|
_10_
في مهجع المساجين، القاعة التي كنت فيها، وقف الجمع دهشاً حائراً ومتسائلاً بعد أن أغلق باب الشبكة الحديدي، ولم أكن في القاعة عندما دخلوا، ولاجيء بي إليها فيما بعد. قال بعضهم:" ربما نقلوه إلى الانفرادي" وتساءل آخر: ماذا لو أعادوه للتحقيق والتعذيب؟" نظر رياض إلى سعيد مستطلعاً رأيه ومبدياً رعبه من أن يكون محمد المسعود قد أعيد إلى التعذيب ولما يلتقط أنفاسه بعد. قال سعيد: لا بد أن نفعل شيئاً لنعرف مصيره، واتجه إلى الباب، أمسك قضبان الشبكة وصرخ بالحارس القابع أمامها:
_: أين أخذتموه؟
-: من؟
_: مقطوع الرجل، كتلة اللحم التي كانت هنا في الزاوية قبل أن نخرج إلى الاستراحة؟
_: لم تسأل عنه؟ ما علاقتك أنت بذلك؟
_: إنه زميلنا، نريد أن نعرف مصيره؟ هذا أسير وأنتم تعاملونه بوحشية.
نظر الحارس ببرودة شديدة إلى سعيد الذي احتد وانتفخت أوداجه وكاد يفقد سيطرته على نفسه ثم نهض واقترب خطوة باتجاه الباب، وشهر مخرز يده باتجاه عينيّ سعيد وقال بقسوة الجليد:
=: إذا لم تخرس فوراً تلحق به فوراً.
ذهل المساجين الواقفون خلف سعيد، ونظر إليهم هو كالمصعوق، فتلاقى الرعب الجاثم في عيونهم، وانفتحت أفواههم قليلاً ونطق بعضهم الكلمة المرّة :" مات؟.
=: لا تتدخلوا فيما لا يعنيكم وإلا أخبرت الإدارة عنكم، وتعرفون نتائج ذلك جيداً.
تراجع بعض المساجين، وأعطى أشخاص منهم ظهورهم للحارس الذي عاد إلى مقعده، ثم ساد الصمت لحظة.
انحشر سعيد بين المساجين وتبعه رياض، وفي منتصف القاعة تكونت حولهما دائرة صغيرة من الرؤوس، بدا بينهما وجه كظيم. قال سعيد:
_: إنهم يعاملوننا معاملة الكلاب.. كأننا لسنا أسرى حرب، وليس لنا حقوق. قال الرجل المحشو غيظاً:
=: ماذا يخيفهم منا؟ لم لا يفعلون فينا كل ما يتخيله وما لا يتخيله عقل؟ إنهم أعداء.. أعداء هل ننتظر من أعدائنا الرحمة والمعاملة الحسنة؟ نحن خياليون بما فيه المصائب.
-: ولكن هناك حقوق إنسانية لأسرى الحرب يحفظها المتحاربون وموجودة في المواثيق الدولية.
=: إسرائيل لا تحترم المواثيق ولا هذه " الدولية" التي تفرحنا بها، إنها منذ خَبِرْناها تفهم القوة، فهل فرض عليها القائمون هناك منطق القوة؟ ما الذي يجعلها تحسب حساباً لنا أو لمن وراءنا؟ مصلحة أو قوة، أو خوف من نوع ما؟ هذا ما يفقده موقفنا، وإلا لما بقينا من دون أخبار هذه المدة.
_: لا تضخم الأمر، نحن لا نعرف التفاصيل ولا يجوز لنا أن نحكم على موقف الذين هناك، هذه أقوال تنشر اليأس وعليك أن تكف عن ترديدها، واجبنا أن نكون أقوياء هنا.. أفهمت.؟ "أمرك سيدي"، أدى الرجل التحية آلياً بعصبية ساخرة بعض الشيء ثم لم يتمالك نفسه، اصفر وجهه قليلاً من شدة غضبه، ولوَّح يده في الفضاء وهو يقول: التخويف والتهديد يلحقان بنا إلى هنا ، نحن في الأسر، بيننا وبين الموت شعرة، بين ثانية وأخرى قد يجروننا إلى الذبح مثل الخراف، وأنت تهددنا ؟ أريد أن أقولها بوضوح : لو كان هناك اهتمام جدي بنا من أهلنا لما عوملنا هنا هذه المعاملة، الصليب الأحمر زارنا مرة واحدة ثم لم نر أحداً ولا استجابة ولا بشرى عودة، ماذا نحن.. ومن نحن؟
رفع رياض نظره إلى الرجل الحانق وعلى ثغره ابتسامة هادئة، قال له بصوت منخفض حاسم:
" ربما كنت على حق في بعض ما ذهبت إليه، ولكن لا تنس أنت أيضاً أننا بين الأعداء، ونحمل شرفنا العسكري الذي يجب ألا يدنس حتى ولا بنبرة تمس وطننا أو ضعف يشوه صورتنا في نظر العدو؛ أفهم سبب غضبك وثورتك، واعرف ما عانيته وما يثقل روحك، سوف نتحدث فيما بعد بأمور كثيرة، لنفكر الآن في أمر محمد المسعود.". و هدأ الجو قليلاً، وارتاحت بعض قسمات الوجوه المتوترة، واغتنم سعيد الفرصة ليضيف : إن الموقف الذي نتخذه بدءاً من معاملة محمد المسعود موقف يخدمنا جميعاً ويفرض حقوقنا جميعاً.. فلنطالب باحترام حقوق أسرى الحرب، هذا واجب نقوم به هنا وطلب عادل.
هز رياض رأسه موافقاً فأضاف سعيد تساؤلاً: من يعرف حقوق أسرى الحرب بدقة؟
سرى الهمس قليلاً: من يعرف حقوق أسرى الحرب؟.
" وقبل أن تعود موجة الهواء بجواب تمتم الرجل الذي كان غاضباً، تمتم وهو يبتعد:" الموت".. شده أحد الرجال القريبين منه من كم قميصه شداً خفيفاً فنظر إليه بغيظ ثم أدار وجهه للجدار وسكن تماماً. بعد ثوان ارتد الهمس في طريق معاكسة نحو مركز القاعة حيث سعيد ورياض" أحمد سلطان يعرف" وبدأ شخص أسمر اللون متوسط الطول يحشر نفسه بين المجموعات البشرية متجهاً إلى مركز الدائرة حتى وصل إلى جانب سعيد قال:
_: أنا أعرف أشياء عن ذلك، لنا الحق في معاملة حسنة وحق عدم الإدلاء بمعلومات نرى أنها تمس أمن وطننا وجيشنا، ولنا أن نرسل رسائل عبر الصليب والهلال الأحمر الدوليين إلى ذوينا، وأن نطلب مقابلة ممثلي الصليب والهلال الأحمر، وأن يكون طعامنا مقبولاً و...
=: يكفي يكفي. نحن نريد فقط ألا نموت تحت التعذيب. ولكن كيف نحصل على القدر المناسب من تلك الحقوق؟
نظر سعيد إلى رياض، وخيم صمت خفيف كان رياض خلاله يعبث بشعره قليلاً. ركز نظره للحظة في عيني سعيد، ثم نقلها إلى أحمد وهو يتساءل: كيف ترى أن الأمور ستسير إذا أعلنا اإاضراب عن الطعام من أجل أبسط حقوقنا؟!" صمت أحمد قليلاً.. لم يكن مهيأ لمثل هذا السؤال ، ولا يجد أنه من الملائم أخذ موافقته أو إشراكه في مثل هذا القرار، قال بثقة:
_: سوف يحافظون على حياتنا. أسماؤنا أصبحت عند الصليب والهلال الأحمر منذ زيارة ممثليه السابقة وهي أيضاً في بلدنا عن طريق رسمي ولا يستطيعون هنا لا أن ينكروا وجودنا ولا أن...
توقف أحمد عن الكلام فجاء الأمر الذي دفع رياض إلى التساؤل : مالك أكمل؟ ولا أن: ماذا؟!" ابتسم أحمد قليلاً: " كنت أريد أن أقول ولا أن يقتلونا"، ولكن هذا الأمر ممكن جداً، فنحن في قبضة إسرائيل وكل شيء هنا ممكن مهما كان موغلاً في درجة الشر واللاإنسانية. نظر كل منهم إلى وجه الآخر قليلاً، وخيم صمت قصير شقه صوت رياض حاسماً الأمر بوضوح:
=: إذن نعلن الإضراب عن الطعام احتجاجاً على معاملتهم الوحشية لمحمد المسعود وعدم احترامهم حقوقنا كأسرى حرب، ونطلب مقابلة ممثلي الصليب والهلال الأحمر.
_: تماماً.
أشار رياض بيده ورأسه إشارة خفيفة تعطي معنى الحسم والثبات على الأمر، وعندئذ التفت سعيد بحيوية إلى المساجين الأسرى وقال بصوت مسموع:" يا شباب إننا نبدأ منذ الآن إضراباً عن الطعام".
ورددت القاعة كلمة الإضراب بشيء من الأمل ، في الوقت الذي انتصب فيه جنود الحراسة أمام باب القاعة والحقد والغضب يطفران من عيونهم.
***
بعد أن مضي قليل على رفضهم تناول الوجبة الخامسة على التوالي كان مدير السجن يقف أمام شبكة باب الحديد وخلفه اثنان من مساعديه، قال يخاطب الجميع بعربية فيها لكنة واضحة:
" لماذا تضربون عن الطعام؟!" لم يجبه أحد، وكان الصمت في هذه المرة بليغاً، ولكنه لم يمنع مدير السجن من متابعة الكلام، قال:
_: أنا أعرف أنكم أسرى حرب، ولكننا نعاملكم هنا أحسن بكثير مما عاملتم أسرانا، نحن لا نسيء معاملتكم ونحفظ حقوقكم تماماً، لكنكم تجبروننا أحياناً على استعمال الشدة واللجوء إلى التهديد نتيجة عنادكم وكبريائكم الفارغة وتصرفاتكم السيئة. أنا هنا لأنذركم بأنكم إذا لم تنهوا إضرابكم فسأعاملكم معاملة قاسية تماماً.
انتظر مدير السجن لحظات أن يرد عليه أحد فلم يحظ بذلك، حتى العيون التي نظرت إليه عندما أتى انصرفت عنه وفوتت عليه فرصة أن يقرأ في أعماق بعضها الضعف وحتى الأسى العميق نتيجة الجوع. لم يكن الإضراب عن الطعام سهلاً على مجموعة هدها الأسر والسجن وكانت تخضع للاستجواب والضغط والتعذيب.
أجسامهم كانت بأمس الحاجة إلى الطعام حتى تتغلب الشروط اللاإنسانية التي يعيشون فيها، ولكنهم قرروا أن ينفذوا إضرابهم ذاك مهما كان الثمن.
وبعد مرور يومين على بداية الإضراب بدأت سلسلة أعمال تدل على الاستياء والضيق والانفعال الشديد تصدر عن السجانين وعن مديرهم. بدؤوا باستدراج بعض الأشخاص في التحقيق لمعرفة زعيم المساجين في القاعة الذي ينفذ ويأمر، لم تكن الرتب العسكرية دقيقة لديهم، وعندما لم يفلحوا في ذلك أخذوا يغرون أشخاصاً آخرين ويتوددون إليهم لإحداث ثغرة، وكان قلقهم يزداد كلما مر الوقت. في نهاية اليوم الثالث جاء مدير السجن ووقف صامتاً فترة من زمن أمام باب الشبكة، ثم علق ابتسامة مريضة صفراء على شفتيه وقال:
_: حسناً: أريد أن أسمع طلباتكم لأبحثها.".
نظر المساجين في وجوه بعضهم بعضاً ولم يفارقهم الهدوء التام. كانت العيون وحدها تحمل التساؤلات والأجوبة والآراء. هل يكون هذا فخاً لمعرفة من الذي يتكلم باسم المجموعة مطالباً بحقوقها؟! ربما، ولكن على أية حال لا بد من أحد يتكلم، لا يوجد مخرج من ذلك. نظر سعيد إلى رياض دون أن يلفت إليه الانتباه وهمس له:
_: هل أتكلم معه؟!
=:لا. انتظر ، أنا سأكلمه بعد قليل.
كان مدير السجن ينظر إليهم بغيظ مكتوم متكلفاً عدم الاهتمام، وقد أدرك أن عرضه عليهم سماع طلباتهم من الأمور التي لا تلقى استجابة كافية لانعدام الثقة فأحب أن يؤكد هذا الجانب حتى لا يبقى مهملاً.
_ سوف أنفذ الممكن والمعقول من طلباتكم، ولكن أريد أن أعرف منكم مباشرة ما تريدون، الذي سيتكلم منكم لن يكون مسؤولاً بشكل مباشر عن شيء.
هم سعيد بالوقوف فتركزت العيون عليه، ونهض المساجين كلهم معه حين نهض هو ورياض حتى ليظن المرء أنهم نهضوا معاً، قال سعيد لرياض همساً:" لم لا تجلس وتتكلم ونحن وقوف هذا أفضل" جلس رياض ثم ارتفع صوته كأن ألسنة الجميع تتكلم.
_: نحن أسرى حرب لنا حقوق واضحة ومحددة في المواثيق الدولية وأنتم لا تحترمون المعاهدات والمواثيق الدولية والحقوق الإنسانية في معاملتكم لنا، إنكم تعذبوننا، وتستعملون أبشع الأساليب للحصول على معلومات منا، وتقدمون لنا أسوأ الطعام، وقد أخذتم زميلاً لنا لم يسترجع أنفاسه بعد من تعذيبكم له. نحن لا نقبل موتاً مرعباً تقدمونه لنا بهذا الشكل، فلتقدموا لنا بوضوح وسرعة الموت الشريف، وإلا فعاملونا معاملة إنسانية. نريد أن نقابل ممثلي الصليب والهلال الأحمر الدوليين، وأن نعرف مصير زميلنا الجريح محمد المسعود الذي كان هنا في القاعة؟! هل مات ؟ نريد أن نراه، لماذا تعذبونه وهو يموت؟!.
انتفض مدير السجن انتفاضة عنيفة واحمر وجهه وارتجفت يداه انفعالاً، ثم غالب غضبه وكبح جماح ثورة نفسه قليلاً وتكلف نعومة الكلام والصوت وقال:
_: لماذا لا تنظر في وجهي مباشرة وتطالبني بحقوقك إذا كنت تعتقد أن لك عندي حقوقاً؟! دعني أنظر إليك ونتخاطب.
لم يرفع رياض جسمه من بين المجموعة وتابع الحوار من مكانه بينهم:
=: أنت تعرف لماذا لا أفعل ذلك؟!
-: ما يدريني أنك تنطق باسم الجميع؟!
وهنا هبت صرخة المساجين في القاعة" هو يحكي باسمنا جميعاً.". وقف مدير السجن دون حراك وأخذ نفساً عميقاً ثم قال محاولاً أن يخفي انفعاله من دون أن ينجح في ذلك تماماً.
_: سوف نحسن معاملتكم وطعامكم، ونحفظ حقوق أسرى الحرب تماماً، أما ما تزعمونه عن مصير زميل لكم فلا نعرف أن لكم زميلاً جريحاً عندنا، ولا يعنيكم كيف نعامل سجناءنا، ولا يوجد شخص لدينا بالاسم الذي ذكرتم. اهتموا بأنفسكم فقط. كل واحد بنفسه. هذه المرة سوف أستجيب لطلبكم شريطة ألا يتكرر ذلك، أما إذا تكرر فسأضعكم في الزنزانات وسأغير معاملتكم تماماً، ستأكلون ثم تحلقون ذقونكم. اذكروا جيداً أنني أستجيب لطلبكم، وأننا رغم كونكم في قبضتنا عاملناكم معاملة طيبة، ستقابلون ممثلي الصليب والهلال الأحمر إذا نفذتم ما قلت، وأنهيتم إضرابكم.
قال كلماته الأخيرة بانفعال واضح، ثم استدار وانصرف بخطا سريعة، انزاحت غيمة كثيفة عن صدر رياض، ومد سعيد يده إليه ليساعده على النهوض، وبقي السجناء الأسرى وقوفاً بانتظار القرار، قال سعيد بتبرم واضح " لا يريدون أن يعترفوا به، لقد مات بين أيديهم..."
لم يمهله رياض ليتابع كلامه قال بحزم :" ربما نعم وربما لا، علينا أن نفك الإضراب حتى نتمكن من مقابلة ممثلي الصليب والهلال الأحمر، وعندها سنخبرهم عن زميلنا."
سرى الهمس في القاعة حاملاً الأمر والقرار، وبعد مدة كان الأسرى في القاعة الحزينة يتناولون الطعام البائس المعتاد. وفي اليوم التالي قدموا إليهم أوراقاً ليكتبوا رسائل إلى ذويهم، وفي اليوم الثالث كان ممثلو المنظمة الدولية يستمعون باهتمام إلى سعيد ورياض وهما يصفان أوضاع الجريح الأسير محمد السعود وعذابه الفظيع.
|