وقفات مع المسرح العربي / د.علي عقلة عرسان / دراســة / من منشورات اتحاد الكتاب العرب

هارون الرشيد مع الأمير غانم بن أيوب

وقـــوت القلــوب‏

في هذا النص أحسن أبو خليل القباني تلخيص الأحداث التي جرت مع غانم بن أيوب حتى لحظة إنقاذه لقوت القلوب من التابوت ، وفوت مشهداً كان يمكن أن يترك أثراً مزدوجاً على المتفرج ، فهو يضحك ويثير الخوف في نفس غانم القابع فوق شجرة في المقبرة ، وذلك هو مشهد حوار العبيد الذين حملوا الصندوق إلى المقبرة . وأحسن القباني تلخيص ما جرى مع زبيدة على لسان العجوز إلاّ أنه نسب إليها تدبير الأمر كله ، مع أنها في الحكاية لم تدبر إلاّ حيلة التخلص من الكشف على الجثة المزيفة التي اصطنعتها لمواجهة الرشيد بما يزعم أنه حقيقة موت قوت القلوب . وقد أجاد القباني تركيز وتلخيص الأحداث بشكل عام ، واستبدل إقامة غانم بن أيوب لدى زوجة كبير التجار بإقامته عند التاجر صالح ، وهو أمر يلائم العصر أكثر ، وأكثر من الصدف المفتعلة كثيراً فدخول والدة غانم وأخته على التاجر صالح وحضور قوت القلوب ثم الرشيد ثم زواج فتنته كل ذلك حشره حشراً ولم يسوغه كما ينبغي ، وأكثر كعادته من الأدوار وتدخلات الجوقة وإنشاد الشعر، وقد افتعل لذلك مناسبات ومواقف ، فجعل غانم يدعو غلمان صديقه عبد الرحمن ليبهجوه ، وما كان لهم وجود في الحكاية والحوار في النص جيد متناسب وروح عصره فيه سجع أو ميل إلى السجع ، وقليلاً ما تزينه جمل فيها تكثيف لحكمة ولعبرة . والبنية الفنية مقبولة في هذا النص بالرغم من أنه كانت هناك إمكانات في الحكاية لمزيد من الأحداث والتركيب في العقدة إلاّ أن ما قدمه المؤلف بقي مقبولاً ، ويلاحظ هنا تركيزه على الدور النسائي | قوت القلوب | على عكس ما فعل في مسرحية أنيس الجليس .‏

والشخصيات في هذا النص بسيطة ومشكلاتها واضحة ومعاناتها من ظروف وقضايا خارجية ، وليس إلاّ الهوى وغدر الزمان والحسد وسوء التفاهم أو الإشاعة تؤدي إلى الإيلام ، وعندما تأتي مناسبة كشف الحقيقة فإن كل شيء يصلح .‏

وقد ركز القباني هدف مسرحيته هذه حين وصل أبطاله غانم وقوت | إلى نهاية مرضية وسعيدة بقوله على لسان غانم (( هذه ثمرة العفة والصيانة وعاقبة الصدق والأمانة )) وكأنه بهذا يقدم عبرة عامة هي عظة المؤلف ونصيحته ودعوته ، وهي أيضاً الهدف النهائي للنص وغاية فكرته . وقد ورد في الحوار جمل مركزة فيها تكثيف لعبرة وقيمة وحكمة أو نصيحة مثل قوله :‏

- (( السعيد من تأمل في معاني الحكم وسلك الطريق الأقوم، وتدبر في عواقب الأمور بالانتظار ، وتلقى الأشياء عن طريق الاعتبار)) غانم ص5 .‏

- (( من استوثق بالزمان أهانه ، ومن استعظم عليه هانه ، ولكل نجمة أفول ولكل زهرة ذبول . )) ص22 قوت .‏

وقصد المؤلف إلى تحريك النفوس بالعزف على وتر القيمة والفضيلة والخلق ، فالرشيد يهتز دائماً عند طلب الرحمة ، وعند اتهامه بشكل غير مباشر بالظلم ، وعندما يرى عملاً يركز القيمة الأخلاقية ويستند إليها ، وقد أبرز المؤلف ذلك بوضوح .‏

فقد أمر الرشيد بسجن قوت القلوب وبهدم دار غانم والبحث عنه لأنه ظن بهما سوءاً ، وبأن قوت القلوب خانته وغانم عبث بشرفه ، ولكنه عندما اقتاد مسرور الجارية ليقتلها وسمعها الرشيد تقول وهي معصوبة العينين لا تعرف بوجوده . مناجية غانم بن أيوب : (( فقد حفظت يا حبيبي حق من لا يحفظ حقك ، وصنت عرض من لم يصن عرضك ، وأحسنت لمن أساء إليك فرحمة الله عليك )) ص22 كبر عليه أن يقال بحقه ذلك وتيقن من أنه ظلم فسارع إلى رفع الظلم ورد الجميل بأحسن منه ، وكافأ على العفة والاخلاص والتمسك بالخلق القويم وبالصدق خاصة .‏

وهكذا كانت النصوص تنصب على تقدير القيمة وجعل العاقبة والمثوبة لمن يصبر ويحسن التصرف ، ولا يفرط بأخلاقه وسلوكه وقيمه حتى في أشد أوقات المحن والضيق .‏

ولم ينس في نهاية النص أن يشيد بالسلطان عبد الحيمد وبالخديوي عباس حيث عرضت المسرحية في مصر .‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244