وقفات مع المسرح العربي / د.علي عقلة عرسان / دراســة / من منشورات اتحاد الكتاب العرب

مــــَارُون نَقّــــاش

هو مارون بن الياس بن ميخائيل نقاش ، ولد في صيدا 9 شباط 1817م وانتقل مع أسرته إلى بيروت عام 1825 وتوفي عزباً في طرسوس بتركيا الآن ) 1 حزيران 1855 وله من العمر 38 سنة كان مربوع القامة أسمر اللون أسود الشعر والعيون )) (1) هذا ماذكره نيقولا نقاش عن أخيه الذي كان أبرز رواد المسرحية في إطار بنيتها وتعريفها الأوربيين عند أبناء العرب 0‏

تعلم مارون النحو والصرف والعروض وسجل معرفته بعلم العروض والقوافي نظماً في قصيدتين ، وتعلم الحساب ومسك الدفاتر ، واللغات : التركية - الايطالية - الفرنسية ، كما تعلم الموسيقا 0 عمل في جمرك بيروت بوظيفة رئيس كتاب ، ثم عمل بالتجارة إلى آخر حياته ، وكان لفترة عضواً في مجلس التجارة ببيروت سافر إلى حلب والشام وفي 1846 سافر إلى الإسكندرية ومصر ومن هناك ساح في بلاد ايطاليا )) (2) وفي أوائل عام 1847 قدم في بيته ، إلى أصحابه ، رواية موسيقية معروفة برواية البخيل 0 وفي أواخر عام 1848 قدم في بيته رواية أبي الحسن المغفل أو هارون الرشيد ، ولما نظر ميل ورغبة الأهالي إلى هذا الفن ، فمحبة للوطن قد أنشأ في بيروت المرسح الشهير الملاصق داره خارج باب السراي بموجب فرمان عال - الذي بموجب وصيته قد تحول إلى كنيسة * حيث اشتراه القاصد الرسولي - وقدم به رواية الحسود السليط المشحونة بالنصائح والفوائد )) (3) وكان أمين مخلص باشا يشجعه ويستحثه لانشاء مسرح ويدفعه للتأليف ، و هو الذي استجلب له الفرمان العالي لانشاء المرسح )) (4) كما رشحه لنيل نيشان افتخار )) ولم يحصل عليه نظراً لمتغيرات تنظيمية سبقت وفاته0‏

وفي 23 أيار 1855 مرض بحمى شديدة بطرسوس ، وبعد اسبوع توفاه ربه 0 وفي أوائل حزيران 1856 نقلت عائلته جثمانه من طرسوس إلى بيروت ودفن بتربة الموارنة 0 وكتب على ضريحه من قبل أخيه نيقولا :‏

)) ناديت قد عاد سؤلي منتهى الأمل طرسوس لاناقتي فيها ولاجملي فقال بارحتكم بدراً وعدت لكم فأرخوا ولكني غير متكمل)) (5)

وقراءة التاريخ حسب حروف الجُمَّل تشير إلى عام 01856‏

وهو عام نقل الجثمان لاعام الوفاة 0‏

وبعد عمل في التجارة ، وجولات لتسجيل نجاح في مجالاتها ، وصل النقاش إلى ايطاليا وقضى فترة قصيرة من الزمن ، وعاد بحصيلة من الاطلاع ودفقة من الحماسة وشيء من الرؤية ، مما دفعه إلى أن يلخص في خطابه الذي افتتح به أول عرض مسرحي له / شباط 1847 مايرى أنه : أسباب نزع فخارنا وسلب مجدنا واعتبارنا فيقول : كما وقفت على أسباب دوام الحالة التي نحن فيها ، وعدم رجوع الماء إلى مجاريها )) فيذكر أسباباً خمسة للأمر الثاني هي بايجاز :‏

1 ـ تركنا حب الوطن والمقام ، وعدم تفتيشنا على النفع العام 0‏

2 ـ تهاوننا وكسلنا وعدم غيرتنا 0‏

3 ـ فرط استعجالنا وعدم صبرنا واحتمالنا ، فان كلاً منا لايريد أن يزرع اليوم أشجاراً إذا لم يتحقق أنه في غد يأكل منها ثماراً 0‏

4 ـ خجلنا الممتزج بالتكبر ، وحياؤنا المختلط بالتجبر لأنكم ياذوي العلوم والمعرفة ومعشر أهل الفهم والفلسفة تخافون أن تخترعوا أمراً فلا يطرب ، وتترجموا كتاباً فلا يعجب ، فيقعدكم الزعل ويمنعكم الخجل 000) وانما أهل هذه البلاد والبعض ممن عليهم الاعتماد فبالضد قد عودوا مواضع أقوالهم على ثلب واعابة تأليفات أمثالهم ، فمنهم من يشين ويتهكم ، ومنهم من يدين ويتحكم ، فيجرحون المصنف بسيف التوبيخ والخجالة ، وينسبونه إلى البرودة والبطالة ، ويعيرونه بأنه أسرف زمانه بالتصانيف ، وأضاع أيامه بالتآليف ، وأن سمعوا بأمر ومصير فيرتاحون على حجة العجز والتقصير ، ومن قبل التجربة يحكمون بأنه في بلادنا لايصير ، وأن نظروا تأليفاً فلا يلتفتون الا إلى زخرفة الكلام ، ولاينقحون الا على النثر والنظام ، مسلوبين من الحسد والفرض حتى أنهم يتركون الجوهر ويتمسكون بالعرض ، مظنين باستهزائهم واخراقهم للغير ، أن ينالوا الفخر والخير ، وليس الواقع كما يتوهمون ، ولا الصيت بالتنكيت كما يزعمون 000)) (5) 0‏

اتجه مارون نقاش بعد اطلاعه على مسارح ميلانو ونابولي على وجه الحصر والتحديد ، وخلال مدة وجيزة لاتتعدى بضعة أشهر هي مدة رحلته الوحيدة إلى ايطاليا ، اتجه إلى اختيار تقديم المسرحية الغنائية، وهو مدرك جيداً وجود المسرحية الأخرى النثرية )) بنوعيها الكوميديا )) الملهاة ، والتراجيديا المأساة ))، فاختار نوعاً من الأوبرا لسببين :‏

1 ـ لقربها من نفسه 0‏

2 ـ لظنه أنها ستكون أقرب إلى نفوس الناس في بلده 0‏

وكان مبرر تقديمه المسرح وإقباله عليه وحض الناس على الاستفادة منه هو مايجلوه في قوله مشيداً بالمسرحية فناً فأنتم أيضاً ستنظرون عند كثرة تكرارها إلى منافع تعجم الألسن عن وصف مقدارها ، لأنها مملوءة من المواعظ والآداب ، والحكم والاعجاب ، لأنه بهذه المراسح تنكشف عيوب البشر فيعتبر النبيه ويكون منها على حذر ، وعدا اكتساب الناس منها التهذيب ، فإنهم بالوقت ذاته يتعلمون ألفاظاً فصيحة ، ويغتنمون معاني رجيحة ، إذ من طبعها تكون مؤلفة من كلام منظم ، ووزن محكم ، ثم ينعمون بالرياضة الجسدية ، واستماع الآلات الموسيقية ويتعلمون ان أرادوا مقامات الألحان ، وفن الغنائيين الندمان ، ويربحون معرفة الاشارات الفعالة ، والأمارات العمالة ، ويتمتعون بالنظارات المعجبة والتشكلات المطربة ، ويتلذذون بالفصول المضحكة المفرجة ، والوقايع المسرة المبهجة ، ثم يتفقهون بالأمور العالمية ، والحوادث المدنية ، ويتخرجون في علم السلوك ومنادمة الملوك ، وبالنتيجة هي جنة أرضية وحافلة سنية )) (6) هذا مارآه من توجه في تقديم المسرح ومارسمه له من رسالة ، وما اراد للناس أن يأخذوه وينتفعوا به من إقبالهم عليه 0‏

أمّا معرفته بالمسرح عبر التاريخ ، أدباً وفناً وتقنيات ، فمتواضعة إلى ابعد الحدود ، ويقدم شيئاً من إلمامه بهذا التاريخ فيعيده كما يقولون إلى زمن ابراهيم الخليل ، ولكن الثابت من معرفته يعود بالمسرح إلى ماقبل المسيح بقرون ، وهو يقف بداياته على الرومان ولايذكر اليونان، ويصف المسارح المبنية في ايطاليا ويركز على وصف دور الأوبرا وفخامتها والمناظر فيها وتأثيرها على الممتفرجين حيث يخالونها سحراً ، ويقارن بين وضع ماسيقدمه ومارآه في اوربا ويشبهه بالظل بالنسبة إلى الحقيقة )) ، وبالرغم من أن معظم التطور التقني الذي حدث في عالم تقنيات المسرح آتى بعد دخول البشرية عصر الكهرباء الا أن تقنيات القرون السابقة على القرن العشرين لم يصل منها إلى الرجل شيء يذكر ، وهو لم يشاهد من العروض الا القليل ، ومن اوربا نابولي وميلانو رغم أنه دوخ )) اوربا كما يقول اخوه ، كل ذلك في الأشهر‏

القليلة )) التي قضاها هناك ؟!‏

كان انشغال مارون نقاش في المسرح في ظل خلافة السلطانين عبد العزيز وعبد المجيد وولاية راشد باشا ومتصرفية نصر الله فرانقو باشا لجبل لبنان ، ومتصرفية كامل باشا لبيروت الا أن التشجيع جاءه من أمين مخلص باشا الذي ولي ايالة صيدا ، فترة من الزمن ثم اصبح وزيراً 0‏

ولاتبدو صورة الأحداث السياسية أو ظلالها في مسرح النقاش على الرغم من أن حياته واشتغاله في المسرح كانا في فترة غنية بالأحداث والتغيرات والمنازعات والصراع 0 الا أن التطلع إلى احراز الوعي واكتساب المعرفة والانفتاح على العلم واستيعاب تجارب الغرب والنقل عنه برزا في دعوته وخطبه وتمهيداته المسرحية، وجسدها في عمل مباشر بتقديم فن جديد على أناس عصره وبيئته ، فمارس مايمكن أن تجسده الدعوات النظرية ، وبذلك كان داعية مؤثراً من خلال التطبيق أكثر منه مؤثراً من خلال التنظير 0‏

كانت أول مسرحية قدمها هي مسرحية البخيل )) 1847) وقدم بعدها مسرحية من تأليف أخيه نيقولا نقاش بعنوان الشيخ الجاهل 1849) ثم قدم مسرحيته أبو الحسن المغفل )) 1851) وبعد ذلك ربيعة بن زيد المكدم لنيقولا النقاش ، وأتت في النهاية خاتمة أعماله الحسود السليط )) عام 1853 ولم يقدم بعدها شيئاً حتى وفاته 0 ومن هذا يتضح أن جهد الاشراف والاخراج والادراة انصب على خمس مسرحيات قدمها مارون للمسرح العربي كمخرج بينما قدم ثلاث مسرحيات فقط كمؤلف0‏

ويغفل الذين يتحدثون عن مارون نقاش جهده الأساسي في تكوين فرقة مسرحية من أشخاص لايعرفون حتى معنى الهواية ، ومن طلاب رغبهم ودربهم وقدمهم إلى الجمهور يمثلون أدوار الرجال والنساء ويتعثرون في كل تفصيل من تفاصيل الأداء والعرض والتعامل مع التقنيات )) البدائية التي قدمها مسرحي مبتدئ ، وكأنه ،هو يعمل، شعر بصعوبة إستمرار هذا الفن ، وأيقن من عدم إستمرار المسرح الجديد الذي انشأه ، فسجل ذلك في آخر مسرحية له فضلاً عما نقله عنه أخوه نيقولا ، فقال مارون في الحسود السليط )) : قبل انشائه لتلاميذه المرسح الجديد الذي دوامه ببلدنا أمر بعيد )) (7) وهو شعور له مايبرره في تلك الظروف 0‏

وربما كان ذلك هو السبب أو الدافع إلى أن يوصي ببناء كنيسة مكان مسرحه الذي قرر هو نهايته 0‏

كانت الظروف التي عمل فيها النقاش صعبة لايدركها جيداً الا من عانى ظروف البدايات والعمل مع جهلة لايلبثون أن تتشامخ منهم الأنوف إذا ما صفق لهم الجمهور مشجعاً ، ظانين أنهم وصلوا؟! ويقدم نيقولا النقاش في تقديمه لارزة لبنان التي ضمت أعمال أخيه صورة جيدة عن البيئة والواقع اللذين عمل فيهما مارون وأسس مسرحه0‏

وسوف أتوقف عند مسرحيات مارون النقاش الثلاث وهي : البخيل 1847 - أبو الحسن المغفل 1851 - الحسود السليط 1853 وهي النصوص الأولى في حركة التأليف المسرحي العربي الذي سار على نهج التبعية والتأثر بعهد حملة نابليون واتصال أبناء العرب بالفن المسرحي الأوربي سواء في اوربا أم من خلال بعض الفرق الزائرة ، وما أندرها في ذلك الزمن ، وتدخل مسرحيتا أخيه نيقولا زمنياً في تلك الفترة التأسيسية الريادية الا أن مكان وزمان تناولهما سيكونان لاحقين.‏

1 ـ البخيل :‏

كانت البخيل أول مسرحية كتبها مارون نقاش ، وقدمها في بيته في حفل خصوصي عام 1847 وهي مسرحية تأثر النقاش فيها تأثراً طفيفاً بمسرحية البخيل لموليير ، ولكنها من الرداءة بحيث يصعب تصور كيفية قبول الرجل بنشرها أو تمثيلها ، وكذلك كيفية النظر اليها كنص يمكن أن يعاد نشره ، فلا الشعر ولااللغة ولا الحوار ولا المضمون ولا الانفعالات والوصف ، ولا المواقف ولا الصراع ، كل ذلك ليس فيه مايغري بالالتفات 0 ولكن طموح المؤلف إلى تقديم ملهاة كلها ملحنة، وهذا يعني اوبراكوميك )) يجعل أمر التجاوز عن ضعف البنية الدرامية من الأمور المسلم بها ، واعطاء القيمة والاهتمام للألحان والرقص خاصة 0‏

لانستطيع أن نحكم على الألحان التي قدمها النقاش ، ولكن الشعر الذي قدم بما فيه من اضطراب في الوزن والصور وسقوط في مستوى اللغة والعبارة يجعل حكمنا على مواهب الرجل الموسيقية حكماً أقرب إلى السلب منه إلى الايجاب 0‏

ويحاول أخوه نيقولا النقاش أن يعتذر عن لغته وعن شعره وعن عدم اتقانه للعروض في مقدمته لأعماله في كتاب أرزة لبنان )) 0‏

ولكن الرجل نفسه ينوه بنصه ويقدم مايشفع له وهذا مقبول منه ، ويبرز تقديم نصه كوثيقة للدارسين والتاريخ ليس غير ، فهو يقول على لسان سمعان في مسرحية الحسود السليط عن مسرحية البخيل : أقول لك الصحيح لاتعجبني للغاية - يعني مسرحية أبي الحسن المغفل ـ بل يعجبني قليلاً من تصانيف المذكور رواية البخيل التي قدمها في بيته خصوصية منذ أربع سنوات أعني سنة 1847 قبل انشائه المرسح الجديد ، الذي دوامه في بلدنا بعيد ، وسبب اعجابي بها أولاً لأنها أول رواية مستنبطة في اللغة العربية ، فشاع لهذه الأضحوكة - ويقصد المهزلة - على نوع ماسمعه غير ردية )) (8) وربما لهذا السبب ، ولكونها باكورة انتاجه رأى فيها شيئاً ولم ينكرها ، وهذا لايبرر اجتهاد من يجتهد لاضفاء الحياة على هذا النص ، ولا أريد أن أتوقف طويلاً عنده 0‏

2 ـ أبو الحسن المغفل أو هارون الرشيد :‏

كتب مارون نقاش مسرحيته أبو الحسن المغفل )) أو هارون الرشيد عام 1851 وقد لاقت نجاحاً ملحوظاً عندما قدمها في بيروت ضمن داره قبل أن ينشئ مسرحاً خاصاً به ولم يقدم عليه الا مسرحية الحسود السليط )) عام 1853‏

وتبدو مسرحية أبو الحسن المغفل )) مقنعة ومتفوقة تحقق قفزة ملحوظة في إنتاج النقاش إذا ما قورنت بمسرحيته السابقة البخيل )) ففي مسرحية المغفل )) نقف على بناء فني وقصة مشوقة ، وملهاة مسبوكة ينبع الاضحاك فيها من المواقف والحوار في أغلب الأحيان ، ولانجد فيها إسفافاً وركاكة إلا في بعض المشاهد 0‏

ملخص حوادث المسرحية بسيط 0 أبو الحسن رجل صاحب نعمة سابقة زالت عنه بسبب تبذيره ، وهجره أصدقاؤه بعد أن زالت نعمته ، وقد نقم عليهم نتيجة لذلك ، وفي مقدمة من ينقم عليهم طه إمام الجامع لأن هذا الاخير وضعه والد أبي الحسن وصياً على تركة الأخوين سعيد وأبي الحسن فأسرف وانفق وخان الأمانة حتى بقي الاثنان على الأرض كما يقال 0‏

ولهذه الأسباب نرى أبا الحسن حالماً يريد أن يحقق العدل والانصاف على طريقته الخاصة 0 إنه يحلم بأن يصبح خليفة ليوم واحد ليصل إلى أمور كثيرة يلخصها هو في هذا المشهد اللطيف مع عرقوب :‏

أبو الحسن : وأخلط السواد بالبياض‏

عرقوب : أخلط‏

أبو الحسن: فينقضي أمري بلا اعتراض‏

عرقوب : اخرط‏

أبو الحسن :‏

أقضي على طه إمام الجامع‏

شيخ الخوان الخاتل المخادع‏

والارديا المنافقون الاربعة‏

أشنقهم من بعد ألف مقرعه‏

قد كنت عندهم أعز الناس‏

فغادروني إذ رؤوا إفلاسي‏

فالآن إن القهر للحساد‏

مادمت سلطاناً على بغداد )) (9)

وأبو الحسن لاتذهب به الآمال إلى درجة التمني أن يكون الحاكم فقط 0 وإنما هو يدخل في إهاب شخصية السلطان ، حتى يتصور نفسه السلطان فعلاً ، ويمضي في تنفيذ مايريد ولذلك يضطر خادمه عرقوب إلى التعليق بقوله :‏

ـ عرقوب :‏

كم تشتهي المحال في الأوهام‏

ولم تنله غير في الأحلام‏

في حين يستمر أبو الحسن في حلمه اللذيذ :‏

- أبو الحسن :‏

وبعد هذا نخلع العذارا‏

ونجعل الليل لنا نهارا‏

ثم نغني مع نقيات البدن )) (10)

ولكن أبا الحسن في داره يحتاج إلى الطعام والشراب ، ويأكله الشوق إلى دعداً التي يحبها ولايصل إليها ، وتقتله الغيرة من أخيه سعيد الذي يحب دعدا وتحبه ، ولاينجح هو أبداً في السيطرة على ابنته سلمى ليحلم من خلالها بالسيطرة على الأمور ، ذلك لأن عثمان أخا دعد يحب ابنته سلمى التي تحبه هي بدورها ولكنها تتعاطف مع عمها سعيد 0‏

ويحظى أبو الحسن في محنته أو إن شئت في غفلته وبلباله بزيارة ،درويشين هما دادا محمود ودادا مصطفى وما هما في الواقع إلا الرشيد ووزيره جعفر , وقد زاراه في إحدى جولاتهما التفقدية متخفيين واطلعا على رغبته في أن يصبح الخليفة 00 وأنه لو أصبح خليفة لفعل وفعل وفعل 00‏

ويخطر للرشيد أن يتسلى بعد أن ضاق في تصريف أمور الدولة 0 ولذلك يأمر جعفراً بأن يزورا معاً أبا الحسن المغفل وينفذا حلمه الكبير ، ولايكتفي الرشيد بالتسلية الأولية وانشراح الصدر الذي حصل عليه من التدخل في شجار الأخوين سعيد وأبي الحسن وتحريض كل منهما ضد الآخر ، بل يريد أن يمضي إلى أبعد وهو يقول :‏

ــ الخليفة :‏

حقاً صدري قد انشرح بأنواع غزيره في مداعبة هذه العيلة ومع ذلك لابد أن أتمم ماخطر في بالي 0 والصواب أن أتعاهد مع عرقوب لابلاغ آمالي )) (11) 0‏

ويتفق دادا مصطفى الرشيد )) ودادا محمود جعفر )) مع عرقوب على تفاصيل خطتهما : سوف يدعوان أبا الحسن إلى سهرة على نهر دجلة وهناك يدسان له في المشروب شيئاً يجعله يغيب عن الوعي ، وبعدها ينقل إلى القصر ويوضع مكان الرشيد ويريان ماذا يفعل طيلة يوم من الحكم ويستيقظ وهو خليفة لبغداد وعرقوب وزير له وبعد ذلك يعيدانه إلى بيته قبل وصول أمه الحاجة من الحج 0‏

ويكسب دادا مصطفى ثقة أبي الحسن قليلاً حين يتدخل في شجار مع أخيه سعيد بشأن الزواج من دعد ، ويكون داد مصطفى في الواقع قد أوقع بينهما حين عقد بينهما صلحاً على سوء تفاهم خسر بموجبه أبو الحسن عقداً ثميناً ، وينتقل أبو الحسن مع الدرويشين وعرقوب السهرة المرتقبة 0‏

في الفصل الثاني نرى أبا الحسن يستيقظ وهو في سرير الخليفة، مصدقاً وغير مصدق ، يحاول أن يعرف أهو في حلم أم في حقيقة وقد اختلطت عليه الأمور تماماً 0‏

ـ أبو الحسن :‏

حقا منام مطرب‏

ياليته شيء يقين‏

أبا الحسن احرص على نومك وإلاّ تقع في الندامة ، ياليتني أبقى نايماً إلى يوم القيامة 0‏

رؤيا ولكن حلوة‏

يارب زد وبــــــارك‏

أبا الحسن أصح ماهذا المنام‏

ألست ترى الأواني والأثاثا‏

أليس اليوم يوم السبت حقا‏

وأمس الأربعا وغـــد الثلاثا‏

أنا مستيقظ مافي شك‏

غدوت مليك عز مستغــاثا‏

فصار الآن يمكنني زواج‏

بدعد وهي طالقـــة ثلاثــــا‏

لا لا 00 لا 00 طلقت العروسة ، لأجل هذه القافية المنحوسة 0‏

ماعلينا فلنفحص الآن 00 أنا في أي مكان ، ها أظن أني مت إذ كنت في الحيوة حافظ السنة فنقلني المولى إلى الجنة 00 أبا الحسن 00 أبا الحسن 00 هذه جنة عدن )) (12) 0‏

ويستمر أبو الحسن في بلبال حاله إلى أن يضعه عرقوب على كرسي العرش ، وبعدها يدخل في ممارسة اللعبة 00 ينظر في أمور ويدعي إلى جناح الحريم حيث زبيدة والجواري ، وهناك يتبدل حاله كثيرا وأهم مايقوم به أنه يوافق على زواج دعد التي يحبها من أخيه سعيد وكذلك على زواج سلمى ابنته من عثمان أخي دعد ، وتأتي تلك الموافقة لأن هنداً الجارية الحجازية ملكت عليه لبه ولم يعد ، وهو الخليفة الذي يملك الجواري ، بحاجة إلى دعد التي يحبها 00 لقد تغير حتى قلبه من الداخل وكذلك أرسخ العواطف فيه ، لامجرد الشكليات والأوامر والهيئة 0‏

ولم يعد يعترف على أحد ، وحين وضع في مشكلة من مشاكل الحكم قرر الهرب والنجاة بجلده ، فلبس العباءة النسائية وأراد أن يهرب ، وذلك بناء على نصيحة دادا مصطفى الذي لم يرقه أن يدخل المغفل إلى حريمه ، وهاهو أبو الحسن يحاول الهرب والغصة في حلقة :‏

ـ أبو الحسن :‏

ياناس حيف أنا أفارق أربعي‏

وأعيفها بعد السنين الأربع‏

حيف فراقي ملكي‏

لله أمــــري أشكــــــي‏

كيف العمل ، بغير هذه الحيلة لاأحصل على المرام ، ولا تخلص من حرب الأعجام ، لا آسف على الخلافة 0 يكفيني المال الذي آخذه معي ، لأنه يكفيني لحين حلولي مضجعي ، حياك الله يادادا مصطفى ، فهذا الرأي سديد وفيه الشفا ، بل تلزمني الرعية لأبقي في الخلافة وأقع في التهلكة )) 0 جعفر أين اختفيت ،أنا سألت عنك جملة امرار ، فقدموا لي عنك بعض الأعذار 0‏

عـرقـوب :‏

أنا كنت مشغولاً بعت بيعة برأس المال 0‏

أبو الحسن :‏

ماهي هذه البيعة إحك عنها بالحال 0‏

عـرقـوب :‏

اتفقت مع محمود النديم 00 دادا محمود 0‏

أبو الحسن :‏

دادا محمود ، محمود النديم 0‏

عـرقـوب :‏

هذا هو 00 هو صاحبنا القديم ، ولكن الآن أنا أسميه نديماً ، وبعته وزارتي 0‏

أبو الحسن :‏

صحيح 00 دبر لي زبوناً لأبيعه أنا أيضاً خلافتي )) (13) 0‏

ونحن نلاحظ في هذا المشهد ومايليه أن عرقوباً كان همه منذ بدأ ، أن يجمع المال وقد زاد ذلك عندما أصبح وزيراً ، وأن أبا الحسن عندما قرر الهرب في وقت اشتداد الأزمة على الخلافة سرق معه مالاً يكفيه ، وكل منهما يبيع وزارته أو خلافته ، انه لاينحو بنفسه دون ثمن وإنما يأخذ ثمن هروبه معه ، ويترك المآسي للشعب0‏

في الفصل الثالث تعود الحاجّة إلى بيتها لتجد أبا الحسن مخبلاً فاقداً وعيه لايعرف كيف يعود إلى شخصية أبي الحسن بعد أن كان الخليفة ، ولايصدق ماصار معه 0 وتلتقي أمه مع من تغيرت أوضاعهم : ابنها سعيد الذي تزوج دعدا ونسي أن يقوم بواجبه حيال أمه وحيال أخيه ، وسلمى التي تزوجت عثماناً ونسيت هي الأخرى أن تقوم بواجبها تجاه والدها وجدتها 0 ويضعنا المؤلف في جملة من المفارقات والمواقف المضحكة والتي يحاول فيها أبو الحسن أن يقنع الجميع أنه كان الخليفة وأنه هو الذي واقف على زواج سلمى من عثمان ودعد من سعيد وهو يتخذ من الوثيقة التي أبرزوها له بخط يده ليتقوا شره ويكسبوا رضاه عن زواجهما ، يتخذ منها ، دليلاً على أنه كان الخليفة وأمر بكتابتها ، ولكن دعد تسأله السؤال المحرج : كيف قبل أن يزوجها من سعيد مادام يحبها 00 ان الامر اذن أمر الخليفة لا أمره هو !؟! وهنا يجيبها ببساطة واستخفاف يدل على التغير الذي يصيب الإنسان إذا تغيرت مكانته0 يقول لها :‏

- أبو الحسن :‏

مسكينة على قلة عقلك ، وهل مثلي حينئذ كان يسأل عن مثلك ، يامسكينة أنا كان عندي ولم يزل عندي مبلغ من الجواري، كل منهن تفوق عليك وعلى الحواري )) (14) 0‏

ويبقى أبو الحسن مشوش الفكر لايستقر على حال ، إنه لايستطيع أن ينسى أنه كان الخليفة وأنه مارس صلاحياته ، ولايستطيع أن يفهم كيف هو الآن في هذه الحال وقد فقد كل شيء ، وتختلط الأمور عليه مرة أخرى فيؤكد له أنه كان عنده ومازال عنده مبلغ من الجواري )) وكان الأمر قد وصل به قبل قليل إلى درجة ضرب أمه الحاجة مؤكداً أنه صاحب السطوة ، فإلى أي حال وصل به اعتلاء العرش ليوم واحد ؟!!‏

ويتدخل الدرويشان دادا مصطفى ودادا محمود / الرشيد وجعفر / ليشرحا للجميع هذه الملابسات ويبينا أنهما الخليفة ووزيره ، قاما بملعوب خاص من نتيجته ماكان ، وتبدأ الدهشة تأخذ طريقها إلى نفس أبي الحسن الذي ينظر نظرة المستريب بينما يخرج جعفر أكياس النقود ويفرق منها على الناس 0‏

وهنا يبرز عرقوب وثيقة كان قد باع بموجبها وزارته إلى جعفر في القصر نظير بعض المال ليربح أكثر 0 ويذكر جعفر بأنه باعها بثمن بخس ، عندئذ يدرك أبو الحسن أنه كان ضحية خدعة اشترك فيها الدرويشان وخادمه عرقوب ، وقبض الأخير ثمن ذلك كله وتنتهي المسرحية بصخب ودعاء للخليفة بالدوام والتوفيق 0‏

ان الهدف من هذه المسرحية واضح وهو التركيز على وجود طبع أو وضع يفرض نفسه على الملوك أو من يأخذ مكانهم ، وان الذي يهمه في هذه الدنيا الربح والتجارة فقط يمكن أن يتاجر بأي شيء حتى بالآخرين وبنفسه ، وهي حال عرقوب ، وتبين المسرحية لنا ماآل إليه حال إنسان بسيط حالم مثل أبي الحسن حيث استغل وبيع ولم يصل إلى تحقيق العدالة وحكم الضمير الحي لافي الواقع ولافي الحلم ، فأية دنيا وأية حياة وأية قيم هذه التي لانكاد نمسك بخيط منها ونتثبت من أنه في أيدينا حقاً وعلى شيء من الثبات والاستقرار ؟! 0‏

الشخوص واضحة الأهداف جيدة النمو واضحة العلاقات مع بعضها بعضاَ ، والمشاهد تتماسك لتؤدي الهدف العام للنص مع بعض التشويش الذي يدخله سعي المؤلف أحياناً إلى الإضحاك والتظارف 0‏

الحوار لطيف رشيق في بعض مقاطعه ، وثقيل ركيك حين يتقصد المؤلف السجع أو تكريس القافية الشعرية ، وهناك أخطاء لغوية ملحوظة ولكن المؤلف كان يسعى بوضوح إلى كتابة جمل دارجة تنطق بها الشخوص ، ولذلك وصل في بعض الأحيان إلى عبارات وكلمات ركيكة ، واستعمل ألفاظاً بذيئة في حالات نادرة 0 المسرحية عموماً جيدة ويمكن النظر إليها كإنجاز هام إذا ماقيست بمقاييس عصرها وبيئتها 0‏

الحسود السليط :‏

هي المسرحية الثالثة التي كتبها مارون نقاش ، وقدمها لأول مرة في بداية سنة 1853م 1296هـ وهي السنة التي أنشأ فيها مسرحه وتنبأ له أثناء تقديم النص نفسه بعدم الدوام 0‏

والمسرحية تكاد تكون من نسجه وحده عدا إشارات وشذرات وبعض المعاني والصفات من نصوص وشخصيات مسرحيات أخرى ، وقد أشار المؤلف نفسه إلى ذلك في المسرحية على لسان سمعان بقوله : وشهد على نفسه بأنه أخذ بعض معانيها من الروايات الافرنجية )) وتأتينا في النص بعض جمل ومعاني وصفات من أبطال موليير مثل البخيل ، الا أن سبك النص وبيئته ومناخه العام حافظ على محلية وخصوصية سجلها النقاش بدقة ووضوح ، سواء في الحوار أو في الاطار العام أو في علاقات الشخوص والموضوع والروح العامة للمعالجة 0‏

تدور حوادث المسرحية في بيروت وتقع في ثلاثة فصول ، ومحورها سمعان الحسود السليط الذي يحب راحيل ابنة أبي عيسى ويريد أن يتزوجها ، ولكن أبا عيسى لايريد هذا النسب ، وإن كان مجبراً عليه بشكل ما ، فلسمعان دين عليه ، ووعد إن زوجه راحيل أن يعفيه من الدين ، وطمعه يشده إلى الموافقة ، وابنته راحيل تحب سمعان وتريد الزواج منه ، ولسمعان كما لراحيل تحب سمعان وتريد ، ولسمعان كما لراحيل خادم وخادمة هما جان وبربارة يحب كل منهما الآخر على غرار قول الشاعر :‏

وأحبهــــــا وتحبـني ويحب ناقتها بعيري‏

ويأتي سمعان إلى بيت أبي عيسى محاصرا إياه برغبته في إتمام الزواج ، ويقع في ضنك من ثقل إبن عمه جرجس السليط الذي يتتلمذ على أبي عيسى مع مجموعة من الطلاب ، وما يكاد أبو عيسى )) يجتمع بابنته ليشاورها في أمر زواجها من سمعان حتى يفد شخص يدعى اسحق المقدسي ، فينتشله من ذلك المأزق بالإغراء ، حيث يطمعه أكثر بالمال والهدايا فيوافق على أن يزوجه من راحيل ، ويأخذ موافقتها على الزواج مجرداً فتوافق على أنه لسمعان كما أخبرتها خادمتها التي كانت تسترق السمع ، ويكون والدها قد عقد صفقة مع اسحق ليكون زوجاً لراحيل ، ويطمع خادمه بشارة بالزواج من بربارة بدلا من جبور تابع سمعان 0‏

وعندما يعلم سمعان بالأمر يحاول أن ينتحر لـ يبلي ) أبا عيسى بنفسه ، ولكنه يتصالح معه ، على أن يكون هو الاشبين ، ويرسل هدية معتبرة للعروسين مصحوبة بكمية من الحلوى المسمومة ، ويحاصر الزوجين اللذين يستثقلانه جداً ، وينكشف أمره في نهاية المطاف على يد خادمه جبور الذي اشترى بربارة بافشاء السر ونجح في الزواج منها مسلماً سمعان لأبي عيسى واسحاق ، مبيناً لهم أنه أراد أن يقتلهم جميعاً بالسم في الحلوى 0 ويقرر الجميع عدم معاقبة سمعان ليموت بغيظه ، ولأن هذا بنظرهم خير عقاب للحسود 0‏

ويقف المرء حائراً أمام هذه الشخصية التي يقدمها النقاش والتي فيها من العفوية والشر والصدق الشيء الكثير ، فهذا المحب الثرثار سمعان يضحي بماله في سبيل الوصول إلى من يحب ، وعندما يفشل يكون مستعداً للتضحية بحياته في سبيل تنغيص حياة من سرق موضوع حبه ، ويعلن استعداده لأن يأكل من الحلوى المسمومة مع الجميع ، ليموت ويميت دون أن يترك من يحسدهم على سعادتهم بخير وسعادة 0‏

ونراه في بعض الأحايين ، من جهة الخلفية النفسية ، على صلة بكاره البشر الميزانتروب )) لموليير ، ونجده من جوانب انساناً محباً يستحق الرثاء ، وثقيلاً مكروهاً يذهب بالشر إلى مداه فيمنع تعاغطفنا معه ، ونريد له أن يأخذ جزاءه 0‏

ويلفت النظر في هذه المسرحية بناء الشخصيات وسلبيات واضحة أحياناً في بنائها 0 فأبو عيسى نموذج الشيخ العارف والمعلم الرصين الذي يريد لابنته مستقبلاً مضموناً ، ويعرف سمعان جيداً ومع ذلك يكون على استعداد للتضحية بها تحت ضغط الحاجة أو الطمع ، حين يقرر أن يزوجها من سمعان و يبلغ الدين )) وعندما يأتيه مبلغ أكبر يبلغه )) يزوجها من اسحق ، ويكون سعيداً لأنه بلغ أكثر ، وخلص ابنته من سليط حسود يعرفه ، ولكن ضعف موقفه واضح فهو لايعرف اسحق ، الذي زوجه لراحيل لمجرد معرفته بأنه غني فقط 0‏

أمّا الفتاة راحيل فتصدمنا بهشاشة مواقفها فعلى الرغم من أنها تحب سمعان وتريد أن تذهب إلى بيته وتتزوج منه دون معرفة والدها ، وذلك حين أدركت ماانطوى عليه أمر موافقتها من سوء تدقيق ، بالرغم من ذلك فهي تستسلم للزواج من اسحق ، وتذهب إلى مدى إظهار الحب له ومكايدة سمعان واستثقاله 0 ربما وضع المؤلف نموذجاً للأخلاق المسيحية بعد الزواج ، لكنه أفقد الشخصية الجانب الانساني لاسيما وهو لم يقصد إلى تقديمها كنمط للسلوك0‏

ومن أكثر الشخصيات خفة دم واستلطافاً ، جرجس السليط الذي يشيع الدفء في المسرح عندما يدخله ، وهو على الرغم من ظاهره الذي يوحي بالبله والغباء ، يتغابى ويتبهلل ويفهم الأشخاص جيداً ويعرف كيف تسير الأمور ، ورغم ذلك لايستفيد من هذه المعرفة ليحصل على غرض أو ليحقق غاية ، إنه يرى في هذه المعرفة سيادة ، ونوعاً من المتعة في كشفه الآخرين وهم في لحظات شروعهم بالتفكير والعمل ، ويكاد يراقب ويضحك ويكشف بسخرية ، ويحل بعض الخيوط المعقدة ، ويخفي ماينبغي إخفاؤه ويبوح بما يجب أن يباح ، ويفعل ذلك ببساطة تامة لاتشعرك بأنه يخفي فلسفة ما ، أو حتى معرفة ما بما يعرف وبما يفعل ، ولا بوعيه لذاته وتصرفاته 0‏

حتى الشخصيات الأخرى الثانوية بمن فيها جبور و أبو دحروج )) تتمتع بخصوصية تجعلها متمايزة وملحوظة الوجود 0 وبنية النص من الناحية الفنية مقبولة ، ويكاد الضعف ينحصر نسبياً في الفصل الثاني ، بينما يسير الفصل الأول سيراً حسناً ، وتبرز بعض فجوات ومفاجآت في الثالث ، أمّا مايجعل الثاني ضعيفاً فاعتماده على إظهار ثقل سمعان وسلاطة لسانه والإطالة نسبياً في ذلك 0‏

ويجوز لي الظن أن هذه المسرحية من أفضل مايعبر عن مارون نقاش وعن صنعته المسرحية ، لأنه كان فيها أقرب إلى الابتكار ، وخلق الموضوع والشخوص وتقديمها في اسلوب حوار ناجح عبّر عنها وعن بيئتها ، وجعل سويات الشخصيات تظهر في سويات الحوار والتفكير والتدبير ، واستخدم في الحوار بعض الألفاظ من غير الفصيح ، وكان فيما قدمه مرفقاً 0 ولم يخرج عن نهجه في استشفافه أو تقديره لمألوف الناس ومايستسيغونه في هذه الصناعة ، فقدم الألحان والأدوار والحوار المغنى ، ورصع نصه بالشعر الرصين وبمواويل وأشعار شعبية ، وتحدث عن علوم تفيد ، وقدم نصاً فيه عظة وتسلية وفائدة ومتعة عامة 0‏

ــــــــ*ـــــــــ‏

الهوامش :‏

(1) أرزة لبنان ص9 تأليف مارون نقاش - طبع المطبعة العمومية - بيروت 01869‏

*) انظر أرزة لبنان ص430 إلى 443 وفيها فرق بين الشعر والنظم وادخل في النظم فنوناً أدخلها المولدون وهي :‏

الموشح - الدوبيت - المواليا - القوما - الكان وكان - الزجل والسلسلة 0ص445 - 0446‏

(2) المصدر السابق ص010‏

*) كنيسة السانتا قرب حي الجميزة بيروت 0 انظر المكشوف العدد 453 ، السنة 14 ص08 عن مارون عبود 0 رواد النهضة الحديثة ص150 - منشورات دار العلم للملايين عام 1952 م 0‏

(3) أرزة لبنان ص011‏

(4) أرزة لبنان - حاشية في ص0417‏

(5) أرزة لبنان ص012‏

(6) أرزة لبنان ص018‏

* وكان مارون نقاش قد وعد بمنحه نيشان )) افتخار ، ورسوله بذلك أمين مخلص باشا حين كان بمأمورية في إيالة صيدا ، وحثه على تأليف الروايات وذكر نيقولا النقاش أن أمين مخلص كان يحثه على السعي بانشاء المرسح وتأليف الروايات لتفتح باباً للتحدث بهذه البلاد حيث أن دولته منفطرة على حب نجاح الرعايا وزيادة تقدمهم وسعادة حالهم كما هو مشهور ، وهو قد استجلب له الفرمان العالي لانشاء المرسح وأنهى له أيضاً لأجل نيشان افتخار ، ولكن لسوء الحظ كان قد صار منع إعطاء تلك النياشين القديمة من طرف الدولة ولم تعط بعد النياشين الجديدة للعامة فلذلك قال مارون النقاش في افتتاح مرسحه :‏

والناظر النجم العلي بين الكواكب ينجلي‏

من كل قطر مرصدٌ يرجى لحـــل المشكل‏

ويلمح فيه بقوله لحل المشكل )) إنهاء موضوع منحه النيشان‏

(7) من مسرحية الحسود ـ تأليف ماروننقاش ـ ص 388 ـ من كتاب أرزة لبنان .‏

(8) أرزة لبنان ص 388 .‏

(9) أرزة لبنان ص 112 .‏

(10) أرزة لبنان ص 112 .‏

(11) أرزة لبنان ص 153 .‏

(12) أرزة لبنان ص158 ـ 159 .‏

(13) أرزة لبنان ص 153 .‏

(14) أرزة لبنان ص 251 .‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

جميع الحقوق محفوظة