في شهر شباط " فبراير " من عام 1847 م قدّم شاب عربي من بلاد الشام *، يبدو أنه كان يحتفل بعيد ميلاده الثلاثين ، أول مسرحية في إطار هزلي ـ غنائي ، ـ أضحوكة كلها ملحنة كما كان يسميها ـ في بيته بمدينة بيروت لعدد محدود من المتفرجين المدعويين، وبإمكانيات متواضعة جداً . تأثراً بما رأى من نماذج " الأوبرا كوميك " في مدينتين من مدن إيطاليا ، " ميلانو ونابولي " كان قد زارهما لبضعة أشهر ، وهي الرحلة الوحيدة التي كانت له في الغرب وتمت خلال عام 1846 وقيل عنه فيها " إنه دوخ البلاد الأورباوية " ، ولم يكن أكثر من تاجر شاهد عروضاً مسرحية فاستهوته .ولنا أن نتخيل مقدار ما حصّل وما قلّد واستلهم من تلك المشاهدات ، في تلك الفترة القصيرة . وما أتقن من اقتباس طفيف لفكرة مسرحية البخيل لموليير التي سمى مسرحيته الأولى باسمها نظراً لاتكائه عليها .
كان ذلك هو مارون نقاش ( 9 شباط 1817 ـ أو مطلع حزيران 1817 ) الذي يعود له الفضل الأول في تقديم مسرح رسخ في بلاد الشام . ولم تفتر حماسة النقاش للمسرح على الرغم من تنبئه لتجربته ولحركة المسرح في بلاده بالتوقف ، وذلك عند افتتاح أول مسرح له في بيروت ، فقد قدم خمسة عروض مسرحية، ثلاثة من تأليفه وهي : البخيل ـ أبو الحسن المغفل أو هارون الرشيد ـ والحسود السليط . واثنان من تأليف أخيه نيقولا نقاش وهما : الشيخ الجاهل وربيعة بن زيد المكدّم . وكان ذلك كله بين (1847 ـ 1853) إذ توفي مارون النقاش بعد ذلك بقليل في طرسوس بتركيا عام 1855 ونقل جثمانه إلى بلده في حزيران 1856 ، وأصبح مسرحه كنيسة ، بناء على توصيته ، حيث هدم المسرح وبنيت مكانه كنيسة السانتا قرب حي الجميزة بـبيروت .
ولم تمت البذرة التي زرعها مارون نقاش ، فقد تعهدها أخوه وأبناء عمومته وأصدقاء وتلامذة له ، فعاشت وانتشرت ، لاسيما بعد أن انتقلوا بها إلى مصر ، حيث تابعوا هناك مع آل الحداد والقباني ، الذي انتقل بدوره من دمشق إلى القاهرة في وقت لاحق (1884 م )، ومع شآميين آخرين مثل سليمان القرداحي وسواه(*)
تابعوا عملهم هناك ، مضيفين جهودهم إلى جهود فرقة يعقوب صنوع ( 1869 ـ 1872 ) وغيره من العاملين في ذلك الحقل ، حتى أصبحت الغرسة شجرة أثمرت في أرض مصر ثمراً طيباً قطفت منه الشام والأقطار العربية الأخرى ما شاء لها أن تقطف .
لم يكن أبو خليل القباني ـ وهو أحمد بن محمد آغا بن حسين آقبيق ( 1833 ـ 1902 ) الذي يتصل نسبه بأكرم آقبيق ياور السلطان سليمان القانوني ـ لم يكن معزولاً عن تجربة آل النقاش في بيروت ، ولكنه لم يكن قد شاهد ، مثل مارون نقاش ، عروضاً مسرحية غربية في بيئتها حفزته على العمل . لقد كان القباني ملحناً ومغنياً شُجع على تقديم العروض المسرحية للناس من قبل والي الشام مدحت باشا في مكان محدد وعام يرتاده الجمهور ، بعد أن كان القباني يقدم تمثيليات مع أخدانه في سهرات خاصة داخل البيوت ، قيل إن أولها مسرحية : " ناكر الجميل " التي استندت إلى واقعة حقيقية جرت مع صديق له .
وبتشجيع من مدحت باشا ، كما أسلفت ، بدأ القباني ، مع اسكندر فرح وآخرين منهم جورج ميرزا (1) وموسى أبو الهيبة وتوفيق شمس وراغب سمسمية ) بدأ تقديم عروض في مسرح بمنطقة باب البريد ( خان الجمرك ) من مدينة دمشق ، بدعم وتمويل من الوالي أيضاً،وكانت البداية بمسرحية: الأمير محمود نجل شاه العجم .
وفي مسيرة القباني الشآمية اعتمد على نصوص معظمها مستقى من التاريخ العربي والقصص الشعبي ( ألف ليلة وليلة ـ عنترة .. الخ )
وكان يلحن ويغني ويدير شؤون الجوق الفنية ، ولم يكن يتوقف عند تلك الحدود ، فهو المؤلف والمشرف الفني العام والمخرج ، بمفهوم ذلك العصر للعملية الفنية وتفاصيلها ومهمات العاملين فيها . وأرسى القباني تقاليد الفرجة في عصره ، تلك التي استلهمت ذوق الجمهور وتابعت تلبية رغباته ، فكان ما يقبل عليه الجمهور يقود الفرقة أو يصنع توجهها ويرسم سياستها " الفنية والفكرية ".
وقد عرف عن القباني استاذيتُه في التلحين والغناء وأداء الأدوار الغنائية والموشحات ، وربما كان ذلك هو الأبرز في نشاطه، على حين يكتنف ، عندي على الأقل ، اليقين ـ شك في نسبة تأليف كل ما نسب تأليفه إليه من مسرحيات .
وحين نذكر من مسرحياته مثلاً : ناكر الجميل ـ الأمير محمود ـ هارون الرشيد مع أنيس الجليس ـ قوت القلوب وغانم بن أيوب ـ عنترة بن شداد ـ عفيفة " جنفياف Lodvigtieck " ـ لباب الغرام "متريدات لراسين " ـ حيل النساء " لوسيا " مترجمة لم أقع على أصلها بعد ـ " حين نفعل ذلك نجد أن النصوص التي ترجمت عن الفرنسية أو سواها لم يكن هو مترجمها ، وإنما وقع عليها تحريف وإضافات ومزج للشعر في حوارها ، قد يكون هو شريك فيه وقد لا يكون ، كما أن هناك نصوصاً نسبت إليه نجدها منسوبة لغيره من الشخصيات الثقافية التي عرفت عنها القدرة على التأليف ولا سيما الشيخ ابراهيم الأحدب ( 1826 ـ 1891 ) والذي تنسب إليه عشرات النصوص اليوم(2)
ولكن القباني حمل اسم عروضه الشيقة التي أعجبت الجمهور، ونسب إليه النص واللحن والغناء والعرض والمسرح والفضل ، وربما نسي غيره من أصحاب الباع الطويل في جانب من جوانب هذا الفن المركب المعقد الذي يحتاج إلى مشاركة طاقات خلاقة ومبدعين آخرين فيه .
لقد حمل كلُّ شيء تقريباً اسم القباني ، كما يحمل الفيلم اليوم اسم المخرج أو أسماء بعض الممثلين ويتوارى الآخرون في الظل من كاتب السيناريو ومؤلف الرواية إلى المصور وسائر الفنيين .
وهذه الأمور إلى جانب أمور أخرى مثل موقف الدولة من المسرح ، وموقف السلطات الحاكمة بدمشق أو في استانبول من مسرح القباني تحتاج إلى كثير من التدقيق لأن ما شاع غير ماوقع فعلاً. فالقباني أقام مسرحه بتمويل ودعم ورعاية من مدحت باشا
أولاً . ثم بعد أن عاد من مصر خاسراً رعته الدولة العثمانية وقدمت له داراً وراتباً مدى حياته (3) .
ويهمنا الإشارة هنا إلى الكيفية التي كانت تقدم بها العروض والتفاعل العام مع الجمهور وصدى ذلك في الشارع الثقافي والفني والاجتماعي ، لأن لمسرح القباني أثراً ممتداً عبر مساحة الشام ومصر في المسرح . ولهذا السبب فقط توقفنا قليلاً عند بعض المواقف والحوادث ، ولا نهدف هنا إلى دراسة مسرح القباني أو عصره أو حياته ، فنحن نعرض بسرعة شديدة لمحات من بدايات المسرح في سورية .
ووصولاً إلى تقديم ملمح بارز من ملامح الفرجة المسرحية العربية في ذلك الزمان وتأثيرها المتبادل بين الجمهور والممثلين ، ونوع العلاقة السائدة ، ومدى الريادة أو القيادة الفنية ، نشير إلى قول فؤاد رشيد الذي ربما انسحب على فترات طويلة من تاريخ المسرح العربي خلال الربع الأخير من القرن الماضي والربع الأول من هذا القرن على الأقل . يقول فؤاد رشيد " والجمهور يجلس على مقاعد أو دكك خشبية أمام المسرح ، ويتدخل في التأليف والتمثيل ويفرض رأيه على المؤلف الذي لا يملك إلاّ أن يقبل وإلا انصرف عنه جمهوره ، فإذا انتهت خاتمة الرواية بموت البطل مثلاً ثار الجمهور وحتم إعادة التمثيل وتغيير الخاتمة إلى الشكل الذي يفرضه . " (4)
وهذا بتقديري هو تاريخ ومرحلة وسياسة " الجمهور عاوز كده " التي سيطرت على المسرح العربي فترة طويلة ، ومازالت آثارها تنسحب عليه باشكال مختلفة ، وتحت شعارات ومسميات متعددة ، من منطق " شباك التذاكر " الذي يرسم سياسة بعض الفرق ، إلى منطق نجومية بعض الفنانين التي تقوم بدغدغة غرائز وعواطف الجمهور وتسير وراءه ولا تقوده . وربما كانت هذه نقطة ذات أهمية ودلالة من جهة ، وتشكل منعطفاً شكلَّه المسرح الجاد والمسرح الملتزم والمسرح ذو الهدف والرؤية والموقف والرسالة ، الذي لا يُضحي بالمتعة ولكنه يعرف كيف يوظفها بابداع لشحن المتفرج بما يحتاج إليه المجتمع وحركة التقدم كما يراهما الفنان الجاد من موقع الوعي والمسؤولة والريادة والاقتدار.
وقبل أن نتجاوز هذه المرحلة وأعلامها إلى ما تلاها من مراحل سادها التقليد والاتباع بقليل من الابداع ؛ أحب أن نقف على أثر المسرح الذي قدمه القباني في جمهوره الشآمي ، بتسجيل انطباع عربي يشير إلى شهادة وتأثرات بعض من يعدّون من مثقفي تلك الفترة ، فترة الثمانينات من القرن الماضي .
يقول صاحب الرحلة الحجازية التونسي محمد السنوسي (1851 ـ 1900 ) " و أحسن ما وقع في نفسي موقعاً عظيماً من هذا النوع تياترو دمشق الشام باللسان العربي ووقائع تواريخ ملوك العرب من صنع رجل منهم يسمى " أبو خليل " حضرته بدعوة من الأمير أحمد والأمير علي ابني الأمير عبد القادر الحسيني وبمعيتنا محيي الدين ابن عمهم والتاجر أمين مدور صاحبنا في الطريق ، وعبد القادر باي رفيقي.
وكان تلك الليلة تشخيص رواية الأمير محمود فرأيت فيه من أطوار ملوك العصور السالفة وأطوار وزرائهم بملابسهم الرسمية والاعتيادية وأطوار حواشيهم وأتباعهم وآدابهم وأخلاقهم ما يرى به الإنسان نفسه قد تنقل إلى عصور كان يراها على صفحات الأوراق . وأحسن من ذلك فصاحات الخطابات والخطب وحسن نثرها ولطافة شعرها العربي المولّد وطور القائها من الملك أو وزيره وعذوبة مخاطبة غلمان الحاشية برائق تلحينها مع صدح الموسيقا العربية والتغني بنوادر الشعر بحيث أن ذلك كان عندي أعلى من جميع الوقائع التاريخية التي حضرتها في اسلامبول باللسان التركي والتي لمحت باللسان الأرمني وفي إيطاليا باللسان الطلياني والفرنساوي حتى أني اتبعت ميل طبيعتي العربية لما هي به أعلق من تلك الأذواق .
لكن أكد لي رفيقي التركي الفصيح بلسانه واللسان الفرنساوي العارف بأذواقهما أكمل معرفة أنه بما عنده من الذوق العربي القليل وجد بهذا التياترو موقعاً أعظم وألذ من غيره من تياترات الألسن الأخرى حتى قال لي : كان حقاً على الدولة تمييز صاحب هذا التياترو تعرف به ميزته ."(5)
لم تنقطع برحيل القباني إلى مصر ( 1884 ) أو بوفاته (1902) العروض الفنية أو زيارات الأجواق لأهم مدن بلاد الشام، ولم يملأ أحد ـ مع ذلك ـ الفراغ الذي تركه القباني ، سواء باحتراق مسرحه الذي كان في خان الجمرك ـ منطقة باب البريد بدمشق والذي استمر سنة وأحد عشر شهراً فقط ، أو برحيله إلى مصر ثم بوفاته . ولكن الذين تتلمذوا عليه أو تأثروا به أو قلدوه من مصريين وشآميين تابعوا الطريق التي ابتدأها هو وجيله من الرواد الأوائل ، وتواصــل أولئــك مع الجمهور الذي أحب " الكوميضة "
وما تقدمه الأجواق من روايات وأدوار وغناء وموسيقا ، وتوارثوا تقاليد الرواد وورثوا حتى نصوصهم ، وأضافوا إلى ذلك إضافات ، مستحبة أو مستقبحة ، حسب وجهة نظر الجمهور وذوقه ووعيه ، وحسب تطور الفنانين أو تراجعهم ، وحسب رؤية الدارسين وثقافتهم الفنية .
وتركت الأجواق الزائرة (6) أو تلك التي تشكلت في المنطقة، مثل فرقة أمين عطا الله وكميل شمبير ( 1925 ) تركت تأثيرها على الذوق العام وأنشطة الأندية وطابع الفن الذي غدا استعراضياً إلى حد كبير ، وتدهورت فيه جوانب كانت هامة وإيجابية .
وقد استمر نشاط الأندية الفنية والاجتماعية والجمعيات والأجواق الاستعراضية ثم الفرق الفنية التي تكونت في سورية بعد الحرب العالمية الأولى وحتى بداية الخمسينات من هذا القرن ، استمر بوتائر مختلفة شابها ضعف ملحوظ في فترات ، وتقدمت في فترات أخرى ، وتنوّع النشاط وتمايزت فيه ألوان فبرزت تمثيليات أو روايات ، كما كان يقال ، فيها التمثيل ، لا الغناء والاستعراض، هو الأساس ، واختيرت موضوعات من التاريخ العربي وأحياناً من الواقع ، واقتحمت ساحة لم تكن مطروقة سابقاً وهي ساحة المواجهة المباشرة للمحتل الفرنسي .
وكثيراً ما وظّف التاريخ العربي لهذا الغرض ، أو وظّف الواقع الذي ينبض بالمرارة والقسوة لذلك. ومنذ عرض مسرحية " جمال باشا السفاح " عام 1919 أمام الأمير فيصل ، الذي أصبح في وقت لاحق الملك فيصل لفترة وجيزة في سورية ، بدأت مسيره هذا اللون من المسرح الذي يحــــاول أن يحـــدد هــويته بالدرامـا ويقترب من مقوماتها وقيمها ، ويتخلص من الاستعراض ، ومن البنية السابقة التي كانت ترصع بمرغّبات الجمهور في القرن الماضي . ولكن ذلك لم يشكل تياراً مستمراً في التأليف والعرض ، رغم وجود عشرات النصوص القصيرة والمتوسطة الطول ، تلك التي كتبها مؤلفوها أو اقتبسوها أو حوّروها ، وقدمت في إطار الأندية أو الجمعيات أو المدارس أو بعض الفرق (7) .
أما ما كان يقدم من قبل الأجواق ، التي غدت استعراضية ، أو غنائية أو منوعة العروض ، حسب ما يرضي الجمهور ويجذبه ، فقد كان يحتوي بشكل عام على :
ـ مسرحية قصيرة هزيلة بالدارجة المصرية ، ثم بالدارجة الشامية بعد عام 1947 ، حين " شَوّمَ " عبد اللطيف فتحي لهجة المسرحيات .
ـ الاستعراضات المتعارف عليها .
ـ الأزجال .
ـ الكشكشيات .نسبة إلى كشكش بيك / نجيب الريحاني ./
n البربري الذي أوجده علي الكسار ثم أخذه أمين عطا الله
وحسن حمدان ومن قلده أو نشأ في بردته من شخصيات (8)
n كامل الأصلي أو كامل الأوصاف .
n مشاهد ارتجالية تقلد الانموذج التركي ( ارطوغرل بيك ) .
n وأحياناً " يطعّم " العرض برقص شرقي . حسب مستوى الفرقة
ومستوى الجمهور . " سينما النصر بدمشق مثلاً في الخمسينات ".
وقد استمر الأمر على هذا المنوال إلى أن تأسست وزارة للثقافة والاشاد القومي في سورية عام 1958 مع بداية عهد الوحدة بين سورية ومصر . ولم يخرق ذلك الجو الهزيل المسيطر في مجال الفهم والممارسة لفن المسرح ولوظيفته إلاّ في حالات استثنائية من بعض الأندية أو الفرق . فقد قدم النادي الشرقي بدمشق مثلاً سبع مسرحيات في إطار مقبول من الأدب المسرحي والعرض الدرامي الجاد نسبياً بمقاييس تلك الفترة .(9)
في إطار وزارة الثقافة وجدت مديرية الفنون * ويدخل المسرح في دائرة اهتمامها واشرافها ، فدعت أبرز العاملين في الفرق الفنيـــة والأندية السورية العاملة آنذاك إلى اجتمــاع بهــدف تأسيس فــرق
مسرحية وفنية رسمية . وكان ذلك في فترة متداخلة من عامي 1959 ـ 1960 ونتيجة لتلك الجهود تأسس وبشكل رسمي عدد من الفرق ضمت أفضل العناصر العاملة في الأندية والفرق الخاصة ، والفرق التي تأسست هي : فرقة المسرح القومي ـ المسرح الشعبي ـ مسرح العرائس ـ فرقة الفنون الشعبية . الخ .
وكانت فرقة المسرح القومي أول فرقة رسمية تركز جهودها على حركة المسرح الجاد في سورية ، وتخلُص كلياً لتقديم "الدراما"، وتضم العناصر التي تملك تجربة طويلة أو حماسة للهواية مع خبرة أقل من أولئك . ولكن الجميع توافرت فيهم الحماسة للعمل والاندفاع نحو خدمة فن جاد ، بصورة لا تخلو من رغبة في التعلُّم .
وبدأت فرقة المسرح القومي بتقديم أول عمل لها : براكسا جورا من تأليف توفيق الحكيم عام 1960 ولم يكن لها موسم متصل يستمر عدة أشهر في تلك الفترة ، بل كانت تتدرب على عمل وتقدمه يوماً واحداً أو عدة أيام ، ثم تتوقف لتبدأ التدريب على عمل آخر وهكذا ، وكانت فترة عرض العمل الواحد تتراوح بين ثلاثة أيام وأسبوع على أبعد حد .
ولم تبدأ المواسم الفعلية التي يستمر فيها تواصل العروض وارتياد الناس للمسرح عدة شهور إلاّ ابتداء من عام 1962 وفي مسرح القباني الذي أعد ليكون مركز انطلاق الحركة في فترة التأسيس الثانية للمسرح في سورية بعد فترة القباني الأولى .
كانت سنوات الستينات مليئة بالمرارة وفوضى المفاهيم وعدم الاستقرار . وكان صدى ذلك يتردد في نفوس العاملين العارفين أكثر من سواهم . إنها سنوات ولادة شاقة ما في ذلك شك ، ولكنها كانت قاسية ومؤلمة من جهة ومليئة بالتحدي والجهد من جهة أخرى . وقد تركت في نفوس العناصر العاملة آنذاك انطباعات ورواسب مختلفة ، أقل ما يقال عنها إنها سلبية ، وربما سيئة بصورة عامة . لأنه كان لا بد من مواجهة : الجهل المتعالم ـ والادعاء العريض ، ونظرة المجتمع للفن المسرحي ، وحتى نظرة الرسميين الذين " يشجعونه " إليه ، ولابد من تهيئة التجهيزات الملائمة ، والامكانات الضرورية ، والعناصر التي تستطيع أن تؤدي دوراً في هذا الفن المركب بتفهم ونجاح ؛ وأن تنقل العاملين في الحركة ذاتها الذين ،وفدوا من ميادين الاحتراف على نمط ، أو الهواية التي لايملك صاحبها إلاّ الرغبة ، أن تنقلهم من وضع الجهل بالشيء إلى التعامل معه والابداع في مجاله بعلم .
ولم يكن هذا سهلاً على الإطلاق ، مع ما يداخل تلك المهنة من حالات نفسية ، وتداخلات سلبية .
وفي مقدمة ما كان على الحركة المسرحية أن تواجهه وتغيره في الواقع الذي تعيش فيه وتعمل ضمن معطياته :
ـ نظرة الناس إلى المسرح ، وتغيير الصورة التي لديهم عن " التياترو " من كونه تهريجاً رخيصاً مداناً أو محرماً ، كما عرفوا ورأوا وفهموا ، إلى حقيقة مفهومه وقيمه ومقوماته ووظيفته . وشدهم إليه رواداً لديهم الاستعداد للدخول إلى حرم جامعة شعبية جادة جديدة ، تمتع وتفيد ، وتعمل على تعزيز القيم وتغيير ما يلحق بالنفوس من أذى وفساد وإحباط ، وترفع سوية ثقافية حضارية .
ـ أن تفرض احترام المسرح على الآخرين ، رسميين وغير رسميين ، ابتداء من فرض ذلك الاحترام له على العناصر العاملة فيه والمتواصلة معه بأشكال التواصل المختلفة .
ـ أن تثبت في النفوس ، ومن خلال العمل أولاً ومن خلال تقديم الانموذج القدوة وترسيخه ثانياً ، حب المسرح ومعناه العميق، وتقاليده السليمة ،تقاليد العمل والأداء والفرجة ، لينهض التأسيس والتجديد على أرضية متينة ، وليقوم على مبادئ فنية وقيمية وأدبية واضحة وصحيحة.
ـ أن تستقطب أقلاماً جادة قادرة على التعامل مع فن الكتابة للمسرح ، انطلاقاً من الوعي التام بخصوصيته ، والرغبة في امتلاك مقوماته بتطوير القدرة على التعامل مع أدواته وتقنياته ومواصفاته وشروطه . وأن تجعل الكتابة للمسرح فعلاً مفيداً ومجدياً ومرغوباً فيه . سواء بتحقيق سوية له في الأدب والنقد ، أو بايجاد سوق رائجه لتداوله ، وريعية لكاتبه ، أو بفتح أبواب تأثيره في الحياة والناس على مصاريعها.
وأن ترسخ وجود هذا الفن بمقوماته وقيمه ومفاهيمه ووظائفه في الحياة الأدبية والفنية والاجتماعية وحتى السياسية ، هذا إضافة إلى هموم ومشاغل أخرى ومواجهة مشكلات كثيرة ، ذات طابع مادي أو إداري أو اجتماعي أو إعلامي ، ومشاكل تتصل بالجوانب الفنية ـ التقنية وتمتد من العنصر البشري وصولاً إلى توافر الامكانات المالية التي تسمح بالحصول على ما هو ضروري للعملية الفنية ـ التقنية في المسرح من تجهيزات وأدوات وامكانات ضرورية .
وشيئاً فشيئاً تغلب المسرح القومي على الكثير من العقبات ، وأصبح معلماً من معالم دمشق ، وداراً للفن محترمة فرضت وجودها في الوسطين الثقافي والاجتماعي ، وشدت إليها أنظار الناس .
كان المسرح يعتمد في السنوات الأولى خطة تتجه نحو تقديم المسرح المترجم والعربي المؤلف ، محلياً كان أم غير محلي . ومرمى الخطط منذ منتصف الستينات اتجه بوضوح إلى زيادة نسبة التأليف المحلي حتى يصل إلى 60% مما يقدم سنوياً ، مع إبقاء نسبة 40% للمترجمات ، وأحياناً كثيرة ، كانت نسبة الأعمال العربية ( محلية وغير محلية ) تتجاوز الستين بالمئة .
قدم المسرح القومي منذ تأسيسه عام 1960 وحتى اليوم 1992 " 123 "مسرحية منها 51 مسرحية لمؤلفين من الوطن العربي بما فيه سورية و 72 مسرحية مترجمة من لغات مختلفة ولمؤلفين من مختلف الأقطار والعصور والاتجاهات .
وأول مسرحية لمؤلف سوري قدمت في المسرح القومي كانت بعنوان البيت الصاخب من تأليف وليد مدفعي عام 1966 وهي مسرحية تعالج بعض القضايا الإجتماعية في نطاق أسري حيث تتخاطف أفراد الأسرة التوجهات الفكرية والسياسية من جهة والضائقات والاختلافات في الرأي والاختيارات والسلوك في الحياة من جهة أخرى .
ونستطيع أن نحصي بعد ذلك التاريخ ثمانية وعشرين عرضاً مسرحياً ، أي نصاً مسرحياً لمؤلفين من سورية بين النصوص التي قدمت وهي نسبة تعادل ربع ما قدمه المسرح القومي تقريباً وتزيد على نصف ما قدمه من مسرحيات عربية .
أما ما تم تأليفه للمسرح من نصوص فيتجاوز المئتي مسرحية قدمت معظمها من قبل فرق خاصة وفرق الهواة التي انتشرت في سورية بعد انطلاقة الحركة المسرحية بشكل واسع وابتداء من نهاية الستينات .
وإذا كان موضوع تكوين جمهور جيد من حيث النوع والكم قد تحقق وكذلك القضاء على النظرة المتخلفة للمسرح ، واقبال الأشخاص على احتراف مهنه المختلفة نساء ورجالاً ، وفرض احترام المؤسسة المسرحية والعاملين فيها ، على الصعيدين الرسمي والشعبي ، قد تحقق أيضاً وتجلى في انشاء نقابة للفنانين بمرسوم تشريعي رقمه تاريخ 5/12/1967، وتخصيص تقاعد للفنان بالمرسوم التشريعي رقم 44 تاريخ 2/9/1971، وتعيين العاملين في هذه الأوساط على قانون الموظفين الأساسي ضمن معاملة متميزة وحقوق متساوية مع الآخرين . فإن ذلك كله لم يتحقق إلاّ بعد جهود كثيرة وجدية في العمل ، واحترام لدور المسرح ولمكانة الموقف والالتزام الايجابي فيه ،بقضايا الناس وقضايا الأمة .
في عام 1967 بدأ ذلك التحول ، وبدأ بشعور غامر بالمسؤولية والانتماء والهزيمة في آن معاً بعد هزيمة حزيران .
في معرض دمشق الدولي / آب ـ أيلول 1967 / فتحنا مقهى الفنانين بهدف سياسي ـ اجتماعي لجمع التبرعات وتفعيل دور الفنانين في التواصل مع الناس للتأثير إيجابياً في مسيرة الحشد والمواجهة ، رداً على روح الاحباط التي سادت .
وكان ذلك إيذاناً بدخول المسرحيين قبل سواهم ساحة المواجهة السياسية بشكل أعمق من خلال التأليف والاخراج وتقديم العروض التي تجسد الهم السياسي . ولا يعني هذا أنه قبل ذلك كانت صلة الأدب المسرحي بالسياسة مفقودة وإنما المقصود به تصاعد وتيرة الاهتمام بالموضوعات المتصلة بالصراع العربي الصهيوني ـ وبالهم القومي ، والنقد لسياسة الدولة ، ولتوجهات اجتماعية أو اقتصادية لا تخدم أهداف الجماهير في التحرر والحرية والتحرير .
وفي تلك الظروف أصبح الحوار حاداً ، والصدام شديداً ، بين تيارات فكرية وسياسية ، أدبية وفنية ، على خلفية ايديولوجية ، ولم يكن المسرح خارجها بل كان في الصميم منها ، وربما الواجهة الأكثر وضوحاً بين واجهاتها إذ ظهرت محاولات التأثير من خلاله على المجتمع ، كما ظهر التأثير عليه لوضعه في خدمة توجهات سياسية أو ايديولوجية ، أو لتحقيق أغراض مرحلية لأحزاب ولمجموعات بشرية ذات أهداف شخصية تتقنع بالهم العام .
كيف لا وقد أصبح المسرح آنذاك من أكثر المؤسسات الثقافية الفاعلة في الناس ، لأن أثر العرض المسرحي والفكر الذي يقدم من خلاله ، والمعطيات الإجتماعية والسياسية والفنية ، كان يمتد ليشغل وسائل الاعلام ، ولا سيما الصحافة ، وأوساط المثقفين وبعض الأحزاب . ونستطيع أن نميز في تلك الفترة وما بعدها حتى نهاية السبعينات تقريباً صراعاً حاداً تقوده الديماغوجية وتغذيه في كثير من الحالات وتتستر تحت أقنعته حزبيات وطائفيات ،وتتذرع بالعلم والحرص والتقدم والمصلحة العامة .
وأهم ما طفا على السطح من مشكلات أو قضايا أو اشكاليات في تلك الفترة :
ـ السياسة والمسرح ثم مقولة :
ـ تسييس المسرح
ـ الموضوعات التي يتبناها المسرح وكيفية معالجتها .
ـ النظرة إلى الاطار التقليدي للمسرحية ذات البنية الأوربية ، وكيفية تجاوزه بهدف التأصيل ، والبحث عن هوية مميزة للمسرح العربي .
ـ البحث في وظيفة المسرح ومفهومه تحت شعار جعله مؤسسة مشغولة بتحقيق أهداف " الجماهير الكادحة " ومسكونة بهواجس واهتمامات أولئك الذين طرحوا على الساحة الثقافية ـ والسياسية ـ والاجتماعية معاً ، شعارات تقدمية لا تسمح لمن لا يكون ماركسياً لينيناً ، يعمل لديكتاتورية البروليتاريا حسب الخط الستاليني ، بأن يحمل هوية وطني أو تقدمي أو مفكر أو فنان أو أديب . لأن سكاكين أولئك الثوريين كانت تخبأ في ظلال الصراع الطبقي ، ومجموعة من كلمات الشيفرة التي إذا وردت في مقالة أو نص أو عرض مسرحي أو كلمة سمحت لها بالدخول وإلا فإن السحق ينتظرها وينتظر قائلها .
لقد دخل المسرح في تلك الفترة الخصبة من تاريخه دوامة جديدة قاسية ، ولم يكن قد رسخ قيمه ومقوماته وجمهوره على النحو التام الذي يرتضيه بعد ، وان كان قد قطع شوطاً جيداً على تلك الطريق .
أصبح نقد النصوص وتقويمها ، وكذلك التعامل مع تقديم العروض والفنانين والجهود يتم على الهوية ، كما كان القتل في لبنان يتم على الهوية أثناء الحرب المريرة التي استمرت عقداً ونصف من الزمن 1975 ـ 1990.
لم يكن النقد ولا التأليف ولا العمليات الفنية الأخرى بمنأى عن ذلك ، وأصبح هذا الروح منتشراً تفرضه بارهاب مليشيات ثقافية إن صح التعبير تمارس دوراً ضاراً بالفن والأدب والثقافة .
ولم يكن هذا ليستفز السياسة العامة أو لينبهها ، لأنه نكاد نزعم أنه لايوجد في مخططات السياسة العربية ، سياسات ثقافية ، وبرامج ثقافية تحقق أهدافاً بنيوية عالية القيمة على المدى البعيد .
كانت المرحليات والدفاعات الذاتية والنزوات الذاتية أيضاً هي التي تشكل المزاج الثقافي ـ السياسي أو تقومه ، أو تدعمه .
أما الجهات التي كانت تدخل إلى السياسة مدخلاً ثقافياً فنياً ، فكانت لا تكتفي بأن يشيع نقد الممارسات السيئة أو المغلوطة للسلطات القائمة ، ولا بتقديم عروض مسرحية تمثل نصوصها خروجاً على كل ما تآلفت عليه تلك السلطات من ثوابت وتوجهات ، بل كانت تريد أن تحول المسرح إلى وسيلة إعلام ملحقة بالقطاع الايديولوجي المكلف باعداد الناس لحمل فكرها السياسي ، والانضواء تحت لوائها والانخراط في التنظيم .
ولم يكن يقبل أي اختلاف في الرأي أو التحاق فيه حضور لشخصية الملتحق ولا الفكر الذي لا يلائم الفكر المطلوب ولا يعارضه بل يذهب إلى أهدافه النهائية بوسائل مختلفة ، لأن المطلوب هو دخول التنظيم لا التوافق الفكري والتوافق في الأهداف ، والمطلوب أيضاً هو التبعية والترديد الببغائي للأفكار والكلمات والشعارات دونما أدنى حق بالمناقشة أو الاختلاف .
" كل من هو ليس منا هو عدو لنا " هذا الشعار ساد في الثقافة والفن وفي المسرح كما ساد في السياسة ، وأوساط العمل الجماهيري المنظم .
على تلك الأرضية دار صراع معلن وحاد محكوم بالتعصب وبشيء من الجهل أو التجاهل ، لأنه كان يطلب الموقع والشخص والنص وقائله ، والفكر وصانعه ، والفن ومبدعه ، ولا يقصد تحقيق الغاية البعيدة التي هي في خدمة الفن والأدب والفكر والجماهير ، إذا ما نظر إليها من منظور نظيف لا يشوهه أو يوسخه التعصب المقيت .
وربما كان لهذا التوجه ، رغم قسوته ، أثره الايجابي على المسرح . فخارج دائرة الكلام والإدعاء والشعار ، كان هناك من يعمل ليكون عمله الرد الملائم والحاسم على ما يطرح من شعارات في حلبة غوغائية الحكام والأحكام والمعايير .
وقد تمكن المسرح في سورية خلال فترة السبعينات وحتى ما يقرب من نهايتها ، من أن يقدم أعمالاً متميزة في مستواها الأدبي والفكري والفني ، وفي استقطابها للجماهير .
وحقق تواصلاً واسعاً مع حركة المسرح في الوطن العربي من خلال مهرجان دمشق للفنون المسرحية الذي بدأ عام 1969 وما زال مستمراً ، وأثر تأثيراً إيجابياً من خلال ذلك المهرجان ، ومن خلال الأعمال التي يقدمها ، والاختيارات التي ثبتها ، والأهداف التي يرفعها ، على المسرح في الوطن العربي ، وتمكن من خلق بؤرة تفاعل وتواصل خلاقة بين العاملين في مجال المسرح العربي ، لم تلبث أن انتشرت ، وداخلها السلبي والإيجابي من الإنجازات والنتائج .
ولأنه لا يمكن الفصل بين ما حققه المسرح القومي في السبعينات عن مهرجان دمشق للفنون المسرحية ، ولا فصل ما حققه المهرجان عن المسرح القومي وجهود القائمين عليه والعاملين فيه فلابد من التوقف عند ذلك بإيجاز ، وكمدخل إلى ذلك أشير إلى الحقائق والوقائع التالية :
ـ لم يكن مناخ الحريات العامة والحقوق العامة للمواطنين ، مفصولاً عن مناخ حرية التعبير ، ولايمكن أن يكون كذلك فحرية المبدع تستنبت في حرية مناخ الابداع ، ومناخ الابداع يتعافى ويستمر وينمو بممارسة المبدع لحريته في إطار الكتابة المعبرة عن المجتمع وعن حرية الفرد ومكانته ودوره فيه والمعبرة أيضاً عن الوعي المعرفي الذي يتدفق عطاء إيجابياً ، وفعلاً تغييرياً مفيداً في حياة المجتمع .
ـ ليس ما يعبر عنه الكاتب والفنان في مسرح محكوم إدارياً ومالياً وتوجيهاً ، بمناخ الحريات العامة والممارسات الديمقراطية المنقوصة ، وبمفاهيم حرية التعبير في بلدان العالم النامي ـ ولا سيما في الوطن العربي ـ هو بالضرورة ما تستطيع طاقاته وملكاته التعبير عنه . وليس هو أفق ابداعه ، وإنما الممكن الذي رشح إلى الساحة الجماهيرية والثقافية مما استطاع هو تمريره ، أو سمح له بتوصيله . فهناك حالات كثيرة كانت فيها الرقابة معوق للإبداع ، وهناك حالات كثيرة أيضاً استطاعت فيها المخافر الداخلية التي أقيمت متاريسها في عقول المبدعين وقلوبهم وضمائرهم ، أن تعوق الإبداع أو تشوهه .
وربما لم نلتفت بالقدر الكافي إلى حالات من تشوه الإبداع وتشوه الأحكام عليه ، وبالتالي تعويقه وإفساد مناخه ، فرضها التحزب والتعصب ، أو التبعية المطلقة لايديولوجيا تطلب من أتباعها أن يكون أبواقاً أو شراحاً أو مفسرين ومروجين فقط لما قيل واكتمل بعرفهم ، وهي بذلك لا تلغي قدراتهم على الإبداع والتعبير الحر وممارسة الحرية فقط ، وإنما قدرتهم على التفكير والرؤية وانضاج المعاناة في عمل يصل إلى الناس ويؤثر فيهم إيجابياً .
وحين يكوّن أولئك فريقاً متسع التأثير والانتشار في الوطن العربي، يمارس ما يعتبره الحق والتقدمية والطليعية بشده وقسوة وتعصب وانغلاق مع إدعاء بلا ضفاف لعصموية بلا حدود ، فإن ذلك التيار يخنق الإبداع أكثر مما تخنقه الشرطة السرية التي للأنظمة.
ـ لم يكن هناك أبرياء فوق الشبهات في بعض الأوساط الأدبية والفنية التي ادعت أنها ضحايا حرية التعبير وسلطوية بعض الأنظمة ـ ولا أعمم هنا فالهوامش تضيق وتتسع ، والأنظمة تختلف وكذلك تختلف محرماتها واهتماماتها من قطر لآخر ، ومن عهد لآخر ، ومن مرحلة لأخرى في زمن حكم العهد الواحد ـ
أقول لم يكن هناك أبرياء فوق الشبهات بشكل مطلق ، بل كان هناك من طلبوا الشهادة من خلال الهجوم المفضوح الأهداف على السلطات ليعوقوا حركة التحرر وممارسة الحرية بوعي بناء ، تلك كانت أفعال يقوم بها مبدعون ومؤلفون وفنانون ، يعرفون في أية أرض ملغمة يسيرون ، وماذا ينبغي أن يكون عليه وضع التحرك عبر مراحل لتحقيق أهداف أولية هي سلاسل تؤدي لأهداف أعلى ولخلق مناخ يمكّن الابداع من احتلال ساحة التأثير الأوسع جماهيرياً وسياسياً وثقافياً .
ـ لم يكن هناك تحرير فعلي للإرادة ولطاقة التجاوز وللوعي ، جراء تقديم أعمال اعتقد أناس كثيرون في سورية أو في الوطن العربي أنها تنطوي على جرأة في الطرح أو على تجاوز للمألوف مما هو مسموح به . بل عندي أنها شاركت السلطة في عملية تنفيس غضب الناس ، وجعلت شحنة الإبداع التي كان ينبغي أن تتكثّف اعتراضاً وارادة تغيير ورغبة في التطهر والتطهير ، ابتداء من أعماق الذات وانتهاء بالآخر وما يحكمه ويتحكم به ، جعلت تلك الشحنة تتناثر خارج أهدافها أو قبل أن تصل إلى تلك الأهداف .
وينطبق هذا على أعمال قدمت في إطار مسرح الشوك ـ دبابيس ، وبعض أعمال دريد لحام وسواه .
ذلك لأن النكتة التي لا تأتي في سياق يكشفها إرادة تغيير في أعماق المتلقي ، تنقلب إلى دموع أو شوكة فعلاً تسمح لشحنة الغضب والاعتراض والمعاناة التي يحملها المتفرج الذي يأتي إلى صالة العرض المسرحي بالتسرب أو التبعثر ، وقد يحقق ذلك بعض الراحة للمتفرج العادي ، لأنه يعتقد أن ما يقلقه ويهمه في الحياة الإجتماعية قد قيل علناً ، وان ما لم يستطع أن يهمس به لزميله أصبح على رؤوس الأشهاد ووصل إلى المراجع التي تعنى بحله ـ وهي عنده مراجع موثوقة تصلح ما تعرف أنه خطأ وما يصل إليها طلب إصلاحه ـ وهو بذلك يذهب مرتاح البال قد فرّج كربه ، وتخفف من حمله . وهذا بحد ذاته يريح السلطة الواعية ويخدمها ، لأنها ترتاح من تلك الإرادات التي يكثف المسرح اعتراضها في أعماقها ليدفعها إلى تغيير الواقع المعترض عليه تغييراً عملياً في الحياة .
والمسرح الذي يمتع ويفيد ، ويحرض ويغير ، ويبني الفرد والمجتمع والحياة بوعي على معيار ، ويلتزم مختاراً برؤية للحياة وفيها، يحقق أهدافه بوسائل أخرى لا مجال للخوض في تفاصيلها الآن .
ـ لم يكن ما يطرحه المسرح العربي ، من خلال عروضه التي قدمت في مهرجان دمشق للفنون المسرحية ، ليشكل بالضرورة امتحاناً لحرية التعبير ومدى ممارستها في هذا القطر أو ذاك ، أو في سورية من بين تلك الأقطار ـ وليس هذا حكماً عاماً مطلقاً ـ بمقدار ما شكل مناخ امتحان للقدرة على التفوق ، واكتشاف الجمهور العربي وحاجاته واهتماماته ، وسبر القدرة على التذوق والتفاعل ، والمستوى الذي لعرض أو لجمهور ، والحكم بانصاف ،استناداً إلى روائز ومعايير وأسس تقويم بعيداً عن الخلفيات من أي نوع . ولا أقول إن هذا الامتحان أسفر دائماً عن نتائج طيبة ، ففي حالات أسفر عن محنة في الحياة الأدبية ـ والفنية ، لاسيما عندما كانت تتعرض عروض وفرق لأحكام " المافيا الثقافية " التي شكلتها الايديولوجيات والعلاقات أكثر مما ساهمت في تكوينها السياسات أو الخلافية السياسية بين الأنظمة العربية .
لقد تحول مهرجان دمشق في فترة من زمن إلى محاكمة للفن والأدب والفكر والإبداع ليس على ارضية معايير الفن والأدب والإبداع ، وإنما على أساس أحكام ومواقف سياسية مسبقة تقودها وتصنعها وتروج لها وتحكم باسمها " المليشيا الايديولوجية " أو الطائفية أو المأخوذة بتعصب أعمى لغير الفن والعدل ومقومات الابداع الحق .
وقد أثر كل ذلك وسواه على حركة المسرح في سورية ، وعلى العاملين فيها . ولم يكن تأخر المسرح القومي اليوم ، بل وأكاد أقول غياب وهجه وتأثيره وفعاليته اليوم وابتداء من مطلع الثمانينات بوتيرة متسارعة نحو الانحدار والتراجع عما كان عليه ، لم يكن ذلك لأن الكاتب والفنان والناقد خاضوا جميعاً صراعاً من أجل حرية التعبير وسلامة مناخ الإبداع والإنتاج ، بل لأنه لم يخض هذا الصراع أصلاً بإخلاص تام وخلوص كلي له على أرضية فكرية ووجدانية ومنطقية جماعية متوافقة على ثوابتها ومبادئها وحيوية توجهها وسلامة ذلك التوجه .
وقد عوقه عن ممارسة ذلك ، أو شوه تلك الممارسة وأوقفها أولئك الذين أرادوا أن يحققوا أهدافاً أخرى تذرعوا بحرية التعبير من أجل الوصول إليها وأبطلوا بذلك مفعول المواجهة الحقيقية بين الحرية وعشاقها ومن يصادر تلك الحرية أو يفسد مناخها . وكان ذلك يتم إما بالهرب إلى الأمام ، أو بارتكاب أفعال على مبدأ "كاسر مزراب العين " ، وتعالوا انظروا فعلي ، وهو المحمي من أي ضرر لاسواه ، وفعله ذاك يدخل في إطار كشف المحررين والتنبيه إلى مسالكهم المعقولة والفعالة . ومن الطرائف ، أو المفارقات الطريفة حقاً في هذا المجال أن معظم الذين شكوا من سوء مناخ حرية التعبير ، وكانوا الأكثر صراخاً وإعلاناً عن أنهم ضحايا وشهداء تحت الطلب ،لم يمنع لهم عمل واحد ، وكانوا هم قوام الرقابة ورجالها والمؤثرون فعلاً في الردع والمنع والمستفيدون الحقيقيون من الدولة !!
في سورية علينا أن نتخيل ـ في السبعينات والثمانينات وجود رقابة رديفة أيضاً ، تمارس بفعالية وسرية ، خارج نطاق رقابة الدولة ، وتتمركز في المفاصل المؤثرة في الإعلام والثقافة ، وتملك وسائل عديدة لاتخاذ القرارات وتنفيذها ، ابتداء من التأثير لاستصدار قرارات المنع بشكل معلن أو مخاتل أو خفي ، وانتهاء بقرارات التعتيم والتشويه والتزييف .
وقد أثر ذلك كله ، إضافة إلى ما يلعبه الروتين وتوجهات السياسة العربية التي تحكمها الخلافات وميول بعض المسؤولين ونزوعهم البيروقراطي أو ابتعادهم عن ممارسة "رياضة الثقافة " المملة ( ؟!) أقول أثر ذلك إلى جوانب عوامل أخرى في تراجع الحركة المسرحية وتفسخها على الرغم من زيادة الاعتمادات المخصصة لهذه الحركة في موازنات الدولة ، وتكريس الجهد والامكانات لتخريج عناصر بشرية متخصصة ومدربة ، وتراكم التجربة ، وتولي أمر الفنانين " المعتبرين " لشؤون الفرق الفنية . ومن ذلك الذي أراه أثر سلبياً وبشكل فعال على منزلة المسرح ودوره :
ـ انصراف الفنانين للبحث عن الشهرة والمال من أقرب طريق وفي أقصر وقت . إذ وجدوا في المسلسلات التجارية ، والأفلام التي على شاكلتها ضالتهم ، وتركوا هم المسرح وغمه وما آل إليه حاله ، وما يستدعيه الجاد من شؤونه مثل التدريبات الطويلة ، والعروض المرهقة ، والجهد الكبير ، والكد والوعي والتثقف . لقد كسبوا الظاهر وخسروا الباطن ، ذلك الذي يتمثل في نشوة المبدع حين يحقق نجاحاً باهراً تدركه أعماقه وتعيشه قبل أن يدركه الغير ويقدره، وحين يغتسل بغيث تجود به الروح ويتسرب من شقوق الأعماق، حين يلمع برق الإلهام فتجود ديم بالإبداع بعد طول معاناة ،الأمر الذي يعيد تلك الشجرة التي تمتد جذورها حتى في أعماق المورثات والأساطير المتوارثة، وتمتص نسغها من خصوبة رصيد الخبرة البشرية المتراكم في الذاكرة واللاوعي الفردي وروح الجماعة التي لاتتمايز ملامحها في وعيه ولكنها تضغط وتفيض من الداخل وعلى الداخل كله ، أقول الأمر الذي يعيد تلك الشجرة إلى زهوها في مطلع ربيع لا أقوى ولا أشمل ولا أمتع.
ـ كما أثر ضعف عملية الضبط والربط التي تحتاج إليها الفرق الفنية تلك التي يجمع أداؤها الناجح بين الرهبنة وقوة النظام العسكري وصلابته ، ممزوجاً بالحب والرغبة والعشق التام للمهنة .
ـ شيوع ما اسميه بالنقد الإعلامي ـ الإعلاني ـ القائم على أحكام مسبقة ذات خلفية ايديولوجية ـ تنظيمية سياسية ، والذي يهدف إلى القدح أو المدح حسب الهوية " وشيفرة " النص .
ـ عدم الاكتراث الذي أصاب المعنيين بالعملية المسرحية ككل ابتداء من النص ـ حتى عامل المناظر ، جراء سوء التقدير وتوالي الاحباطات وغياب معيار التقدير والتقويم والتقدم الذي يقوم على أسس سليمة منصفة وبناءه.
ـ اتجاه التأليف إلى تقديم شعارات دعاوى ايديولوجية في إطار من ضعف البنية وإعلامية المضمون وتآكله لكثرة الاستخدام ، الأمر الذي جعل المسرح يخرج عن كونه مؤسسة ثقافية تساهم في بناء الإنسان وتعزيز القيم الروحية والأخلاقية والجمالية والثوابت المبدئية ، وتقيم معنى لأن نعيش ونتجدد ونتفاعل مع الإبداع لنصقل حبنا للحياة وتذوقنا لها ، وننفعل في الحياة إلى الحد الذي نشتاق فيه إلى الإبداع لنتطهر بمائه وتتجدد منا الأرواح والنفوس .
" أهو ذلك النهر المتجدد ، ربما ،وهو الماء والهواء اللذان كلما ازداد نقاؤهما ازداد الأحياء بهما صحة وإقبالاً على الحياة وقبولاً لها. "
ـ اتجاه العملية الفنية التي تبدأ بالاخراج إلى جعل نص المؤلف المسرحي مسودة للعرض يكتب عليها المخرج ما يشاء حتى دون أن يكون مؤهلاً لقراءاتها وفهمهاوتفسيرها بسلامة وصحة ودقة .
وبذلك تحول العرض إلى متاهة تتشعب سراديبها إمّا في الحركة أو في التقنيات أو في البهلوانيات الاستعراضية التي ترمي إلى إتاحة مجال لمخرج المسرح لكي يعرض عضلاته على حساب النص والأهداف الرئيسة للمسرح ولوظيفته التي ارتبطت بالأدب المسرحي واستمرت ما استمر المسرح كلمة مضيئة منتمية للحرية والوعي والكرامة ، ومستنبته في مناخ النضال من أجل الإنسان والمستقبل وتذوق المعرفة وحسن الاستمتاع بها .
ـ محاولات صرف المسرح عن هويته ووظيفته وخصوصيته ومقوماته وقيمه ، جراء جهل أو أنانية ، من بعض العاملين فيه الذين فرضتهم قاعدة / العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من السوق / أوصلت المسرح عندنا إلى حالة من التردي مازال يعاني منها . ولم يكن ذلك بسبب خسارة معركة الصراع من أجل الحريات (وفي مقدمتها حرية التعبير )والدفاع عن حقوق الإنسان التي تهرأت حتى عظام الذين ينوؤون تحت وطأة استلابها وسلبية المتاجرين بها . كما لم يكن ذلك لأنهم أخلصوا لنوع من الأدب والفن / طليعي أو غير طليعي / ولنوع من وسائل التعبير تسبق مجتمعاتها . فكل جاد وصادق وذي قيمة من الإبداع البشري ، يلقى مريديه ويكسب معاركه ويفرض وجوده مع الزمن والعمل ،ولا يتردى إلى هذا الحد في التآكل والتهالك ، إلاّ إذا كان هناك فاصل وعازل بينه وبين حرارة الابداع ووهجه المشع وصدقه وانتمائه.
لقد كانت الخلافات العربية في مجال السياسة تنعكس على المهرجانات واللقاءات العربية في مجالات الثقافة والأدب والفن وقد اثر ذلك وما يزال يؤثر . ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بجدية علينا هو :
هل حاول المثقفون أو الفنانون أو رجال المسرح أن يكونوا جبهة موحدة سليمة صحيحة البنية من الداخل ، تجمع على ثوابت معينة وتناضل من أجلها ، سواء اتصلت تلك الثوابت بقضايا الجماهير والوطن ، أو بقضايا المهنة وبالجنس الأدبي وهمومه وبالفن وحماية ساحته من التأثير السلبي عليها ، ومن التفسخ جراء أية عوامل سلبية مؤثرة ؟!.
هل استطاعوا أن يتخلصوا من حالة التبعية المقيتة للخلافية السياسة العربية ، والانفعال بها ، والتآكل في فضاءاتها وتحت سطوة شعاراتها يا ترى ؟! هل رفضوا ، في ظل رؤية صاعقة لدور الفن ومكانة الأدب في مسيرة الأمة ، أن يكونوا خدماً لآلهة التمر التي تصنعها شعوبنا ثم تأكلها منذ أكلت ربيعة ربها من جوع ومن املاق ؟!
أقول باخلاص لا .
وقد كان الكاتب والفنان ،شأنه شأن شرائح من المثقفين والمفكرين العرب ،يوظف جهده وإبداعه وكلماته في أحيان كثيرة ليخوض معركة الحكام بشكل من الأشكال / ضد أو مع / ويساهم في تبييض صفحة حاكم، تبعية أو ولاء أو نكاية بآخر ، كما يساهم في تسويد صفحة آخر إرضاء لغيره .
أما الترفع إلى مستوى ما فيه المصلحة العليا للأمة ، والمصلحة العليا للفن ، وخدمة الحقيقة والحرية والانسان ، من خلال الابداع ، والإخلاص لقيم الابداع والمبدعين فذلك ما لم نصل إليه ونستمر في الأداء على طريقه على نحو مقبول وإلى مدى يسمح باقامة الأساس الذي يقيم صرح استقلالية الثقافة العربية بمفهومها الواسع عن التبعية المطلقة للخلافية العربية بأشكالها القبيلية المتخلفة ، أو الحزبية التي تعاني من تخلف شبيه .
وليس المقصود قطع الصلة وعدم الاقرار بالتواصل القائم بين السياسة والثقافة ، أو بين الأدب المسرحي والسياسة ، أو بين الفن والسياسة ، فذلك أمر لم يكن ولن يكون ، لأن الحياة أدخلت هذا في نسج التكوين العام للإنسان الذي يبدع ويتلقى الثقافة والإبداع ويصنع السياسة ويعاني منها ويكتوي بنيرانها . ولكن المقصود هو تحقيق استقلالية تسمح بالرؤية السليمة لما هو باق وثابت وأساسي وفوق مستوى التدمير والتجريح والتسفيه . ليكون الفن بخدمته وحارساً له ومؤتمناً عليه ، وليشكل ذلك الثوابت التي تصنع للعربي أرضاً مشتركة يلتقي عليها مع العربي في مدى الزمن ، وللإنسان أرضاً يعيش فيها بكرامة ويتفيأ ظلالها حين تسحقه عجلة السياسة الثقيلة أو عجلة الحياة بقسوتها ، وحين يحتاج إلى متنفس من وطأة الزمن وظروف العيش وزحف الموت ،ذلك الذي يلاحقنا بصمت وصبر وتصميم ببرود وبلادة وقسوة تجعل الأفق والأمل يحتاجان في كل يوم إلى من يفتق حجبهما وظلماتهما الدامسة .
إننا بكل الإخلاص والإحساس بالمسؤولية مدعوون إلى فعل شيء من أجل أن يبقى لنا فن نشتم في ظله رائحة النقاء والحياة والبقاء ، ومن أجل أن تكون لأدبنا ومسرحنا وثقافتنا أنياب وأظافر تستعملها لردع زحف الإحباط واليأس والموت خارج أرض الكرامة والبشر ذلك الذي تغذيه الممارسات غير الانسانية وغير المسؤولة في سياسات عربية ،وتدفعه بوعي وقسوة قوى ذات مصالح في أن يبقى العرب خارج حدود الوجود الفعال ،في زمن هم أحوج ما يكونون فيه إلى أن يوجدوا من خلال مقومات الوجود جميعاً ومنها الابداع ،ليصنعوا مقومات القوة التي تحرر وتبني وتحفظ الوجود.
أنا من أولئك الذين ينظرون بايجابية إلى مسرح الكلمة وإلى النص المسرحي على أنه الاساس الذي تبنى عليه العملية الابداعية ككل .
ويرون أن النص يجب أن يتمتع باحترام كاف من قبل المخرج وسائر العاملين في المسرح . وهذا لا يلغي ابداع الآخرين ولا يعطله أو يحد منه . فالفهم والتفسير والابداع في التوصيل وبعث الحياة في الشخصيات والكلمات والحوادث ، وبث الروح والمشاعر في الفعل المسرحي ككل ،وتعميق الاشارات والدلالات لكل ما يدخل في تكوين لغة المسرح التي تشكل لغة الحوار المسرحي جانباً منها ، كل ذلك يقوم به فريق الابداع الذي يقوده المخرج وينسق جهوده في إطار فني حي ومؤثر .ولست من أولئك الذين يرون أن النص المسرحي الذي يتمتع باستحقاق اكتساب هذه الصفة ، هو مسودة يكتب فيها المخرج أو فريق العمل ما يريد ؛ لأنه إن تم ذلك فلن يكون الذي قدم على خشبة المسرح هو المؤلف والنص الذي كتبه والرؤية التي أرادها ، وانما شيء آخر ، شيء ربما يكون هجيناً وفاسداً ومحملاً للمؤلف تحميلاً . هناك مؤلفون لا يستشعرون الثقة بما يكتبون ، ولا يجدون طريقاً لتصل نصوصهم إلى خشبة المسرح إلاّ إذا أطلقوا أيدي المخرجين فيها كما يشاء أولئك المخرجون: ونحن حيال هذا أمام صنفين من المؤلفين وصنفين من المخرجين .
مؤلف : متمكن من صنعته ومن لغته ومن فكرته ومعالجته لها، وحريص كل الحرص كله على أن يقول ماله معنى في المبنى ككل، وبالتالي ينظر إلى عملية اعادة الكتابة التي يدعيها بعض المخرجين على أنها قتل له ليولد بنتيجتها مسخ ينسب إليه أو يرتدي قناعه .
ومؤلف : ليست لديه الخبرة الكافية للكتابة للمسرح ، وليس متمكناً من أدوات ذلك الفن وتقنياته . وقد يملك أسلوباً في الحوار، وقدره على السرد أو إدارة الحوار ، ولكنه لا يضبط ذلك الفلك الذي يتحرك في فضاء المسرح ضبطاً فنياً وفكرياً كافياً . ويجد أن المخرج الذي يتناول نصه ، أو المعد " الدراما تورج " يقدمان له فرصة عرض نصه على مسرح قد لاتتاح له فرصة الظهور عليه إلاّ بهذه الطريقة . فيوافق على إجراء العملية الجراحية اللازمة أو الكلمات التجميلية لنصه . ويسلم لأولي الشأن مقاليد الأمر . إنه يعرف أنه يقدم مشروعاً لا نصاً مسرحياً .
ومؤلف : لا يعنيه من أمر الفكر شيء يذكر ولا يهمه إلاّ أن يُعلن عن اسمه ويقبض أجراً . وبالتالي لا فرق عنده فيما يفعل الآخرون ببضاعته التي يوردها للسوق من أجل الاستهلاك .
والمخرجون : مخرج لديه رغبة في أن يكون مؤلفاً ، أو في أن يظهر أستذه على المؤلف . ولذلك يسطو ويفسد ويفتك بالنص .
ومخرج : يحترم النص ويفهمه ويدرك رؤية المؤلف ويتعامل معها بعد أن يكون قد اختارها على أساس من الإدراك والوعي لما يريد ولما بين يديه . وهو يتعامل بمهارة وفهم مع الأدب والفكر من جهة ومع متطلبات المسرح وقيمه ومقوماته من جهة أخرى .
والمخرج المبدع الذي يعرف حدود إبداعه ودوره ، ويتعامل مع مؤلف ونص محترمين ،والمؤلف الذي يعرف ما يفعل ويمتلك أدوات التعبير والقدرة على التوصل بفن في إطار اللعبة المسرحية المؤداة أدباً مسرحياً . ذلك المخرج وذلك المؤلف هما اللذان أختارهما أنموذجاً أرى أن المسرح يتقدم ويتطور بتعاونهما .
ربما كنت من وجهة نظر بعض المتعلقين بالمسرح متعلقاً مريضاً بالوهم ، ولكنني أزعم بأنني تجاوزت ذلك إلى الصحة بينما افترس العصاب والوهم والمرض النفسي الشامل أولئك الذين كانوا ينصبون أنفسهم أوصياء على المسرح والثقافة باسم السلامة الروحية وصحة الرؤية ، والعصموية المطلقة ، والانتماء إلى الطبقات المسحوقة ، تلك التي لم تعرف إلى مسرحهم طريقاً في يوم من الأيام ، رغم ادعائهم بأنهم يكتبون لها ، وتأكدهم القاطع من أنهم درسوا الجماهير دراسة اجتماعية ـ ثورية ـ علمية ، وحددوا جماهيرهم وحاجاتها ومصالحها وارتبطوا بها عن طريق التعبير عن تلك المصالح والحاجات .
إن أكذب الإدعاءات في عصرنا هي الأكثر رواجاً وهي التي تكافأ وتقدر . ليس في السياسة الدولية والاقليمية فقط ، وإنما في الثقافة والأدب والفن أيضاً .
وما أحوجنا اليوم ، ونحن نمر في مناخ ملائم نسبياً للرؤية والتبصر والتفكير بموضوعية ، ما أحوجنا إلى إعادة النظر ، على أساس نقدي نزيه بالتراتبية المشوشة والمغلوطة التي تركتها لنا عهود سيطرة الميليشيات الثقافية ، بل قل المافيا الثقافية ، التي تسلطت على الأوساط الأدبية والفنية والاعلامية وفتكت بالقيم وأسس التقويم.
كما فتكت بالمقومات السليمة لفنون عديدة في مقدمتها المسرح ، فجعلت منه كسيحاً يتنقل محمولاً على مواكب زاهية يزينها أولئك الذين سرقوا عرشه وزينوه بفقاعات الصابون الملونة ، وهتفوا له بابواق السياسة ، ليبقى مصدر عيش بالنسبة لهم وبقرة حلوباً يأخذون من ضرعها ما يشاؤون ،على حساب الفن والشعب والحكومات ويبقونها عجفاء .
الهوامش :
======
* محاضرة ألقيت بدعوة من النادي العربي في بريطانيا لندن ـ جامعة لندن ـ كلية معهد اللغات الشرقية 25/6/1992 .
* : كانت جذور أسرته في صيدا ـ لبنان ثم انتقلت إلى بيروت .
* : عملت في مصر الفرق التالية بعد تاريخ انطلاق النقاش في الشام
ـ فرقة يعقوب صنوع 1869 ـ 1872 .
ـ فرقة سليم النقاش ، إبن أخي مارون ، لمدة سنة فقط ، ابتداء من منتصف السبعينات من القرن الماضي ، وعنها تفرعت أو نشأت :
أ ـ فرقة يوسف خياط 1877 ـ 1895 .
ب ـ فرقة سليمان القرداحي 1882 ـ 1909 .
ـ فرقة أبي خليل القباني ابتداء من 1884 .
ـ وفي ظل تلك الأجواق ( أو الفرق ) نشأ الشيخ سلامة حجازي في الاسكندرية ثم انتقل إلى القاهرة . جورج أبيض ـ وفرقة أولاد عكاشة .
1 ـ " سأل مدحت باشا والي دمشق عمن يجيدون التمثيل فأرشد إلى المرحومين : جورج ميرزا واسكندر فرح والشيخ أبو خليل القباني ، فألفوا فرقة للتمثيل من موسى أبو الهيبة ـ ( الهيئة أو الهيبـي ) ـ وخليل مرشاق ومحمد توفيق وبعض فتيان كانوا يلبسونهم ملابس النساء لعدم وجود ممثلات في ذلك الحين . وتولى رياسة هذه الفرقة وادارتها الشيخ أبو خليل القباني . " هذا قول لتوفيق حبيب ـ تاريخ المسرح العربي ـ تأليف : فؤاد رشيد ـ ص 103 ـ سلسلة كتب للجميع العدد 149 منشورات القاهرة 1960 م .
2 ـ من مسرحيات الشيخ ابراهيم الأحدب : عروة بن حزام وابنة عمه عفراء ـ مجنون بني عامر مع محبوبته ـ جميل بثينة وكثير عزة ـ الزباء ملكة الحضر مع جذيمة الأبرش وعرفت باسم : نائلة ملكة الحضر ـ شيرين مع كسرى أبرويزـ مزدك الخارجي الإباحي ـ الوزير بن زيدون مع ولادة بنت المستكفي ـ يزيد بن عبد الملك مع جاريته حبابة ـ عبد السلام الحمصي المعروف بديك الجن مع زوجته ـ من تجاوز سن الستين فتزوج زوجة أخرى سنها دون العشرين ـ رواية أبي نواس مع جنان جارية آل ثقيف .. الخ .
* : لقد كان معروفاً قيام بعض الشيوخ بكتابة مسرحيات وقد ذكر منهم : الشيخ يوسف الأسير ( 1815 ـ 1890 ) كتب : سيف النصر ـ الشيخ قاسم أبو الحسن الكستي ( 1840 ـ 1909 ) كتب : حكمة الأفكار ومثلت عام 1875 محمد أمين ارسلان (1838 ـ 1868 وكتب : فرح بن سرور ـ ثم : الشاب المسرف . حسين بيُهم ( 1833 ـ 1881) كتب : الرواية الجميلة في تزويج جميل بجميلة ـ عمر الأنسي ( 1821 ـ 1876 ) كتب : كشف الظنون فيما جرى بين الأمين والمأمون ومثلت عام 1874 ـ والشيخ أحمد عباس الأزهري ( 1853 ـ 1927 ) وكتب : النصر القريب .
3 ـ تقول ريم سماط في مذكراتها ، وقد عملت مع القباني في الشام ومصر وكانت أول مشاركة لها في مسرحية متريدات بتشجيع من اسكندر فرح ، تقول : واحترق تياترو عناية ونحن في المنيا فعدنا إلى القاهرة وانحل الجوق لأنه لم يجد مرسحاً معداً للتمثيل وسافر القباني إلى سورية، وكان قد أصابه ادقاع فباع منزله ، وكان منزلاً كبيراً في الشام ، فلما استقر به المقام عطفت عليه الهيئة الحاكمة وردت إليه ثروته وعينت له راتباً يقوم بأوده حتى مات يبكيه الأدب والموسيقا والتمثيل ." جريدة الأهرام في 6/9/1915 .
4 ـ فؤاد رشيد ـ تاريخ المسرح العربي ـ ص 18 ـ سلسلة كتب للجميع ـ العدد 149 ـ القاهرة 1960 .
5 ـ الرحلة الحجازية جـ 1 ص 140 ـ 141 تأليف : محمد السنوسي ـ تحقيق : محمد الشنوفي ـ منشورات الشركة التونسية للتوزيع 1396 هـ ـ 1979 م.
6 ـ زارت الشام فرق وأجواق من مصر أعوام 1906 ـ 1908 ـ 1912 ثم بعد الحرب .
7 ـ من أبرز الأندية والفرق في بلاد الشام ، ثم في سورية حسب الجغرافية السياسية بعد سايكس ـ بيكو .
ـ نادي الاتحاد والترقي ( ... ـ 1918 ) ـ النادي العربي الذي قدم عام 1919 مسرحية: جمال باشا السفاح أمام الأمير فيصل ، وقدمها : عبد الوهاب أبو السعود .
ـ نادي الألحان والتمثيل ( ... ـ 1929 ) ـ فرقة أمين عطا الله وكميل شمبير ( لبنان 1925 ـ وزارت سورية وعملت فيها لا سيما عام 1930 وما بعدها .
ـ نادي الكشاف الرياضي ( .... ـ 1931 ) ـ جمعية أحرار العرب .
ـ نادي الفنون الجميلة ( 1930 ـ 1970 ) من مؤسسيه : توفيق العطري .
ـ فرقة الصنائع النفيسة ( حلب 1928 ) ـ فرقة حسن حمدان ( دمشق 1933 )
ـ نادي ايزيس ( دمشق 1932 ـ 1938 ) وأسسه : جودت الركابي وسعيد الجزائري وعلي حيدر كنج ونصوح دوجي وأنور المرابط وممتاز الركابي .
ـ فرقة ناديا وعلي العريس . ـ الفرقة الاستعراضية ( 1946 ـ .. ) ثم أصبحت تحمل اسم فرقة عبد اللطيف فتحي حتى 1956 ـ الفرقة السورية / 1948 .
ـ فرقة الكواكب ( 1944 ـ 1946 ) ومن مؤسسيها : محمد علي عبده .
ـ جمعية أنصار المسرح ـ فرقة اتحاد الفنانين ـ فرقة العهد الجديد ( 1947 ـ ... محمد علي عبده ) ثم جددت عام 1959 ـ فرقة سعد الدين بقدونس ( 1952 ... ) ـ فرقة الفنون والآداب ( 1954 )
ـ نهضة الشرق ( .... ـ 1955 ) ـ النادي الفني : ( 1955 ـ 1956 ) ومن موسسيه : منذر النفوري ـ النادي الشرقي ( 1954 ـ 1959 )
وقد قدمت فرقته سبع مسرحيات في إطار المسرح الدرامي.
ـ فرقة المسرح الحر ( أنصاف محترفين ، من المؤسسين : توفيق العطري ـ رفيق جبري ـ نزار فؤاد : 1956 ) .
ـ ندوة الفكر والفن: ( 1964 ـ رفيق الصبان ) ثم اصبحت فرقة الفنون الدرامية تابعة للتلفزيون وانضمت بعد ذلك بقليل إلى المسرح القومي . ـ فرقة المسرح الكوميدي الشعبي ( 1970) ثم المسرح الشعبي 1977 .
ـ فرقة محمود جبر ( 1980 ـ ... ) قدمت عدة مسرحيات .
ـ فرقة الفنانين المتحدين ( 1974 ـ من مؤسسيها : محمد الطيب ) .
ـ الأخوة قنوع ( 1953 ـ 1972 ) من مؤسسيها : سعد الله ونوس .
ـ فرقة مسرح الشوك ( 1969 ـ 1971 ) ومن العاملين فيها : عمر حجو ـ دريد لحام ـ أحمد قنوع ـ أحمد قبلاوي . وكتب لوحاتها كثيرون .
(8) كشكش بيك : ابتكرها نجيب الريحاني "مثالب عمدة كفر الدوار " ـ وأخذها عنه أمين عطا الله ، ثم حسن حمدان ، ثم عبد اللطيف فتحي .
ـ عثمان البربري : ابتكرها علي الكسار ـ ثم أخذها محمود المسيري وطورها إلى " الصفرجي " البربري أو عثمان الصفرجي ـ ثم أخذها عبد اللطيف فتحي ـ وشاركه فيها محمد علي عبده وزهير الشوا وعدنان السوري .. الخ . وطورها أيضاً فوزي منيب ببزة رسمية .
ـ كامل الأصلي : كامل الأوصاف : أوجدها جورج دخول .
ـ ارطوغرل بيك : تقليد لانموذج الارتجال التركي بالعربية ، تابعه: عبد الحميد رشدي وعبد اللطيف فتحي .
ـ المونولوجيست : وقام بهذا الدور كثيرون ومنهم عبد للطيف فتحي . ==
وجاءت بعد ذلك ومن أثواب تلك الشخصيات أو على أنماطها، شخصيات :
أم كامل : أنور البابا . ـ القروي الدماني ـ الخادم الدوماني: أبو شاكر عبد الله النشواتي ـ ثم طورها أبو صياح ليأخذ اسمها رفيق السبيعي .
وقد قامت جهود أخرى لمقاومة الكشاكش والبربري : مثل الأب أو العم وهو انموذج لم يترك أثراً ، قدمه أنور المرابط .
لمزيد من معرفة ذلك راجع عدنان ابن ذريل : تاريخ المسرح في سورية .
ـ حسني البورظان : نهاد قلعي .
ـ غوار الطوشة : نهاد قلعي ـ دريد لحام ، وعرف بها دريد لحام.
9 ـ قدم النادي الشرقي الذي أسس عام 1954 واستمر نشاطه حتى عام 1973 مسرحيات : زنوبيا ملكة تدمر ـ ملائكة الأرض ـ ثمن الحرية ـ مجنون ليلى ـ البطل ـ الاستاذ كلينوف ـ
* : كان من الذين شغلوا ادارتها : د. ابراهيم الكيلاني ـ نجاة قصاب حسن .