صخرة الجولان - علي عقلة عرسان – رواية - دمشق 1987

_12_

رفع المحقق" اللطيف" يديه بعنف غير متمالك نفسه وصرخ في وجهي: " حقير، لست أكثر من حقير لا يستحق سوى الموت". لطمت كلماته وصحن السيجارة الذي كان أمامه أذني فارتج كل شيء أمامي وزاغت عيناي ودار المكان بي نصف دورة. للحظة عابرة أحسست بالارتياح فهذا هو تكلف " الإنسانية" قد تهاوى دفعة واحدة أمام هيكلي المتهدم، والصداقة المدَّعاة والمصير المتشابك بيني وبين" المحقق اللطيف" وكل الكلمات المنفوخة التي كان يسمعني إياها، كل ذلك تهاوى هو الآخر عند قدمي المجبصنة، وانفجر بركان الحقد الأسود الذي كان يخفي فوهته ويلمعها، انفجر ملء الغرفة الحافلة بقصص التعذيب: " إنني لا أستحق سوى الموت".‏

في جلسة التحقيق الأخيرة والمثيرة كنت أستمتع بتهاوي أسلوب المحقق وتهافته، ثم بتهاويه وتهافته هو نفسه، قدم لي صداقته مع كأس من الشاي الساخن، وكما أعادني من بداية طريق الموت بعد أن قطعت أشواطاً بعيدة فيه أعاد لي قدرة الخيال على التحليق وحيوية الذكريات والتفكير. لا أشك لحظة في أنني وصلت إلى حالة ضعف شديدة وإلى لحظات انهيار وأنا في الزنزانة أتعرَّض للتجميد، وأنه عندما اندفع إلى داخل الزنزانة ليتوقف باندفاعه داخلها تزايدت درجة البرودة، أحسست بأنني بحاجة لأن أتشبث به، ولكن قبل أن يغادر الزنزانة أيقنت أن كل شيء مدروس ومرسوم للضغط عليّ ولتحقيق درجة قصوى من الانهيار في مقاومتي. لقد طمعت في الحياة، تشبثت بساعات وأيام فيها، الحياة يتشبث بها المرء حتى لو كان موقناً بأنها تمديد لبؤسه وعذابه. ولا أدري ما هو السر الذي يكمن في الحياة ويحببنا بها رغم ما فيها من قسوة؟! أهو الخوف من الموت أم الرغبة في الحياة طمعاً بالسعادة؟! أم هو انتظار للفرج الذي يأمل المرء في الحصول عليه حتى بين ساعة وساعة؟!" من عمود إلى عمود يفرجها الرب المعبود" مثل يردده أبناء قريتي ويبث الأمل والثقة بالله وبالنفس.‏

عندما استقر بي كرسيي أمام المحقق قررت أن أكون هادئاً حتى البرودة التامة، ,أن أشغل نفسي بأي شيء متجاهلاً كل ما يقول، وأن أستمع إليه إذا اضطررت إلى ذلك حين يخونني الخيال من دون أن أجيبه بكلمة. فما لدي للبوح به بحت به، وما هو سر يقبع خلف روحي ولا طريق إليه.‏

تكلم ملاطفاً عن الصداقة والتضحية والتعاون، وطلب إلي أن أشرب الشاي وأجيب على أسئلته كما " تم الاتفاق"، وهو اتفاق موافق عليه من طرفه هو وحده. وبقيت في أثناء ذلك كله صامتاً، هدد وأنذر واسمعني تهديد الآخر الذي ينتظر فشله هو، ولم يترك وسيلة إلا اتبعها وأنا صامت صلد أحدق إليه كأنني تلك الصخرة التي كانت شيئاً مني وأصبحت الآن أمامه شيئاً منها. وفي أثناء تهالكه انفعالاً كنت أفكر بأشياء كثيرة، ولم تغب عني الصخرة الأم التي حمتني وحميتها، وكانت صورتها تلح علي فأستعيدها بعذوبة وأكمن في ظلالها باطمئنان وراحة بدتا مثيرتين للمحقق " اللطيف" إلى أقصى الحدود.‏

وشعرت أنني والصخرة عندما نتوحد وتجمعنا الذكرى نصبح قوة قاهرة، وأدمنت في تلك الجلسة تذكرها، واستعدت كثيراً من اللحظات مع نزار بجوارها، حتى ظلها المخيف الذي كان ينعكس في الليالي المقمرة على امتداد واسع عند شروق القمر وغروبه، كان ينبعث أمامي حياً موحياً مؤنساً ومسلياً.‏

في أثناء تمثيل المحقق دور" اللطيف والصديق والعطوف" كنت أفكر في النهاية التي ستنتهي إليها هذه الجلسة, أتوقع أن تكون غاية في المرارة. وتمنيت لو يتاح لي أن أكتب رسالة إلى صديقي نزار وإلى أهلي، أن أقول لابني زيد كلمات يعز علي ألا يسمعها.. وشعرت بأن نهايتي قريبة. ولا أدري كيف قادني موقفه مني، الذي أخذ يعنف ويشتد وقاحة، وموقفي منه في وضعي ذاك، إلى إحساس بالقهر والعجز يتجاوزني أنا لينصرف إلى شعب قد يجتر سيرتي وحكومة قد تذكر اسمي، ولكن لا تصل الأمور إلى أبعد من ذلك. أيقنت أنني محاصر باليأس، وفي صحرائه المميتة أخذت أستنبت الواحات وأُخضَّرها بالخيال وأجعل فيها ماء ومن كل زوج بهيج. وخطر لي أن أنقش وصايا على جذوع أشجارها للأجيال القادمة. وانتزعني من ذلك الخيال الساحر صراخ المحقق: " أين أنت.. ألا تسمعني، أجب يا ابن الفاعلة." ونظرت إليه ذاهلاً عن نفسي .. مستسيغاً عالمي الذي بدأت أكوِّنه وأرتاح إليه وواحاتي الظليلة عبر صحرائي القاتلة. أغاظته حدقتا عيني الذابلتين وشفتاي اللتان انطوتا على احتقار، وألمي الذي شق طرقي إلى بحار الصبر، زعق زعقة هائلة خلته انفتق أو" طق عرق في رأسه، ولكن دمه الذي تصاعد إلى رأسه تحول إلى اندلاق وحشي من القسوة والإجرام. انهال عليّ ضرباً بكلتي يديه، وبقسوة حيوان مفترس أخذ يعوي ويمزق كل ما تقع عليه يداه، انفجر بركان حقده التاريخي بشكل لم أعهد له مثيلا في حياتي.‏

ولثوان أحسست بفرقعة الألم في كياني كله عندما أخذ يرفسني من دون رحمة، متعمِّداً أن تقع ضرباته على جراحي وساقي المجبصنة. وفي أثناء ذلك كان لا يكف عن إطلاق أقذر الشتائم وأنكر الأصوات.‏

شعرت بالباب يفتح وبحركة مع أصوات تتداخل، بعد ذلك كنت أتأرجح بين الوعي والغيبوبة، وكانت كلماته التي تتخلل لهاثه الهائج تستقر في وعيي وتنحفر في الدماغ ببطء وعمق "الحيوان القذر، انقلب إلى صخرة صماء من صخور أرضه اللعينة.".‏

شعرت بالارتياح يسري في كياني، وعوَّضني ذلك عن أشياء كثيرة. وبين فترات النَّوَسَان التي كنت أمر فيها بين الوعي والغيبوبة كنت أهمس برغباتي وآمالي ووصاياي لأرض غرفة كانت يوماً بيتاً لأسرة عربية وحولها يهودي يزعم أنه هرب من إرهاب هتلر وأنه يكره التعذيب والقهر، حولها إلى مسلخٍ بشري.. أرض غرفة خاطبت من خلالها الأجداد القدامى والأجيال، ابني زيداً وزوجتي وأقاربي وأبناء بلدي، قلت لهم: إنني عُذِّبت وذقت المذلة والقهر ولكنني لم أخن ولم أكن جباناً ولا شوهت سمعتكم أو شرفي. لا تتركوني أذهب هكذا رخيصاً، فليكن لي ثمن، وليكن للذين ذهبوا قبلي ومعي ثمن. حرروا أرواحنا من القهر والذل ، وأرضنا من أحذية الغزاة. أوصيكم بالصخرة الأم، صخرة الجولان، فقد حمتني وحميتها ما استطعت، ولم أخذلها بل خُذِلت وإياها، جنبوها ما تعانيه من إذلال وارفعوا عن جبينها المقدس حذاء العدو الذي يدوس معها في جبل الشيخ عرانين الأنوف المرفوعة فوق كل ثرى عربي، تلك التي لا يحرك أصحابها الذل."‏

في الغربة النكراء والأسر المذل وبين يدي أعداء لا مثيل لحقدهم بين الأحقاد، عند أقدام محقق تكلف" اللطف ساعات، هنالك في غرفة تحقيق كانت داراً لعربي، نزف دمي حتى الموت. وفي لحظاتي الأخيرة أحسست أن بعض دمي الذي انسرب من شقوق صغيرة في أرضها يسري بسرعة وارتياح في جوف الأرض ويتواصل مع جذور ونباتات وصخور وذرات تراب، ويختلط بدم الأجداد ، ليعود الدم كله نامياً ومضيئاً، مزهراً متحدياً، وكأنني اندلقت في عروق صخرة الجولان قوة ونُضْرَة فلمع وجهها وزالت تجاعيده التي تشبه تجاعيد وجه أمي. وشكَّل الجزء الأكبر من دمي قرصاً صغيراً ، ذكرني بالنُّقْعَة التي كنت أسوّيها وأنصب حولها فخاخي الصغيرة أيام الصبا. وكعصفور صغير في الفخ كنت أرتمي على الأرض وأنفي وفمي ينزفان. وأخذ الدم يَرُوب على مهل، وينمو في أرض الغرفة على مهل، ويعلو فيها أيضاً على مهل، وترتفع منه شعلة تضيء درب الآتين، الذين ترفع لهم صخرة الجولان راية من دمي وتحمي ظهورهم بصلابتها التاريخية كما حمتني.‏

وعلى ضوء الدم لمحت نزاراً والضابط ورفاقي في السرية يتقدمون وهم يهزجون، بنادقهم تزغرد في السهول والهضاب ، وصيحاتهم تقترب وتقترب ، وخلفهم على مدى الجولان وحوران وروابي الشام.. خلفهم: زيد ورفاقه يزحفون براياتهم الصغيرة، بيضاء وخضراء وسوداء وحمراء، متساوون تماماً، مرحون، وزينب مع بنات قريتنا التي انتهِكت، يهللن للفرح الآتي، حناء أيديهن وحناء الأرض بدم الشهادة يمتزج ، ودرب الحرية يزدهي ويتباهى بالسائرين عليه، وقد عصفت قوتهم جميعاً بالطغاة وصنائعهم وصغاراتهم.. ريح نقية كنست وجه الأرض وغسلها غيث غزير، ومن خلفهم نمت حقول ومزارع، وعبقت ورود وغردت طيور، وصفقت أمواه وتغلغلت في صلب الأرض فاهتزَّت وربت ، وعلى المدى خلف مسيرتهم الظافرة، ارتفعت مداخن معامل ومآذن مضيئة في أفق عامر بالإخاء والمحبة والعدل، وعلى موسيقا تقدمهم أغمضت عينيّ وسعت روحي تواكب ركبهم مع أرواح سائر الشهداء راضية مرضية.‏

النهاية‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244