|
هارون الرشيد مع الأمير غانم بن أيوب
وقـــوت القلــوب
في هذا النص أحسن أبو خليل القباني تلخيص الأحداث التي جرت مع غانم بن أيوب حتى لحظة إنقاذه لقوت القلوب من التابوت ، وفوت مشهداً كان يمكن أن يترك أثراً مزدوجاً على المتفرج ، فهو يضحك ويثير الخوف في نفس غانم القابع فوق شجرة في المقبرة ، وذلك هو مشهد حوار العبيد الذين حملوا الصندوق إلى المقبرة . وأحسن القباني تلخيص ما جرى مع زبيدة على لسان العجوز إلاّ أنه نسب إليها تدبير الأمر كله ، مع أنها في الحكاية لم تدبر إلاّ حيلة التخلص من الكشف على الجثة المزيفة التي اصطنعتها لمواجهة الرشيد بما يزعم أنه حقيقة موت قوت القلوب . وقد أجاد القباني تركيز وتلخيص الأحداث بشكل عام ، واستبدل إقامة غانم بن أيوب لدى زوجة كبير التجار بإقامته عند التاجر صالح ، وهو أمر يلائم العصر أكثر ، وأكثر من الصدف المفتعلة كثيراً فدخول والدة غانم وأخته على التاجر صالح وحضور قوت القلوب ثم الرشيد ثم زواج فتنته كل ذلك حشره حشراً ولم يسوغه كما ينبغي ، وأكثر كعادته من الأدوار وتدخلات الجوقة وإنشاد الشعر، وقد افتعل لذلك مناسبات ومواقف ، فجعل غانم يدعو غلمان صديقه عبد الرحمن ليبهجوه ، وما كان لهم وجود في الحكاية والحوار في النص جيد متناسب وروح عصره فيه سجع أو ميل إلى السجع ، وقليلاً ما تزينه جمل فيها تكثيف لحكمة ولعبرة . والبنية الفنية مقبولة في هذا النص بالرغم من أنه كانت هناك إمكانات في الحكاية لمزيد من الأحداث والتركيب في العقدة إلاّ أن ما قدمه المؤلف بقي مقبولاً ، ويلاحظ هنا تركيزه على الدور النسائي | قوت القلوب | على عكس ما فعل في مسرحية أنيس الجليس .
والشخصيات في هذا النص بسيطة ومشكلاتها واضحة ومعاناتها من ظروف وقضايا خارجية ، وليس إلاّ الهوى وغدر الزمان والحسد وسوء التفاهم أو الإشاعة تؤدي إلى الإيلام ، وعندما تأتي مناسبة كشف الحقيقة فإن كل شيء يصلح .
وقد ركز القباني هدف مسرحيته هذه حين وصل أبطاله غانم وقوت | إلى نهاية مرضية وسعيدة بقوله على لسان غانم (( هذه ثمرة العفة والصيانة وعاقبة الصدق والأمانة )) وكأنه بهذا يقدم عبرة عامة هي عظة المؤلف ونصيحته ودعوته ، وهي أيضاً الهدف النهائي للنص وغاية فكرته . وقد ورد في الحوار جمل مركزة فيها تكثيف لعبرة وقيمة وحكمة أو نصيحة مثل قوله :
- (( السعيد من تأمل في معاني الحكم وسلك الطريق الأقوم، وتدبر في عواقب الأمور بالانتظار ، وتلقى الأشياء عن طريق الاعتبار)) غانم ص5 .
- (( من استوثق بالزمان أهانه ، ومن استعظم عليه هانه ، ولكل نجمة أفول ولكل زهرة ذبول . )) ص22 قوت .
وقصد المؤلف إلى تحريك النفوس بالعزف على وتر القيمة والفضيلة والخلق ، فالرشيد يهتز دائماً عند طلب الرحمة ، وعند اتهامه بشكل غير مباشر بالظلم ، وعندما يرى عملاً يركز القيمة الأخلاقية ويستند إليها ، وقد أبرز المؤلف ذلك بوضوح .
فقد أمر الرشيد بسجن قوت القلوب وبهدم دار غانم والبحث عنه لأنه ظن بهما سوءاً ، وبأن قوت القلوب خانته وغانم عبث بشرفه ، ولكنه عندما اقتاد مسرور الجارية ليقتلها وسمعها الرشيد تقول وهي معصوبة العينين لا تعرف بوجوده . مناجية غانم بن أيوب : (( فقد حفظت يا حبيبي حق من لا يحفظ حقك ، وصنت عرض من لم يصن عرضك ، وأحسنت لمن أساء إليك فرحمة الله عليك )) ص22 كبر عليه أن يقال بحقه ذلك وتيقن من أنه ظلم فسارع إلى رفع الظلم ورد الجميل بأحسن منه ، وكافأ على العفة والاخلاص والتمسك بالخلق القويم وبالصدق خاصة .
وهكذا كانت النصوص تنصب على تقدير القيمة وجعل العاقبة والمثوبة لمن يصبر ويحسن التصرف ، ولا يفرط بأخلاقه وسلوكه وقيمه حتى في أشد أوقات المحن والضيق .
ولم ينس في نهاية النص أن يشيد بالسلطان عبد الحيمد وبالخديوي عباس حيث عرضت المسرحية في مصر .
|