وقفات مع المسرح العربي / د.علي عقلة عرسان / دراســة / من منشورات اتحاد الكتاب العرب

الأدب المسرحي في سورية *

 

إذا القينا نظرة خاطفة على نشاط الأندية والفرق الفنية الحرة في سورية منذ بداية القرن ، وبعد أن هاجر القباني إلى القاهرة وأنشأ مسرحاً بالقرب من دار الأوبرا هناك ، وجدنا أن معظم تلك الأندية والفرق ، سواء الجوالة منها أم الثابتة ، كانت تعتمد اعتماداً أساسياً في إنتاجها على النصوص المترجمة أو المحرفة أو المقتبسة ، ولم تكن تساهم فعلاً بتأسيس حركة تأليف مسرحي عربي في القطر بالمعنى السليم ، ولم تكن مهيأة أصلاً لمثل هذه المهمة . فهي أندية وفرق فقيرة كانت تتعرض للإفلاس بين الفينة والفينة ، وتبوء بغضب السلطة إن هي حاولت معالجة مشكلة التحرر أو مهاجمة المستعمر ببعض المشاهد البسيطة التي يكتبها بعض المتحمسين .‏

ولم يكن نشاطها يعدو جملة من النصوص المترجمة مثل روميو وجولييت ـ شهداء الغرام ـ جنفياف .. الخ . واستمر الأمر بعد الاستقلال عام 1945 كما كان في السابق ، فلم تسع الحكومة إلى تشكيل فرقة مسرحية رسمية ، وبقيت الأندية تتابع نشاطها العادي.‏

* هذا بحث كتب في النصف الأول من عقد الستينات ونشر مجلة المعرفة السورية ، وقد أثبته هنا كما نشر سابقاً .‏

ومن الطبيعي والحالة هذه أن تنشط القصة والشعر في الخمسينات وبداية الستينات أكثر من نشاط المسرحية . فلم يكن الأديب ليجد المحرض الذي يدفعه لأن يكتب للمسرح .. فلا المسرح موجود ، ولا الفرق قائمة ، وليس هناك تراث من التأليف المسرحي العربي انغرست جذوره في صلب التكوين الثقافي والأدبي للكاتب لكي يدفعه إلى متابعة الخلق والتجديد في مجال المسرح . فالمسرحية كما هو معروف ، ليست من فنون الأدب العربي الأصيلة الراسخة المتطورة . ولا يعنينا هنا الدخول في تفصيلات عن الأسباب التي دعت إلى ذلك ، ولكن الواقع يشير إلى جدب التراث الأدبي العربي في هذا النوع من الانتاج كما يشير إلى فقدان المسرحية المتكاملة ، أي كأدب وفن على مستوى التنفيذ والاتصال بالجماهير وفق المقومات الدرامية المعروفة ، الغربية المنشأ العالمية المظهر .‏

فقبل بداية الستينات كان معظم كتابنا وأدبائنا يتجهون إلى القصة والشعر والدراسة . ففي الوقت الذي اجتذبت فيه القصة كلا من زكريا تامر والدكتور عبد السلام العجيلي وحنا مينه واسكندر لوقا وغيرهم ، واغتنى الشعر بانتاج عبد الباسط الصوفي وخليل خوري وعلي الجندي ومحمد الماغوط وعلي كنعان ونزار قباني ، وفازت الدراسة باهتمام عدد غير قليل من الكتاب ، لم تكن المسرحية تحظى باهتمام نفر كثير من الكتاب والأدباء . وإذا استعرضنا فترة الخمسينات وجدنا انتاجاً محدوداً لعدد قليل جداً من الكتاب في مجال المسرح مثل :‏

خليل هنداوي ، ومصطفى الحلاج . على عكس فترة الستينات ، إذ استقطبت الحركة المسرحية عدداً من الكتاب انتزعت بعضهم من مجالات القصة والشعر والدراسة ومنهم : علي كنعان ، ومحمد الماغوط ، ووليد اخلاصي ، وعلي الجندي ، واسكندر لوقا ، وصدقي اسماعيل ، ومراد السباعي ، ووليد مدفعي . وبذلك زادت دائرة الاهتمام بالمسرح والكتابة له وكسبت الحركة المسرحية طاقات جديدة بالإضافة إلى الطاقات التي اكتسبتها أصلاً . وبالإضافة إلى هذه الطاقات جميعاً ، اتجه كتاب وأدباء جدد إلى المسرح مباشرة ممن برزوا في فترة الستينات ومنهم : علي عقلة عرسان ـ سعد الله ونوس ـ وغسان ماهر الجزائري ويوسف مقدسي وغيرهم .‏

وإذا حاولنا أن نتقصى الأسباب التي دعت إلى هذا التحول نحو المسرح والاهتمام به والكتابة له وجدنا جملة من الأسباب أهمها :‏

ـ إحداث وزارة الثقافة وانشاء فرقة مسرحية رسمية في القطر ترعاها الدولة وتنفق عليها وتخطط لها هي فرقة المسرح القومي ، مما أبرز حاجة هذه الفرقة للنص المحلي وجعلها تبحث عنه وتعتبره أحد مبررات وجودها الرئيسة .‏

ـ تقديم مواسم مسرحية ثابتة ومتنوعة الأمر الذي لفت نظر الأديب العربي إلى دور المسرح وجماهيريته وفعاليته ، وربطه أيضاً بحركة التأليف المسرحي العالمية ووضعه أمامها في مواجهة تحريض على الانتاج وإثبات الذات .‏

ـ تشجيع الدولة لحركة التأليف المسرحي وشعور الكتاب بوجود سوق لهذا النوع من الأدب .‏

ـ انعكاس نشاط حركة التأليف المسرحي في القطر العربي المصري على كتاب القطر .‏

ـ نمو النشاط المسرحي بصورة عامة وارتفاع سويته ومستوى ارتياد الجماهير له .‏

وقد عالج الكتاب المسرحيون مواضيع مختلفة تتناول أوجه الحياة الإجتماعية والسياسية وغدت حركة التأليف المسرحي في الآونة الأخيرة من أكثر مظاهر الحياة الأدبية والفكرية تعبيراً عن الواقع وعن تطلعات الجماهير ومشاكلها .‏

وسنتعرض بشيء من التفصيل لما كتب من مسرحيات ، محاولين رصد اتجاه الكتاب واتجاه الحركة المسرحية بصورة عامة لنخلص من ذلك إلى تحديد ملامح حركة التأليف المسرحي في القطر واهتمامات الكتاب ومقدار انعكاس الواقع الإجتماعي والسياسي على المسرح ، مبتدئين ببعض الكتاب الذين ظهر لهم نشاط ملموس في مجال التأليف المسرحي في الخمسينات .‏

ذكرنا فيما سبق أن أبرز من كتبوا للمسرح في الخمسينات هم : خليل هنداوي ومصطفى الحلاج .‏

وقد كتب خليل هنداوي عدداً من المسرحيات القصيرة وأصدر مجموعة منها تحت عنوان سارق النار ) . وسارق النار تدور حول البطل اليوناني بروميثيوس الذي سرق النار وأهداها لبني الإنسان متحدياً كبير آلهة الأولمب وقاوم بروميثيوس طغيان زيوس وظلمه في سبيل حبه للإنسان وإيمانه بمستقبله .‏

وللهنداوي مسرحية ثانية قصيرة نشرها في مجلة الآداب عام 1959 بعنوان " ستة رجال تحت الأرض " وتجري حوادثها في كهف بقي فيه ستة رجال من عام 1942 حتى عام 1947 وهي تصور يأس الإنسان بعد أن زج به في حربين عامتين ورأى شبح الموت ينتظره في كل طريق ، وبذا فقد توقه للحياة . ويحاول الأستاذ هنداوي أن ينبت زهرة أمل في نهاية هذه المسرحية ولكن بعد أن جللها بالسواد .. ومعظم انتاج الأستاذ هنداوي من المسرحيات القصيرة ، وحواره رشيق.‏

أما مصطفى الحلاج فيعتبر ما أنتجه في فترة الخمسينات من أنضج الانتاج المسرحي في تلك الفترة ، وأكثره تعبيراً عن معاناة الإنسان العربي ومواكبته لحركة التحرر ولنضال الإنسان العربي في الوطن العربي وتظهر في مسرحيتي الحلاج " القتل والندم "‏

و " الغضب " مظاهر تفاعل المثقف العربي مع تيارات الفكر الإنساني وخاصة مع موجة سارتر وكامي وروبلس .. ولا بد أن تخطر في أذهاننا مسرحيات : الحقيقة ماتت ـ وثمن الحرية ـ وموتى بلا قبور ، حين نقرأ " القتل والندم " أو " الغضب " . ولكن تجربة الحلاج تبقى تجربة إنسان عربي على أرض عربية .‏

القتل والندم : وقد نشرها الحلاج في العدد الأول من مجلة الآداب لعام 1956 ونال عليها جائزة الآداب التشجيعية وقدرها مائة ليرة لبنانية فقط . تقع المسرحية في ثلاثة فصول ، وهي تعرض جانباً من نضال الثائرين في تونس ضد الإستعمار الفرنسي وتطرح من خلال الشخصيات فكراً مضيئاً ناضجاً يفهم أبعاد الثورة ومعناها ويشير إلى مخاطر انزلاقها بعيداً عن أهدافها الانسانية وعن كونها ثورة بالمعنى الأصيل للكلمة . ويوضح الحلاج أيضاً معنى أن يموت الإنسان مضحياً بالحب والحياة في سبيل الوطن . والمسرحية تظهر الأبعاد الإنسانية لحياة الثائر الذي لا يجد سوى القتل سبيلاً للوصول إلى حقه في الحياة الحرة الكريمة ، وقد صور الكاتب بعمق وإنسانية نضال عرب تونس وثوارها الذين امتزج دمهم بتراب الأرض وأصبحت حبات الزيتون في بلادهم حبات قلوبهم مزروعة في السفوح ..‏

فقد ناضل " فرحات " بطل المسرحية وقاد الرجال إلى الموت ، وعرف معنى التضحية برفاق الدرب في سبيل الثورة ، ولم يشأ لرفاقه المحاربين أن يقتلوا لمجرد القتل ، ولا أن يحاربوا لمجرد طرد المستعمر .. إذ أن طرد المستعمر كان بالنسبة له ، وضع قدم على أرض تبدأ فيها الثورة ، وطرد المستعمر تملك لمصير وقدرات تتحرك جميعاً لبناء الوطن وخلق الثورة . وهو يعرف مسبقاً أن ثمن إنسانية الثورة ونقائها واستمرار بقائها ليس بالثمن اليسير .‏

ولم يغفل الكاتب الجوانب الإنسانية في حياة الثائر فرحات . فقد غالب دواعي الحب والعاطفة والاعتبارات الشخصية وقتل والد حبيبته حين لمس منه تواطؤاً مع المستعمر ، واضعاً واجبه كثوري في المقام الأول . كما أن حسيبة ، إحدى بطلات المسرحية ، ضحت هي الأخرى بشرفها لتخدم الثورة ولتزود الثائرين بأخبار الضباط الفرنسيين وأسرارهم. وكانت خلال ذلك تعض على الجرح ، تصارع عواطفها المتضاربة تجاه فرحات الحبيب والقاتل ، ولكنها كانت تخلص دائماً للثورة ومتطلباتها . وعندما يموت فرحات تدفع حياتها ثمناً لكي لا يدنس الجنود الفرنسيون طهر موته وجلال آخرته .‏

إن الأفكار التي يطرحها الحلاج في حواره عميقة ولكنها تجعل الحوار يميل إلى الإطناب والثقل فيبعد به عن رشاقة الحوار المسرحي، مما جعل حركة المسرحية عموماً تتعرض إلى شيء من البطء والتثاقل. ويبقى مضمون هذه المسرحية إيجابياً جيداً ، وبناؤها يخطو بها نحو النص الجيد خطوات لا بأس بها .‏

وقد ظهرت قدرة الكاتب على معالجة المواقف الانسانية والغوص إلى دقائق النفس ، وعلى بناء مشاهد قوية من خلال حوار عامر بالعاطفة الصادقة والفكرة السليمة . كما ظهرت قدرته على تكوين شخصيات تجيد التعبير عن نفسها كشخصيتي فرحات وحسيبة .‏

أما مسرحية الحلاج الثانية ، والتي نشرها في عددي الآداب العاشر والحادي عشر لعام 1959 ، بعنوان " الغضب " فتقع في ثلاثة فصول ، وتعرض الحالة النفسية لبعض ضباط وجنود فرقة المظلات الفرنسية أثناء الحرب الجزائرية ، وقد تفجرت في قلب كل منهم صيحات الإنسان الحقيقي الذي يعذب أو يتعذب على أرض الجزائر .‏

وفي هذه المسرحية يبرز الحلاج مأساة الإنسان في حرب لن يكون النصر فيها لفرنسا أو للجزائر وإنما يكون للجلاد أو للضحية .. فالصراع هناك أصبح لا إنسانياً .. إنه مباراة تحد بين مستعمر استحال إلى جلاد يصر على أن ينتزع الاعتراف وعلى أن يعري ضحيته من قدرتها على الصبر والجلد ، وبين ضحية تقاوم لتثبت قدرتها على الصمود والتحدي وعلى تحقيق أهداف الثورة . ولكن خلال هذا السباق يتعرى الإنسان .. وينتصر الإنسان الذي يناضل من أجل حريته وإنسانيته ويسقط الجلاد ذليلاً فاقد القدرة على التحدي وفرصة البقاء على أرض الجزائر .‏

والمسرحية بطيئة الحركة ، يعتمد الحوار فيها على محاولات الغوص خلف الأفكار والمشاعر متمطياً الكلمة سائراً خلفها .. وتكاد تكون مونولوجاً ذاتياً لشخص يتعارك في داخله الجلاد والإنسان . والمسرحية لا تعتمد على الحدث أو حبكة الموضوع ، ويخشى على المتفرج فيها من الملل .‏

ونلاحظ من تجربة الحلاج في هاتين المسرحيتين اتجاهه إلى تعميق تيار الحوار الفكري الجاد في المسرح ، وطرحه لقضايا تحررية قومية وإنسانية ، ومناهضته للاستعمار ، ووقوفه إلى جانب صمود الشعب العربي في نضاله عبر الوطن الكبير .‏

ويبدو من المسرحيتين أن المؤلف لا يعتمد على الحبكة ولا يعطي للحوادث دوراً أساسياً في المسرحية .. ويرسم شخصيات ممتلئة من الداخل .. ولكنه يضعنا في مقابل صراعاتها الباطنية .. ولذا يسيطر جو من الركود الخارجي على مسرحه .‏

وللحلاج مسرحيات أخرى منها " الدراويش ينتظرون الحقيقة " وسهرة " من أجل درسدن " . ولن أتعرض لهاتين المسرحيتين هنا لكونهما لم تنشرا بعد ، ولكنهما تؤكدان الملامح العامة التي ذكرناها سابقاً لاتجاه الاستاذ الحلاج في مسرحه .‏

ومن الكتاب الذين أعطوا بعض انتاجهم للمسرح في الخمسينات مطاع صفدي الذي نشر مسرحية " الآكلون لحومهم " في أواخر تلك الفترة . وهي مسرحية تجنح إلى الغموض وقد حاول المؤلف أن يعطي صبغة فلسفية لحوارها ، وجعل لها خلفية سياسية مستقاة من الواقع كما يراه هو . وشخصيات المسرحية أدوات تدلي بما يريد لها الكاتب أن تقول ، وليس لها من الأبعاد الإنسانية ما يمنحها أسباب الحياة .‏

ولم تجد هذه المسرحيات السابقة طريقها إلى الجماهير على المسرح لأسباب قد تمكن فيها ، أو في متطلبات الفرق الفنية العاملة.‏

وبعد إنشاء وزارة الثقافة وفرقة المسرح القومي بدأ تفاعل من نوع مباشر بين الأدباء والمسرح ، وبدأ التحريض يجد طريقه إلى نفوس الكتاب . ولعبت المسابقات دوراً في دفع الكتاب إلى التأليف المسرحي وفي دفع مواهب جديدة إلى الظهور والتعبير عن نفسها . فمسابقة وزارة الثقافة عام 1963 دفعت بشكل أو بآخر حركة الكتابة للمسرح وحوله ، كما أبرزت عدة مسرحيات وعدة وجوه . فحسيب كيالي الذي قدم لتلك المسابقة مسرحية " قارعو الأبواب " ، أتبعها بعدة مسرحيات محاولاً أخذ قصب السبق في التأليف المسرحي . ويوسف مقدسي صاحب مسرحية " دخان الأقبية " حاول هو الآخر أن يشق طريقاً في هذا المجال . ويحسن أن نتعرض بشيء من التفصيل إلى تجارب الكتاب المسرحيين في فترة الستينات .‏

كتب حسيب كيالي عدة مسرحيات قصيرة أذكر منها : العتالون ـ الخطبة ـ وفي الخمارة ـ خلقت هواك ، وغيرها . أما مسرحياته الطويلة فهي : قارعو الأبواب ـ الرهان ـ الثائرون .‏

والعتالون : مسرحية من فصل واحد يمكن تلخيصها بما يلي : إحدى الدوائر الرسمية ستغير مكانها . وهناك حركة نقل للأثاث . وتحتاج الدائرة إلى عتال ، فيرسل صباح ، وهو موظف في الدائرة ، الآذن سليمان ليبحث عن عتال ، فيحضر الأخير شاباً يدعى "صطوف " يسالونه كم تريد فيطلب ليرتين . يكتب صباح وصل استلام باسم السيد محمود وكيل مدير الشؤون الإدارية والقانونية ويبصم عليه العتال ثم يحمل المكتب ويمضي .. المكتب ثقيل جداً ولكن صطوف لم " يستفتح " بعد ، ولذلك فهو لا يشرك أحداً معه في الحمل . ويأتي محمود وكيل المدير فلا تعجبه صيغة الوصل وخاصة " وكيل " تلك ، لأنه بعد قليل سيصبح مديراً ... فيغير الايصال ويجري في الشارع وراء العتال ليأخذ بصمته من جديد ..‏

ويعلق صباح على ذلك بقوله : " كلنا عتالون ولكن المناضد الثقيلة والخزائن الحديدية تظل أخف أنواع الأحمال ، أنا مثلاً عتال تفاهة وأحزان صغيرة . وخيبات أحزمها وأضعها في أبيات من الشعر .. محمود عتال أثقل .. منذ متى وهو مثل مكوك الحايك على أبواب الكبراء حتى ظفر بهذه الوكالة " المديرية " أليست ليرتا صطوف الخلف العتال أشرف ؟ صطوف يتخلص من حمله منذ أن يوصله إلى البناء الجديد في الحريقة ويعود بعده حراً ، وأما هذا فأثقاله جاثمة أبداً على صدره ، حتى في المنام مثل الكابوس الثقيل .. يخيل إلي أحياناً أني أسمع طقطقة العظام .. أجل كلنا عتالون نحمل الماضي والأخطاء والأمنيات الميتة والأخلام الشحاذة ونلهث ، من المهد إلى اللحد .. لهثاً كسيحاً ."‏

المسرحية صورة إنسانية ، وسخرية لاذعة من أوضاع الزيف وقوالب الرياء والتزلف .. كل ما فيها معكوس من خلال شخصية صباح ونظرته للعالم والناس .. وصباح هنا هو حسيب بلهجته التقريرية وتأمله في الحياة . في هذه المسرحية حس مرهف وتصوير لجوانب واقعية من حياتنا اليومية . ولكن ما آخذه على حسيب كيالي هو أحكامه المباشرة التي يصدرها على الأمور والناس ، وبروز شخصيته ككاتب على حساب شخصياته ، إنه دوماً يشير إليك من خلف ومن أمام السطور قائلاً ها أنذا .. وهو لا يحسن التخفي خلف شخصياته وأكاد أقول لا يستطيع أن يطلقها ويتخلى عنها .‏

في مسرحية الخطيبة ، وهي من فصل واحد أيضاً ، نرى حفيظة عاملة الهاتف في إحدى الوزارات وهي عانس فاتها قطار الزواج .. نراها تعطي الأرقام للمحبات والمحبين وتحفظ السر .. تعرفت على موظف كبير في إحدى الوزارات وخافت أن يفلت منها فكذبت عليه .. قالت له أنا حفيظة ياسين دكتوراه في التربية موظفة في وزارة كذا ... وقام خطيبها المنتظر بزيارة لها في مكان عملها .‏

وسأل بعض الموظفات ليرشدنه إلى مكانها وبكل طيبة أخبرنه بألا وجود لدكتوره باسم حفيظة ياسين . وإنما هناك عاملة هاتف بهذا الاسم . وبطريقة لبقه أرته إحداهن حفيظة تلك . نظر إليها ولزم الصمت ونزل درج الوزارة مسرعاً . اتصلت به حفيظة كعادتها فكان معها جافاً ساخراً وأخبرها بكذبتها وصارحها بأنه يقطع علاقته بها . فاضت دموعها ومدت يدها إلى " أفياش " مقسم الهاتف تعطي الأرقام للمحبين والمحبات ودموعها تسيل بصمت ، كذبت لتتمسك برجل ، فأفقدها الكذب ذلك الرجل . وأستطيع القول إن هذه المسرحية ذات الفصل الواحد من المسرحيات الجيدة التي استطاع فيها حسيب أن يغرس في قلوبنا مأساة ‏حفيظة تلك . ولكنه في هذه المسرحية كما في غيرها حاول أن يكون ظريفاً وقريباً في حواره من لغة الحياة اليومية فأفقدها بعض التركيز وبعض جمال مواقفها .‏

أما مسرحية " في الخمارة " ، وهي من مسرحيات الفصل الواحد أيضاً ، فتصور قطاعاً من حياة بعض الناس المرتبطين بالحانات ، وفيها نماذج حية لشخصيات مألوفة ومعروفة كثر أمثالها في مجتمعنا . وقد جسم حسيب لقطته بحيث جعل أحدهم يخلع جسراً ذهبياً كان قد ركبه لأضراسه ليشرب بثمنه كأساً من الخمر في حانة أبي فهد . وفي المسرحية تصوير دقيق لجوانب إنسانية عن حياة بعض الأشخاص رسمت بمهارة .‏

ولكن مسرحية " قارعو الأبواب " التي أحدثت ضجة حوارية حولها في الصحف ليست من الجودة بحيث تستحق مثل تلك الضجة ، وليس فيها لمسات إنسانية رقيقة كما في المسرحيات القصيرة التي أشرت إليها ، رغم أنها في ثلاثة فصول . وقد نالت المسرحية جائزة وزارة الثقافة آنذاك ، وهي تعتبر من أضعف أعمال حسيب كيالي المسرحية . تدور حوادثها حول حب أحد أساتذة الفلسفة الجامعيين لإحدى طالباته ، وعدم نجاحه في اتباع طريق إلى قلبها مما يجعلها تتعلق بأحد أصدقائه الصحفيين وتطير من يده .. ويبقى هو مع " الغزالي " وأترابه . وحسيب يريد أن يؤكد فيها القول : " وفاز باللذة الجسور " . وقارعو الأبواب عمل ليس فيه حوادث أو صراع أو تشويق ، وليس فيه شخصيات تصلح للمسرح ، فضلاً عن أن حوارها جاف وغير مسرحي.‏

وأفضل أعمال حسيب كيالي ـ كما وجدت ـ " الثائرون " وهي مسرحية شعرية في عشر لوحات تتلاحق مشاهدها متخطية وحدة الزمان والمكان ، ضاربة في أعماق الأساطير الشعبية والروح الريفية الشاذجة ، فيها من ظلال الملاحم شيئاً ومن خواص المسرح أشياء ، وتنبثق كلماتها من حس مرهف بنضال الإنسان وأحاسيسه لمقدسة وعواطفه الجياشة .‏

الملك الذي شاع عنه الجبروت وتناثرت من حول اسمه الحكمة والمهابة بين الناس يظهر في الثائرون ) على حقيقته .. مخدوع بين مخادعيه ، لاحول له ، ولا حكمة لديه ، يهمه أن يقال له : جلالة الملك صاحب السلطان ، ذو الجاه العزيز .. ناشر العدالة وحاميها . ومملكة الظلال والضلال التي يبنيها تنهار على يدي الثار الحق .. ابن الشعب .. القوي برجاله وبتعاونه معهم ، بإيمانه بهم وبنفسه .. إن المختار ، بطل المسرحية ، رجل كالرجال ولكن الرجال أكسبوه عظمة وسلطة تفلقان الصخر وتميتان القلوب رعباً.‏

في مسرحية " الثائرون " تتجمع قلوب أبناء المملكة من جياع ومشردين وفلاحين مظلومين في إطار قوة شعبية طليعية تناضل من أجل غد أفضل .. وتنتصر نتيجة النضال جموع الشعب على يد الثائرين بقيادة المختار . وتقضي على سلطة الملك واستغلال الاقطاعيين وتعطي السلطة للفعلة ، للكادحين . ويعرض حسيب هذا الموضوع ويعالجه في إطار إنساني ومن خلال قصة مبنية بصورة حسنة .‏

ويعتبر البناء الدرامي لهذه المسرحية من أفضل ما قدم حسيب كيالي . الشخصيات معطاة من خلال الإطار العام للحوادث وتتكامل عن طريق الفعل على المسرح .‏

وتبرز ملامحها بجلاء مما ينقل ويقال عنها . وفي ظني أن بعض الكلمات التي قصد من وضعها حسيب إلى إعطاء روح وشخصية المتكلم ، وضحى في سبيل ذلك بنغمة المقطع ، في ظني أن استبدالها بغيرها ممكن ولا يضير الشخصيات في شيء لأن المؤلف أدخل شخصياته في إطار فني وجعلها تتكلم شعراً فلماذا لا يضع كل شيء إذن في إطار الواقع الفني ، لا في إطار الواقع المادي الذي نحياه؟ .‏

من مسرحيات حسيب التي تعرضت لها بالبحث خرجت بنتائج أوردها في نقاط وهي خصائص وميزات حسيب في مسرحه .. وقد يكون لها محاسنها وربما كان أثرها السيء في بعض الأحيان على خط السير العام لمسرحياته :‏

ـ شخصيات حسيب لا تستفيد من الحدث ولا تساهم في خلقه. والمسرح يتطلب الشخصية التي تنمو وتكتمل وتنضج بالحادثة والتجربة وكذلك تتوضح معالمها ونتعرف عليها عن طريق زجها في الحوادث . المسرح حياة ، والإنسان في الحياة يبلغ الكمال والاتزان والنضج على مراحل ويوصله تفاعله بالحوادث ومع الناس إلى شيء من الثبات والنضج . ورغم ثباته ونضجه ، يهتز للحادثة الجديدة ويتفاعل معها ويخلقها أحياناً لأن بها حياته.‏

ـ يلجأ حسيب في كثير من الأحيان إلى الظهور على حساب شخوصه ، ويعلن على لسانها بلمات وآراء لا تنبع من كيانها .. إنه يبرز لنا في مسرحياته من خلال السطور وفي أجسام الشخصيات . فهو نذير ) في مسرحية " قارعوا الأبواب " و صباح ) في " العتالون " . أما حين يغيب هو عن المسرح وتبرز شخوصه ، فإن عمله يأتي أكثر انسجاماً ، كما هي الحال في " الثائرون " ، " في الخمارة " ، " الخطيبة " .‏

ـ يحاول حسيب دوماً أن يعطي صورة من الحياة الواقعية وتسيطر عليه هذه الفكرة لدرجة أنه يعطيك الصورة من أكثر من جانب في مسرحية واحدة ـ وكأنه يعرض آراءه في مقالة ولذلك تتعدد الأهداف في المسرحية الواحدة وتكثر المحاور التي تعرض حولها القضية ، فيؤثر ذلك على البناء العام للمسرحية ويضعفه . وقد تكون هذه الميزة أو هذه الخاصية ملائمة لقاص .. ولكنها لا تخدم الكاتب المسرحي كثيراً .‏

ـ محاولة تقصي الطرفة أو طرافة الحديث والجملة ، عند حسيب ، قد تؤثر على السير العام لحوار الشخصيات وتناسق هذا الحوار مع تركيب الشخصية .‏

هذه ميزات وخصائص عامة ، قد يشارك حسيب فيها كثيرون من كتابنا المسرحيين ، لاسيما من كانوا قصاصين منهم قبل أن يتجهوا إلى المسرح .‏

وننتقل الآن إلى الكاتب الآخر الذي ظهر عمله نتيجة مسابقة وزارة الثقافة سنة 1963 ودار حول عمله حوار طويل في الصحف .. أعني يوسف مقدسي مؤلف مسرحية دخان الأقبية . قدمت هذه المسرحية في المسرح القومي ، وأخرجها أسعد فضة ، ولم ينشر المؤلف بعدها أية مسرحية فيما أعلم وهي مسرحية يتمثل فيها صراع الإنسان المظلوم الذي يعاني من الشقاء ويسعى لتحقيق أحلامه في أن يكون له بيت وزوج ودجاج .. في أن يحس دفق الحرية ملء عروقه ، وأن يتمطى تحت الشمس في الضياء البكر بعيداً عن رطوبة أقبية الاستكانة والمذلة والعوز . كما تبرز فيها ملامح من الصراع الطبقي بين الفلاحين الكادحين وبين الاقطاعي صاحب الأرض ورأس المال الذي يسحق بماله كراماتهم ويهتك أعراضهم باذلاً ثمن اللحم المستباح ويحصل على مايريد.‏

وتبرز في هذه البيئة نتائج مثل هذه الأوضاع الإجتماعية ، كالجهل والخوف من السلطة ومحاولة التمسح بالقوي والتزلف له والانصياع لمطالبه عندما يلوح بالثمن أو بالسلطة .‏

وقد وفق الكاتب باختيار الموضوع ، إلاّ أنه لم يكن بمثل ذلك التوفيق في معالجته . فهناك ضعف في البناء عموماً وخطأ في توزيع المهام على الشخصيات أو بالأحرى في تكوينها . وقد برز ذلك خاصة حين جعل المؤلف بطله الذي يمثل الثورة والسخط على الإقطاع هو العجوز الذي تربى في ظلال الحكم التركي ولم تعرف عنه بوادر الثورة ، وخدم الإستعمار الفرنسي حتى أحيل على التقاعد .. إن مثل هذا الشخص لايمثل حركة تقدمية أو نظرة طليعية لمجتمع إشتراكي ويناضل طبقياً . كما أن حوار المسرحية يميل إلى التطويل وإلى أسلوب البحث والدراسة في بعض مقاطعه حتى أنه يجعل بعض المشاهد غير محتملة .‏

ومن شعرائنا الذين جذبهم المسرح إليه فكتبوا له محمد الماغوط وعلي الجندي وعلي كنعان وممدوح عدوان .‏

فقد كتب محمد الماغوط مسرحية بعنوان " العصفور الأحدب " تقع في ثلاثة فصول .. يقول الاستاذ الماغوط مؤلف المسرحية على لسان الأمير في مسرحيته :" إن كل كلمات العالم لا تملأ غمداً فارغاً أو كوباً على طاولة ." فهل ستملأ كلماتي ـ مضافة إلى كلماته وإلى كل ما قيل ـ ذلك الفراغ الهائل الذي يخلفه موت الضمير في إنسان ؟! إن الكلمة سلاح فعال ... ومن هذا الإيمان بالكلمة وبرسالة قائلها أريد أن أرفض قول الشاعر ذاك لأقول : إن كلماته وصوره التي طرحت في مسرحية العصفور الأحدب ) أزمة الإنسان الذي يعاني حتى العظم تجربة مرة على أرض ارتبط بواقعها وواقع أناسها وحمل همومهم كأحمال ملح ... أقول : تستطيع تلك الكلمات أن تملأ أكثر من غمد فارغ وأن تبعث أكثر من قلب فارغ على الامتلاء ، وأن تحرك أكثر من خمس أصابع بإيمان كامل .‏

ليست " العصفور الأحدب " بالمسرحية التي تسيطر عليك حوادثها فتشدك على مقعد حتى اللهاث ، ولكنها المسرحية التي تصعقك صورها .. فمؤلفها لم يعر الحوادث أهمية كبيرة . ومن هنا تبقى فكرة تلخيص حوادث المسرحية محاولة مهددة بالخسران . ولكن لا بد من المحاولة مع ذلك .‏

كهل ، وقزم ، وشاب مصاب بالشذوذ الجنسي ، وأناس ، وأناس أخر سجناء في قفص ما .. في صحراء ما ... في زمان ما .. يعانون القهر والوحشة ... يمضغون آلامهم وآلام الغير . ويعضون على شقائهم كما يعض الوحش سلاسل تربطه ... يعتقون دم الجراح في قوارير الحقد ، وينتظرون اليوم الذي ينقضون فيه على أعداء الإنسان .. أعداء الفلاح المهمل ، والطفل المريض ، والأرض التي تشققت من العطش ، ولا ماء .‏

وفي مكان آخر .. في قرية على تخوم الصحراء .. تجمع الفلاحون وكأنهم في يوم الحشر .. وقوفاً .. من حولهم غبار .. والأرض غبراء ، والظروف سيئة ، والمرض والفقر والجوع كلها لا ترحم . إنهم ينتظرون الفرج ولا فرج .‏

من المدينة سيصل مهندس زراعي .. ولكنه يصل ويذهب دون أن يروه ، ويأتي بدلاً عنه مندوب صناعي لا يظهر إلاّ صورة مؤلمة لمعاملة الدولة للفلاحين في تلك الفترة . وفي هذا المشهد يظهر الماغوط قسوة الظروف ومقدار تأثيرها على الإنسان .‏

فالجد الذي كان لاينحني ليلتقط ذراعه إذا بترت .. ينحني الآن ليعطي ورقة للمندوب الصناعي .. إن أهل القرية جبناء ، هدت عزائمهم الظروف السيئة وأذلت كبرياءهم ومرغت بالوحل جبين هذا الجد الذي كان مثال الرجولة والذي لايعطي الآن إلاّ مثالاً للذل والخنوع .‏

الناس في مسرحية العصفور الأحدب يعيشون في ظروف لا إنسانية .. إذا هتفوا مطالبين بالحب والمطر ، حصدهم الرصاص وسلخت جلودهم بلا رحمة ، وإذا سكتوا ، ماتوا قهراً وجوعاً وذلاً.‏

وفي يوم من الأيام يصبح الكهل ، الذي كان سجيناً ، أميراً متنفذاً ، ويصبح الشاب المصاب بالشذوذ قساً .. ويحكم الكهل .. الذي كان يقول للناس عن نفسه : "عندما كنت أجتاز الصحراء وحيداً وقذراً في طريقي اليكم .. لم آكل عشباً يابساً فحسب ، بل أكلت طيوراً حية أنهت تغريدها في أحشائي ،أكلت رملاً في الصحراء وسحقته بين أضراسي في السجون كي أضمن قوة المسير والانحدار اليكم ... إلى الوطن " وعندما يحكم هذا الكهل يتفجر حقده ألواناً من التعذيب .. ويتنكر لأصدقائه وللشعب ولرفاق السجن كالقزم وغيره !! كيف يتنكر الإنسان للتجربة التي عاشها وأحس أبعادها ؟ كيف يتنكر لمبادئه .. كيف يخون ؟ هذا هو ما يؤلم القزم صديق الكهل ...‏

وكيف يتقنع ذلك الشاب الشاذ بلبوس غير لبوسه ليكون الأفعى في الحرير ؟! ليس غريباً ألا يفهمك إنسان لم يعش ظروفك، ولكن أن يخون التجربة من عاشها فذاك هدر لكرامة الإنسان ولقدسية المعتقدات والمبادئ .‏

هذه قضايا يطرحها محمد الماغوط في مسرحيته ، وليس من الصعب ارجاعها إلى قواعدها ومصادرها في حياتنا الإجتماعية .‏

من غير الممكن ضغط مسرحية في صفحة ، كما أنه من المستغرب ضغط حياة ذلك الإسكاف الذي احتج هو وأطفاله على الجوع والإهمال فحملوا سنبلتي قمح للحاكم وكان جزاؤهم الموت ... أقول لا يمكن ضغطها كما ضغطت حياته في بطاقة أو حاشية على ورقة . إن الماغوط يعيش مشكلة الإنسان المعذب ، الإنسان الذي يعاني وتنتهك إنسانيته . ومن خلال معاناة عميقة يكثف في صور غنية فذة آخاذة ، واقعه وأفكاره . والصور الصاعقة المطرزة بالدم والغيوم وسنابل القمح والسياط الملتصقة بالجراح والأشجار التي تنشب مخالبها في الريح .. تستولي على الشاعر ، وتجبره أحياناً على الاسترسال في الحوار . وقد تجلى ذلك في الفصل الأول ،وفي أحيان أخرى تكون الصورة سبباً في خلق حادثة وتطويرها .‏

ليس من السهل العثور على شخصيات متكاملة في المسرحية، وتجمعها في الوقت ذاته وحدة الأضداد (1) حيث ينشأ الصراع المسرحي وتتكون الدراما . لقد حدث هذا في بعض الفصول ، فرأينا شخصيتين مثل الجد والجدة في الفصل الثاني . ولكنه لم يحدث في المسرحية بصورة تامة ، ويمكن أن نرد ذلك إلى عدم وضوح هدف واحد يربط المسرحية ويستقطبها منذ البداية حتى النهاية ويحكم تطور أحداثها ونمو تلك الأحداث ومسارها .‏

إن شخصيات الماغوط في هذه المسرحية ، حملة أفكار وصور ومشاعر مشحونة بالإنفعال الصادق وليست حملة حدث وقضية وصراع ، وهذا قد يبرر السؤال : بم يهتم المؤلف ؟ يهتم بالتركيز على الشخصيات والحوادث وتسلسلها قدر اهتمامه بالصور اللماحة وتوثب الأفكار والمشاعر . ويمكن أن نجمل المآخذ على مسرحية العصفور الأحدب ) بتعدد الأهداف والفكر الأساسية ، وتعدد الشخصيات دون أن تجمعها وحدة الأضداد ، وضعف الحبكة المسرحية ، والاستطراد . ولا بد من الاشارة هنا إلى تأثر الماغوط بالسيرياليين . فقد بدا ذلك واضحاً في أسلوبه وصوره. ولقد اطلعت على تجربة مسرحية ثانية للأستاذ الماغوط بعنوان آخر العنقود ) وبدت لي أكثر تكاملاً في بنائها المسرحي ، ولن أتحدث عنها لأنها لم تنشر بعد .‏

أما علي كنعان صاحب " درب الواحة " فقد قدم للحركة المسرحية في سورية " سد مأرب " ، وهي المسرحية التي عرضها المسرح القومي باسم " السيل ". وكتبت بعد حرب حزيران فاتحة تحول في أدب المسرح ، كما هي الحال في جميع مجالات الأدب والفن والحياة الاجتماعية عموماً . وتبرز في هذه المسرحية مرارة المأساة على شفاه الشاعر وفي كلماته :‏

" السيل يا عرب‏

السيل يا نشامى‏

السيل يا أستاذ ... يا مختار‏

يا شيوخ .. يا شباب‏

الزرع ... البيوت .. الأطفال‏

يا حسرتي ، ضاع التعب‏

وضاعت العيال‏

أين الرجال ؟‏

كأنهم ماتوا ...!‏

تحولوا إلى حريم !!‏

وألف عذر منك يا أسماء ، يا خنساء ، يا خولة .‏

كأنما بطون أمهاتنا من معدن آخر‏

غير بطونكن ، أو كأننا نسل حرام‏

رجالنا صاروا بلا شوارب‏

صاروا بلا جباه ."‏

بهذه الكلمات المرة وأمثالها من الكلمات المشعة ، المليئة بحس المأساة وعنفها وعمقها ، كتب علي كنعان مسرحيته : سد مأرب وكلنا نعرف تلك الحكاية التاريخية عن سد مأرب حيث كانت في أرض سبأ ـ اليمن حالياً ـ أقوام عربية وكانت عدن جنات وارفة الظلال ، وقد أقيم سد في وجه المياه ليحفظ للأرض الري وللخيرات دوام التجدد وللشعب حياة كريمة . وغفل القوم عن ترميم السد لفترة ورأوا فاراً وفئراناً تخترقه وتلعب فوقه فاستخفوا بالأمر ، ولم يتوجسوا منه خيفة حتى جاء وقت انهار فيه السد وجرف الجنات وأصبحت الحضارة أثراً بعد عين ، وهاجرت القبائل العربية إلى بلاد أكثر خصباً .‏

من هذه الحكاية أخذ علي كنعان أمثولة .. رأى صورة عنها في تاريخ العرب الحديث ، ومازلنا نعاني من آثارها ونصارع في مختلف الجبهات ، إنه الواقع المرير الذي تعيشه الأمة منذ عام 1948 وحتى الآن .‏

فقد ظهر الفأر في فلسطين " بضع مئات من الصهاينة " فقال العرب :‏

لاخطر هناك ، ونحن عرب أكارم شيمتنا الجود وضيافة الجار وحمايته . ولكن الفأر نما وتكاثر وأخذ يقضم جذور شجرتنا الوارفة الظلال ، يريد أن ينتزع جذور قوميتنا العربية من أرض فلسطين بل ومن الأرض العربية ، إن استطاع ، ولم تنتبه الجماهير العربية إلى الخطر إلاّ بعد وقوع المأساة عام 1948 واستمر العرب بعد عام 1948 يستخفون بقوة اسرائيل إلى أن هاجمنا السيل مرة عام 1956 ومرة أخرى 1967 .. وما زلنا نتصارع ونتشاور ونبحث عن شكل من أشكال الوحدة كي نحشد طاقاتنا في ظله ونقف في وجه الفأر الذي أصبح جيشاً لجبا . نتنادى ويضيع النداء ، ويسخر بعضنا من بعض ، ويحفر بعضنا الحفر للآخر .. والعدو يقوى في ظل انقسامنا ويزداد خطورة وغطرسة واستخفافاً بقدراتنا وبمقومات شعبنا .‏

لقد طرح علي كنعان هذه القضية الأساسية من قضايا القومية، وأبرز أكثر جوانب الصراع فيها من خلال إطار مصغر .. فأخذ قرية من قرى الريف العربي تجدها في سورية كما تجدها في الأردن أو في الجزائر .. واختار نماذجه من سكان القرية بحيث ينطبق واقع العلاقات بينهم والصراعات التي يعيشونها ويجسمونها على أغلب أوضاع الناس في الوطن العربي .‏

في القرية أحياء فقيرة وأكواخ وبيوت من طين يهددها السيل في كل ساعة ، وفيها أيضاً بيوت في الأعالي .. قصور يسكنها السادة : المختار والأعضاء ويدور في فلكهم الواعظ . وفي القرية ينشب صراع طبقي واضح ويبرز في كل مجالات الحياة ، ويعاني من يشعر بحدة هذا الصراع ويعيشه بوعي لأبعاده ويتعرض يومياً لنتائجه الملموسة .‏

في مدرسة القرية يبرز الصراع بين أبناء الأعضاء وابن المختار من جهة وبين المعلم من جهة أخرى . إذ يطالبونه بأن يضع أسماءهم في رأس القائمة وبألا يذكر اسم إبن الأرملة ـ أحمد خرما ـ قبل اسم ـ حمدو الصالح ـ إبن المختار . وحين يحاول المعلم أن يقنع التلاميذ بأن هذه هي المساواة وهذا ما يقتضيه النظام . يقول التلاميذ بكل بساطه : " نحن مقتنعون ولكنّ أولياءنا يقولون لنا : طالبوا المعلم بأن يضع أسماءكم في الأول فأنتم أبناء المختار والأعضاء ."‏

وينعكس هذا الصراع انعكاساً أوسع وأحد بين المعلم والناطور وبعض الشباب التقدميين في القرية من جهة ، وبين المختار والواعظ والأعضاء من جهة أخرى . فكل قضية في القرية ينظر إليها من وجهتي نظر مختلفتين : وجهة نظر سكان الأعالي أصحاب السلطة والوجاهة والغنى ـ الرجعيون الجهلة ـ ووجهة نظر سكان الأكواخ وبيوت الطين الفقراء الذين يريدون أن يسيروا بوحي من العلم خلف المعلم . ويأخذ هذا الصراع صورة الكيد والتآمر والوقيعة من قبل الجهة الأولى التي تريد التخلص من الشباب بأية وسيلة . ويجتاج السيل القرية ـ ربما للمرة الثالثة ـ فيحطم البيوت المنخفضة ويهدد البيوت العالية ولكنه لا يمسها .‏

ويتقدم المعلم على رأس وفد من الشباب ليطلب من أصحاب الغنى أن يمدوا يد العون .. ولكنه لا يلقى إلاّ الشماتة . ويفهمونه أن السيل قدر محتوم وأنه لا سبيل إلى دفعه إلاّ الصبر وتقديم الأضاحي وتطهير النفس والتقرب من الله والاقتناع بتعاليمه ولا سيما تلك الآية التي تقول : " وجعلنا بعضكم فوق بعض درجات." والسيل بنظرهم عقاب من الله لهذا الشعب لأن فقراءه ناوؤا أغنياءه .‏

ويزداد تآمر المختار والأعضاء على الشباب ، ويقتلون أحدهم في أثناء انشغال الجميع بدفع بلاء السيل ، ويستعمل المختار لذلك بعض رجال الدرك . ويدرك المعلم وغيره أن رفيقهم قتل بيد " زلم " المختار ، ولكنهم لا يستطيعون الآن فعل شيء .‏

ويهدد السيل البيوت من جديد ، ويتشاور الشباب فيما بينهم، فيقررون بناء سد كبير يقف بوجه السيل ، ولكن يلزمهم الدعم المادي الذي يملكه أبناء جلدتهم ولكن من طبقة الأغنياء . ويقرر المعلم أن يخوض معهم تجربة إقناع أخرى ، وهنا تحدث مفاجأة . فالمختار يعد خطة لضرب أولئك الشباب بعضهم ببعض وذلك بزرع الشقاق بينهم ، ويستغل في سبيل ذلك حادثة معينة . فالمعلم يحب ليلى أخت عبده أحد رفاقه ، وقد اتفقا على الزواج ، وفي الإجتماع يفتح المعلم الحديث ليتكلم في أمر خطر السيل ويؤكد ضرورة التحام القوى في القرية للقيام بدفع الخطر ، ولكن المختار يحول الحديث إلى موضوع الزواج وينادي الواعظ ليعقد قران المعلم..‏

وهنا يشك رفاق المعلم به فينفضون من حوله ساخطين ، ويضطر هو إلى العزلة بعد أن وقع ضحية غدر المختار وسوء فهم رفاقه لمقاصده ونواياه وما دبر له . ويقرر الشباب التقدميون ـ وعلى رأسهم ناطور القرية وصالح ـ أن يبنوا السد بأيديهم ويقيموه بالاعتماد على قوتهم الذاتية دون الاستعانة بأحد . وهكذا يطرح علي كنعان في النهاية ضرورة لقاء القوى التقدمية ، ومبدأ الاعتماد على النفس لمواجهة العدو.‏

هذا هو الخط الرئيس الذي اعتمده علي كنعان في مسرحيته ، وقد ركز بشيء غير قليل من الجودة على هذا الخط فأناره . ولكنه لم يكن الخط الوحيد في المسرحية . فبالإضافة إلى هذه الفكرة الأساسية ، طرح عدة أفكار أخرى وضحها بشكل جيد .‏

إلاّ أنني لمست في المسرحية بعض نواحي الضعف ، ومن الممكن تلافيها عن طريق إعادة النظر بترتيب الحوادث وبنائها تصاعدياً بحيث تمهد لصراع متصاعد منطقي وتعطي للبناء المسرحي قوة ودفعاً نحو الأفضل . ولا بد من الإشارة إلى أن الرمز الذي استخدمه ، أو فكرة بناء السد التي طرحها ، قد تقود إلى غموض مضلل في بعض الأحيان . فليس المقصود بالدعوة بناء سد بين العرب واسرائيل الموجودة الآن في فلسطين المحتلة وإبقاء الأمر كما هو عليه ، وإنما المقصود إقامة قوة رادعة تحمي الكيان العربي والوطن العربي من الطامعين به ، من أية جهة قدموا .‏

وقد خاض ممدوح عدوان تجربة الكتابة للمسرح أيضاً فقدم لنا مسرحية " المخاض " ، وهي مسرحية شعرية في عدة مشاهد تدور حوادثها في ريف ساحلنا السوري وبطلها رجل شعبي قست عليه الظروف وآذاه ظلم الإقطاع وجور السلطة فثار على ذلك كله ولكن ثورته تجلت في صورة نقمة على رجال الدرك الذي يمثلون وجه السلطة بالنسبة له فأخذ يقاومهم وهم يطاردونه .. يقتل منهم فيزيدون هجماتهم عليه ويقلبون القرى والجبال بحثاً عنه وهكذا أصبح شاهين بطل المخاض " فرارياً " آخا الليل والذئب والوعر . وأخذت صورة شاهين تكبر في أذهان الناس ، وأصبح أسطورياً لدى البعض .‏

ولم يكتسب شاهين بهذه الصورة التي ابرزه بها ممدوح عدوان صفة الثوري ، ولكنه كان متمرداً أو خارجاً على القانون . وبقي تمرد شاهين ومن قلده من الأشخاص ، تمرداً فردياً لا يعرف هدفاً محدداً . إنه تمرد تكمن دوافعه في الواقع السيء الذي عاشه وفي الظروف القاسية في ظل الإستعمار والإقطاع ، ولكن هذا التمرد أخذ صورة الاعتداء على رجال بسطاء هم الدرك .‏

لقد التقط ممدوح عدوان صورة للثورات الفردية المجهضة التي كانت انتفاضات في ظلام ليل الإقطاع والإستعمار والنظم الرجعية .. تلك الانتفاضات التي عبرت عن طموح الناس للخلاص من الجور ، وجعلتهم يتآزرون مع شاهين ويخبئونه . ولكن تلك المؤازرة بقيت محدودة وغير واقعية ، ولم تأخذ شكلاً جماعياً منظماً هادفاً .. ولذا أجهض تمرد شاهين وقتل وانتهى بعده كل شيء .‏

ولو أن المؤلف ركز على فكرة ولادة الثورة الجماعية في الريف نتيجة لاجهاض الثورات الفردية ولاكتشاف عدم جدواها ، لعمّق مضمون مسرحيته ولأبرز سبباً من الأسباب المساعدة على ولادة الثورة ، ولكنه لم يفعل . ونلاحظ في هذه المسرحية اتجاه المؤلف إلى المواضيع الشعبية واستقائه منها ، ومحاولته إبراز الجانب الشعبي في حوار وأغان مثلت بعض الفولكور في الريف .‏

بقيت أعمال مسرحية كثيرة لعدد من الكتاب كسعد الله ونوس ونواف أبو الهيجاء ووليد مدفعي وعلي الجندي وصدقي اسماعيل ومراد السباعي وعدنان مردم ، وهي أعمال عديدة وسوف أفرد لهذه الأعمال بحثاً خاصاً مكملاً يوفيها حقها من العناية والتقويم وبعدها سألخص معظم الظواهر العامة المتعلقة بحركة المسرح في سورية ولا بد من الإشارة إلى أن النصوص التي سبق وتعرضت لها عالجت مواضيع مختلفة وشديدة الصلة بأوجه حياتنا الإجتماعية والسياسية ، وطرحت بعمق وصراحة وأصالة عدة قضايا يعاني منها مجتمعنا وتعيشها أمتنا .‏

كما ظهر في تلك الأعمال تأثر كتابنا بالاتجاهات الأدبية العالمية وتفاعلهم معها ومحاولاتهم الجادة لتفهم أصول هذا الفهم المسرحي الوافد علينا وامتلاك ناصيته ... كما تبرز بجلاء محاولات كتابنا لربط إنتاجهم بجذور الحضارة العربية وبالأرض والإنسان العربي . وسوف يكسب هذا مسرحنا سلامة الأساس الذي ينطلق منه ، كما سيعطيه نكهة خاصة وميزة تفرده وملامح هويته بين الآداب المسرحية في العالم.‏

إن طعم المشكلة العربية والقضية الإجتماعية النابعة من معايشة انساننا لقضاياه ومعاناته ومواجهته لمصيره هي التي تعلق على شفاه كتابنا وتنطق بها شخوصهم ، وهذا هو الأمل الكبير بإمكانية تميز حركة المسرحية العربية وشموخها في المستقبل وإثباتها لذاتها كحركة لها أصولها وميزاتها ونظرتها للإنسان .‏

وقد برز أيضاً ـ وبشكل واضح من خلال النصوص التي تعرضت لها ـ التزام الكاتب بقضايا الأمة العربية وتعبيره عنها ومعايشته لأحداثها على مستوى الوطن العربي الكبير ..‏

ولم تغب النظرة الإنسانية العامة عن كتابنا ، مما يجعلنا نتفاءل بشمولية مسرحنا وإنسانيته وعلميته في المستقبل .‏

إن حركة التأليف المسرحية في قطرنا طموحة وواعية ، ويبذل فرسانها جهوداً لتذليل الصعاب العديدة التي يواجهونها ، سواء في تأصيل حركة مسرحية في التراث الأدبي وفي نفوس الجماهير ، أو في التغلب على الصعوبات التي يفرضها وفود فن جديد ذي أصول لا عهد لنا بها ... أو قلة العناية بانتاجهم سواء من قبل المسارح أو جمهرة الناس ... كما أن حركتنا الآن هي في أوج ما تكون لتقويم موضوعي صريح وكامل ودقيق لا تدخل فيه أية اعتبارات أخرى حتى تستطيع الوقوف على أساس ثابت . والمرجو أن يتوفر لها كل هذا .‏

(1) أي أن تجتمع شخصيتان أو أكثر حول موضوع أو شيء وتلتقي أهدافها فيه ويبدأ تنازعها من أجل بلوغه أو الحصول عليه .‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

جميع الحقوق محفوظة