللت إلى قن الدجاج، وعندما خرجت منه والبيضة في يدي والأحلام زرافات من حولي كانت أمي تنتصب واقفة لي بالمرصاد على الباب، أحسستها كالطود الشامخ، وزادها ضعف موقفي سطوة وزادني ضآلة.. للحق سلطان عند من يدرك معنى الحق. أمسكتني وأخذت البيضة من يدي، ولم يشفع لي دمعي ولا شروحاتي لبيان الأسباب، كفان قاسيتان وجملة مفيدة:" من يسرق البيضة يسرق الجمل" علماني احتقار السرقة. أذكر أنها لم تكتف بذلك بل اقتادتني من يدي حتى أوصلتني أمام والدي الذي كان يصلي، بقيت واقفاً حتى أنهى صلاته وأدعيته والتفت إلينا، أرته البيضة وشرحت له ما فعلت، فارتسم الغضب على وجهه ، وكأنها قرأت نياته فبادرته إلى القول:" ضربته كفين". بكيت أنا محاولاً استدرار شفقته دون قصد مني، هناك أشياء يفعلها المرء بالفطرة ويكون لها تأثير أكثر من التدبير، قال لي: اجلس واستمع إلي جيداً سأروي لك حكاية صغيرة. جلست أرتجف خجلاً وامسح دموعي بيدي الصغيرتين. قال بعد أن أشار بيده إلى أمي لتجلس هي الأخرى: " حكم على شقي مجرم بالإعدام شنقاً، بعد أن ثبتت ضده تهم كثيرة من القتل والسطو والسرقة. وعندما حان وقت تنفيذ الحكم ، أخرجوه إلى ساحة التنفيذ وكتفوا يديه ووضعوا الحبل حول عنقه، وسألوه ماذا تطلب قبل موتك؟ ما هي وصيتك؟ قال: لا شيء أريد فقط أن أرى أمي، وكانت أمه بين الحضور تبكي فاستدعوها وسمحوا لها بالاقتراب منه قليلاً، قال أريد أن أقبلك يا أمي قبل موتي، اقتربت الأم منه وقبلته، فقال لها أريد أن أقبل لسانك، مديه قليلاً لأقبله، استغربت الطلب ولكنها نفذته، فالتقط لسانها بين أسنانه وعض عليه حتى قطعه، وسقطت الأم عند قدميه. قالوا له: لم فعلت ذلك بأمك ؟ قال: هي التي أوصلتني إلى حبل المشنقة. استغرب الناس والمنفذون للحكم قوله هذا وسألوه كيف ذلك ؟ قال: وأنا صغير سرقت من بيت الجيران بيضة وأحضرتها إليها فما أنكرت علي ذلك، في مرة ثانية سرقت شيئاً أكبر فقبلته وما أنكرت فعلي، وفي مرة أخرى أبدت سرورها وطرزت غروري ببضع كلمات ثناء، وهكذا تدرجت وكان لسانها يشجعني حتى سرقت وسطوت وقتلت، ثم يجب أن يقولها لما كنت أنا حيث أنا اليوم، لو قال لسانها الكلمة التي كان يجب أن يقولها لما كنت أنا حيث أنا اليوم.. هي السبب.". رفعت رأسي رأيت وجه أمي متهللا، وانغرس في قلبي شيء عميق بيد كل من أمي وأبي، وعلمني ذاك على المدى احترام نصائحهما والتمسك بما هو قويم وسليم حتى لو كان مؤلماً.
أعادتني ذكرى أمي إلى حضن الاطمئنان، نسيت البرد والدَّلْفَ الناري، وشعرت أن حولي أرواحاً تؤنسني وتشد عزيمتي وتربطني بصلابتي الروحية، وأخذت أشعر بأن شيئاً في داخلي يتصلَّد، ورويداً رويداً نسيت أطرافي وآلامي والأمل الضعيف الذي راودني عندما أطبق الباب وراء المحقق وبقي هو معي كأنه الحياة. صرت كتلة من تحد، لن أضعف، ولن أهين شرف الجندي، وسوف أموت بكبرياء!! لست أحسن من مئات ماتوا ولا من عشرات أسروا ويعانون من القهر، لن ألوث شرفي وشرف بلدي أبداً.
استسغت هذا كله وانفعلت به، كان بلسماً أنساني ما أنا فيه وبعث فيّ القوة، وشعرت بتوقد في عيني وبشفتي تنزمّان بعنف، قلت:" سأبصق في وجه أي شخص منهم، لطيفاً كان أم غير لطيف مهما كانت النتائج، كلهم وحوش، إنهم يلعبون بأعصابي كل على طريقته، كلهم وحوش.” مرّت فترة صمت أخذ خيالي يسبح في أثنائها مستعيداً شيئاً بعيداً: لماذا أعطيناهم الفرصة ليعذبونا في وطننا؟! لماذا؟! أحسست أنني على وشك الصراخ مرة أخرى ولكن بدوافع مغايرة ولأسباب مختلفة عن تلك التي كانت تفرض نفسها عليّ قبل قليل. أخذت أركز انتباهي، في محاولة لاستعادة وقائع وذكريات من الوطن، وفي الوقت نفسه كان البرد يزداد شدة ويسيطر على قواي وصرفني كلياً إلى الاهتمام به وبوسائل الخروج من قبضته بعد أن طرد بعنف، تلك اللمحات من الذكريات والوقائع التي حاولت أن تتسلل إليّ. بدأت أرتعد بشدة من البرد وأيقنت أنهم لن يتوقفوا هذه المرة إلا وأنا كتلة من جليد وسخ. لقد قال لي المحقق ذلك، وربما كان هو الذي ينفذه الآن. استسغت هذه الفكرة ووجدتها أكثر منطقية وجدية من سواها، ولدي شواهد ومؤشرات تثبتها، ولكنها رغم ذلك كله لم تكن مستقرة تماماً. لقد ارتبط شكل المحقق لدي بمعاملة حسنة وربما بإنقاذي من ألم مبرح ومصير قاس محتوم، ولعله كان صادقاً في تعاطفه معي، وعلى كل حال فأسلوبه في التعامل مفضل لديّ، رغم أنه يريد الوصول إلى النتائج نفسها التي يريد أن يصل إلها الآخر، ولن ينالها أي منهما بالتأكيد. قلت في نفسي : لو أنه يعود، على الأقل يتوقف زحف البرد قليلاً وألتقط أنفاسي، أستعيد بعض الصور والمقولات والذكريات أشد بها عزيمتي. وشعرت كم هي عزيزة وغالية الحياة، رغم ما فيها من ألم وقسوة وظلم وعذاب، وأن هذا بحد ذاته لأمر عجاب.
ربما كان ذلك لأنني من أبناء الدنيا ومتعلق بها أكثر من غيري ، أو لأنني مولع بزوجتي وأولادي وهم الحياة عندي؟ وانتبهت إلى إحساس ينقر أعصابي نقر الصوص لجدار البيضة. وأخذ يتجلى شيئاً فشيئاً، أحسست بالصور تتجمد، وبحركتها بطيئة جداً، وبأن الكلمات نفسها تمشي ببطء كبير وتتلكأ ثم تتقدم أشد تباطؤاً حتى لكأن كريات الدم بدأت بالتلاصق والتجمد في عروقي. وتتبعت بقلق شيئاً في داخلي ينسحب رويداً رويداً ويتقلص وينكمش ليتكور في القلب أو في أعماق خفيَّة لا أتبينها بدقة. أصبحت المرئيات ضبابية تماماً، ولم أعد أشعر بأطرافي، ولكن حواسي لم تتعطل نهائياً.
فقد جاءني منها إشعار بأن الباب قد فتح ، لم أكن على درجة من الوعي تمكنني من التمييز. إنني أسمعه وأشعر بأنني أتلقى أسئلته، وخشيت أن أجيب عليها دون إرادة مني. حاولت أن أستجمع بعض الطاقة اصرفها في التركيز والتنبيه فلم أنجح في شيء يستحق الذكر، لكن فكرة توقف تصاعد البرودة التي ارتبطت عندي مع فتح الباب ووجود أحد معي في الزنزانة جعلتني أشعر بأن هنالك فرصة ما أو وقتاً ما، وهذا أنعش إرادتي وقوة تشبثي بالحياة. وأصبحت أسمع سؤال المحقق وأميز صوته بوضوح:" وأظن أن الابتسامة كانت معلقة في مكانها منه. لم أجب بشيء، فتابع كلامه وأنا أسمع بوضوح:
-: لقد رجوتهم فأعطوني آخر فرصة لي معك، والحقيقة أنها فرصة لي ولك أيضاً. سوف آخذك من هنا، وقد أمرتهم بأن يوقفوا هذه البشاعة. تصور أنهم كانوا سيثلجونك لو أني تأخرت خمس دقائق فقط؟ أنا لا أدري كيف يتصرف هؤلاء المتوحشون. كيف لا يرون الطيبين أمثالك ولا تأسرهم الطيبة فيك؟ كيف لا يتخيلون ما ينطوي عليه كونك زوجاً وأباً، وأنك تحب زوجتك وتتمنى لو ترى أطفالك وتعيش بينهم. لا تقلق ، لقد كتبت لك الحياة من جديد وسنتعاون معاً، فلننته من كل شيء بأقصى السرعة. لقد قلت لهم إنك تثق بي وسيكون تعاوننا تاماً ومفيداً جداً. هل أنا مخطئ في ذلك؟
لم أجب ، ولكنني أخفضت بصري وأنا أشعر بأن بعض الحركات عادت تدب داخل عروقي. قال لي وهو خارج: " سوف يحضرونك إلى مكتبي. أنا بانتظارك هناك، المكان دافئ وسوف نشرب القهوة معاً". ولكنه استدرك بسرعة: " لا، بل سنشرب الشاي، الشاي يدفئك وينعشك، إذن سأذهب الآن لأطلب إليهم أن يحضروا لنا الشاي".
ابتعدت خطواته عن الباب الذي لم يغلق بعد خروجه، مرت دقيقة تقريباً والباب ما زال مفتوحاً، أيقنت عند ذلك أن الدفء سيعود إليّ وستعود لي القدرة على التذكر وركوب بساط الخيال الذي كانت قد تكسرت أجنحته.. ولكن سيعود لي أيضاً التعذيب والألم الذي لا يحتمل، وسأمشي مرة ثانية طريق الموت الذي أعود الآن من نهايته تقريباً، ولا أدري حتَّام سيستمر ذلك. عندما بدأت الخطوات الموقعة تقترب مني أخذ توتري يزداد ودقات قلبي تشتد وتتسارع، وتسمرت عيناي على الباب، وشعرت بأن زحمة من الأرواح والصور والكلمات تدوِّم حولي وكأنها تعلن تضامنها معي، وحين وضع أحد الرجلين يده تحت إبطي ليرفعني كنت قد أصبحت كتلة من التحدي اللزج.
|