|
أبو خليل القبــــاني
ناكر الجميل :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مسرحية القباني هذه تدور في مدينة ملك يدعى قسطنطين ، أبطالها الملك وابنه والوزير وابنه حليم وصديق لابن الوزير يدعى ((غادراً)) ، وتبدأ القصة بنصح يقدمه ناصر لحليم بعدم الإطمئنان إلى غادر ، ولكن حليماً لا يعير ذلك اهتماماً ، فقدمنَّ على هذا الأخير وقدم إليه كل خدمة ممكنة وقربه وأغدق عليه ، فكيف يخونه؟! ويبتعد ناصر دون أن يؤثر في قرار حليم الذهاب مع غادر إلى الصيد ، ولكنه يستطلع ما يجول بخاطر غادر من سماعه له في مناجاة ذاتية ويعرف أنه يخطط لقتل حليم في أثناء رحلة الصيد، لأنه يطمع فيما يملكه وفي منصب أبيه الوزير ويعمل البلوغ ذلك كله .
ويمضي حليم وغادر للصيد ويبلغ ناصر ما سمعه إلى والد حليم ووالدته فيبدأ الوالد استعداده للحاق بابنه ويأتي في هذه الأثناء حبيب ابن الملك لينجر الوزير بأن الملك قرار أن يسند إليه الوزارة الأولى وينتظر قدومه إليه ، ويسأل عن حليم وعندما يعلم مكانه يسرع وراءه إلى مكان الصيد .
في الغابة يقتل غادر حبيباً معتقداً أنه حليم ، وعندما يأتي حليم يرجوه غادر أن يخفي الخنجر معه ويساعده حتى لا يقتله الجنود المرافقون لحبيب ، وعندما يفعل ويحضر الجنود لاقتياد القاتل يتهم غادر حليماً ويشير إلى أنه يحمل الخنجر معه ، ويتحقق للجنود ذلك فيصطحبونه إلى الملك ليأخذ جزاءه وبين توسلات حليم ووالده وأمه من جهة وإصرار غادر على اتهامه وتوكيد الجنود للتهمة بوجود الخنجر مع حليم ، تضيع الحقيقة ، ويقرر الملك تنفيذ الحكم بالإعدام ويوعز للسيان بذلك ، ويقع بعد ذلك تحت تأثير عذاب لا يعرف منشأه وفي تقديره أن ظلماً وقع لحليم ، ويرى شبحه أينما اتجه يضغط عليه ، كما جرى من ملاحقة أشباح شكسبير لظالميها شأن مكيث وشبح بنكو ، ويسر الملك بذلك للسيان فيستأذنه في استطلاع خبايا غادر ، ويتخفى الملك ليسمع ، ويتوصل السياف بالخديعة إلى إنتزاع اعتراف غادر ، فيظهر الملك ويقرر اعدامه لما لحق بحليم من ظلم ، ولكن السياف يخبر الملك أن حليماً حي ويحضره لأنه توكد من براءته ، ثم يطلب غادر العفو من الملك ويتوسل ويتوسط له حليم ، فيعفو الملك عنه لأن هذا هو واجب الملوك والكرماء ، في حين أن مثل هذه المروءة لم تتحقق بالعفو عن حليم الذي توسل ببراءته أيضاً .
هذه هي القصة التي يقدمها القباني في ناكر الجميل ، وهو هنا غادر الذي تنكر لكل إحسان وخلق ومعاملة حسنة ومحاولات تضحية بالنفس قدمها له حليم . وهو نص يرمي إلى إدانة الخبث والحقد والطمع ، ويدعو إلى الاعتراف بالجميل والرد على الصنيع الحسن بمثله ويظهر نماذج من السلوك السليم بمقابلة نماذج من السلوك الشرير . والحوار موشى بالسجع إلى درجة المبالغة ، ويتضمن شعراً كثيراً كان يختار بعناية ، وله فيما يبدو تأثير كبير على المستمعين ، كما يحمل الحكمة والعبارات المتناقلة في هذا الصدد بين الناس ، وتبدو بنية المسرحية من الناحية الفنية مقبولة والشخصيات مرسومة بشكل واضح وببعد أخلاقي ونفسي واحد يكاد يكون انموذجاً محدداً سطحياً ، ولا يطرأ تحول سوى على شخصية حليم الذي يتحول تحت وطأة الإتهام إلى التسليم بنفس صوفي واضح ، وهي المرة الوحيدة التي يظهر فيها مثل ذلك النفس في نصوص القباني ، ويبدو أنه مما شاع في عصره ومما كانت تقبله نفسه ، ويتجلى ذلك في الفصل الثالث المنظر الثاني حيث يقول حليم : "دعه يا والدي الشفيق ، دعه يفعل ما أراد ، فأنا في قيد الانقياد . لما قدره الله وقضاه ، وما يكون فيه رضاه . فلا يسعني سوى التسليم ، لما حكم به الرؤوف الرحيم . غادر أنا لا أتفرس فيك غير الصلاح ، وها دمي لسيفك مباح . فأنت منه في حل ، ولك المنة والفضل . وأشهدك يا من تنزه عن الفحشاء ، ويا من لا يقع في ملكه إلاّ ما يشاء . أني أبرأت غادر مما نسبه إلي ، وما ألقاه من البهتان علي ... الخ وأنت يا والدي لا تخرجه من بعد موتي من يديك، واجعله كولدك العزيز الوحيد ... الخ .. )) ص 385 ، كما يظهر شيء من ذلك من كلام الوزير بعد أن يقرر الملك
تنفيذ الحكم في حليم بيديه ، وفي ذلك أيضاً نوع من
تبصر الزاهد والمكروب في الدنيا بعد تأصل يأس في النفس منها ، يقول الوزير :
الوزير (( .. إذا وثقت في الدنيا ، وركنت إلى ما فيها من الأشياء ، أكون كمن جعل له من السحاب حصناً ، ومن الزوابع ركناً . ومن تأمل فيها بعين التبصر ، وتفكر في تقلباتها بالعقل والتدبر ، عدَّ إقبالها إدباراً ، ونسيمها إعصاراً . وعطاءها أخذاً ، وعهدها نبذاً ، ووهبها نهباً ، وإيجابها سلباً . وكثرتها قلة ، وعزها ذلة . وضحكها نياحة وطلاقها راحة . ولا يدوم بها حزن ولا سرور ، ولا فرح ولا حبور ، ولا عزيز ولا مهان ، ولا وزير ولا سلطان . بل كل ما سوى الله ، فان ، ولا يبقى إلاّ الواحد الديان)).
ويتجلى نفس القباني وروحه في صبغ أخلاقيات الشخوص المسرحية ص 389 وإشباع حوارها بأخلاقيات الناس في عصره وإخضاعها لمعاييرهم الإجتماعية ، كما تبرز دعوته إلى الفضيلة مع تصريح بسوء طبع الناس وشيوع الغدر ، وتتأسس عليه دعوة إلى الزهد ونبذ الدنيا ، وربما كان ذلك مما شاع في الربع الثالث من القرن التاسع عشر في الشام .
ويبقى لهذا النص طعم القصة والحبكة غير العربيتين في إطار حوار وأخلاقيات عربية ، ومناخ إنساني يشفع لها باستقبال حسن من الجمهور آنذاك .
|