صخرة الجولان - علي عقلة عرسان – رواية - دمشق 1987

_11_

تراص الرجال في مضافة مختار قرية " كحيل" الركبة على الركبة، وفوق أبسطة الصوف صارخة الألوان، انتشرت صحون السجائر المعدنية وكؤوس الشاي الخمري الدافئ، وانتصب في الوسط إبريق القهوة النحاسي فوق منقل الفحم كتاج على عروس، وتصاعدت تساؤلات الدخان في جو المضافة تطرح ما يجول في الرؤوس والنفوس دون كلل، بينما كانت العيون معلقة على الباب تنتظر المختار الذي أوشك على الوصول.‏

كان الخبر قد سرى في القرية كموجة الصوت، فلم تمض دقائق حتى غدت الألسنة تلوكه، والناس بين مصدق ومكذب يتوافدون على دار المختار لاستطلاع جلية الأمر، ومن يدفعه الحرص أو حب الاستطلاع أكثر من سواه لا يترك أحداً في الطريق إلا ويسأله عما إذا كان قد سمع أخباراً جديدة في القرية. آخر من حضر قبل وصول المختار كان أحمد الحسن، الذي ركز شاربيه بعناية بعد أن ركز ركبتيه فوق ركبة كل من جاريه في المكان، أما عيناه فلم تستقرا مطلقاً، كانتا تقرآن ما في العيون، ولم يتمالك نفسه عن الهمس إلى جاره مستطلعاً حقيقة الأمر: " هل صحيح ما سمعناه؟!" رفع جاره وجهه وحاجبيه نحو السماء وقال:" علم الصحيح عند الله، سوف نعرف من المختار." وقام الرجال كلهم مستقبلين المختار الذي دخل متهلل الوجه قليلاً، يرمي سلامه على الحضور مشيراً إليهم أن يجلسوا. فسحوا له مكاناً في وسط الصدر، وما أن استقر به المقام حتى تركزت عليه العيون وهي تلقي التحية. تنحنح جابر أكبر الرجال سناً ومسد بكفه على لحيته البيضاء وقال: خير إن شاء الله يا مختار؟! ما الأخبار؟!".‏

جمع المختار أطراف عباءته في حضنه واستعرض العيون الشاخصة إليه، وحين وقعت عيناه على أحمد الحسن طفح على وجهه ظل ابتسامة خفيفة ما عتم أن غاب وهو يقول للحاضرين:‏

_: الأخبار أنه حي.‏

=: وثبت كلمة من أحمد الحسن: " حي"؟ قال المختار:‏

-: أسير. زملاء له رأوه وخبروا عنه، ولكن ما تأكد الخبر بعد من الهلال الأحمر. الحكومة طالبت به وما جاء شيء رسمي عنه يثبت أو ينفي، والعدو لا يعترف بوجوده.‏

ارتاح وجه أحمد الحسن قليلاً وارتفعت يده آلياً إلى شاربه وهو يقول:‏

=: يعني ما هو خبر أكيد.‏

_: العلم عند الله. الذين رأوه خبروا السلطات بعد فك أسرهم وأكدوا أنه كان مريضاً وأن الأنجاس عذبوه من غير شفقة، يريدون منه معلومات ، وما تركوه مع" ربعه" رغم أنه مريض وبحالة خطر.‏

اضطرب جابر الرجل.. الشيخ ذو اللحية البيضاء في مجلسه، واهتزت لحيته هبوطاً وصعوداً ونهض مستجمعاً قواه نصف نهوض وهو يصرخ: " يا حسرتي على الأسير ببلاد غربة وظلم عدو، عدو ما يرحم، ينهش منه ويقطع ويرمي فيه، والكل عنه بعيد. لا صاحب ولا صوت ولا سند. حسرة عليك يا محمد المسعود وألف حسرة.. يا جابر العثرات مكسور الظهير، جرب سجوناً وذاق مما ذقت. حسرة عليك وألف حسرة يا أسير.. وعيب.. عيب على رجال تسند شوارب، وتجمع قروشاً، وتملأ كراسي، وتحط نجمة وسيفاً ونسراً ونياشين، والضيم يحوف أولادها وديارها وأديانها!؟.. عيب وألف عيب، وخجلة تبقى لولد الولد والأيام.‏

يا حسرتي يا جابر العثرات، ظهري انكسر يا محمد المسعود مالي ظهر، لو كان فيّ الحيل أو لي سند جيتك أموت وإياك أو ينكتب لنا العيش يا " أبو زيد".‏

_: وكّل الله يا شيخ جابر، وراءها طلابها.‏

=: الله وكيل الكل يا مختار. وابن آدم موكل من الله بأرض الله. لا تؤاخذني يا العارف المعروف، حرقة مجرب يا النشامى، وثبة عرق دم، وهبة هوى القربى على قلب ملفوح.‏

غص الشيخ جابر بالدمع فسكت عن الكلام، وعاد إلى مكانه ساكتاً محاولاً استجماع قواه، بينما ران صمت ثقيل على الحضور، وتركزت العيون على الرجل العجوز الذي أخذ يضطرب كعصفور ذبيح. بعد لحظات رفع جابر رأسه قليلاً وانسل صوته خائر النبرة معتذراً من المختار والحضور وفي اعتذاره اختلاج روح جليل:‏

=: لا تؤاخذوني يا جماعة، لا تؤاخذني يا مختار، لا يؤاخذني طلابها. ترى آني ما عبت على أحد ؟! لكن ناراً بالحشا يا ناس ضجت وانفتح صمامها، والدم ما هو ماء وإن خالطه الماء، غصة قديمة من سوالف سالفات.. جيلي مضى، راحت علينا وانقضت أيامنا ، حلوة ومرة ما غدت بالمعايير، راحت مضت، من عز من نخوات من ضيم وحتوف ونازلات، راحت ورحنا على الحفر متزاملين. لا تؤاخذوني يا الربع، ترى أنا ما عبت أحد، على العين ثم الراس كل الناس، مختارها وتجارها وحراسها وطلابها وكلابها، على العين ثم الراس كل الناس. كلمة وغطاؤها: " خائبين وسائبين".‏

ولا تؤاخذوني يا الكبار، القبر واسع والتراب كثير، والأرض تبلع من عليها حيناً بعد حين، تأخذ وتعطي، والزمن دولاب، لا تؤاخذوني أرضاً بكت من طول ذل وجوع ومن حرقة عطش، لا تؤاخذوني يا الربع.‏

سالت الدموع من عينيّ جابر مدرارة، فدارى دموعه ومسحها بطرف " قضاضته" وهو ينهض مرتجفاً يروح يمنه ويسرة، وغادر المكان مواكباً بشخصين اندفعا لمساعدته.‏

وبعد خروجه بدأ الجمع المتراص ينتشر بغير انتظام. انصرف الرجال مغمغمين بالسلام، وبعضهم جلس كسيفاً كقطعة من حجر، وصوَّحت دار المختار كسلطنة بلا سلطان . كان آخر المغادرين أحمد الحسن، ألقى تحيته على المختار متحاشياً أن تلتقي عيونهما، وطول الطريق إلى دكانه لم يرفع نظره عن الأرض . أحس كأنما ارتكب ذنباً على ملأ من الناس، وفي دخيلة نفسه كان يرتفع احتجاج صارخ:‏

" إنه لم يأت منكراً، لقد فكر بزينب لأنه اعتقد أن زوجها مات. وكان قصده شريفاً، أراد أن يجنبها الحاجة وأن يرعى أولاد " المرحوم" وينقذهم من لجوع. إذاً فمحمد المسعود حي، أو ربما كان حياً، وعندما تسمع زينب بذلك لن تفتح عينيها للنور الذي يأتي من جهته، ولا بد أنها علمت الآن، ولا أمل له في شيء على الإطلاق، عليه أن يدفن هذه السيرة. أحس بثقل حقيقي في أحشائه وبأنه لا يقوى على الوقوف. وحاصرته ابتسامة المختار الخبيثة، ماذا كان يقصد يا ترى؟! هل سرت في القرية شائعات من نوع رخيص ووصلت إلى المختار حتى غمزه هذه الغمزة المؤذية؟! إنها شماتة من دون شك. كانت ابتسامة المختار تحمل معنى الانتهاك التام لعواطف أحمد الحسن وأسراره ومشاعره ومشاريعه. وأحس بأن المختار إذا كان يرمي إلى ذلك فعلاً فإنه اعتصر آماله حتى الجفاف. قال في نفسه: لا بد أن أضع حداً لتفكيري فيها، فإذا كان زوجها حياً فعلاً فإنني خاسر وإذا كان مجرد ذكره هو الحي واحتمال عودته قائم، فإنها سوف تنتظر سنين طويلة قبل أن تيأس من عودته، هذا إذا لم يعد سريعاً. وهي ستصبر على فراقه، لن تكون سهلة أبداً . وانتشى في خياله خاطر لم يلبث أن خمد تماماً، خاطر أن تكون هي له خليلة، يصل إليها حتى يعود زوجها إن لم تيأس من عودته. ورقص شارباه ثانية واحدة للجنين الميت هذا: كيف ستكون زينب له وتمكنه من نفسها وهي التي مرت بظروف قاسية طيلة غياب زوجها في الكويت وفي الجندية وبعد الحرب ولم تضعف أو تطلب منه شيئاً؟! إنها من نوع جبار، من نوع محمد المسعود نفسه، المرأة من ضلع الرجل. وخمد ذلك الخاطر الغض، وازداد شعوره بالثقل الشديد في أحشائه.‏

ولم يطل حواره مع نفسه، قرر أن يغلق دكانه ويذهب إلى داره. وبينما كان يتجه إلى باب الدكان ليغلقه وقفت أم سليمان عند العتبة ملقية تحيتها بلطف. ارتج أحمد الحسن من الداخل قليلاً، اعتقد أنها أتت لتخبره نبأ محمد المسعود فهي تعرف الأخبار ولا يفوتها منها شيء. ولاحظت أم سليمان ارتباكه، ولم يتبارد إلى ذهنها سبب ذلك. في الأيام القليلة الماضية كان لوقوفها بباب دكانه سحر خاص وتأثير كثير فيه.. كان يتهلل فرحاً، ويتراقص شارباه، ويرحب بها سائلاً إياها عن طلباتها، ولكنه اليوم مكفهر الوجه كظيم على غير العادة. ودَّت لو تعرف ما به: ما لك؟ لست رائقاً، ما يزعجك؟! خير إن شاء الله؟!" نظر أحمد الحسن إلى أم سليمان نظرة بلهاء. ومرت لحظة خال كل منهما خلالها أنه فقد كل ذكرى عن الآخر، وفقد كل أثر لمعرفة سابقة به، وكمن يتعارفان أول مرة بظروف مجاملة مفروضة، اغتصب أحمد الحسن ابتسامة ورسمها على شفتيه وهو يقول:‏

" لاشيء. أحوال الدنيا". تشجعت أم سليمان وقالت له باسمة:‏

_: نصف كيلو سكر وربع أوقية شاي يا أحمد، بودي أزور المسكينة زينب، وآخذ لها شيئاً بيدي، وأبارك لها، ارتدت الروح لها ولأولادها وفرَّج الله كربتهم، فرَّجها على كل مكروب،. لا بد أنك سمعت الخبر عن زوجها.‏

نظر أحمد الحسن إلى العجوز نظرة لا تحمل معنى، وخال أن أفعى ساحر تلتهم أحلامه وآماله وكل ما يبنيه وترقص شامتة بباب دكانه، وقف لحظة بسكون تام محايد لا يدري ما يفعل ولا ما يقول. وقبل أن تتساءل هي عما حدث له انطلقت من فمه كلمة واحدة تلقائياً جمدت فرح العجوز في عروقها، قال: " سكَّرْنا". وسحب باب الدكان وأدار المفتاح في القفل، بينما أم سليمان تنظر إليه ذاهلة غير مصدقة ما يجري أمامها، ولم تستوعب ما تم فعلاً إلا بعد أن ابتعد أحمد الحسن خطوات باتجاه داره. نظرت إليه طويلاً، وحل شيء من عزم متشامخ في كيانها المتآكل، فضربت الأرض بعكَّازتها واتجهت إلى دار محمد المسعود.‏

***‏

في مساء اليوم ذاته كان الأمل واليأس يتنازعان قلب زينب التي غدت كئيبة وقلقة بشكل ملحوظ . كان الشيخ جابر قد مرَّ بدارها وأخفى دموعه وهو يتوجع لها ولزوجها: " الموت أهون من ذل الأسير والخضوع لغطرسة الأعداء".‏

في بعض اللحظات التي ينسلخ فيها الأمل كلياً عن اليأس المتوطن في قلبها، كانت تذوب دموعاً، وعندما يتجلى بعض الأمل ويذوِّق لها لحظات اللقاء بزوجها في المستقبل القريب يتسلل الدم إلى وجهها ليطرد الشحوب المقيم. كان الأولاد أكثر لهواً وأكثر فرحاً من أي يوم مضى، عندما وصلها النبأ بأن زوجها حي فاضت فرحتها وضمتهم إلى صدرها وبكوا جميعاً من الفرحة، اعتقدت أنه في أوضاع حسنة، ولكن التفاصيل المقلقة التي حملها المختار وشروحات الشيخ جابر جعلتها تعيش قلق الهم وقسوة المأساة فالحقيقة الماثلة أمامها الآن: أن محمد حي على الأرجح وهو بيد عدو لا يرحم، ويعاني من المرض أو من أي شيء يجعل حالته خطرة. ما الذي يطمئن في وضع كهذا؟! أنه حي، هذا الخبر حمل الأمل والأسى معاً، وكأن ضريبة الحياة أن يتلازما فيها.‏

حاولت أم سليمان أن تزين لها الأمر وتبعث فيها الرضا " على الأقل زوجها حي، ماذا تريد أكثر من هذا في هذه المرحلة"؟. الأمور الأخرى ستأتي ، وراء حكومة تطالب به، وعندما يأتي يهون كل شيء"، إن كان مريضاً يعالج وإن كان قد تعذب فقد انتهى ذلك بعودته". غرست أم سليمان بعض الرجاء والرضا في ظلام عيني زينب وقلبها، وأسهمت وردة الخالد وسالمة الجمعة في بث السلوى وتمتين الرجاء في نفسها، قالت وردة:‏

" يا أم زيد الحمد الله على أنه حي، وكل حي لا بد يرجع لأهله ولبلاده، وإن شاء الله لا تمر أيام إلا ويرجع أبو زيد بالسلامة، مثلما رجع رفاقه".‏

أكدت سالمة كلام وردة بيقين لا تعرف كيف تجلى لها، وأضافت أم سليمان كلاماً من دون أن تضيف معنى جديداً. كان شيء مُلِح في داخل زينب رغم ذلك كله يدفعها إلى البكاء، واستعجلت في سرها لحظات انتهاء مجاملات النسوة وخروجهن ليتاح لها أن تسكب حملها الثقيل الذي يتجمع في صدرها.‏

عندما انصرفت النسوة من دار زينب ضمت الحزينة أولادها إلى حضنها وبكت بحرقة حتى غدت هي والأولاد خواء. نام الصغير ونشِفَت الدموع على خديه، وحين وضعتهم في الفراش أحسَّت بتضامن الأجسام الصغيرة الضعيفة بمواجهة المجهول، وابتهلت إلى الله سبحانه أن يساعدها على ما هي فيه، وأراحها البكاء من ضغط كانت تشعر بثقله في حلقها ، وزالت تلك الكتلة التي سدت حلقها طوال اليوم.‏

شمل نفسها صفاء وهدوء تامان وأشرقت شمس روحها بعد انقشاع غيم الأسى الدامع وغمّته القامعة. ,أحست أن سَكِينة تحل عليها وتشمل ما حولها، وتحول شعورها بقضقضة حجارة البيت توجعاً لما بها إلى شعور بتعاطف عميق بينها وبين الأشياء والأحياء من حولها.‏

كان إحساسها بالعجز قتالاً وشعورها بضآلتها كبيراً ، لأنها لم تستطع أن تقدم لزوجها في أشد الضائقات عوناً يرد عنه أذى أو يساعده على احتماله، وتساءلت بألم: أهذا هو معنى رفقة العمر عندها؟! أقدِّر لها أن تعيش ظروف العجز القاهر هذه؟! وفكرت في أنها ليست وحيدة في هذا العجز، وامتد خيالها إلى أسر أخرى وأفراد آخرين لم يقدَّم لهم أي عون في أشد حالات احتياجهم إليه. لقد قال لها الشيخ جابر إن الحكومة عاجزة عن فعل شيء وحتى عن التأكد التام من أنه أسير، إذا فالحكومة مثلها في هذا العجز، مثلها تماماً، ولكن ما يتوجب عليها هي ألصق بواجبها حيال زوجها مما يتوجب على الحكومة تجاهه. اختلطت عليها بعض الأمور وحتى ترتاح سلمت أمرها لله وحسبت نفسها مثل تلك الأسر الكثيرة المسكينة التي تعيش كلها في الأسر وتحت سطوة العدو وقهره من دون أن ينجدها أحد من الحكومات والأفراد.‏

كان نومها قلقاً، بل إنها لم تذق النوم بالمعنى الدقيق للكلمة، كانت أقل" حَسَفَة" في الشارع توتر أعصابها وتجعل قلبها يضطرب، فكرت في أشياء لتقتل الليل ولكنها اكتشفت أنه في أعماقها يشرِّش مع الأعصاب والعروق، ولم تجد إلا في فكرة أن محمد المسعود حي وأنه أقوى من أي عائق يمنعه من العودة إليهم ما دام حياً، جلبت لها تلك الفكرة عزاء وتسلية.. كل شيء يهون عندما يعود، عليه وعليهم، الألم يغدو ذكريات، والعذاب تزول آثاره، والجسد يمكن أن يبرأ من أسقامه، المهم ألا تتأذى روح الإنسان وألا يفقد مالا يعوَّض: شرفه وقيمه، فليعد زوجها وستعوضه عن كل آلامه وعن اللحظات القاسية التي عاشها في رعب وشقاء، ليعد إليها ولو كان أكثر عجزاً وتشوهاً من كسيح مكوَّم في فراش، فإنها ستضعه في بؤبؤ العين، وترفعه تاجاً وحمى لها ولبيتها الصغير.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244